والغالب على الرؤيا وهو الذي يحتاج فيه إلى التأويل.
ومن النوع الأول رؤيا إبراهيم ﵊ في المنام أنه يذبح ابنه. وقد ذكر الله هذه القصة في قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١ - ١٠٧].
وقد جاء في هذا النوع أحاديث كثيرة عن النبي - ﷺ -، وسأذكر منها ما تيسر إن شاء الله تعالى، وأذكر بعدها جملة مما جاء في غير الأحاديث المرفوعة وهو مما يستحسن ذكره.
فمن ذلك ما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه رأى ربه في المنام في أحسن صورة وأن الله تعالى سأله عما يختصم فيه الملأ الأعلى، وأنه تعالى وضع كفه، -وفي رواية يده- بين كتفي النبي - ﷺ - حتى وجد بردها بين ثدييه. وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك قريبًا فلتراجع.
ومن ذلك رؤيا النبي - ﷺ - في المنام أنه أتي بعائشة ﵂ فعرضت عليه وقيل له هذه زوجتك. وقد روى الحديث الوارد في ذلك أحمد والبخاري من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله - ﷺ -: «رأيتك في المنام مرتين أرى رجلًا يحملك في سَرَقَة حرير فيقول هذه امرأتك فأكشفها فإذا هي أنت فأقول إن يكن هذا من عند الله يمضه»، وفي رواية للبخاري قالت: قال لي رسول الله - ﷺ -: «أُريتكِ في المنام يجيء بك الملَك في سَرَقَة من حرير فقال لي هذه امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت هي فقلت إن يك هذا من عند الله يمضه»، وفي رواية له أخرى: قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «أُريتك قبل أن أتزوجك مرتين رأيت
[ ٤٩ ]
الملك يحملك في سَرَقَة من حرير فقلت له اكشف فكشف فإذا هي أنت فقلت: إن يكن هذا من عند الله يمضه، ثم أريتك يحملك في سَرَقَة من حرير فقلت: اكشف فكشفت فإذا هي أنت، فقلت: إن يك هذا من عند الله يمضه» ورواه مسلم بنحو الرواية الثانية عند البخاري إلا أنه قال في أوله: «أُريتك في المنام ثلاث ليال» ورواه ابن حبان في "صحيحه" بمثل الرواية الأولى عند أحمد والبخاري ورواه البيهقي بمثل رواية مسلم.
ورواه الترمذي من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂: «أن جبريل جاء بصورتها في خرقة حرير خضراء إلى النبي - ﷺ - فقال: إن هذه زوجتك في الدنيا والآخرة». قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ورواه ابن حبان في "صحيحه" بنحوه.
قوله: «سَرَقة من حرير» هي بفتح السين والراء. قال الجوهري: السَّرَق شقق الحرير، قال أبو عبيد: إلا أنها البيض منها الواحدة منها سَرَقة. قال: وأصلها بالفارسية "سَرَهْ" أي: جيد فعربوه. انتهى.
ومن ذلك رؤيا النبي - ﷺ - دار الهجرة. وقد جاء ذلك في حديثين عن النبي - ﷺ -، أحدهما: عن أبي موسى ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وَهَلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب» رواه البخاري ومسلم وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه".
قوله: «فذهب وَهَلي» قال النووي في "شرح مسلم": الوَهَل بفتح الهاء ومعناه وهمي واعتقادي. قال: وهجر مدينة معروفة وهي قاعدة البحرين، وأما يثرب فهو اسمها في الجاهلية فسماها الله تعالى المدينة وسماها رسول الله - ﷺ - طيبة وطابة. انتهى.
وقال ابن حجر في "فتح الباري": يقال وَهَل بالفتح إذا ظن شيئًا فتبين الأمر بخلافه. قال: وهجر بفتح الهاء والجيم بلد معروف من البحرين وهي من مساكن عبد القيس.
[ ٥٠ ]
قلت: وهو الذي يسمى في زماننا الأحساء. ولا يزال اسم هجر باقيًا على هذه البلاد زماننا.
الحديث الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ - للمسلمين: «قد رأيت دار هجرتكم أريت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما حرتان» فخرج من كان مهاجرًا قِبَل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله - ﷺ - ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين. رواه الإمام أحمد والبخاري وابن حبان في أثناء حديث طويل في الهجرة، وهذا لفظ أحمد، ونحوه عند ابن حبان ورواه البيهقي بمثل رواية أحمد.
ومن ذلك رؤيا الأذان، وقد جاء ذلك في عدة أحاديث. منها ما رواه أبو داود والبيهقي عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار قال: اهتم النبي - ﷺ - للصلاة كيف يجمع الناس لها فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها آذن بعضهم بعضًا فلم يعجبه ذلك. قال: فذكر له القُنْع -يعني الشَّبُّور- شَبُّور اليهود فلم يعجبه ذلك وقال: «هو من أمر اليهود» قال: فذكر له الناقوس فقال: «هو من أمر النصارى» فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتم لِهَمّ رسول الله - ﷺ - فأري الأذان في منامه قال: فغدا على رسول الله - ﷺ - فأخبره فقال: يا رسول الله، إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آت فأراني الأذان، قال: وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يومًا ثم أخبر النبي - ﷺ - فقال له: «ما منعك أن تخبرني؟» فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت، فقال رسول الله - ﷺ -: «يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله»، قال: فأذن بلال.
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب رسول الله - ﷺ - أن عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله رأيت في المنام كأن رجلًا قام وعليه بردان أخضران على جذمة حائط فأذن مثنى وأقام مثنى وقعد قعدة. قال فسمع ذلك بلال فقام فأذن مثنى وأقام مثنى وقعد قعدة.
ومنها ما رواه الإمام أحمد والدارمي وأبو داود وابن ماجه وابن حبان
[ ٥١ ]
والبيهقي عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال: حدثني عبد الله بن زيد قال: لما أمر رسول الله - ﷺ - بالناقوس ليضرب به للناس في الجمع للصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ قال: فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قال: فقلت له: بلى، قال: تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. ثم استأخر غير بعيد ثم قال: تقول: إذا أقيمت الصلاة الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، فلما أصبحت أتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته بما رأيت فقال: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألقِ عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتًا منك»، قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، قال: فسمع بذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي أُري، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: «فلله الحمد». هذا لفظ أحمد ورواه أبو داود والبيهقي بنحوه. وقد جاء في رواية الدارمي وابن ماجه وابن حبان ورواية عند أحمد: أن الرجل الذي طاف بعبد الله بن زيد بن عبد ربه وهو نائم كان عليه ثوبان أخضران. وجاء في رواية الدارمي أن عمر ﵁ لما أخبر النبي - ﷺ - أنه رأى مثل ما رأى عبد الله بن زيد قال رسول الله - ﷺ -: «فلله الحمد فذاك أَثْبَتُ»، وقد جاء مثل ذلك في رواية الترمذي فإنه قد روى حديث عبد الله بن زيد مختصرًا جدًا، ولفظه عن محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه قال: لما أصبحنا أتينا رسول الله - ﷺ - فأخبرته بالرؤيا فقال: «إن هذه لرؤيا حق فقم مع بلال فإنه أندى وأَمدُّ صوتًا منك فألقِ عليه ما قيل لك وليناد بذلك»، قال: فلما سمع عمر بن الخطاب نداء بلال بالصلاة خرج إلى رسول الله - ﷺ - وهو يجر إزاره وهو يقول: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي قال، فقال رسول الله - ﷺ -: «فلله الحمد فذلك أَثْبَتُ». قال الترمذي: حديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح. وذكر في كتاب
[ ٥٢ ]
"العلل" أنه سأل محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: هو عندي حديث صحيح. قال الترمذي: وفي الباب عن ابن عمر ﵄.
قلت: هذا الحديث رواه ابن ماجه بإسناد فيه مقال عن سالم عن أبيه أن النبي - ﷺ - استشار الناس لما يُهِمُّهم إلى الصلاة فذكروا البوق فكرهه من أجل اليهود ثم ذكروا الناقوس فكرهه من أجل النصارى فأري النداء تلك الليلة رجل من الأنصار يقال له عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب فطرق الأنصاري رسول الله - ﷺ - ليلًا فأمر رسول الله - ﷺ - بلالًا به فأذن. قال الزهري: «وزاد بلال في نداء صلاة الغداء الصلاة خير من النوم فأقرها رسول الله - ﷺ -. قال عمر: يا رسول الله قد رأيت مثل الذي رأى ولكنه سبقني». وقد رواه ابن سعد في الطبقات وقال فيه: «حتى أُري رجل من الأنصار يقال له عبد الله بن زيد الأذان وأُريه عمر بن الخطاب تلك الليلة، فأما عمر فقال: إذا أصبحت أخبرت رسول الله - ﷺ -، وأما الأنصاري فطرق رسول الله - ﷺ - من الليل فأخبره وأمر رسول الله - ﷺ - بلالًا فأذن بالصلاة. قال: فزاد بلال في الصبح، الصلاة خير من النوم، فأقرها رسول الله - ﷺ - وليست فيما أري الأنصاري».
ومن الأحاديث في رؤيا الأذان ما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن معاذ بن جبل ﵁ قال: جاء رجل من الأنصار إلى النبي - ﷺ - فقال: إني رأيت في النوم كأني مستيقظ أرى رجلًا نزل من السماء عليه بردان أخضران نزل على جذم حائط من المدينة فأذن مثنى مثنى ثم جلس ثم أقام فقال مثنى مثنى قال: «نِعْمَ ما رأيت علمها بلالًا»، قال: قال عمر: قد رأيت مثل ذلك ولكنه سبقني.
ومن الرؤيا الظاهرة أيضًا رؤيا النبي - ﷺ - أنه سيأتي البيت هو وأصحابه ويطوفون به، وكان ذلك قبل عمرة الحديبية، فلما صدهم المشركون عن دخول مكة عام الحديبية وصالحهم رسول الله - ﷺ - على أن يرجعوا عامهم ذلك وأن يعتمروا في العام القابل قال عمر ﵁ للنبي - ﷺ -: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بلى فأخبرتك أنا نأتيه العام»،
[ ٥٣ ]
قال: قلت: لا، قال: «فإنك آتيه ومطوّف به» رواه البخاري في حديث طويل في «باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط»، وقد وقع تصديق رؤيا النبي - ﷺ - في عمرة القضاء حيث جاء هو وأصحابه إلى البيت وطافوا به وهم آمنون لا يخافون، وقد ذكر الله هذه الرؤيا الصادقة في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] وهذا الفتح هو الصلح الذي جرى بين رسول الله - ﷺ - وبين مشركي قريش. قال الزهري قوله: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ يعني صلح الحديبية، وما فتح في الإسلام فتح كان أعظم منه إنما كان القتال حيث التقى الناس فلما كانت الهدنة وضعت الحرب وأمن الناس كلهم بعضهم بعضًا فالتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام مثل من كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر. رواه ابن جرير.
ومن الرؤيا الظاهرة أيضًا رؤيا الأمر بدفع السواك إلى الأكبر. والحديث بذلك في الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «أراني في المنام أتسوك بسواك فجذبني رجلان أحدهما أكبر من الآخر فناولت السواك الأصغر منهما فقيل لي: كبّر فدفعته إلى الأكبر».
ومن ذلك رؤيا عيسى ابن مريم يطوف بالبيت ورؤيا الدجال وراءه، والحديث بذلك رواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بينا أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة فإذا رجل آدم سبط الشعر بين رجلين ينطف رأسه ماء فقلت من هذا قالوا ابن مريم فذهبت ألتفت فإذا رجل أحمر جسيم جعد الرأس أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية قلت من هذا قالوا هذا الدجال أقرب بها شبهًا ابن قطن» زاد
[ ٥٤ ]