عنه في قول الله ﷿: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] قال: «زنا العينين النظر» الحديث. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه، وفي هذين الحديثين دليل على تحريم النظر إلى الأجنبيات من النساء لأن النظر إليهن نوع من أنواع الزنا، والزنا كله حرام، وليس في النظر إلى الأجنبيات من النساء حد مقدّر وإنما هو من المعاصي التي يجب اجتنابها خشية العقوبة عليها. وأما ما وقع لصاحب الرؤيا من الضرب في النوم من أجل نظره إلى المرأة الأجنبية فذلك من باب التعزير له لئلا يعود إلى النظر إلى الأجنبيات من النساء، والله أعلم.
فصل
ومن الأحلام العجيبة أيضًا ما حدثنا به غير واحد من الثقات أن رجلًا من أهل الرياض يسمى "عبد العزيز بن يحيّان" كان إمامًا لبعض المساجد في الرياض في أثناء النصف الأول من المائة الرابعة عشرة من الهجرة. وكان حافظًا للقرآن وحَسَنَ الصوت بالقراءة، وكانت آثار الصلاح ظاهرة عليه فمات فرآه رجل يسمى "حمد السيف" في النوم فسلم عليه وعانقه، وكان حمد يأتي إلى المسجد في آخر الليل ولا يخرج منه إلا بعد طلوع الشمس، فإذا خرج من المسجد ذهب إلى بيته فتأتيه زوجته بالتمر والقهوة، فملا كانت صبيحة الليلة التي رأى فيها الرؤيا ذهب إلى بيته وكانت عندهم امرأة تخدمهم فشمّت منه رائحة الطيب فذهبت إلى زوجته فقالت لها: إن زوجك قد تزوج في هذه الليلة وآية ذلك أن رائحة الطيب تفوح منه، فصدقتها الزوجة وصدت عن زوجها ولم تأته بالتمر والقهوة كما كانت تأتيه بهما في كل يوم، فلما أبطأت عليه ذهب إليها ليطلب منها أن تأتيه بهما فانتهرته وقالت له: اذهب إلى زوجتك الجديدة فلتأتك بالذي أنت تطلب فأنكر أن يكون قد تزوج وحلف لها على ذلك فلم تصدقه، وقالت: إن هذا الطيب الذي قد تطيب به لا يكون
[ ١٧٤ ]
إلا من زوجة جديدة فحلف لها عدة أيمان أنه لم يتزوج وأخبرها بما رآه في منامه وأن هذه الرائحة الطيبة قد علقت بيده حين صافح بها عبد العزيز بن يحيّان في النوم.
قال الذين حدثوا بهذه القصة: إن الذين حدثوهم بها أخبروهم أن رائحة الطيب بقيت في يد حمد السيف مدة أيام مع أنه كان يغسلها للوضوء ولغير ذلك مما يسن له غسل الأيدي وما يستحب له. وقد ذكر بعض الراوين للقصة أن رائحة الطيب بقيت في يد حمد السيف نصف شهر وقال بعضهم: بل إنها بقيت أكثر من ذلك.
قلت: ويشهد لهذه القصة ما تقدم نقله من كتاب "الروح" لابن القيم أن نافع القاري كان إذا تكلم يشم من فيه رائحة المسلك فقيل له: كلما قعدت تطيّبت، فقال: ما أمس طيبًا ولا أقربه ولكن رأيت رسول الله - ﷺ - في المنام وهو يقرأ في فمي فمن ذلك الوقت يشم من فيَّ هذه الرائحة.
ويشهد لها أيضًا ما جاء في قصة للخطيب ابن نُباتة – واسمه عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل بن نُباتة الحُذاقي الفارقي – وقد ذكر هذه القصة ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان" في ترجمة ابن نباتة وذكرها ابن كثير في "البداية والنهاية" وقد جاء فيها أن ابن نُباتة رأى النبي - ﷺ - في المنام، وأن النبي - ﷺ - تفل في فيه وأنه بقي بعد هذا المنام أيامًا لا يأكل الطعام ولا يشتهيه ويوجد من فيه رائحة المسك ولم يعش بعد ذلك إلا مدة يسيرة.
ويشهد لها أيضًا ما ذكره الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي قال: قرأت بخط شيخنا أبي الحسن بن الزاغوني قال: كشف عن قبر أبي محمد البربهاري وهو صحيح لم يَرِمْ وظهرت من قبره روائح الطيب حتى ملأت مدينة السلام – يعني بغداد – وقوله: لم يَرِمْ: معناه لم يبرح على الحال التي دفن عليها.
[ ١٧٥ ]