الفصل الأول: تعريف النكاح وحكمه وأركانه
الأهداف الخاصة:
يتوقع منك بعد دراسة هذا الفصل أن تصبح محيطًا بما يلي:
١- الأولويات التي أعطتها الشريعة شيئًا من الاهتمام بين يدي العقد، مثل أفضل الأماكن وأفضل الأوقات في عقد النكاح.
٢- معنى النكاح في اللغة وفي الشرع.
٣- حكم النكاح في حال القدرة على الوطء والنفقة وعدم خشية العنت.
٤- حكمه في حال خشية العنت "الزنا".
٥- حكمه في حال عدم القدرة على القيام بواجباته.
٦- حكمه في حال القدرة على مُؤَن النكاح غير الجماع.
٧- حكمه في حال القدرة على مؤن الزواج مع عدم الاحتياج إلى النكاح.
٨- حكمه في حق من لا يصح منه الزواج، وليس في حاجة إليه.
٩- أركان عقد النكاح وموقف الفقهاء من تحديدها.
[ ٧١ ]
الفصل الأول: تعريف النكاح، وحكمه، وأركانه
وقبل أن ندخل في دراسة محتويات هذا الفصل نشير بإيجازٍ إلى بعض الأفضليات التي أعطتها الشريعة شيئًا من الاهتمام بين يدي العقد، وذلك مثل اختيار أفضل الأماكن والأزمان لعقد النكاح، ثم ما ينبغي على العاقدين من تقديم خطبتين -بضم الخاء- متبادلتين بين يدي العقد.
الأفضل في وقت النكاح ومكانه:
١- اتفق الفقهاء على استحباب عقد النكاح بالمسجد؛ لأنه أشرف البقاع، وهو المكان المختار من الشارع لتجمع المسلمين ليتفرغوا فيه لعبادة ربهم، فناسب أن يجعل مكانًا لبداية نشأة الأسرة المسلمة.
٢- واتفقوا أيضًا على استحبابة في يوم الجمعة، لأنه يوم شريف، وهو عيد المسلمين الأسبوعي، والبركة في النكاح مطلوبة، فاستحب له أشرف الأيام طلبًا للبركة١.
٣- واختلفوا في تحديد الساعة التي يستحب العقد فيها من يوم الجمعة، فذهب الأكثر إلى اختيار أن يكون العقد مساء الجمعة؛ لأن به ساعة الإجابة قبيل الغروب على ما يراه بعض العلماء، لذا يستحب أن يلتمس فضل هذا الوقت نظرًا لما يصاحب العقد من الدعاء بالبركة للزوجين، فيكون أرجى للقبول٢، ولكن بعض الفقهاء استحب عقده في صباح يوم الجمعة لحديث "اللهم بارك لأمتي في بكورها" ٣، ٤، وترك فريق ثالث الاختيار لظروف الطرفين العملية والعائلية
_________________
(١) ١ كشاف القناع جـ٥/ ٢٠. ٢ المقدمات جـ١/ ٤٨٢، ومواهب الجليل جـ٣/ ٤٠٧، ٤٠٨، وكشاف القناع جـ٥/ ٢٠. ٣ مسند الإمام أحمد جـ٣/ ٤١٦، وللحديث طرق أخرى، وهو مختلف في صحته. ٤ شرح النووي على صحيح مسلم جـ٩/ ٢٠٩.
[ ٧٣ ]
والاجتماعية في إيقاع العقد في أي ساعة من ساعات يوم الجمعة١، والموضوع يدور في مجال الاستحباب، فلا حرج في اختيار وقت دون آخر إن شاء الله تعالى.
٤- ذهب جمهور الفقهاء إلى اختيار شهر شوال لعقد النكاح فيه، وذلك لحديث عائشة -﵂- حين قالت: "تزوجني رسول الله -ﷺ- في شوال، وبنى بي في شوال، فأيّ نساء النبي -ﷺ- كان أحظى عنده مني"، قال الراوي: وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال. أخرجه مسلم٢، كما أخرج هذا الحديث الإمام الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، وكذلك أخرجه الإمام النسائي٣.
كما أخرج الإمام ابن ماجه أن النبي -ﷺ- تزوج أم سلمة -﵂- وجمعها إليه في شوال٤.
وفي المقابل ذهب بعض الفقهاء إلى اختيار شهر رمضان لاستحباب عقد النكاح والدخول فيه، استدلًا بما جاء في سنن سعيد بن منصور عن حبيب بن عبيد -وكان من التابعين، وقد أدرك سبعين من الصحابة- قال: إن رسول الله -ﷺ- كان يستحب النكاح في رمضان رجاء البركة فيه٥.
وموقف الجمهور أقوى لصحة ما استدلوا به، والله أعلم.
استحباب خطبتين بين يدي العقد:
استحب أكثر الفقهاء أن يخطب الولي بين يدي العقد، وأن يرد عليه الزوج أو وكيله بخطبة أخرى ويندب تقليلها، وأقلها أن يقول الولي: الحمد لله والصلاة
_________________
(١) ١ رد المحتار جـ٣/ ٨. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي جـ٩/ ٢٠٩. ٣ الترمذي جـ٤/ ٢١٥، والنسائي جـ٦/ ٧٠. ٤ سنن ابن ماجه جـ١/ ٦٤١. ٥ سنن سعيد بن منصور جـ١/ ١١٢ وحديثه هذا مرسل.
[ ٧٤ ]
والسلام على رسول الله، زوجتك على كذا، ويقول الزوج: الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله، قبلت نكاحها.
وعلى هذا تكون جملة الخطب عند الخطبة وعند العقد أربعًا، اثنتين عند الخطبة، واثنتين عند العقد، وهما آكد استحباب من خطبتي الخطبة١.
وفي المقابل يذهب بعض الفقهاء إلى عدم الحاجة إلى تعدد الخطب عند الخطبة أو العقد، بل يستحب الاقتصار على خطبة واحدة بين يدي العقد فقط، ثم يكون العقد بعده؛ إذ المنقول عن النبي -ﷺ، وعن السلف خطبة واحدة، وهو أولى ما اتبع٢، والأفضل أن تكون صيغة الخطبة هي الواردة في خطبة الحاجة التي رواها ابن مسعود -﵁.
_________________
(١) ١ مواهب الجليل جـ٣/ ٤٠٧، ومغني المحتاج جـ٣/ ١٣٨. ٢ المغني جـ٦/ ٥٣٦.
[ ٧٥ ]