يخرجون غزاة في البحر مثلهم مثل الملوك على الأسرة»، قالت: ثم نام ثم استيقظ أيضًا يضحك فقلت: تضحك يا رسول الله مني؟ قال: «لا، ولكن من قوم من أمتي يخرجون غزاة في البحر فيرجعون قليلة غنائمهم مغفورًا لهم»، قلت: ادعُ الله أن يجعلني منهم فدعا لها، قال: فأخبرني عطاء بن يسار قال: فرأيتها في غزاة غزاها المنذر بن الزبير إلى أرض الروم وهي معنا فماتت بأرض الروم، رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد رواه عبد الرزاق في مصنفه، وقال: فيه عطاء بن يسار: أن امرأة حذيفة قالت. والظاهر أن قوله امرأة حذيفة تصحيف من بعض النسّاخ أو الطابعين، والصواب أن امرأة حدثته كما جاء ذلك في رواية الإمام أحمد عن عبد الرزاق. ويدل لهذا ما رواه أبو داود عن يحيى بن معين عن هشام بن يوسف عن معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أخت أم سليم الرميصاء قالت: نام النبي - ﷺ - فاستيقظ وكانت تغسل رأسها فاستيقظ وهو يضحك فقالت: يا رسول الله أتضحك من رأسي؟ قال: «لا»، قال أبو داود وساق هذا الخبر يزيد وينقص. انتهى. وإسناد هذه الرواية صحيح على شرط البخاري. وفيها بيان أن المرأة التي لم تسم في رواية الإمام أحمد هي الرميصاء أخت أم سليم.
ومن الرؤيا الظاهرة رؤيا النبي - ﷺ - في مرضه أن الوجع الذي أصابه كان بسبب السحر، وقد جاء في ذلك حديثان عن عائشة وابن عباس ﵃، فأما حديث عائشة ﵂ فقد روي عنها من طريقين: أحدهما عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: سَحَرَ رسول الله - ﷺ - يهوديُّ من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم، قالت: حتى كان رسول الله - ﷺ - يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة دعا رسول الله - ﷺ - ثم دعا ثم دعا ثم قال: «يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: من طّبه قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، قال: وجبّ طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان»، قالت: فأتاها رسول الله - ﷺ - في أناس من أصحابه ثم قال: «يا عائشة والله لكأن ماءها نقاعة
[ ٦٧ ]
الحناء ولكأن نخلها رءوس الشياطين»، قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا أحرقته؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس شرًا فأمرت بها فدفنت» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه وابن سعد وهذا لفظ مسلم ونحوه عند أحمد وابن ماجه، وليس في هذه الرواية ولا في غيرها من الروايات عند البخاري تصريح بأن مجيء الرجلين إلى النبي - ﷺ - كان في المنام. وقد جاء التصريح بذلك وبأن الرجلين كانا من الملائكة في حديث صحيح عند الإمام أحمد. وجاء أيضًا في حديث عمرة عن عائشة ﵂ كما سيأتي إن شاء الله تعالى. فأما الحديث الذي عند أحمد فهو ما رواه عن إبراهيم بن خالد عن رباح عن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: لبث رسول الله - ﷺ - ستة أشهر يرى أنه يأتي ولا يأتي فأتاه ملكان فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال أحدهما: ما باله؟ قال: مطبوب، قال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: فِيْمَ؟ قال: في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر في بئر ذروان تحت رعوفة، فاستيقظ النبي - ﷺ - من نومه فقال: «أي عائشة ألم ترين أن الله أفتاني فيما استفتيته» فأتى البئر فأمر به فأخرج فقال: «هذه البئر التي أريتها والله كأنّ ماءها نقاعة الحناء وكأن رءوس نخلها رءوس الشياطين»، فقالت عائشة: لو أنك كأنها تعني أن يتنشر، قال: «أما والله قد عافاني الله وأنا أكره أن أثير على الناس منه شرًا». في إسناده إبراهيم بن خالد وهو القرشي الصنعاني المؤذن، ورباح وهو ابن زيد القرشي مولاهم الصنعاني وكل منهما ثقة وبقية رجاله رجال الصحيح.
وأما حديث عمرة عن عائشة ﵂ وهو الطريق الثاني من الروايتين عنها فقد رواه البيهقي في "دلائل النبوة" قالت: كان لرسول الله - ﷺ - غلام يهودي يخدمه يقال له لبيد بن أعصم، وكان تعجبه خدمته، فلم تزل به يهود حتى سحر النبي - ﷺ -، وكان رسول الله - ﷺ - يذوب ولا يدري ما وجعه، فبينما رسول الله - ﷺ - ذات ليلة نائم إذ أتاه ملكان فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما وجعه؟ قال الذي عند رأسه: مطبوب، قال الذي عند رجليه: مَنْ طبَّه؟ قال الذي عند
[ ٦٨ ]
رأسه: لبيت بن أعصم، قال الذي عند رجليه: بِمَ طبَّه؟ قال الذي عند رأسه: بمشط ومشاطة وجفّ طلعة ذكر بذي أروان وهي تحت راعوفة البئر. فاستيقظ رسول الله - ﷺ - فدعا عائشة فقال: «يا عائشة أشعرت أن الله ﷿ قد أنبأني بوجعي»، فلما أصبح غدا رسول الله - ﷺ - وغدا معه أصحابه إلى البئر فإذا ماؤها كأنه نقوع الحناء وإذا نخلها الذي يشرب من مائها قد التوى سعفه كأنه رءوس الشياطين، قال: فنزل رجل فاستخرج جفَّ طلعة من تحت الراعوفة فإذا فيها مشط رسول الله - ﷺ - ومن مراطة رأسه وإذا تمثال من شمع تمثال رسول الله - ﷺ - وإذا فيها إبر مغروزة، وإذا وَتَر فيه إحدى عشرة عقدة فأتاه جبريل ﵇ بالمعوذتين فقال: يا محمد: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] وحل عقدة ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢] وحل عقدة، حتى فرغ منها، ثم قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]، وحل عقدة حتى فرغ منها وحل العُقد كلها؛ وجعل لا ينزع إبرة إلا وجد لها ألمًا ثم يجد بعد ذلك راحة، فقيل: يا رسول الله لو قتلت اليهودي، فقال رسول الله - ﷺ -: «قد عافاني الله ﷿ وما وراءه من عذاب الله أشد» قال: فأخرجه. قال البيهقي: قد روينا في هذا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ببعض معناه، ورويناه في الحديث الصحيح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ في أبواب دعواته دون ذكر المعوذتين. انتهى.
وأما حديث ابن عباس ﵄ فرواه ابن سعد في "الطبقات" من طريق جويبر – وهو ضعيف – عن الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: مرض رسول الله - ﷺ - وأُخِذ عن النساء وعن الطعام والشراب فهبط عليه ملكان وهو بين النائم واليقظان فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما شَكْوُه؟ قال: طُبَّ، يعني سُحر؛ قال: ومن فعله؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي، قال: ففي أي شيء جعله؟ قال: في طلعة، قال: فأين وضعها؟ قال: في بئر ذروان تحت صخرة، قال: فما
[ ٦٩ ]