فمن ذلك رؤياه في النزع من القليب وقد جاء ذلك في حديثين. أحدهما: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذنوبًا أو ذنوبين وفي نزعه ضعفه، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربًا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريًا من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وابن حبان
الحديث الثاني: عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «أريت في المنام أني أنزع بدلو بكرة على قليب فجاء أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين نزعًا ضعيفًا، والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت غربًا فلم أر عبقريًا يفري فَريه حتى روي الناس وضربوا بعطن» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن أبي شيبة، وقال الترمذي: صحيح غريب
قال الخباري: قال وهب – أي ابن جرير أحد الرواة لحديث ابن عمر ﵄ -: العطن مبرك الإبل، يقول: حتى رويت الإبل فأناخت. انتهى. وأما العبقري فهو الرجل القوي. قال الجوهري: قالوا هذا عبقري قوم للرجل القوي. وفي الحديث: «فلم أر عبقريًا يفري فَريه»، وقال ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث": عبقري القوم سيدهم وكبيرهم وقويهم. والأصل في العبقري فيما قيل أن عبقر قرية يسكنها الجن فيما يزعمون فكلما رأوا شيئًا فائقًا غريبًا مما يصعب عمله ويدق أو شيئًا عظيمًا في نفسه نسبوه إليها فقالوا عبقري، ثم اتسع فيه حتى سمي به السيد الكبير. انتهى.
[ ١٢٤ ]
وقد ذكرت في الفصل الذي قبل هذا الفصل حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه البيهقي في "دلائل النبوة" وفيه: أن رسول الله - ﷺ - رأى أنه يسقي غنمًا سودًا وعفرًا، وأن أبا بكر ﵁ نزع ذنوبًا أو ذنوبين وأن عمر ﵁ أخذ الدلو فأروى الناس، وإنما ذكرته هناك لما فيه من تأويل الغنم السود بأنهم العرب، وتأويل الغنم العفر بالأعاجم. وأما ما جاء فيه من النزع بالدلو فلم يأت فيه تأويل عن النبي - ﷺ - وكذلك ما ذكرته في هذا الفصل من حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر ﵃ في النزع بالدلو لم يأت فيه تأويل عن النبي - ﷺ -. وتأويله ظاهر من قيام النبي - ﷺ - بالدعوة إلى الله تعالى وجهاد المشركين وبذل النصيحة للأمة وتعليمهم أمور دينهم وما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم وغير ذلك من الأمور العظيمة والمصالح العامة التي قام بها - ﷺ - أتم القيام، ثم قام أبو بكر الصديق بما كان يتولاه رسول الله - ﷺ - من أمور المسلمين أتم القيام وحارب أهل الردة حتى أدخلهم من الباب الذي خرجوا منه، ثم بعث الجيوش إلى الفرس والروم وحصل في زمانه عدة انتصارات عليهم، ثم كانت خاتمة أعماله الجليلة أَنْ عهد بالخلافة لعمر بن الخطاب ﵁ فكانت ولاية عمر ﵁ حسنة من حسنات أبي بكر ﵁، وكانت مدة ولاية أبي بكر ﵁ سنتين وشهرين تقريبًا فكانت مطابقة لما رآه النبي - ﷺ - في منامه أنه نزل بالدلو ذنوبًا أو ذنوبين. ثم قام عمر ﵁ بعده بأمور المسلمين أكثر من عشر سنين ففتح الله له الفتوح الكثيرة بالشام والعراق وخراسان ومصر وغيرها من الأمصار وأذل الله به أمم الكفر، ودوَّنَ الدواوين وقام بتدبير أمور المسلمين أتم القيام وكان مضرب المثل في العدل والحزم وحسن السيرة. فكانت أعماله في ولايته مطابقة لما رآه النبي - ﷺ - في منامه من قوة نزعه للماء وإرواء الناس حتى ضربوا بعطن، وقد روى البيهقي في "دلائل النبوة" بإسناد صحيح عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: رؤيا الأنبياء وحي. وقوله: «وفي نزعه ضعف» قصر مدته وعجلة موته وشغله بالحرب مع أهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في طول مدته. انتهى.
وقال النووي في "شرح مسلم": ومعنى ضرب الناس بعطن، أي
[ ١٢٥ ]
أرووا إبلهم ثم آووها إلى عطنها وهو الموضع الذي تساق إليه بعد السقي لتستريح. قال العلماء: هذا المنام مثال واضح لما جرى لأبي بكر وعمر ﵄ في خلافتهما وحسن سيرتهما وظهور آثارهما وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبي - ﷺ - ومن بركته وآثار صحبته. فكان النبي - ﷺ - هو صاحب الأمر فقام به أكمل قيام وقرر قواعد الإسلام ومَهَّدَ أموره وأوضح أصوله وفروعه ودخل الناس في دين الله أفواجًا وأنزل الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ثم توفي - ﷺ - فخلفه أبو بكر ﵁ سنتين وأشهرًا. وهو المراد بقوله - ﷺ -: «ذنوبًا أو ذنوبين» وحصل في خلافته قتال أهل الردة وقطع دابرهم واتساع الإسلام، ثم توفي فخلفه عمر ﵁ فاتسع الإسلام في زمنه وتقرر لهم من أحكامه ما لم يقع مثله، فعبّر بالقليب عن أمر المسلمين لما فيها من الماء الذي به حياتهم وصلاحهم، وشبه أميرهم بالمستقي لهم، وسقيه هو قيامه بمصالحهم وتدبير أمورهم، وأما قوله - ﷺ - في أبي بكر ﵁: «وفي نزعه ضعف» فليس فيه حط من فضيلة أبي بكر ولا إثبات فضيلة لعمر عليه وإنما هو إخبار عن مدة ولايتهما وكثرة انتفاع الناس في ولاية عمر لطولها ولاتساع الإسلام وبلاده والأموال وغيرها من الغنائم والفتوحات ومصّر الأمصار ودَوَّن الدواوين. وأما قوله - ﷺ -: «والله يغفر له» فليس فيه تنقيص له ولا إشارة إلى ذنب وإنما هي كلمة كان المسلمون يدعمون بها كلامهم ونعمت الدعامة، وقد سبق في الحديث في صحيح مسلم أنها كلمة كان المسلمون يقولونها افعل كذا والله يغفر لك. قال العلماء: وفي كل هذا إعلام بخلافة أبي بكر وعمر وصحة ولايتهما وبيان صفتها وانتفاع المسلمين بها، وقوله - ﷺ -: «فلم أر عبقريًا من الناس يفري فريه» أما يفري فبفتح الياء وإسكان الفاء وكسر الراء،،أما فريه فروي بوجهين. أحدهما: فريه بإسكان الراء وتخفيف الياء. والثاني: كسر الراء وتشديد الياء وهما لغتان صحيحتان. وأنكر الخليل التشديد وقال: هو غلط؛ واتفقوا على أن معناه لم أر سيدًا يعمل عمله ويقطع قطعه، وأًل الفري بالإسكان القطع. وقوله - ﷺ -: «حتى
[ ١٢٦ ]