على الحاكم العبيدي بنبش قبر النبي - ﷺ - وصاحبيه وحملهم إلى مصر وقال له: متى تّمَّ هذا الأمر شد الناس رحالهم من أقطار الأرض إلى مصر فكانت منقبة يعود جمالها على مصر وساكنيها فدخل ذلك عقل الحاكم فنفذ إلى أبي الفتوح يأمره بذلك فسار أبو الفتوح حتى قدم المدينة وحضر إليه جماعة من أهلها لأنه كان بلغهم ما قدم بسببه وكان حضر معهم قارئ يعرف بالركباني فقرأ بين يدي أبي الفتوح: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ * أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ﴾ [التوبة: ١٢ - ١٤] قال: فماج الناس وكادوا أن يقتلوا أبا الفتوح ومن معه من الأجناد، وما منعهم إلا أن البلاد كانت للحاكم، فلما رأى أبو الفتوح ما الناس عليه قال لهم: الله أحق أن يخشى والله لا أتعرض لشيء من ذلك وَدَعِ الحاكم يفعل فيّ ما أراد، ثم استولى عليه ضيق الصدر وتقسيم الفكر كيف أجاب، فما غابت الشمس في بقية ذلك اليوم حتى أرسل الله تعالى من الريح ما كادت الأرض تزلزل منه وتدحرجت الإبل بأقتابها والخيل بسروجها كما تدحرج الكرة على وجه الأرض وهلك خلق كثيرون من الناس وانفرج هَمُّ أبي الفتوح لما أرسل الله تعالى تلك الرياح التي شاع ذكرها في الآفاق لتكون له حجة عند الحاكم من الامتناع من نبش القبور الكريمة. انتهى.
ومن الرؤيا الظاهرة ما جاء في قصة طويلة ذكرها اللالكائي في كتابه "شرح السنة" عن يوسف بن الحسن بن إبراهيم الخياط قال: كان في الجانب الشرقي في وقت أبي الحسن بن بويه رجل ديلمي من قوّاده يسمى جبنه، مشهور، وَجْهٌ من وجوه عسكره. ويذكر جماعة من الحاضرين لهذه الحكاية أنه كان رجلًا مشهورًا له مال ونجدة وجمال، قال: بينما هو واقف يومًا في موسم الحاج ببغداد وقد أخذ الناس في الخروج إلى مكة إذ عبر به رجل يعرف بعلي الدقاق – معافري – قال يوسف: هو حدثني بهذه القصة
[ ١٠٣ ]
إذ هو صاحبها والمبتلى بها، وكنت أسمع غيره من الناس يذكرونها لشهرتها إلا أني سمعته يقول: عبرت على جبنه، فقال لي: يا علي هو ذا تحج هذه السنة؟ قلت: لم تتفق لي حجة إلى الآن وأنا في طلبها، فقال لي جوابًا عن كلامي: أنا أعطيك حجة، فقلت له من غير أن يصح في نفسي كلامه: هاتها، فقال: يا غلام مُرَّ إلى عثمان الصيرفي وقل له يزن لك عشرين دينارًا فمررت مع غلامه فوزن لي عثمان عشرين دينارًا ورجعت إليه فقال لي: أصلح أمورك فإذا عزمت على الرحيل فأرني وجهك لأوصيك بوصية فانصرفت عنه وهيأت أموري فرجعت إليه فقال لي: أولًا قد وهبت لك هذه الحجة ولا حاجة لي فيها ولكن أحملك رسالة إلى محمد، فقلت: ما هي؟ قال: قل له أنا بريء من صاحبيك أبي بكر وعمر اللذين هما معك، ثم حلفني بالطلاق إنك لتقولنها وتبلغن هذه الرسالة إليه، فورد عليّ مورد عظيم وخرجت من عنده مهمومًا حزينًا وحججت ودخلت المدينة وزرت قبر رسول الله - ﷺ - وصرت مترددًا في الرسالة أبلغها أم لا، وفكرت في أني إن لم أبلغها طلقت امرأتي وإن بلغت عظمت علي مما أواجه به رسول الله - ﷺ - فاستخرت الله تعالى في القول، وقلت: إن فلان بن فلان يقول كذا وكذا وأديت الرسالة بعينها واغتممت غمًا شديدًا وتنحيت ناحية فغلبتني عيناي فرأيت النبي - ﷺ - فقال: «قد سمعت الرسالة التي أديتها فإذا رجعت إليه فقل إن رسول الله - ﷺ - يقول: أبشر يا عدو الله يوم التاسع والعشرين من قدومك بغداد بنار جهنم»، وقمت وخرجت ورجعت إلى بغداد فلما عبرت إلى الجانب الشرقي فكرت وقلت: إن هذا رجل سوء بلغت رسالته إلى رسول الله - ﷺ - أبلغ رسالته إليه، وما هو إلا أن أخبره بها حتى يأمر بقتلي أو يقتلني بيده، وأخذت أُقَدّم وأؤخر، فقلت: لأقولنها ولو كان فيها قتلي ولا أكتم رسالته وأخالف أمره، فدخلت عليه قبل الدخول على أهلي فما هو إلا أن وقعت عينه علي فقال لي: يا دقاق ما عملت في الرسالة؟ قلت: أديتها إلى رسول الله - ﷺ - ولكن قد حمّلني جوابها، قال: ما هي؟ فقصصت عليه رؤياي، فنظر إلي وقال: إن قتل مثلك علي هيّن -وسَبَّ وشتم، وكان بيده زوبين يهزه فهزه في وجهي- ولكن لأتركنك إلى اليوم الذي ذكرته ولأقتلنك بهذا الزوبين -وأشار إلى الزوبين- ولامني الحاضرون
[ ١٠٤ ]