فمن ذلك تعبيره لبعض ما رآه على ما تقتضيه الأسماء التي في الرؤيا كما في حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع فأتينا برطب من رطب ابن طاب فأوّلت الرفعة لنا في الدنيا والعاقبة في الآخرة وأن ديننا قد طاب» رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود وابن أبي شيبة.
ومن ذلك رؤياه لمَا وقع في يوم أحد، وقد جاء ذلك في عدة أحاديث. منها حديث أبي موسى ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وَهَلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب، ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفًا فانقطع صدره فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد. ثم هززته أخرى فعاد أحسنٍ ما كان فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها أيضًا بقرًا، والله خير، فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بَعْدُ وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر» رواه البخاري ومسلم وابن ماجه والدارمي، ورواه ابن حبان في "صحيحه" مختصرًا.
الحديث الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: تنفل رسول الله - ﷺ - سيفه ذا الفقار يوم بدر وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد فقال: «رأيت في سيفي ذا الفقار فلًاّ فأولته فلًاّ يكون فيكم، ورأيت أني مردف كبشًا فأولته كبش الكتيبة، ورأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة، ورأيت بقرًا تذبح، فبقر والله خير فبقر والله خير» فكان الذي قال رسول الله - ﷺ -. رواه الإمام أحمد والبزار والحاكم والبيهقي في "دلائل النبوة" وصححه الحاكم والذهبي وروى الترمذي وابن ماجه طرفًا من أوله وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ورواه الطبراني في "الكبير والأوسط" ولفظه قال: لما نزل بالنبي - ﷺ - يوم أحد أبو سفيان وأصحابه قال لأصحابه: «إني رأيت في المنام سيفي ذا الفقار انكسر وهي مصيبة ورأيت بقرًا تذبح وهي مصيبة ورأيت علي
[ ١١٣ ]
درعي وهي مدينتكم لا يصلون إليها إن شاء الله». قال الهيثمي: فيه أبو شيبة إبراهيم بن عثمان وهو متروك، قلت: لحديثه شاهد مما تقدم في الرواية قبله وما سيأتي بعده.
الحديث الثالث: عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «رأيت كأني في درع حصينة ورأيت بقرًا منحرة فأوّلت أن الدرع الحصينة المدينة وأن البقر هو والله خير» رواه الإمام أحمد والدارمي والبزار وهذا لفظ أحمد ورجاله رجال الصحيح وكذا رجال الدارمي والبزار. وفي رواية الدارمي: «وإن البقر نفر والله خير»، وفي رواية البزار: «والبقر بقر والله خير»، والبقر الشق وهو ما حصل في المسلمين من القتل يوم أحد.
الحديث الرابع: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رأيت فيما يرى النائم كأني مردف كبشًا وكأن ظُبَةَ سيفي انكسرت فأولت أني أقتل صاحب الكتيبة وأن رجلًا من أهل بيتي يقتل» رواه الإمام أحمد والبزار والحاكم وهذا لفظ أحمد. وزاد البزار فقتل رسول الله - ﷺ - طلحة بن أبي طلحة وكان صاحب لواء المشركين، وقُتِلَ حمزة بن عبد المطلب ونحوه عند الحاكم. قال الهيثمي: فيه علي بن زيد وهو ثقة سيئ الحفظ وبقية رجالهما ثقات، وقد رواه البيهقي في "دلائل النبوة" بنحو رواية البزار، قال الجوهري: وغيره من أهل اللغة: ظُبَةَ السيف طرفه.
ومن المنامات التي رآها رسول الله - ﷺ - وأوَّلها بنقل الوباء من المدينة إلى الجحفة. وقد جاء ذلك في حديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «رأيت في المنام امرأة سوداء ثائرة الشعر تَفِلةً أخرجت من المدينة فأسكنت مَهْيَعَة فأولتها في المنام وباء المدينة ينقله الله تعالى إلى مَهْيَعَة» رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي وابن ماجه. وهذا لفظ إحدى روايات أحمد. وفي غير هذه الرواية عنده وعند البخاري والترمذي وابن ماجه تسمية مَهْيَعَة بالجحفة، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، ورواه الدارمي بنحو رواية أحمد.
ومن ذلك أيضًا رؤياه ما ضرب له ولأمته من المثل، وقد جاء ذلك في
[ ١١٤ ]
حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - أتاه فيما يرى النائم ملكان فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته، فقال: عن مثله ومثل أمته كمثل قوم سَفْر انتهوا إلى رأس مفازة فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حِبَرة فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضًا معشبة وحياضًا رواء أتتبعوني؟ فقالوا: نعم، قال: فانطلق بهم فأوردهم رياضًا معشبة وحياضًا رواء فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم: ألم ألقكم على تلك الحال فجعلتم لي إن وردت بكم رياضًا معشبة وحياضًا رواء أن تتبعوني فقالوا: بلى، قال: فإن بين أيديكم رياضًا أعشب من هذه وحياضًا هي أروى من هذه فاتبعوني، قال: فقالت طائفة: صدق والله لنتبعنه، وقالت طائفة: رضينا بهذا نقيم عليه. رواه الإمام أحمد والطبراني والبزار. قال الهيثمي: وإسناده حسن، وروى الحاكم في "المستدرك" نحوه من حديث سمرة بن جندب ﵁ وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومن ذلك أيضًا رؤياه أنه ضرب له مثل آخر، وقد جاء ذلك فيما رواه البخاري والبيهقي في "دلائل النبوة" من طريق سعيد بن مِيْنَاء حدثنا – أو سمعت – جابر بن عبد الله ﵄ يقول: «جاءت ملائكة إلى النبي - ﷺ - وهو نائم فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلًا، قال: فاضربوا له مثلًا، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارًا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيًا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها له يفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة والداعي محمد - ﷺ - فمن أطاع محمدًا - ﷺ - فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا - ﷺ - فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس». قال البخاري: تابعه قتيبة عن ليث عن خالد عن سعيد بن أبي هلال عن جابر، خرج علينا النبي - ﷺ -.
[ ١١٥ ]
قلت: قد روى هذه المتابعة الترمذي عن قتيبة حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال أن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - يومًا فقال: «إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلًا، فقال: اسمع، سمعت أذنك واعقل عقل قلبك إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارًا ثم بنى فيها بيتًا ثم جعل فيها مأدبة ثم بعث رسولًا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه، فالله هو الملك والدار الإسلام والبيت الجنة وأنت يا محمد رسول فمن أجابك دخل الإسلام ومن دخل الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل ما فيها»، قال الترمذي: هذا حديث مرسل، سعيد بن أبي هلال لم يدرك جابر بن عبد الله. قال: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن النبي - ﷺ - بإسناد أصح من هذا. قال: وفي الباب عن ابن مسعود، انتهى كلامه. وقد روى هذا الحديث ابن سعد في "الطبقات" عن الحجاج بن محمد الأعور عن ليث بن سعد، ورواه ابن جرير من طريق الحجاج عن ليث بن سعد فذكراه بمثل رواية الترمذي، ورواه الحاكم في "المستدرك" موصولًا من طريق عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الحسين وتلا هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] فقال: حدثني جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - يومًا فقال، فذكر الحديث بنحو رواية الترمذي ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي على تصحيحه. وقد رواه البيهقي في "دلائل النبوة" من طريق الحاكم فذكره بنحو ما تقدم ورواه أيضًا من طريق سعيد بن أبي هلال عن عطاء عن جابر وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه.
وعن ربيعة الجرشي قال: أُتي النبي - ﷺ - فقيل له: لتنم عينك ولتسمع أذنك وليعقل قلبك، قال: «فنامت عيناي وسمعت أذناي وعقل قلبي،
[ ١١٦ ]
قال: فقيل لي: سيد بنى دارًا فصنع مأدبة وأرسل داعيًا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يطعم من المأدبة وسخط عليه السيد. قال: فالله السيد ومحمد الداعي والدار الإسلام والمأدبة الجنة» رواه الدارمي والطبراني، قال الهيثمي: وإسناده حسن. وقال الحافظ ابن حجر في "كتاب الاعتصام" من "فتح الباري": سنده جيد.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: صلى رسول الله - ﷺ - العشاء ثم انصرف فأخذ بيد عبد الله بن مسعود حتى خرج به إلى بطحاء مكة فأجلسه ثم خط عليه خطًا ثم قال: «لا تبرحن خطك فإنه سينتهي إليك رجال فلا تكلمهم فإنهم لا يكلمونك»، قال: ثم مضى رسول الله - ﷺ - حيث أراد فبينا أنا جالس في خطي إذ أتاني رجال كأنهم الزط (١) أشعارهم وأجسامهم لا أرى عورة ولا أرى قِشْرًا (٢) وينتهون إليّ لا يجاوزون الخط ثم يصدرون إلى رسول الله - ﷺ - حتى إذا كان من آخر الليل، لكن رسول الله - ﷺ - قد جاءني وأنا جالس فقال: «لقد أراني منذ الليلة» ثم دخلي عليّ في خطي فتوسد فخذي فرقد وكان رسول الله - ﷺ - إذا رقد نفخ فبينا أنا قاعد ورسول الله - ﷺ - متوسد فخذي إذا أنا برجال عليهم ثياب بيض، الله أعلم ما بهم من الجمال فانتهوا إليّ فجلس طائفة منهم عند رأس رسول الله - ﷺ - وطائفة منهم عند رجليه، ثم قالوا بينهم: ما رأينا عبدًا قط أوتي مثل ما أوتي هذا النبي، إن عينيه تنامان وقلبه يقظان، اضربوا له مثلًا مثل سيد بنى قصرًا ثم جعل مأدبة فدعا الناس إلى طعامه وشرابه فمن أجابه أكل من طعامه وشرب من شرابه ومن لم يجبه عاقبه أو قال عذبه، ثم ارتفعوا واستيقظ رسول الله - ﷺ - عند ذلك فقال: «سمعت ما قال هؤلاء؟ وهل تدري من هؤلاء؟»، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «هم
_________________
(١) الزط: جنس من السودان والهنود.
(٢) القشر اللباس. قال ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" ومنه حديث ابن مسعود ليلة الجن، لا أرى عورة ولا قشرًا، أي لا أرى منهم عورة منكشفة ولا أرى عليهم ثيابًا.
[ ١١٧ ]