والمائعات مثل اللبن والخل وعضير الفواكه والدهون كالزيت، والشيرج والسمن أجناس مختلفة؛ لأنها فروع لأصول مختلفة، فيجوز بيع الجنس بمثله كخل، ولبن بلبن متماثلا، فإن كانا جنسين صح بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا.
وتعتبر المماثلة في اللبن إذا كان خالصًا غير مشوب بماء، أو ملح وغير مغلي بالنار، فإن كان مشوبا بماء أو نحوه، فلا يجوز بيعه بمثله، ولا بخالص للجهل بالمماثلة، ويدخل في المشوب ما لو خلط بالسمن غيره مما لا يقصد للبيع من السمن كالدقيق، فلا يصح بيع المخلوط بمثله؛ لأن الخلط يمنع من العلم بالمقصود١.
وإن باع الجبن والأقط، أو المصل أو اللبأ بعضه ببعض لم يجز؛ لأن أجزاءها منعقدة ويختلف انعقادها؛ ولأن فيها ما يخالطه الملح والإنفحة، وذلك يمنع التماثل، وأما بيع نوع منه بنوع آخر، فإنه ينظر فيه فإن باع الزبد بالسمن لم يجز؛ لأن السمن مستخرج من الزبد، فلا يجوز بيعه بما استخرج منه كالشيرج بالسمسم، وإن باع المخيض بالسمن، فالمنصوص أنه يجوز؛ لأنه ليس في أحدهما شيء من الآخر قال القاضي أبو الطيب الطبري: هما كالجنسين فيجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا بلا خلاف، وإن باع الزبد بالمخيض فالمنصوص أنه يجوز، وقال أبو إسحاق: لا يجوز؛ لأن في الزبد شيئا من المخيض، فيكون بيع زبد ومخيض بمخيض، وهذا لا يصح؛ لأن الذي فيه
_________________
(١) ١ راجع حاشية البجيرمي على المنهج "ج٢ ص٥٠".
[ ٨٧ ]
من المخيض لا يظهر إلا بالتصفية والنار، فلم يكن له حكم، وما سوى ذلك لا يجوز بيع نوع منه بنوع آخر؛ لأنه يؤدي إلى التفاضل١.
والسمن إذا كان خالصا مصنعا بشمس، أو نار يجوز بيتع بعضه ببعض؛ لأنه لا يتأثر بالنار تأثر انعقاد ونقصان، فيكال إن كان مائعا ويوزن إن كان جامدا، ويباع زبد بزبد من جنسه في الأصح؛ لأن ما فيهما من اللبن يمنع المماثلة.
اعتراض وجوابه:
فإن قيل: إنه قد صح بيع اللبن ببعضه، وفي كل منهما زبد، فكيف صححته هناك، ومنعته هنا؟ أجيب عن ذلك بأن الصفة ممتزجة، فلا عبرة بها.
واعلم أن كل خلين لا ماء فيهما، واتحد جنسهما اشترط فيها التماثل، وإلا فلا وكل خلين فيهما ماء لا يباع أحدهما بالآخر إن كانا من جنس واحد، وإن كانا من جنسين، وقلنا: الماء العذب ربوي، وهو الأصح لم يجز، وإلا جاز وإن كان الماء في أحدهما، وهنا جنسان كخل عنب بخل تمر، وخل رطب بخل زبيب جاز؛ لأن الماء في أحد الطرفين، والمماثلة بين الخلين المذكورين غير معتبرة.
والكسب، وهو عصارة الدهن يجوز بيع الجنس بمثله، هذا إن كان مما يأكله الآدميون، وذلك مثل كسب السمسم، واللو أما الذي لا يأكله إلا البهائم مثل كسب القرطم، أو كان أكل البهائم له أكثر، فليس بربوي، وليس للطحينة قبل استخراج الدهن حالة كمال، فلا يجوز بيع بعضها ببعض، ولا بيع السمسم بالشيرج، لأنه في معنى بيع كسب، ودهن بدهن.
والأدهان المطيبة كدهن الورد، والبنفسج واللينوفر كلها مستخرجة من
_________________
(١) ١ راجع المهذب "ج١ ص٢٧٦/ ٢٧٧".
[ ٨٨ ]
السمسم، فيباع بعضها ببعض إن ربي بالطيب سمسم الدهن بأن طرح في الطيب، ثم استخرج دهنه، فإن استخرج دهنه ثم طرح فيه أوراقها، فلا يباع بعضها ببعض؛ لأن اختلاطها بها يمنع معرفة التماثل١.
وحاصل مسألة السمسم، وما اتخذ منه أن السمسم والشيرج، والكسب الخالص يباع كل منهما بمثلة، وكذا الشيرج بالكسب الخاللص من الدهن، ولو من التفاضل في الأخيرة، ويمتنع بين السمسم بالشيرج، وبالطحينة وبالكسب؛ لأن الشيء لا يباع بما اتخذ منه.
_________________
(١) ١ راجع مغني المحتاج "ج٢ ص٢٦-٢٧".
[ ٨٩ ]