الأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ١.
وقوله -﵊- من حديث أبي هريرة: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بينها وبين خالتها" متفق عليه. ومن حديث عائشة -﵂- قال رسول الله -ﷺ: "إن الرضاعة تحرِّم ما يحْرُمُ من الولادة" متفق عليه، ثم الإجماع على كل ذلك.
وفيما يلي ذكر للمحرمات بشيء من التفصيل:
_________________
(١) ١ سورة النساء الآيات: ٢٢-٢٤.
[ ١٦١ ]
أقسام المحرمات من النساء:
المحرمات من النساء قسمان:
- محرمات على التأبيد: وهن من لا يحل الزواج بواحدة منهن أبدًا لمن حرمت عليه؛ لأن سبب التحريم دائم لا يزول.
- محرمات على التأقيت: وهنَّ من لا يحل الزواج بواحدة منهن لمن حرمت عليه ما دام سبب الحرمة قائمًا، فإن زال سبب الحرمة جاز التزوج بهن.
أولًا: المحرمات على التأبيد
أسباب الحرمة المؤبدة ثلاثة: النسب والمصاهرة والمراضعة، وقد تنوَّعت المحرمات على التأبيد تبعًا لتنوع أسباب الحرمة إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: المحرمات من النسب
وتشمل أصول الرجل من النساء وهن: الأم والجدة لأب أو لأم وإن علت، وفروعه وهن: بناته وبنات أولاده وإن نزلن، وفروع أبويه وهن: الأخوات وبنات الإخوة والأخوات وإن نزلن، وفروع أجداده في مرتبة واحدة وهن: العمات والخالات سواء أكن عمات وخالات الشخص نفسه، أم كنَّ عمات وخالات لأبيه أو أمه، أو لأحد أجداه وجداته، أما ما دون العمات والخالات من المراتب كبنات العمات وبنات الأخوال والخالات فلسن بمحرمات، فيؤول أمر المحرمات من النسب إلى سبعة أصناف وهن:
١- الأمهات: وهن كل من انتسب إليها بولادة وإن علت، من ذلك أم أمك وأم أبيك.
٢- البنات: وهو كل أنثى لك عليها ولادة كابنتك من الصلب وبنات البنين والبنات وإن نزلت درجتهن.
[ ١٦٢ ]
٣- الأخوات: من الجهات الثلاث من الأبوين أو من الأب أو من الأم.
٤- العمات: أخوات الأب من الجهات الثلاثة، وكذا عمة كل من الأب أو الأم أو الجد أو الجدة.
٥- الخالات: أخوات الأم من الجهات الثلاثة، وكذا خالة كل من الأب أو الأم أو الجد أو الجدة.
٦- بنات الأخ: كل امرأة انتسبت إلى أخٍ لك بولادة من أي جهة كان الأخ.
٧- بنات الأخت: كذلك.
النوع الثاني: المحرمات من الرضاع
١- الأمهات المرضعات: وهن اللاتي أرضعنك وأمهاتهنّ وجداتهنّ وإن علت درجتهنّ.
٢- الأخوات من الرضاعة: وهن كل امرأة أرضعتك أمها أو أرضعتها أمك، أو أرضعتك وإياها امرأة واحدة، أو ارتضعت أنت وهي من لبن رجل واحد؛ كرجلٍ له امرأتان لهما منه لبن أرضعتك إحداهما وأرضعتها الأخرى فهي أختك من الرضاعة.
النوع الثالث: المحرمات بالمصاهرة
وهن أصناف أربعة:
١- أمهات زوجاتك: فمن تزوج امرأة حرم عليه كل أم لها من نسب أو رضاع، قريبة أو بعيدة، بمجرد العقد وهو قول الجمهور.
٢- بنات زوجاتك اللاتي دخلت بهن: وهن الربائب فلا يحرمن إلا بالدخول بأمهاتهن، وهنَّ كل بنت للزوجة من نسب أو رضاع، قريبة أو بعيدة، سواء أكانت في حجره أم لم تكن؛ إذ القيد في الآية خرج مخرج الغالب، ونقل عن عليٍّ
[ ١٦٣ ]
وعمر -﵄- أنهما رخصا فيها إذا لم تكن في حجره. قال ابن المنذر: وقد أجمع علماء الأمصار على خلاف هذا القول.
٣- زوجات الأبناء: سواء أكان الأبناء من النسب أم الرضاع، بمجرد العقد.
٤- زوجات الأب: فتحرم على الرجل امرأة أبيه قريبًا أم بعيدًا، ويحرم عليه من وطئها أبوه أو ابنه بملك يمين أو شبهة، كما يحرم عليه من وطئها بعقد نكاح. قال البراء بن عازب: "لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ قال: أرسلني رسول الله -ﷺ- إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله" رواه النسائي١.
ثانيًا: المحرمات على التأقيت
وهن أنواع متعددة نذكر منها:
١- المشغولة بحق الغير: وهي المتزوجة والمعتدة من طلاق أو وفاة، لقوله تعالى في المتزوجة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فقد عطفها على المحرمات، والمراد بهن ذوات الأزواج، وقوله تعالى في المعتدات: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٢، وقوله في المعتدة من وفاة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ ٤.
٢- الجمع بين محرمين: والمراد من المحرمين: كل امرأتين بينهما قرابة محرمية؛ بحيث لو فرضت أيتها ذكرًا حرمت عليه الأخرى، فهذا النوع إذن ينتظم صنفين:
_________________
(١) ١ جـ٢/ ٨٥، وأبو داود ٤٤٥٧، والدارمي ٢/ ١٥٣، والحاكم ٤/ ٣٥٧، وإسناده صحيح. ٢ سورة البقرة الآية ٢٢٨. ٣ سورة البقرة الآية ٢٣س٤. ٤ سورة البقرة الآية ٢٣٥.
[ ١٦٤ ]
- الجمع بين الأختين: سواء أكانتا من النسب أم الرضاع، وسواء أكانتا من أبوين أم من أب أو من أم، سواء في هذا قبل الدخول وبعده، قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ فإن تزوجهما في عقد واحد فسد العقد؛ إذ لا مزية لإحداهما على الأخرى، وإن عقد عليهما مرتبتين كان عقد الأولى صحيحًا وعقد الثانية فاسدًا.
- الجمع بين المرأة وعمتها، أو بينها وبين خالتها: لما يترتب على الجمع من إيقاع العداوة بين الأقارب وإفضائه إلى قطيعة الرحم المحرمة.
٣- المطلقة ثلاثًا: وهي محرمة على مطلقها حتى تنكح زوجًا غيره، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ١.
٤- الزيادة على الأربع: فلا يجوز لرجل يجمع في عصمته أربع زوجات أن يتزوج بخامسة، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ٢.
هل لبن الفحل محرَّم؟
إن المرأة إذا أرضعت طفلًا بلبن ناتج عن وطء رجل، حرم الطفل على الرجل وأقاربه؛ لأن اللبن من الرجل كما هو من المرأة، فيصير الولد ابنًا للرجل والرجل أبًا للولد، ويصير أولاد الرجل للطفل سواء من تلك المرأة أم من غيرها، ويصير إخوة الرجل وأخواته أعمام الطفل وعماته، ويصير آباؤه وأمهاته أجداده وجداته، وسئل ابن عباس -﵁- عن رجلٍ له جاريتان، أرضعت إحداهما جارية والأخرى غلامًا، فقال: لا، اللقاح واحد، وقد قال بذلك عدد كبير من الصحابة والتابعين والفقهاء، منهم ابن عباس وعطاء وطاووس ومجاهد والحسن
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية ٢٣٠. ٢ سورة النساء الآية ٣.
[ ١٦٥ ]
والشعبي والقاسم وعروة ومالك والنووي وأبو حنيفة، قال ابن عبد البر: وإليه ذهب فقهاء الأمصار،
وقد رخَّصَ في لبن الفحل ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحن وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار والنخعي وأبو قلابة كما يروى عن ابن الزبير، بحجة أن اللبن من المرأة وليس من الرجل١
_________________
(١) ١ المغني لابن قدامة جـ٦/ ٥٦٧، ٥٧٢، والشرح الكبير جـ٢/ ٢٥٠، والمحلى على المنهاج جـ٣/ ٢٤٠، وحاشية ابن عابدين جـ٣/ ٢٨ وما بعدها.
[ ١٦٦ ]