تحت ظلال الشجر، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء موتى المسلمين. ثم انطلقنا فإذا نحن بغلمان وجوار يعلبون بين نهرين، قلت: ما هؤلاء؟ قال: ذرية المؤمنين. ثم انطلقنا فإذا نحن برجال أحسن شيء وجهًا وأحسنه لبوسًا وأطيبه ريحًا كأن وجوههم القراطيس، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الصديقون والشهداء والصالحون. ثم انطلقنا فإذا نحن بثلاثة نفر يشربون خمرًا لهم ويتغنون، فقلت: ما هؤلاء؟ قال: ذلك زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة فملت قبلهم فقالوا: قدنا لك قدنا لك، قال: ثم رفعت رأسي فإذا ثلاثة نفر تحت العرش قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الصديقون والشهداء والصالحون. ثم انطلقنا فإذا نحن بثلاثة نفر يشربون خمرًا لهم ويتغنون، فقلت: ما هؤلاء قال: ذلك زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة فلمت قبلهم فقالوا: قدنا لك قدنا لك، قال: ثم رفعت رأسي فإذا ثلاثة نفر تحت العرش قلت: ما هؤلاء؟ قال: ذاك أبوك إبراهيم وموسى وعيسى وهم ينتظرونك صلى الله عليهم أجمعين».
قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وقال الحافظ ابن حجر: سنده جيد، ورواه الطبراني أيضًا بنحوه مختصرًا وقال فيه: «ثم انطلق بي حتى أشرفت على غلمان يلعبون بين نهرين، قلت: من هؤلاء؟ قال: ذراري المؤمنين يحضنهم إبراهيم». ورواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم في "مستدركه" مختصرًا ولا سيما رواية الحاكم فإنها مختصرة جدًا، وأوله عندهم: «بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتي بي جبلًا وعرًا فقالا لي: اصعد، فقلت: إني لا أطيقه، فقالا: إنا سنسهله لك» الحديث. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقد نقله ابن كثير في "البداية والنهاية" في ذكر فضيلة أمراء مؤتة من كتاب "دلائل النبوة" لأبي زرعة الرازي وفيه اختصار عما جاء في رواية الطبراني.
ومن الرؤيا الظاهرة ما جاء في حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - يومًا وكنا في صُفَّة المدينة فقام علينا فقال: «إني رأيت البارحة عجبًا، رأيت رجلًا من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه، ورأيت رجلًا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله ﷿ فطرد الشيطان عنه، ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم، ورأيت رجلًا من أمتي يلهث عطشًا كلما دنا من حوض منع وطرد
[ ٦٠ ]
فجاءه صيام شهر رمضان فسقاه وأرواه، ورأيت رجلًا من أمتي ورأيت النبيين جلوسًا حلقًا حلقًا كلما دنا إلى حلقة طُرد فجاءه غسله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي، ورأيت رجلًا من أمتي بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن يساره ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة وهو متحير فيها فجاءه حجّه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور، ورأيت رجلًا من أمتي يتقي بيده وهج النار وشررها فجاءته صدقته فصارت سترة بينه وبين النار وظللت على رأسه، ورأيت رجلًا من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه فجاءته صلته لرحمه فقالت: يا معشر المسلمين إنه كان وصولًا لرحمه فكلموه فكلمه المؤمنون وصافحوه وصافحهم، ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته الزبانية فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة، ورأيت رجلًا من أمتي جاثيًا على ركبتيه وبينه وبين الله ﷿ حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله ﷿، ورأيت رجلًا من أمتي قد ذهبت صحيفته من قِبَل شماله فجاءه خوفه من الله ﷿ فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه، ورأيت رجلًا من أمتي خَفَّ ميزانه فجاءه أَفْراطه فثقلوا ميزانه، ورأيت رجلًا من أمتي قائمًا على شفير جهنم فجاءه رجاؤه من الله ﷿ فاستنقذه من ذلك ومضى، ورأيت رجلًا من أمتي قد هوى في النار فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله ﷿ فاستنقذته من ذلك، ورأيت رجلًا من أمتي قائمًا على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف فجاءه حسن ظنه بالله ﷿ فسكَّن رعدته ومضى، ورأيت رجلًا من أمتي يزحف على الصراط ويحبو أيحانًا ويتعلق أحيانًا فجاءته صلاته عليّ فأقامته على قدميه وأنقذته، ورأيت رجلًا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة» رواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب «الترغيب في الخصال المنجية، والترهيب من الخلال المردية» وقال: هذا حديث حسن جدًا. ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «الوابل الصيب في الكلم الطيب» ووصف هذا الحدث قبل سياقه له بأنه حديث عظيم شريف القدر ينبغي لكل مسلم أن يحفظه. ثم قال فنذكره بطوله لعموم فائدته وحاجة الخلق إليه، وبعد
[ ٦١ ]
أن انتهى من سياقه قال: وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يعظم شأن هذا الحديث وبلغني عنه أنه كان يقول شواهد الصحة عليه. انتهى. وقد رواه الطبراني في الأحاديث الطوال وإسناده ضعيف.
ومن الرؤيا الظاهرة ما رآه النبي - ﷺ - لأم سليم وبلال وعمر بن الخطاب ﵃ وقد جاء ذلك في عدة أحاديث. منها ما ذكروا فيه جميعًا. ومنها ما ذكر فيه اثنان منهم. ومنها ما ذكر فيه كل واحد منهم على انفراده.
فمن الأحاديث التي ذكروا فيها جميعًا حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال النبي - ﷺ -: «أريتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء، امرأة أبي طلحة، وسمعت خشفة أمامي قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا بلال، قال: ورأيت قصرًا أبيض بفنائه جارية فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من المسلمين من أمة محمد قلت: فأنا محمد لمن هذا القصر؟ قال: هذا لعمر بن الخطاب فأردت أن أدخله فأنظر إليه قال فذكرت غيرتك»، فقال عمر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أو عليك أغار. رواه الإمام أحمد والبخاري وهذا لفظ أحمد في إحدى الروايتين عنده. ورواه مسلم مختصرًا ولفظه أن رسول الله - ﷺ - قال: «أُريت الجنة فرأيت امرأة أبي طلحة ثم سمعت خشخشة أمامي فإذا بلال».
ومن الأحاديث التي ذكر فيها عمر وبلال ﵄ حديث بريدة ﵁ قال: أصبح رسول الله - ﷺ - فدعا بلالًا فقال: «يا بلال بم سبقتني إلى الجنة، ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، إني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك فأتيت على قصر من ذهب مرتفع مشرف فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من العرب، قلت: أنا عربي لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب». فقال رسول الله - ﷺ -: «لولا غيرتك يا عمر لدخلتُ القصر»، فقال: يا رسول الله ما كنت لأغار عليك، قال: وقال لبلال: «بمَ سبقتني إلى الجنة»، قال: ما أحدثت إلا توضأت وصليت ركعتين، فقال رسول الله - ﷺ -: «بهذا» رواه الإمام أحمد والترمذي وهذا لفظ أحمد في إحدى الروايتين عنده.
[ ٦٢ ]
وفي رواية الترمذي أن رسول الله - ﷺ - قال: «فأتيت على قصر مربَّع مشرف من ذهب فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لرجل من العرب، فقلت: أنا عربي لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من قريش، قلت: أنا قرشي لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من أمة محمد، قلت: أنا محمد لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب». فقال بلال: يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها ورأيت أن لله عليَّ ركعتين، فقال رسول الله - ﷺ -: «بهما». قال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب. قال: وفي الباب عن جابر ومعاذ وأنس وأبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: «رأيت في الجنة قصرًا من ذهب فقلت: لمن هذا؟ فقيل: لعمر بن الخطاب»، قال: ومعنى هذا الحديث أني دخلت البارحة الجنة، يعني رأيت في المنام كأني دخلت الجنة. هكذا روي في بعض الحديث، ويروى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «رؤيا الأنبياء وحي» انتهى كلام الترمذي.
قلت: وقد جاء التصريح في حديث أبي هريرة ﵁ الذي سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى أن النبي - ﷺ - رأى ذلك في المنام.
وقد جاء في ذكر عمر وحده ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بينما أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة توضأ إلى جنب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب فذكرت غيرتك فوليت مدبرًا» وعمر حين يقول ذلك رسول الله - ﷺ - جالس عنده مع القوم فبكى عمر حين سمع ذلك من رسول الله - ﷺ - وقال: أعليك بأبي أنت وأمي أغار يا رسول الله، رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه".
الثاني: حديث جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «دخلت الجنة، أو أتيت الجنة، فأبصرت قصرًا فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لعمر بن الخطاب فأردت أن أدخله فلم يمنعني إلا علمي بغيرتك». قال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله بأبي أنت وأمي يا نبي الله أوعليك
[ ٦٣ ]
أغار. رواه الإمام أحمد والبخاري وابن حبان في "صحيحه" وهذا لفظ البخاري في "باب الغيرة" من "كتاب النكاح" ورواه في "كتاب التعبير" ولفظه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لرجل من قريش فما منعني أن أدخله يا ابن الخطاب إلا ما أعلمه من غيرتك»، قال: وعليك أغار يا رسول الله. وفي رواية ابن حبان: قال رسول الله - ﷺ -: «أدخلت الجنة فرأيت فيها قصرًا من ذهب أو لؤلؤ فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب» وذكر بقيته بنحوه. وقد بوّب البخاري على هذا الحديث وحديث أبي هريرة المذكور قبله بقوله «باب القصر في المنام».
الثالث: حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش، قلت: لمن؟ قالوا: لعمر بن الخطاب، قال: فلولا ما علمت من غيرتك لدخلته»، فقال عمر ﵁: عليك يا رسول الله أغار، رواه الإمام أحمد عن ابن أبي عدي عن حميد عن أنس، ورواه أيضًا عن يحيى – وهو ابن سعيد القطان – عن حميد عن أنس. ورواه أيضًا عن عبد الله بن بكر – وهو السهمي – عن حميد عن أنسٍ، وكل واحد من هذه الأسانيد الثلاثة ثلاثي على شرط الشيخين، ورواه أيضًا بإسنادين صحيحين سوى هذه الأسانيد الثلاثة، ورواه الترمذي وابن حبان في "صحيحه" وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ومما جاء في ذكر بلال وحده حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال نبي الله - ﷺ - لبلال عند صلاة الغداة: «يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته عندك في الإسلام منفعة فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة قال بلال: ما عطلت عملًا في الإسلام أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهورًا تامًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" قوله: «عند صلاة الفجر» فيه إشِارة إلى أن ذلك وقع في
[ ٦٤ ]
المنام لأن عادته - ﷺ - أنه كان يقص ما رآه ويعبر ما رآه أصحابه بعد صلاة الفجر. انتهى.
ومما جاء في ذكر الرميصاء وحدها حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يديّ فقلت: ما هذا؟ قالوا: الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك» رواه الإمام أحمد عن هشيم عن حميد عن أنس، ورواه أيضًا عن ابن أبي عدي عن حميد عن أنس، ورواه أيضًا عن يحيى عن حميد عن أنس ﵁، وكل واحد من هذه الأسانيد الثلاثة ثلاثي على شرط الشيخين، ورواه أيضًا بإسنادين صحيحين من طريق ثابت عن أنس ﵁، ورواه مسلم وابن حبان في "صحيحه" والطبراني في "الكبير".
ومن الرؤيا الظاهرة ما رواه الإمام أحمد بأسانيد صحيحة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «نمت فرأيتني في الجنة فسمعت صوت قارئ يقرأ فقلت: من هذا؟ فقالوا: حارثة بن النعمان»، فقال رسول الله - ﷺ -: «كذلك البر كذلك البر» وكان أبر الناس بأمه، وقد رواه عبد الرزاق وابن حبان في "صحيحه" والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومن الرؤيا الظاهرة رؤيا النبي - ﷺ - في غزاة البحر الذين غزوا قبرص في زمان عثمان ﵁ والذين غزوا الروم في زمان معاوية ﵁، وقد جاء في ذلك حديثان. أحدهما عن أنس بن مالك ﵁. وقد روي عنه من ثلاثة طرق:
أحدها: ما رواه مالك في "الموطأ" عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله - ﷺ - يومًا فأطعمته وجلست تفلي رأسه فنام رسول الله - ﷺ - ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج
[ ٦٥ ]