وأربعين جزءًا من النبوة» معنى هذا الكلام تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده. ونقل العيني في "عمدة القاري" عن الزجاج أنه قال تأويل قوله: «جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» أن الأنبياء ﵈ يخبرون بما سيكون والرؤيا تدل على ما يكون. انتهى. وذكر الخطابي عن بعض العلماء أنه قال: معناه أن الرؤيا تجيء على موافقة النبوة، لا أنها جزء باق من النبوة. وقال آخر: معناه أنها جزء من أجزاء علم النبوة باقٍ، والنبوة غير باقية بعد رسول الله - ﷺ - وهو معنى قوله - ﷺ -: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له». انتهى.
الثالثة: أن الرؤيا من الله والحُلْم من الشيطان. قال ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث": الرؤيا والحُلْم عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء، لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحُلْم على ما يراه من الشر والقبيح. ومنه "أضغاث أحلام" ويستعمل كل منهما موضع الآخر، وتضم لام الحُلم وتسكن. ومنه الحديث: «من تَحلَّم كلّف أن يعقد بين شعيرتين» أي قال: إنه رأى في النوم ما لم يره. يُقال: حَلَم بالفتح إذا رأى، وتَحَلَّم إذا ادعى الرؤيا كاذبًا. انتهى.
وقال الجوهري: الحُلْم بالضم ما يراه النائم تقول منه حَلَم بالفتح واحتلم، والحِلْم بالكسر الأناة تقول منه حَلُم الرجل بالضم وتَحَلَّم تكلف الحِلْم، وتحالم أرى من نفسه ذلك وليس به. انتهى. وقال النووي: أما الحُلْم فبضم الحاء وإسكان اللام، والفعل منه حَلَم بفتح اللام. انتهى.
الرابعة: أنه إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب. وقد ذكر الخطابي وغيره من العلماء في معنى اقتراب الزمان قولين، أحدهما: أنه قرب زمان الساعة ودنو وقتها. والثاني: أن معنى اقترب الزمان اعتداله واستواء الليل والنهار. قال الخطابي والمعبرون: يزعمون أن أصدق الرؤيا ما كان في أيام الربيع ووقت اعتدال الليل والنهار.
قلت: والقول الأول هو الصحيح وقد جاء النص على ذلك في رواية أيوب السختياني عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن
[ ٢٠ ]
النبي - ﷺ - أنه قال: «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب» وهو حديث صحيح وقد تقدم ذكره في الحديث الثالث عشر. وأما القول الثاني فباطل مردود لأنه لا قول لأحد مع قول رسول الله - ﷺ -، وقد قال ابن العربي المالكي في "عارضة الأحوذي" قوله: "اقترب الزمان" هو افتعل من القرب، واختلف في معناه فقيل: أراد به اقترب من الاعتدال، والثاني إذا اقترب من الانتهاء بإقبال الساعة. فأما الأول فلا يصح من وجهين. أحدهما: أن اعتدال الليل والنهار ليس له في ذلك أثر ولا يتعلق به معنى إلا ما قالته الفلاسفة من أن اعتدال الزمان تعتدل به الأخلاط. وهذا مبني على تعليقها بالطبائع وهو باطل. الثاني: أنه يعارضه أن الزمان يعتدل إذا شارفت الشمس الميزان وهو معارض لصناعتهم لأن في ذلك الزمان وإن كان في مقابلة مشارفة الحمل تسقط الأوراق ويسقط الماء عن الثمار عكس المقارن الأول. والرؤيا عندهم فيه قاصرة وقد اغتّر بعض الناس بهذا التأويل فقال به، والأصح أنه اقتراب يوم القيامة فإنها الحاقة التي تحق فيها الحقائق فكلما قرب منها فهو أخص بها. انتهى.
ونقل ابن حجر في "فتح الباري" عن ابن أبي جمرة أنه قال: معنى كون رؤيا المؤمن في آخر الزمان لا تكاد تكذب أنها تقع غالبًا على الوجه الذي لا يحتاج إلى تعبير فلا يدخلها الكذب. قال: والحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزمان أن المؤمن في ذلك الوقت يكون غريبًا فيقل أنيس المؤمن ومُعينه في ذلك الوقت فيكرم بالرؤيا الصادقة. انتهى.
الخامسة: أن أصدق المؤمنين حديثًا أصدقهم رؤيا. قال النووي: ظاهره أنه على إطلاقه لأن غير الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياه وحكايته إياها. وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي قوله: «أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا» وذلك لأن الأمثال إنما تضرب له على مقتضى أحواله من تخليط وتحقيق وكذب وصدق وهزل وجدّ ومعصية وطاعة. قال ابن سيرين: ما احتلمت في حرام قط، فقال بعضهم: ليت عقل ابن سيرين في المنام يكون لي في اليقظة. انتهى. ونقل الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" عن المهلب أنه قال: الناس على ثلاث درجات، الأنبياء ورؤياهم كلها صدق وقد
[ ٢١ ]
يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون والأغلب على رؤياهم الصدق وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير، ومن عداهم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث وهم على ثلاثة أقسام. مستورون فالغالب استواء الحال في حقهم، وفسقة والغالب على رؤياهم الأضغاث ويقل فيها الصدق، وكفار ويندر في رؤياهم الصدق جدًا، ويشير إلى ذلك قوله - ﷺ -: «وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا» وقد وقعت الرؤيا الصادقة من بعض الكفار كما في رؤيا صاحبي السجن مع يوسف ﵇ ورؤيا ملكهما وغير ذلك. انتهى.
وقال القرطبي: المسلم الصادق الصالح هو الذي يناسب حاله حال الأنبياء فأكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء وهو الاطلاع على الغيب، وأما الكافر والفاسق والمخلط فلا، ولو صدقت رؤياهم أحيانًا فذلك كما قد يصدق الكذوب، وليس كل من حدًّث عن غيب يكون خبره من أجزاء النبوة كالكاهن والمنجم. انتهى. وقال ابن حجر: إن الرؤيا الصحيحة وإن اختصت غالبًا بأهل الصلاح فقد تقع لغيرهم. انتهى.
السادسة: تقسيم الرؤيا إلى ثلاث. الأولى: رؤيا حق وهي الرؤيا الصالحة التي هي بشرى من الله لمن رآها أو رؤيت له. الثانية: رؤيا مما يحدث به الرجل نفسه. الثالثة: رؤيا أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم. قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي: أما تقسيم الرؤيا على ثلاثة أقسام فهي قسمة صحيحة مستوفية للمعاني وهي عند الفلاسفة على أربعة أقسام بحسب الطبائع الأربع، وقد بيّنا في كل كتاب ونادينا على كل باب وصرخنا على الوهاد والأنقاب بأنه لا تأثير للأخلاط ولا فعل، وإنما الصحيح ما قاله النبي - ﷺ - وهي الرؤيا البشرى إما بمحبوب وإما بمكروه وإما تحزين من الشيطان يضرب به الأمثال المكروهة الكاذبة ليحزنه، وإما خطرات الوساوس وحديث النفوس فتجري على غير قصد ولا عقد في المنام جريانها في اليقظة. انتهى.
السابعة: الإخبار عن الرؤيا التي تعجب من رآها بأنها بشرى من الله.
الثامنة: أنه ينبغي للمؤمن أن يستبشر بالرؤيا الحسنة لقوله في بعض
[ ٢٢ ]
الروايات عن أبي قتادة ﵁: «فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر». قال الإمام أحمد: الرؤيا تسرّ المؤمن ولا تغرّه.
التاسعة: الأمر لمن رأى رؤيا يحبها أن يحمد الله عليها ويحدث بها.
العاشرة: نهي من رأى رؤيا حسنة أن يخبر بها إلا من يحب. وهذا مما يتساهل فيه كثير من المنسوبين إلى العلم فضلًا عن العامة فتجد كثيرًا منهم يخبر بالرؤيا الحسنة من يحب ومن لا يحب.
الحادية عشرة: نهي من رأى رؤيا يكرهها أن يحدث بها أحدًا. وهذا أيضًا مما يتساهل فيه كثير من الناس.
الثانية عشرة: الأمر لمن رأى رؤيا يكرهها أن يبصق عن يساره ثلاثًا إذا استيقظ وأن يستعيذ بالله من الشيطان ثلاثًا وأن يتحول عن جنبه الذي كان عليه.
الثالثة عشرة: أمره أيضًا أن يستعيذ من شر رؤياه.
الرابعة عشرة: الإخبار بأن من فعل ما أمر به إذا رأى الرؤيا المكروهة واجتنب ما نهي عنه من التحديث بها فإنها لا تضره. وقد قال ابن سيرين: اتق الله في اليقظة ولا تبال ما رأيت في النوم.
الخامسة عشرة: أمر من رأى رؤيا يكرهها أن يقوم فيصلي. قال ابن العربي المالكي: لأن التحرم بها عصمة من الأسواء ونهي عن المنكر والفحشاء. انتهى.
السادسة عشرة: أن رؤية القيد في المنام حسن محمود وقد تقدم النص على أن القيد ثبات في الدين. قال أبو بكر ابن العربي المالكي: إنما جعل القيد ثباتًا في الدين لأن المقيد لا يستطيع المشي وقد ضربه النبي - ﷺ - مثلًا للإيمان الذي يمنع عن المشي إلى الباطل فجعله ثباتًا في الدين كذلك. انتهى.
السابعة عشرة: أن رؤية الغُلّ في المنام مكروه لأنه من صفات أهل النار. والغُلُّ بضم المعجمة وتشديد اللام واحد الأغلال. قال الفيومي في
[ ٢٣ ]
"المصباح المنير": الغُلُّ بالضم طوق من حديث يجعل في العنق والجمع أغلال مثل قفل وأقفال. وقال ابن منظور في "لسان العرب": الغُلُّ جامعة توضع في العنق أو اليد، والجمع أغلال، ويقال: في رقبته غُلُّ من حديد. وقوله تعالى وتقدس: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا أغلالًا﴾ [يس: ٨] هي الجوامع تجمع أيديهم إلى أعناقهم، وقولهم في المرأة السيئة الخلق: «غُلُّ قَمِلٌ» أصله أن العرب كانوا إذا أسروا أسيرًا غلوه بغل من قِدًّ وعليه شعر فربما قمل في عنقه إذا قَبَّ ويبس فتجتمع عليه محنتان الغُلُّ والقمل. ضربه مثلًا للمرأة السيئة الخلق الكثيرة المهر لا يجد بعلها منها مخلصًا، والعرب تكني عن المرأة بالغُلّ. وفي الحديث: «وإن من النساء غُلاُّ قَمِلًا يقذفه الله في عنق من يشاء ثم لا يخرجه إلا هو». انتهى.
قال المهلب: الغُلّ يعبّر بالمكروه لأن الله أخبر في كتابه أنه من صفات أهل النار بقوله تعالى: ﴿إذ الأغلال في أعناقهم﴾ [غافر: ٧١] الآية. وقد يدل على الكفر وقد يعبّر بامرأة تؤذي. انتهى.
وقال ابن العربي المالكي قوله: «وأحب القيد وأكره الغُلّ» أما حبه القيد فلذكر النبي - ﷺ - له في قسم المحمود فقال: «قَيَّد الإيمان الفتك» وأما الغُلّ فذكره شرعًا في المذموم كقوله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠]، ﴿إذ الأغلال في أعناقهم﴾ [الإسراء: ٢٩]، ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] و﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]. انتهى.
وقال النووي: قال العلماء: إنما أحب القيد لأنه في الرجلين وهو كفّ عن المعاصي والشرور وأنواع الباطل. وأما الغُلّ فموضعه العنق وهو صفة أهل النار. وأما أهل التعبير فقالوا: إن القيد ثبات في الأمر الذي يراه الرائي بحسب من يرى له ذلك. وقالوا: إذا انضم الغل إلى القيد دل على زيادة
[ ٢٤ ]
المكروه، وإذا جعل الغل في اليدين حُمِد لأنه كفّ لهما عن الشر. وقد يدل على البخل بحسب الحال، وقالوا أيضًا: إن رأى أن يديه مغلولتان فهو بخيل. وإن رأى أنه قيّد وغلّ فإنه يقع في سجن وشدة. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" بعد ذكره لكلام النووي، قلت: وقد يكون الغُلّ في بعض المرائي محمودًا كما وقع لأبي بكر الصديق ﵁، فأخرج أبو بكر بن أبي شيبة بسند صحيح عن مسروق قال: «مر صهيب بأبي بكر فأعرض عنه فسأله فقال: رأيت يدك مغلولة على باب أبي الحشر رجل من الأنصار، فقال أبو بكر: جمع لي ديني إلى يوم الحشر».
الثامنة عشرة: الأمر بأن لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح.
وسيأتي ذكر الأحاديث الواردة في هذا وكلام العلماء فيما يتعلق بهذه الفائدة في فصل مستقل إن شاء الله تعالى.
فصل