الركون أمر نفسيٌّ، وهو ميل القلب واطمئنانه إلى شخص معين، لكن لا بُدَّ من ظهور دلائل الرضا التي يقطع من يسمعها بأن المخطوبة قد رضيت بمن تقدَّم لخطبتها أو من وليها، أو من الولي والزوجة معًا إذا كان الزوج غير كفء، ومن السلطان إن كانت غير عاقلة بالغة فاقدة الأب والجد١.
وقد نقل عن الإمام مالك -﵀- في بيان معنى الركون قوله: نرى والله أعلم: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" أن يخطب الرجل المرأة فتركن إليه، ويتفقان على صداق واحد معلوم وقد تراضيا، فهي تشترط لنفسها، فتلك التي نهى أن يخطبها الرجل على خطبة أخيه٢.
هل يذكر المستشار ما يعرفه من مساوئ الخاطب؟ أو ما يعرفه من مساوئ نفسه؟
الجاري في العرف حينما يتقدَّم إنسان لخطبة امرأة، فإن أهلها يطلبون بعض الوقت للمشورة قبل إقدامهم على الموافقة على الخطوبة، وذلك لخطورة عقد النكاح والآثار المترتبة عليه.
_________________
(١) ١ مغني المحتاج جـ٣/ ١٣٦. ٢ شرح الزرقاني على الموطأ جـ٣/ ١٢٥.
[ ٤٧ ]
وبناءً على ذلك، فمن استشير في خاطب أو مخطوبة، وكان يعرف بعض مساوئ من استشير فيه، فهل يذكر هذه المساوئ؟ وهل يأثم إذا لم يذكرها؟
والجواب: إن ذلك يدخل في باب النصيحة لقوله -ﷺ: "الدين النصيحة" ١، ولكنه آكد من النصيحة العامة؛ لأن المستشير سيعتمد على المعلومات التي سيتلقاها من المستشار، وقد قال -ﷺ: "المستشار مؤتمن" ٢، لكن يجب أن يحذر المستشار من الاستطراد بذكر ما لا حاجة إليه؛ لأنه سيدخل حينئذ في باب الغيبة.
ومعنى هذا أنه سيقتصر على ما تمس الحاجة إليه، فإن استطاع صرف الخاطب المستشير أو الخاطبة المستشيرة بعبارةٍ عامَّةٍ دون ذكر المساوئ بالتفصيل، فعليه أن يقتصر على ذلك؛ كأن يقول: لا تصلح لك مصاهرة فلان، أو لا يصلح لكِ زوجًا، فإن كان لا يقتنع إلّا بذكر شيء من المساوئ بالتفصيل، وعلم أن ذكر بعضها كافٍ، فعليه أن يقتصر عليه، فإن تجاوزه إلى غيره وقع في المحظور.
وإذا استشير في نفسه، وعلم أن له بعض العيوب؛ كالبخل وحِدَّة الطبع ونحوهما، فإنه يطالب بذكر ذلك حتى تكون زوجة المستقبل على بينة بأخلاقه، فإن كانت لها قدرة على التكليف فلها أن تقبله، وإلا ردت خطوبته.
إذا علم عيبًا بأحد الطرفين، فهل يذكره للآخر ولو لم يستشر؟
تفاوت الفقهاء في ذلك ما بين قائلٍ بالوجوب وقائل بالندب، والأقرب القول بالندب؛ لأن ذلك من باب النصيحة العامة، وهي إذا لم تتعين صارت مندوبة٣.
والأصل الخاص المعول عليه في هذا الباب هو حديث فاطمة بنت قيس حين أشار عليها النبي -ﷺ- بنكاح أسامة بدلًا من نكاح معاوية وأبي جهم، ثم ذكر لها عيب
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، كتاب الإيمان، سنن أبي داود جـ٣/ ٥٨٣. ٢ سنن أبي داود جـ٢/ ٦٢٦. ٣ مغني المحتاج جـ٣/ ١٣٧.
[ ٤٨ ]
كلٍّ منهما، فقال لها: "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فضرّاب للنساء، أو لا يضع عصاه عن كاهله" ١.
مشروعية الاستخارة في أمر الزواج:
يندب لكل خاطب أو مخطوبة، أو مَنْ يهمه أمرهما أن يستخير الله -﷾- في أمر زواجه، استجابةً للتوجيه الصادق من المصطفى -ﷺ، حين كان يعلمها أصحابه، كما كان يعلمهم السورة من القرآن٢، ثم اقتداءً بما فعلت السيدة زينب بنت جحش -﵂- حين بلغها أمر خطبة رسول الله -ﷺ- لها، فعن أنس -﵁- قال: لما انقضت عدة زينب، قال رسول الله -ﷺ- لزيد: "اذكرها علي"، قال زيد: فانطلقت فقلت: يا زينب أبشري، أرسلني إليك رسول الله -ﷺ- يذكرك، فقالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أستأمر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله -ﷺ، فدخل بغير إذن٣. قال الإمام النووي -تعليقًا على ذلك: ولعلها استخارت لخوفها من تقصير في حقه -ﷺ، وأما معنى قولها: أستأمر ربي "أي: أستخيره"٤.
من له حق الإجابة والرفض؟
يعتبر الركون أو عدمه حين يصدر من أهله، فإن يصدر من المخطوبة وكانت أهلًا لذلك بأن كانت ثيبًا قبل منها، فإن كانت مجبرة أو سفيهة، فالمعتبر رد وليها لا ردها.
وقد استثنى الحنابلة صورة واحدة تقدَّم فيها رغبة المخطوبة المجبرة، وهي ما أنها لو
_________________
(١) ١ صحيح مسلم "١٤٨٠". ٢ البخاري في الصحيح، وسنن النسائي جـ٣/ ٨٠ مع زهر الربى. ٣ سنن النسائي جـ٣/ ٧٩ مع زهر الربى. ٤ صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب: زواج زينب بنت جحش، والنسائي جـ٣/ ٧٩.
[ ٤٩ ]
كرهت الشخص المجاب من قِبَلِ وليها، واختارت كفئًا غيره وعينته، سقط حكم إجابة وليها؛ لأن اختيارها إذا تمَّ لها تسع سنين يقدم على اختياره١.
وإذا ركنت الأم للخاطب ولم يظهر رد من المخطوبة له اعتبر ركون الأم، وإن ظهر رد المخطوبة للخاطب فلا عبرة بركون الأم حينئذ٢.
والأصل المعول عليه في الإجابة والرفض من قبل الولي في المجبرة حديث عائشة -﵂: "أن رسول الله -ﷺ- تزوجها وهي بنت ست سنين، وأدخلت عليه وهي بنت تسع سنين، ومكثت عنده تسعًا"٣ أخرجه البخاري. ومعلوم أن بنت تسع سنين لا تعقل الزواج حتى يؤخذ رأيها.
وأما الأصل في أن المعول عليه في غير المجبرة هو رأيها، فهو حديث خنساء بنت خذام الأنصارية "أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله -ﷺ- فرد نكاحه" أخرجه البخاري٤.
حكم الرد للخاطب بعد الركون إليه أو العكس:
يكره الرد للخاطب بعد الركون إليه؛ لأنه من إخلاف الوعد، أما إذا كان الرجوع لغرض صحيح فلا كراهة؛ لأنه عقد عُمْرٍ يدوم الضرر فيه، فكان لها الاحتياط لنفسها والنظر في حظها، والولي قائم مقامها وإنما لم يحرم لأن الحق بعد لم يلزم، فهو كمن ساوم على سلعة ثم بدا له أن لا يبيعها٥.
فإن كان الرد بسبب خطبة الثاني على خطبة الأول فيحرم الرد حينئذ، فإذا ادَّعت هي أو وليها أنها رجعت قبل خطبة الثاني، وادَّعى الأول أن الرجوع كان بسبب خطبة الثاني ولا قرينة لأحد الطرفين فالظاهر أنه يعمل بقولها أو بقول مجبرها؛ لأن هذا لا يعلم إلّا من جهتها، ولأن دعواه توجب الفساد ودعواهما توجب الصحة
_________________
(١) ١ الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه جـ١/ ٣٧٧، والكشاف جـ٥/ ٢٠. ٢ شرح الخرشي جـ٣/ ١٦٨. ٣، ٤ البخاري جـ١١/ ٩٥. ٥ حاشية الصاوي على الشرح الصغير جـ١/ ٣٧٧.
[ ٥٠ ]
والأصل في العقود الصحة.
حكم الرجوع بالهدية على المخطوبة إذا تزوجت غيره:
إذا أهدى الخاطب إلى المخطوبة التي ركنت إليه وأجابته إلى خطبته ثم حدث أن تزوجت غيره، فإن الفقهاء تباينت آراؤهم: فمن قائلٍ بأنه لا يرجع بشيء مطلقًا، سواء أكان الرفض منها أم منه١، وقائل بالرجوع مطلقًا٢، وأوسط الآراء وأقرابها سواء أنه إن كان هناك شرط أو عرف عمل بهما، وإلا فإن كان الرفض من قبله لم يرجع بشيء حتى لا يجمع عليها كسر قبلها بالرفض والغرامة المالية بإعادة ما دفعه إليها، وإن كان الرفض من قِبَلِهَا كان من حقه الرجوع حتى لا يجتمع عليه كسر قلبه برفض خطبته وضياع ماله عليه٣.
_________________
(١) ١ حاشية العدوي على الخرشي جـ٣/ ١٧١. ٢ حاشية قليوبي على المحلى جـ٣/ ٢١٦. ٣ شرح الزرقاني وحاشية البناني عليه جـ٣/ ١٢٧.
[ ٥١ ]