قال ابن سعد في "الطبقات" قال محمد بن عمر – يعني الواقدي -: كان سعيد بن المسيب من أعبر الناس للرؤيا وكان أخذ ذلك عن أسماء بنت أبي بكر وأخذته أسماء عن أبيها أبي بكر ﵁.
فمن تأويله ما تقدم قريبًا أن الحسن بن علي ﵄ رأى رؤيا وأولها سعيد بن المسيب بحضور أجله.
_________________
(١) الجَلَم بفتحتين هو المقراض، قال ابن الأثير: الجَلَم الذي يجز به الشعر والصوف.
[ ١٥٢ ]
ومن تأويله أيضًا ما رواه ابن سعد في "الطبقات" عن عمر بن حبيب بن قليع قال: كنت جالسًا عند سعيد بن المسيب يومًا وقد ضاقت عليّ الأشياء ورهقني دين فجلست إلى ابن المسيب ما أدري أين أذهب فجاءه رجل فقال: يا أبا محمد إني رأيت رؤيا، قال: ما هي؟ قال: رأيت كأني أخذت عبد الملك بن مروان فأضجعته إلى الأرض ثم بطحته فأوتدت في ظهره أربعة أوتاد، قال: ما أنت رأيتها؟ قال: بلى أنا رأيتها، قال: لا أخبرك أو تخبرني، قال: ابن الزبير رآها وهو بعثني إليك، قال: لئن صدقت رؤياه قتله عبد الملك بن مروان وخرج من صلب عبد الملك أربعة كلهم يكون خليفة، قال: فرحلت إلى عبد الملك بالشام فأخبرته بذلك عن سعيد بن المسيب فسرّه وسألني عن سعيد وعن حاله فأخبرته وأمر لي بقضاء ديني وأصبت منه خيرًا.
ومن تأويله أيضًا ما رواه ابن سعد عن إسماعيل بن أبي حكيم قال: قال رجل: رأيت كأن عبد الملك بن مروان يبول في قبلة مسجد النبي - ﷺ - أربع مرار فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: إن صدقت رؤياك قام فيه من صلبه أربعة خلفاء.
ومن تأويله أيضًا ما رواه ابن سعد عن شريك بن أبي نمر قال: قلت لابن المسيب: رأيت في النوم كأن أسناني سقطت في يدي ثم دفنتها، فقال ابن المسيب: إن صدقت رؤياك دفنت أسنانك من أهل بيتك.
ومن تأويله أيضًا ما رواه ابن سعد عن مسلم الخياط قال: قال رجل لابن المسيب: إني أراني أبول في يدي، فقال: اتق الله فإن تحتك ذات محرم، فنظر فإذا امرأة بينها وبينه رضاع.
وجاءه آخر فقال: يا أبا محمد إني أرى كأني أبول في أصل زيتونة، قال: انظر من تحتك، تحتك ذات محرم فنظر فإذا امرأة لا يحل له نكاحها.
ومن تأويله ما رواه ابن سعد عن مسلم الخياط قال: قال له رجل: إني رأيت حمامة وقعت على المنارة منارة المسجد فقال: يتزوج الحجاج ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
[ ١٥٣ ]
قلت: قد تزوج الحجاج بنت عبد الله بن جعفر فكتب إليه عبد الملك بن مروان يعزم عليه بطلاقها فطلقها، ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في ترجمة الحجاج عن "البداية والنهاية".
ومن تأويل سعيد بن المسيب أيضًا ما رواه ابن سعد عن مسلم الخياط قال: جاء رجل إلى ابن المسيب فقال: إني أرى أن تيسًا أقبل يشتد من الثنية، فقال: اذبح اذبح، قال: ذبحت، قال: مات ابن أم صلاء، فما برح حتى جاء الخبر أنه قد مات، قال محمد بن عمر – يعني الواقدي -: وكان ابن أم صلاء رجلًا من موالي أهل المدينة يسعى بالناس.
ومن تأويله أيضًا ما رواه ابن سعد عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن السائب – رجل من القارة – قال: قال رجل من فهم لابن المسيب إنه يرى في النوم كأنه يخوض في النار، فقال: إن صدقت رؤياك لا تموت حتى تركب البحر وتموت قتلًا، قال: فركب البحر فأشفى على الهلكة وقتل يوم قديد (١) بالسيف.
ومن تأويله أيضًا ما رواه ابن سعد عن الحصين بن عبيد الله بن نوفل قال: طلبت الولد فلم يولد لي، فقلت لابن المسيب: إني أرى أنه طرح في حجري بيض، فقال ابن المسيب: الدجاج عجمي فاطلب سببا إلى العجم، قال: فتسريت فولد لي، وكان لا يولد لي.
ومن تأويله أيضًا ما رواه ابن سعد عن مسلم الخياط قال: قال رجل لابن المسيب: يا أبا محمد إني رأيت كأني جالس في الظل فقمت إلى الشمس، فقال ابن المسيب: والله لئن صدقت رؤياك لتخرجن من الإسلام، قال: يا أبا محمد إني أراني أُخرجتُ حتى أُدخلتُ في الشمس فجلست، قال: تكره على الكفر، قال: فخرج في زمان عبد الملك بن مروان فأسر فأكره على الكفر فرجع ثم قدم المدينة وكان يخبر بهذا.
وروى أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم التميمي في كتاب "المحن"
_________________
(١) يوم قديد هو يوم كانت فيه وقعة بين أبي حمزة الخارجي وبين أهل المدينة، قتل فيها من أهل المدينة سبعمائة، ذكر ذلك ابن جرير في حوادث سنة ثلاثين ومائة من تاريخه.
[ ١٥٤ ]
عن غالب العقيلي قال: أتى سعيد بن المسيب آتٍ فقال: يا أبا محمد إني رأيت عند وجه السحر كأنّ موسى قاتل فرعون، فقال له: أيهما الغالب؟ قال: موسى غلب فرعون، قال فصاح بأعلى صوته: هلك ابن مروان وربّ الكعبة – ثلاث مرات – فأعلم صاحب المدينة فخرج حتى وقف على رأسه ثم قال: تتمنى موت أمير المؤمنين إني لأرجو أن يقتلك الله قبله، قال سعيد: ويحك سيجيئك خبره إلى تسعة أيام، قال: فما مكثوا إلا تسعة أيام حتى أتى راكب بموته واستخلاف الوليد ابنه.
قلت: الظاهر أن سعيد بن المسيب أخذ تحديد مدة إتيان الخبر بموت عبد الملك بن مروان من قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١]، وقوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ [النمل: ١٢].
وروى ابن سعد عن مسلم الخياط عن ابن المسيب قال: الكّبْل في النوم ثبات في الدين.
وروى ابن سعد أيضًا عن شريك بن أبي نمر عن ابن المسيب قال: التمر في النوم رزق على كل حال والرطب في زمانه رزق.
وروى ابن سعد أيضًا عن عثيم بن نسطاس قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول للرجل، إذا رأى الرؤيا وقصّها عليه، خيرًا رأيت.
وروى ابن سعد أيضًا عن صالح بن خوات عن ابن المسيب قال: آخر الرؤيا أربعون سنة، يعني في تأويلها.
قلت: قد تقدم في أول الكتاب أنه قيل لجعفر بن محمد: كم تتأخر الرؤيا؟ فقال: «رأى رسول الله - ﷺ - كأن كلبًا أبقع يلغ في دمه» فكان شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين ﵁ وكان أبرص، فكان تأويل الرؤيا بعد خمسين سنة.
[ ١٥٥ ]