قالت قريش في ذلك:
ألم تكن الرؤيا بحق وجاءكم بتصديقها فَلٌّ من القوم هارب
فقلتم ولم أكذب كذبت وإنما يكذبنا بالصدق من هو كاذب
ورواه الطبراني في "الكبير" من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة مرسلًا. قال الهيثمي: فيه ابن لهيعة وفيه ضعف وحديثه حسن، ورواه البيهقي أيضًا من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب مرسلًا.
وذكر ابن إسحاق أن قريشًا لما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا فقال: إني رأيت فيما يرى النائم وإني لبين النائم واليقظان إذ نظرت إلى رجل قد أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف وفلان وفلان فعدد رجالًا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش، ثم رأيته ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه، قال: فبلغت أبا جهل فقال: وهذا أيضًا نبي آخر من بني عبد المطلب سيعلم غدًا من المقتول إنْ نحن التقينا. ورواه البيهقي في "دلائل النبوة" من طريق موسى بن عقبة عن الزهري مرسلًا وقال فيه: إن قريشًا ساروا حتى نزلوا الجحفة نزلوها عشاء يتروون من الماء وفيهم رجل من بني المطلب بن عبد مناف يقال له جهيم بن الصلت بن مخرمة فوضع جهيم رأسه فأغفى ثم فزع فقال لأصحابه: هل رأيتم الفارس الذي وقف علي آنفًا؟ فقالوا: لا، فإنك مجنون، فقال: قد وقف علي فارس آنفًا، فقال: قتل أبو جهل وعتبة وشيبة وزمعة وأبو البختري وأمية بن خلف فعدَّ أشرافًا من كفار قريش، فقال له أصحابه: إنما لعب بك الشيطان. ورفع حديث جهيم إلى أبي جهل فقال: قد جئتمونا بكذب بني المطلب مع كذب بني هاشم سترون غدًا من يقتل.
ومن ذلك رؤيا سودة بنت زمعة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - سيتزوجها. وقد روى قصتها محمد بن سعد في "الطبقات" عن هشام بن حمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله
[ ١٤٩ ]
عنهما قال: كانت سودة بنت زمعة عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو فرأت في المنام كأن النبي - ﷺ - أقبل يمشي حتى وطئ على عنقها فأخبرت زوجها بذلك فقال: وأبيك لئن صدقت رؤياك لأموتن وليتزوجنك رسول الله - ﷺ -، فقالت: حِجْرًا وسِتْرًا – قال هشام: الحجر تنفي عن نفسها ذاك – ثم رأت في المنام ليلة أخرى أن قمرًا انقض عليها من السماء وهي مضطجعة فأخبرت زوجها فقال: وأبيك لئن صدقت رؤياك لم ألبث إلا يسيرًا حتى أموت وتزوجين من بعدي فاشتكى السكران من يومه ذلك فلم يلبث إلا قليلًا حتى مات وتزوجها رسول الله - ﷺ -.
ومن ذلك رؤيا جويرية بنت الحارث ﵂. وقد روى قصتها الحاكم في "المستدرك" من طريق الواقدي قال: حدثني حزام بن هشام عن أبيه قال: قالت جويرية بنت الحارث ﵂: رأيت قبل قدوم النبي - ﷺ - بثلاث ليال كأن القمر أقبل يسير من يثرب حتى وقع في حجري فكرهت أن أخبر بها أحدًا من الناس حتى قدم رسول الله - ﷺ - فلما سبينا رجوت الرؤيا فلما أعتقني وتزوجني والله ما كلمته في قومي حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم وما شعرت إلا بجارية من بنات عمي تخبرني الخبر فحمدت الله ﷿، وقد رواها البيهقي في "دلائل النبوة" من طريق الحاكم.
ومن ذلك رؤيا صفية بنت حيي ﵂. وقد روى قصتها محمد بن سعد في "الطبقات" والطبراني في "الكبير"، فأما ابن سعد فروى في ذكر غزوة خيبر عن عدد من الصحابة ﵃ أن رسول الله - ﷺ - اصطفى صفية يوم خيبر وأنه رأى بوجهها أثر خضرة قريبًا من عينها فقال: «ما هذا؟» فقالت: يا رسول الله رأيت في المنام قمرًا أقبل من يثرب حتى وقع في حجري فذكرت ذلك لزوجي كنانة فقال: تحبين أن تكوني تحت هذا الملك الذي يأتي من المدينة فضرب وجهي.
وأما الطبراني فروى عن ابن عمر ﵄ قال: كان بعيني صفية خضرة فقال لها النبي - ﷺ -: «ما هذه الخضرة بعينيك؟» فقالت: قلت لزوجي: إني رأيت فيما يرى النائم قمرًا وقع في حجري فلطمني وقال:
[ ١٥٠ ]