ومن الرؤيا الظاهرة ما ذكره ابن رجب عن ابن النجار أنه ذكر في ترجمة داود بن أحمد الضرير الظاهري أنه سمعه يقول: سمعت يعقوب بن يوسف الحربي يقول: رأيت عبد المغيث بن زهير الحربي في المنام بعد موته فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال:
العلم يحيي أناسًا في قبورهم والجهل يلحق أحياء بأموات
ومن الرؤيا الظاهرة ما ذكره ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة" قال: أنباني أبو الربيع علي بن عبد الصمد بن أحمد بن أبي الجيش عن أبيه قال: قال عفيف الدين معتوق القليوبي: رأيت فيما يرى النائم قائلًا يقول:
لعمرك قد أودى وعطل منبر وأعيى على المستفهمين جواب
قال: فانتبهت من نومي فقلت: ترى أي شيء قد جرى فجاءنا الخبر وقت العصر بموت الشيخ ابن الجوزي فقلت:
ولم يبق من يرجى لإيضاح شكل وأصبح ربع العلم وهو خراب
ومن الرؤيا الظاهرة ما ذكره ابن رجب عن ابن النجار أنه ذكر عن علي الفاخراني الضرير قال: رأيت صدقة الناسخ (١) في المنام فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بعد شدة فسألته عن علم الأصول – أي الكلام – فقال: لا تشتغل به فما كان شيء أضرّ عليّ منه وما نفعني إلا خمس قصيبات – أو قال تميرات – تصدقت بها على أرملة.
قال ابن رجب: قلت: هذا المنام حق، وما كانت مصيبته إلا من علم الكلام، ولقد صدق القائل ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح، وبسبب شبه المتكلمين والمتفلسفة كان يقع له أحيانًا حيرة وشك يذكرها في أشعاره ويقع له من الكلام والاعتراض ما يقع. انتهى.
ومن الرؤيا الظاهرة ما رواه الفاكهي في "أخبار مكة" عن إبراهيم بن سعيد بن صيفي المخزومي – وكان صديقًا لعبيد الله بن قثم بن عباس – قال:
_________________
(١) صدقة الناس اسمه صدقة بن الحسين بن الحسن بن بختيار بن الحداد البغدادي الشاعر المتكلم، له ترجمة في "ذيل طبقات الحنابلة" (٣٣٩ - ٣٤٢/ ١).
[ ٩١ ]
أرسل إليّ عبيد الله بن قُثّم وهو أمير مكة نصف النهار وكان نازلًا ببئر ميمون في دار لُبَابة بنت علي – أي ابن عبد الله بن عباس – زوجته وهي معه فأتيته وهو مذعور فقال: يا أبا إسماعيل إني رأيت والله عجبًا في قائلتي، خرج إلي وجه إنسان من هذا الجدار فقال:
بينما الحي وافرون بخير حَمَلُوا خيرهم على الأعواد
أنا والله ميت، قال: قلت: كلا، هذا والله من الشيطان، قال: لا والله، قال: قلت: فينعي غيرك، قال: مَنْ؟ قلت: لَعلَّ غيرك، قال: كأنك تعرّض بلبابة بنت علي، هي والله خير مني، قال: فوالله ما مكثنا إلا شهرًا أو نحوه حتى ماتت لُبَابة. فقال لي: يا أبا إسماعيل، هو ما قُلْتَ، قال: ثم أقمنا فأرسل إليّ في مثل ذلك الوقت فأتيته فقال: قد والله خرج إلي ذلك الوجه بعينه فقال:
بينما الحي وافرون بخير حَمَلُوا خيرهم على الأعواد
أنا والله ميت. قال: قلت: كلا إن شاء الله، قال: ليس ههنا لُبَابة أخرى تعللني بها. قال: فمكثنا شهرًا أو نحوه ثم مات.
وروى الفاكهي أيضًا أن عبيد الله بن قُثَم – وهو يومئذ والي مكة – قال: رأيت في منامي أن رجلًا وقف بين يدي فقال:
بينما الحي وافرون بخير حَمَلُوا خيرهم على الأعواد
قال: فظننت أنه يعنيني بذلك، وقلت: نُعيت إلي نفسي ثم ذكر أن لبابة بنت علي بن عباس زوجته فقلت: إنها خير مني وأنها التي تموت. وأقمت شهرين أو ثلاثة بذلك ثم ماتت، فأقمت بعدها شهرًا أو نحوها فإذا بذاك قد مَثَل بين يدي فقال:
فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى تأهب لأخرى بعدها فكأن قدي
قال: فبعث حين رأى ذلك إلى إبراهيم بن سعيد بن صيفي وإلى زكريا بن الحارث بن أبي مسرة فذكر ذلك لهما فتوجعا له وقالا له: يقيك الله أيها الأمير، قال: فلم يلبث إلا يسيرًا حتى مات.
[ ٩٢ ]