قصر جمهور الفقهاء النظر على الوجه والكفين لتحقق الغرض الذي شرع النظر لأجله بذلك، لأنه يستدل بالوجه على الجمال، وبالكفين على خصب البدن، فلا حاجة إلى ما وراء ذلك، ولأنهما مواضع ما يظهر ما الزينة المشار إليها في قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ١ وهو كذلك قياس على جواز كشفهما في الحج١.
_________________
(١) ١ الخرشي مع حاشية العدوي جـ٣/ ١٦٦، ومغني المحتاج جـ٣/ ١٢٨، كشاف القناع جـ٥/ ١٠، شرح معاني الآثار جـ٣/ ١٦.
[ ٣٦ ]
وقد توسَّع الحنابلة في المواضع التي شُرِعَ النظر إليها من المرأة المراد خطبتها؛ حيث أباحوا النظر إلى كل ما يظهر من المرأة غالبًا "رقبة ووجه ويد وقدم"، بل هناك رواية عن الإمام أحمد بن حنبل "لا بأس أن ينظر إليها عند الخطبة حاسرة" وذلك لأنه -ﷺ- لما أذن في النظر إليها من غير علمها علم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر غالبًا، ولعل ما ذهب إليه الحنابلة أقرب إلى النصوص، والله أعلم.
الوقت المناسب للنظر:
عبارات أكثر الفقهاء في تحديد وقت النظر يستفاد منها: أن ذلك يكون قبل الخطبة حتى إذا لم ير ما يرغبه في المرأة لم يتقدم لخطبتها ابتداءً، وحينئذ لن يصيب قلب المرأة ويطلق ألسنة الجيران عليها، وفي هذا إيذاء لها ولأهلها، ويتأيد هذا التعليل بما كان يحدث من الصحابة -﵃- حين كانوا يتخبأون لرؤية من يرغبون في نكاحهن، وبناءً على ذلك تحمل ألفاظ الأحاديث الواردة في مشروعية النظر عند الزواج أو بعده على العزم، أي: فمن عزم على خطبة امرأة أو على نكاحها فلينظر إليها قبل أن يخطبها أو يتزوجها١، لذلك كان القول بالنظر قبل الخطبة فيه أخذ بالسنة، وفيه كذلك حفظ لمشاعر المرأة وأوليائها.
إذا لم يتيسر النظر إلى من يراد خطبتها:
إذا لم يتيسر النظر من الرجل إلى مَنْ يرغب في التزوج منها، فله أن يبعث امرأة من قبله لتتأمل المرأة المراد خطبتها وتصفها له، ويمكن الاكتفاء برؤية إحدى أخواتها الصغار لتشابه الأخوات غالبًا إذا أمنت الفتنة في كل ما ذكر٢.
_________________
(١) ١ حاشيتا قليوبي وعميرة جـ٣/ ٢٠٨، والشرح الصغر جـ١/ ٣٧٦، وكشاف القناع جـ٥/ ١٠، وحاشية ابن عابدين جـ٣/ ٨. ٢ شرح الخرشي وحاشية العدوي عليه جـ٣/ ١٦٦، ومغني المحتاج جـ٣/ ١٢٨.
[ ٣٧ ]