تتبعك ثم تتبعها العجم حتى تغمرها، فقال النبي - ﷺ -: «هكذا عبرها الملَك بسَحَر».
ومن ذلك رؤياه في عَجْم التمر وقد جاء ذلك فيما رواه الإمام أحمد والحميدي والدارمي من طيق مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «رأيت كأني أتيت بكتلة تمر فعجمتها في فمي فوجدت فيها نواة آذتني فلفظتها ثم أخذت أخرى فعجمتها فوجدت فيها نواة فلفظتها ثم أخذت أخرى فعجمتها فوجدت فيها نواة فلفظتها»، فقال أبو بكر ﵁: دعني فلأعبرها، قال: قال: «اعبرها»، قال: هو جيشك الذي بعثت يسلم ويغنم فيلقون رجلًا فينشدهم ذمتك فيَدعونه ثم يلقون رجلًا فينشدهم ذمتك فيدعو ثم يلقون رجلًا فينشدهم ذمتك فيَدعونه، قال: «كذلك قال الملَك». قال الهيثمي: فيه مجالد بن سعيد وهو ثقة وفيه كلام. وزاد الدارمي: أن الراوي عن مجالد قال له: ما ينشد ذمتك؟ قال: يقول: لا آله إلا الله.
ومن ذلك ما رواه ابن سعد في "الطبقات" عن ابن شهاب مرسلًا، قال: رأى النبي - ﷺ - رؤيا فقصها على أبي بكر فقال: «يا أبا بكر رأيت كأني استبقت أنا وأنت درجة فسبقتك بمرقاتين ونصف»، قال: خير يا رسول الله يبقيك الله حتى ترى ما يسرك ويقر عينك، قال: فأعاد عليه مثل ذلك ثلاث مرات وأعاد عليه مثل ذلك. قال: فقال له في الثالثة: «يا أبا بكر رأيت كأني استبقت أنا وأنت درجة فسبقتك بمرقاتين ونصف»، قال: يا رسول الله يقبضك الله إلى رحمته ومغفرته وأعيش بعدك سنتين ونصفًا.
ومن ذلك رؤياه أنه قد أعطي مفاتيح خزائن الأرض، وقد جاء ذلك في حديثين. أحدهما: عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال: «إني فرط لكم وإني شهيد عليكم وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها» رواه الإمام أحمد
[ ١٢٨ ]
والبخاري ومسلم وابن حبان.
الحديث الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «نصرت بالرعب وأعطيت جوامع الكلام وبينا أنا نائم إذ جيء بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي»، فقال أبو هريرة ﵁: لقد ذهب رسول الله - ﷺ - وأنتم تنتثلونها، رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن حبان.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": قال أهل التعبير: المفتاح مال وعز وسلطان فمن رأى أنه فتح بابًا بمفتاح فإنه يظفر بحاجته بمعونة من له بأس، وإن رأى أن بيده مفاتيح فإنه يصيب سلطانًا عظيمًا. ونقل عن الخطابي أنه قال: المراد بخزائن الأرض ما فتح على الأمة من الغنائم من ذخائر كسرى وقيصر وغيرهما ويحتمل معادن الأرض التي فيها الذهب والفضة. وقال غيره: بل يحمل على أعم من ذلك. قال الحافظ: ومفاتيح خزائن الأرض المراد منها ما يفتح لأمته من بعده من الفتوح، وقيل: المعادن. قلت: وهذا هو المطابق للواقع في زماننا كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقال الحافظ في الكلام على قوله، وأنتم تنتثلونها من النثل بالنون والمثلثة أي تستخرجونها تقول: نثلت البئر إذا استخرجت ترابها. انتهى.
وقد ظهر مصداق حديثي عقبة وأبي هريرة ﵄ في زماننا حيث ظهرت آبار البترول والماء البعيد في أعماق الأرض، وما ظهر أيضًا من معادن الذهب وغير ذلك من خزائن الأرض التي لم يتمكن الناس من الوصول إليها إلا في هذه الأزمان. وأما تأويل بعض العلماء مفاتيح خزائن الأرض بما فتح على أوائل هذه الأمة من خزائن الملوك وكنوزهم ففيه نظر لأن النبي - ﷺ - إنما نص في حديثي عقبة وأبي هريرة ﵄ على خزائن الأرض لا على خزائن الملوك، وخزائن الأرض هي ما أودعه الله فيها من الماء والمعادن السائلة والجامدة، وأما خزائن الملوك فقد جاء ذكرها في الأحاديث الصحيحة باسم الكنوز وأضيفت إلى أهلها لا إلى الأرض كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا
[ ١٢٩ ]
هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفس محمد بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله». وعن جابر بن سمرة ﵄ مثله. رواهما الإمام أحمد والبخاري ومسلم، وروى الإمام أحمد ومسلم أيضًا وأهل السنن عن ثوبان ﵁: أن رسول الله - ﷺ - قال: «وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض» والمراد بهما كنز كسرى وقيصر. وعن عدي بن حاتم ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى» رواه البخاري. وعن جابر بن سمرة ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لتفتحن عصابة من المسلمين أو من المؤمنين كنز آل كسرى الذي في الأبيض» رواه الإمام أحمد ومسلم، وبالجمع بين هذه الأحاديث وبين حديثي عقبة بن عامر وأبي هريرة ﵄ يتبين أن خزائن الأرض غير كنوز الملك، والله أعلم.
وقد حصل للعرب وغيرهم من الدول الذين ظهرت عندهم خزائن الأرض في زماننا من الثروة العظيمة ما لم يحصل مثله للذين فتحت عليهم خزائن الملوك وكنوزهم في أول الإسلام وبهذا ظهر مصداق قوله - ﷺ -: «إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض».
ومن الرؤيا التي رآها رسول الله - ﷺ - وأوّلها بعض الصحابة ﵃ ما جاء في حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «أرى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط (١) برسول الله - ﷺ - ونيط عمر بأبي بكر ونيط عثمان بعمر»، قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله - ﷺ - قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله - ﷺ - وأما ما ذكر رسول الله - ﷺ - من نوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه - ﷺ -، رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم في "المستدرك" والبيهقي في "دلائل النبوة" وصححه الذهبي في "تلخيص المستدرك".
ومن الرؤيا التي رآها رسول الله - ﷺ - ولم يئولها وأوَّلها الصحابي بالخلافة
_________________
(١) قوله: نيط معناه علق، قاله الخطابي.
[ ١٣٠ ]