ومن الأموال الربوية المذكورة في الحديث: البر بالبر والشعير بالشعير، وليس الربا قاصرا على القمح والشعير، وإنما يدخل معه بطريق القياس جميع الأجناس التي تتحد معهما في العلة، وهي الطعمية فكل ما يتقوت به الإنسان، ويطعمه وعليها تقوم بنيته، فإنه من الأموال الربوية، فإذا بيع بجنسه فلا يصح إلا بثلاثة شروط:
الأول: المماثلة فيما يكال كيلا، وإن تفاوت في الوزن، وفيما يوزن وزنا وإن تفاوت في الكيل والعبرة، فيما يكال ويوزن بكيل الحجاز، ووزنه لما روي أن النبي ﷺ قال: "المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة" ١. وإن كان مما لا أصل له بالحجاز ألحق بأشبه الأشياء به في الحجاز، فيأخذ حكمه، وقيل: يعتبر بالبلد الذي فيه البيع؛ لأنه أقرب إليه، وقد ذكر الشيخ الشربيني الخطيب في ذلك قوله: والمعتبر في كون الشيء مكيلا، أو موزونا غالب عادة أهل الحجاز في عهد رسول الله ﷺ، لظهور أنه اطلع على ذلك وأقره، وإن لم يكن في عهده، أو كان، وجهل حاله فيراعى فيه عادة بلد المبيع والمماثلة تكون في الحبوب حال كمالها، وهو وقت الجفاف، وتنقيتها شرط للمماثلة لا للكمال.
الثاني: أن يكون نقدا أي حالا دون تأخير في أحد العوضين؛ لئلا يدخل في بيع الكالئ بالكالئ أي بيع النسيئة بالنسيئة، كما قال أبو عبيدة، والنسيئة: التأخير في الدفع.
_________________
(١) ١ والحديث رواه ابن عمر، عن النبي ﷺ عنه أبو داود، والمنذري وأخرجه البزار، وصححه ابن حبان، والدارقطني "نيل الأوطار شرح منتقى الأخيار ج٢ ص٢٢٣".
[ ٨١ ]
الثالث: التقابض قبل التفرق، وقبض كل شيء بحسبه فالمنقول: يكون قبضه بالتسليم والتسلم، وقبض غير المنقول من أرض وشجر، ونحوه بالتخلية بينه وبين المشتري بأن يمكنه من البائع، ويسلمه المفتاح، ويفرغه من متاع غير المشتري اتباعا للعرف، وهذا هو القبض الحقيقي، فلا تكفي الحوالة، وإن حصل القبض بها في المجلس، أما قبض الوكيل، فيكفي عن العاقدين، أو أحدهما ما دام القبض قد تم في المجلس، فإذا تفرقا قبل القبض بطل العقد، فإن كان التفرق بإكراه، فلا يبطل؛ لأن تفرقهما حينئذ كلا تفرق، وهذا هو المعتمد.
وإذا قال أحدهما لصاحبه: اختر لزوم العقد فاختار لزومه، فإن كان قبل القبض بطل العقد حتى ولو تقابضا بعد ذلك في المجلس؛ لأن التخاير كالتفرق سواء بسواء، فإذا لم يتم التقايض قبله بطل العقد.
وخلاصة ما تقدم: أن بيع الربا بجنسه كقمح بقمح وشعير بشعير، وذهب بذهب إلخ يحرم فيه التفاضل، والنساء، والتفرق قبل القبض لما روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة والتمر بالتمر، والبر بالبر والشعير بالشعير، والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيدا". ومعنى يدا بيد أن يعطيه البائع المبيع بيد، ويتناول الثمن باليد الأخرى، أو أن يقبضه في المجلس قبل التفرق، فإن باعه بغير جنسه، فإن كان مما يحرم فيه الربا بعلة واحدة كذهب بفضة، أو قمح بشعير جاز فيه التفاضل، وحرم فيه النساء، والتفرق قبل القبض، لقوله ﷺ: "فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد". أما إن كان مما يحرم فيهما الربا بعلتين: كبيع الحنطة بالذهب، والشعير بالفضة حل فيه التفاضل، والنساء، والتفريق قبل التقابض لإجماع الأمة على جواز إسلام الذهب، والفضلة في المكيلات المطعومة١.
_________________
(١) ١ راجع المهذب ج١ "ص٢٧٢".
[ ٨٢ ]
بيع الدقيق بدقيق مثله:
وإذا كانت الماثلة اليقينية شطر لازم لصحة المبادلة، فإن بيع الدقيق بدقيق مثله لا يصح لانتفاء المماثلة، فإن الدقيق يتفاوت في النعومة، فأشبه بيع بالصبرة بالصبرة جزافا١، ولا يجوز بيع الدقيق بالخبز؛ لأنه دخله النار وخالطه الملح والماء وذلك يمنع التماثل، وكذلك لا يجوز بيع الخبز المأخوذ من جنس ببعضه كخبز القمح بخبز القمح مثلا لانتفاء المماثلة اليقينية، بما أحدثته النار في كل منهما.
والحبوب الجافة التي لا دهن فيها تتحقق المماثلة بالجفاف، فتكون مبادلة بعضها ببعض في الحبوب حبا، أما إن كان فيها دهن كحب السمسم، فيجوز بيع السمسم بمثله، أو الشبرج بمثله.
ويصح بيع دقيق القمح بدقيق الذرة، وغيره لاختلاف الجنس لعدم اشتراط المماثلة فيه.
"مسألة" لو قال: بعتك هذه الصبرة بتلك الصبرة مكايلة، أي كيلا بكيل، أو هذه الدراهم بتلك موازنة، فإن كالا أو وزنا، وخرجتا سواء، فالبيع صحيح وإلا لم يصح على الأظهر. "والثاني" يصح في الكبيرة بقدر ما يقابل الصغيرة، ويكون الخيار لمشتري الكبيرة.
_________________
(١) ١ الجزاف بيع الشيء لا يعلم كيله، ولا وزنه وهو بفتح الجيم، والجزاف بالضم خارج عن القياس، وهو فارسي معرب "المصباح ج١ ص١٢١".
[ ٨٣ ]