الملائكة فتدري ما المثل الذي ضربوا؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «المثل الذي ضربوا الرحمن ﵎ بنى الجنة ودعا إليها عباده فمن أجابه دخل الجنة ومن لم يجبه عاقبه أو عذبه» رواه الدارمي باختصار والترمذي وهذا لفظه وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وذكر الحافظ ابن حجر في "كتاب الاعتصام" من "فتح الباري": أن ابن خزيمة صححه. وقد رواه الإمام أحمد مطولًا بمعناه، قال الهيثمي: ورجاله رجاله الصحيح غير عمرو البكالي وذكره العجلي في "ثقات التابعين" وابن حبان وغيره في "الصحابة".
وقد تقدم في رواية البخاري عن جابر ﵁: أن الملائكة لما ضربوا المثل للنبي - ﷺ - وهو نائم «قالوا: أوّلوها له يفقهها»، قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": قيل يؤخذ منه حجة لأهل التعبير، أن التعبير إذا وقع في المنام اعتمد عليه. قال ابن بطال قوله: "أوّلوها" يدل على أن الرؤيا على ما عبرت في النوم. انتهى.
ومن الرؤيا التي رآها رسول الله - ﷺ - وأولها ما جاء في حديث حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب»، قالوا: فما أوّلته يا رسول الله؟ قال: "العلم" رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن أبي شيبة والدارمي وابن حبان، وقال الترمذي: حديث حسن.
وروى الطبراني في "الكبير" بإسناد صحيح عن أبي بكر بن سالم عن أبيه عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «رأيت في النوم أني أعطيت عُسًّا (١) مملوءًا لبنًا فشربت منه حتى تملأت حتى رأيته يجري في عروقي بين الجلد واللحم ففضلت فضلة وأعطيتها عمر بن الخطاب فأوّلوها»، قالوا: يا نبي الله هذا علم أعطاك الله فملأك منه ففضلت فضلة فأعطيتها عمر
_________________
(١) العس بالضم القدح الكبير.
[ ١١٨ ]
ابن الخطاب، فقال: «أصبتم»، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وقد رواه الحاكم في "المستدرك" وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.
قلت: ليس بين هذه الرواية والرواية التي قبلها مغايرة إلا في تأويل الرؤيا. ففي رواية حمزة عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - هو الذي أَوَّلَ رؤياه في شرب اللبن، وفي رواية سالم عن أبيه: أن الصحابة هم الذين أَوَّلُوها حين أمرهم النبي - ﷺ - بتأويلها، فيحتمل أن رسول الله - ﷺ - حدث برؤياه في مجلسين فأَوَّلها في أحدهما وأمر أصحابه بتأويلها في المجلس الآخر والله أعلم.
وفي هذا الحديث فضيلة عظيمة لعمر ﵁ لأن رسول الله - ﷺ - أعطاه فضل شرابه في النوم وشهد له في اليقظة بالعلم، وقد ظهر أثر هذه الشهادة على عمر ﵁ فكان أعلم الأمة بعد أبي بكر الصديق ﵁.
ولم يكن في زمانه وما بعد زمانه أحد يساويه في العلم فضلًا عن أن يكون فيهم من يفوقه فيه، وقد ذكرت الأدلة الكثيرة على غزارة علمه وتفوقه على غيره في أول كتابي المسمى "تنزيه الأصحاب، عن تنقص أبي تراب" وذكرت أيضًا ما جاء في ذلك عن بعض الصحابة والتابعين، فليراجع ما ذكرته في الكتاب المشار إليه فإنه مهم جدًا، ومن أهم ما جاء فيه من الآثار قول ابن مسعود ﵁: «لو أن عِلْم عمر وضع في كفة الميزان ووضع علم أهل الأرض في كفة لرجح علمه بعلمهم»، وقوله أيضًا: «إني لأحسب تسعة أعشار العلم ذهب يوم ذهب عمر» روى ذلك الطبراني والحاكم بأسانيد صحيحة، وروى ابن سعد في "الطبقات" بإسناد صحيح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «لو وضع علم أحياء العرب في كفة وعلم عمر في كفة لرجح بهم علم عمر – قال: وإن كنا لنحسب عمر قد ذهب بتسعة أعشار العلم». وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب": قال ابن مسعود ﵁: «لو وضع علم أحياء العرب في كفة ميزان ووضع علم عمر في كفة لرجح علم عمر ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم، ولمجلس كنت أجلسه مع عمر أوثق من عمل سنة».
[ ١١٩ ]