ما جاء في حديث الأسود بن هلال عن رجل عن قومه أنه كان يقول في خلافة عمر بن الخطاب: لا يموت عثمان بن عفان حتى يستخلف، قلنا: من أين تعلم ذلك؟ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «رأيت الليلة في المنام كأن ثلاثة من أصحابي وزنوا فَوُزِن أبو بكر فَوَزَن ثم وُزِن عمر فَوَزَن ثم وُزِنَ عثمان فنقص وهو صالح» رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
فصل
في ذكر ما رآه بعض الصحابة في المنام وأوَّلَه رسول الله - ﷺ -
فمن ذلك ما جاء في حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: وفدت مع أبي إلى معاوية بن أبي سفيان فأدخلنا عليه فقال: يا أبا بكرة حدثني بشيء سمعته من رسول الله - ﷺ -، فقال: كان رسول الله - ﷺ - يعجبه الرؤيا الصالحة ويسأل عنها فقال رسول الله - ﷺ - ذات يوم: «أيكم رأى رؤيا؟» فقال رجل: أنا يا رسول الله، رأيت كأن ميزانًا دلي من السماء فوزنت أنت بأبي بكر فرجحت بأبي بكر ثم وزن أبو بكر بعمر فرجح أبو بكر بعمر ثم وزن عمر بعثمان فرجح عمر بعثمان ثم رفع الميزان، فاستاء لها رسول الله - ﷺ - فقال: «خلافة نبوة ثم يؤتي الله ﵎ الملك من يشاء» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وابن أبي شيبة وفيه علي بن زيد وهو ثقة سيئ الحفظ وبقية رجاله رجال الصحيح.
قال الخطابي: قوله: استاء لها أي كرهها حتى تبينت المساءة في وجهه، انتهى. وفي بعض الروايات عند أحمد فساءه ذلك.
وقد رواه أبو داود السجستاني والترمذي والحاكم والبيهقي من طريق الأشعث بن عبد الملك الحمراني عن الحسن بن أبي بكرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال ذات يوم: «من رأى منكم رؤيا»؟ فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزانًا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر ووزن عمر وعثمان فرجح عمر ثم رفع الميزان، فرأينا الكراهية في وجه رسول الله - ﷺ -. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضًا الحاكم والذهبي. وقال الحاكم في موضع آخر: صحيح على شرط
[ ١٣١ ]
الشيخين وتعقبه الذهبي فقال أشعث هذا ثقة لكن ما احتجَّا به.
ومن ذلك ما جاء في حديث سعيد بن جُهْمان عن سفينة مولى أم سلمة ﵂ قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا صلى الصبح أقبل على أصحابه فقال: «أيكم رأى الليلة رؤيا؟» قال: فصلى ذات يوم فقال: «أيكم رأى رؤيا؟» فقال رجل: أنا رأيت يا رسول الله، كأنَّ ميزانًا دلي به من السماء فوضعت في كفة ووضع أبو بكر في كفة أخرى فرجحت بأبي بكر فرفعتَ وترك أبو بكر مكانه فجيء بعمر بن الخطاب فوضع في الكفة الأخرى فرجح به أبو بكر فرفع أبو بكر وجيء بعثمان فوضع في الكفة الأخرى فرجح عمر بعثمان ثم رفع عمر وعثمان ورفع الميزان، قال: فتغير وجه رسول الله - ﷺ - ثم قال: «خلافة النبوة ثلاثون عامًا ثم تكون ملكًا». قال سعيد بن جُهْمان: فقال لي سفينة: أَمْسِك، سنتي أبي بكر، وعشر عمر، وثنتي عشرة عثمان، وست علي ﵃، رواه البزار مختصرًا والحاكم وهذا لفظه وفيه مؤمل بن إسماعيل. قال الهيثمي: وثقه ابن معين وابن حبان وضعفه البخاري وغيره وبقية رجاله ثقات. قلت: وحديث أبي بكرة المذكور قبله يشهد له ويقويه.
ومن ذلك ما رواه أبو داود عن سمرة بن جندب ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله إني رأيت كأن دلوًا دلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربًا ضعيفًا ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع ثم جاء علي فأخذ بعراقيها فانتشطت وانتضح عليه منها شيء. ورواه البيهقي في "دلائل النبوة" من طريق أبي داود، ورواه ابن شيبة مختصرًا لم يذكر فيه غير أبي بكر وعمر، ورواه الإمام أحمد من حديث سمرة بن جندب أن رجلًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رأيت كأن دلوًا دليت من السماء» فذكر الحديث في شرب أبي بكر وعمر، قال: «ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب فانتشطت منه فانتضح عليه منها شيء» ولم يذكر عليًا.
كذا جاء في رواية أحمد أن الرؤيا كانت لرسول الله - ﷺ -، وجاء في رواية ابن أبي شيبة وأبي داود أن الرؤيا كانت لرجل من الصحابة. ومخرج الحديث
[ ١٣٢ ]
واحد لأن كلًا من المذكورين قد رواه من طريق حماد بن سلمة عن الأشعث ابن عبد الرحمن الجرمي عن أبيه عن سمرة بن جندب ﵁، فأما أحمد فرواه عن عبد الصمد وعفان عن حماد بن سلمة، وأما ابن أبي شيبة فرواه عن عفان عن حماد بن سلمة، وأما أبو داود فرواه عن محمد بن المثنى عن عفان عن حماد بن سلمة؛ وعلى هذا فلا تخلو إحدى الروايتين من الغلط، ولعل ذلك في رواية أحمد وأنه قد وقع من بعض النساخ ويكون الصواب أن رجلًا قال لرسول الله - ﷺ - رأيت، والله أعلم.
وليس في الحديث تأويل للرؤيا، وتأويلها ينطبق على الخلافة كما تقدم النص على ذلك في حديثي أبي بكرة وسفينة ﵄. وقوله في أبي بكر ﵁ أنه شرب شربًا ضعيفًا إنما هو إشارة إلى قصر مدة ولايته، قاله الخطابي. قال: وذلك لأنه لم يعش أيام الخلافة أكثر من سنتين وشيء وبقي عمر عشر سنين وشيئًا فذلك معنى تضلعه. انتهى.
وأما قوله: فانتشطت منه، فمعناه نزعت وجذبت. قال الجوهري: نشطت الدلو من البئر نزعتها بغير بكرة. وقال ابن منظور في "لسان العرب": نشط الدلو عن البئر نزعها وجذبها من البئر صُعُدًا بغير قامة وهي البكرة فإذا كان بقامة فهو المتح. انتهى.
ومن المنامات التي أَوَّلَها رسول الله - ﷺ - رؤيا أم العلاء الأنصارية عينًا تجري لعثمان بن مظعون، وقد جاء ذلك فيما رواه الإمام أحمد والبخاري عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أم العلاء – وهي امرأة من نسائهم بايعت رسول الله - ﷺ - قالت: طار لنا عثمان بن مظعون في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين فاشتكى فمرضناه حتى توفي ثم جعلناه في أثوابه فدخل علينا رسول الله - ﷺ - فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، قال: «وما يدريك؟» قلت: لا أدري والله، قال: «أما هو فقد جاءه اليقين إني لأرجو له الخير من الله والله ما أدري – وأنا رسول الله – ما يفعل بي ولا بكم»، قالت أم العلاء: فوالله لا أزكي أحدًا بعده، قالت: ورأيت لعثمان في النوم عينًا تجري فجئت رسول الله - ﷺ -
[ ١٣٣ ]
فذكرت ذلك له فقال: «ذاك عمله يجري له».
قولها: طار لنا عثمان، قال ابن حجر: يعني وقع في سهمنا.
ومن المنامات التي أَوَّلَها رسول الله - ﷺ - رؤيا عبد الله بن سلام ﵁ في الأخذ بالعروة والاستمساك بها وقد روي ذلك عنه من طريقين.
أحدهما: عن قيس بن عُبَاد قال: كنت بالمدينة في ناس فيهم بعض أصحاب النبي - ﷺ - فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع فقال بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنة، هذا رجل من أهل الجنة، فصلى ركعتين يتجوز فيهما ثم خرج فاتبعته فدخل منزله ودخلت فتحدثنا فلما استأنس قلت له: إنك لما دخلت قَبْلُ قال رجل كذا وكذا، قال: سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم وسأحدثك لِمَ ذاك رأيت رؤيا على عهد رسول - ﷺ - فقصصتها عليه، رأيتنى في روضة – ذكر سعتها وعشبها وخضرتها – ووسط الروضة عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: ارقه، فقلت له: لا أستطيع فجاءني مِنْصف – قال ابن عون والمنصف الخادم – فقال: بثيابي من خلفي – وَصَفَ أنه رفعه من خلفه بيده – فرقيت حتى كنت في أعلى العمود فأخذت بالعروة، فقيل لي: استمسك فلقد استيقظت وإنها لفي يدي فقصصتها على النبي - ﷺ - فقال: «تلك الروضة الإسلام وذلك العمود عمود الإسلام وتلك العروة عروة الوثقى وأنت على الإسلام حتى تموت»، قال: والرجل عبد الله بن سلام، رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم.
وفي رواية للبخاري ومسلم عن قيس بن عُباد قال: كنت في حلقة فيها سعد بن مالك وابن عمر فمرّ عبد الله بن سلام فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فقمت فقلت له: إنهم قالوا كذا وكذا، قال: سبحان الله ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم، إنما رأيت كأن عمودًا وضع في روضة خضراء فنصب فيها وفي رأسها عروة وفي أسفلها منصف – والمنصف الوصيف – فقيل لي: ارقه، فرقيت حتى أخذت بالعروة فقصصتها على رسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: «يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى».
[ ١٣٤ ]
الطريق الثاني: عن خَرَشَة بن الحرّ قال: قدمت المدينة فجلست إلى شِيْخة في مسجد النبي - ﷺ - فجاء شيخ يتوكأ على عصا له فقال القوم: من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا، فقام خلف سارية فصلى ركعتين فقمت إليه فقلت له: قال بعض القوم كذا وكذا فقال: الحمد لله الجنة لله ﷿ يدخلها من يشاء وإني رأيت على عهد النبي - ﷺ - رؤيا رأيت كأن رجلًا أتاني فقال: انطلق، فذهبت معه فسلك بي منهجًا عظيمًا فعرضت لي طريق عن يساري فأردت أن أسلكها فقال: إنك لست من أهلها ثم عرضت لي طريق عن يميني فسلكتها حتى انتهيت إلى جبل زلق فأخذ بيدي فزجل بي فإذا أنا على ذروته فلم أتقارَّ ولم أتماسك فإذا عمود من حديد في ذروته حلقة من ذهب فأخذ بيدي فزجل بي حتى أخذت بالعروة فقال: استمسك، فقلت: نعم فضرب العمود برجله فاستمسكت بالعروة فقصصتها على رسول الله - ﷺ - فقال: «رأيت خيرًا أما المنهج العظيم فالمحشر وأما الطريق التي عرضت عني يسارك فطريق أهل النار ولست من أهلها، وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة، وأما الجبل الزلق فمنزل الشهداء، وأما العروة التي استمسكت بها فعروة الإسلام فاستمسك بها حتى تموت». قال: فأنا أرجو أن أكون من أهل الجنة. قال: وإذا هو عبد الله بن سلام، رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجه.
وقد رواه مسلم بأطول من هذا ولفظه عن خَرَشَة بن الحرّ قال: كنت جالسًا في حلقة في مسجد المدينة قال: وفيها شيخ حسن الهيئة وهو عبد الله بن سلام قال: فجعل يحدثهم حديثًا حسنًا، قال: فلما قام قال القوم: من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا، قال: فقلت: والله لأتبعنه فلأعلمن مكان بيته، قال: فتبعته فانطلق حتى كاد أن يخرج من المدينة ثم دخل منزله، قال: فاستأذنت عليه فأذن لي فقال: ما حاجتك يا ابن أخي؟ قال: فقلت له: سمعت القوم يقولون لك لما قمت من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا فأعجبني أن أكون معك، قال: الله أعلم بأهل الجنة وسأحدثك ممّ قالوا، ذاك إني بينما أنا نائم إذ أتاني رجل فقال لي: قم فأخذ بيدي فانطلقت معه، قال: فإذا أنا بجوادّ عن شمالي
[ ١٣٥ ]
قال: فأخذت لآخذ فيها فقال لي: لا تأخذ فيها فإنها طرق أصحاب الشمال، قال: فإذا جواد منهج على يميني فقال لي: خذ ههنا فأتى بي جبلًا فقال لي: اصعد قال: فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت على إستي قال: حتى فعلت ذلك مرارًا، قال: ثم انطلق بي حتى أتى بي عمودًا رأسه في السماء وأسفله في الأرض، في أعلاه حلقة فقال لي: اصعد فوق هذا، قال: قلت: كيف أصعد هذا ورأسه في السماء، قال: فأخذ بيدي فزجل بي، قال: فإذا أنا متعلق بالحلقة، قال: ثم ضرب العمود فخرّ، قال: وبقيت متعلقًا بالحلقة حتى أصبحت، قال: فأتيت النبي - ﷺ - فقصصتها عليه فقال: «أما الطرق التي رأيت عن يسارك فهي طرق أصحاب الشمال، قال: وأما الطرق التي رأيت عن يمينك فهي طرق أصحاب اليمين، وأما الجبل فهو منزل الشهداء ولن تناله، وأما العمود فهو عمود الإسلام، وأما العروة فهي عروة الإسلام ولن تزال متمسكًا بها حتى تموت»
قوله: فإذا جوادّ منهج. قال النووي: الجوادّ جمع جادّة وهي الطريق البينة المسلوكة والمشهور فيها جوادّ بتشديد الدال. والنهج الطريق المستقيم، وطريق منهج، بيّن واضح. وقوله: زجل بي أي رمى بي. انتهى.
ومن المنامات التي أَوَّلها رسول الله - ﷺ - رؤيا عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه يلعق سمنًا وعسلًا. وقد روى ذلك الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: رأيت فيما يرى النائم لكأن في إحدى إصبعي سمنًا وفي الأخرى عسلًا فأنا ألعقهما فلما أصبحت ذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: «تقرأ الكتابين التوراة والفرقان» فكان يقرأهما، فيه ابن لهيعة وقد حّسَّن ابن عدي وابن كثير والهيثمي حديثه وضعفه بعض الأئمة وبقية رجاله ثقات.
ومن المنامات التي أَوَّلَها رسول الله - ﷺ - ما جاء عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: رأيت في المنام كأن الأرض تنزع إلى السماء بأشطان شداد فقصصت ذلك على رسول الله - ﷺ - فقال: «ذلك وفاة ابن أخيك» رواه البزار والطبراني. قال الهيثمي: ورجالهما ثقات. وقد رواه
[ ١٣٦ ]
الدارمي بإسناد رجاله رجال الصحيح ولفظه قال: رأيت في المنام كأن شمسًا أو قمرًا في الأرض ترفع إلى السماء بأشطان شداد فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: «ذاك ابن أخيك» يعني رسول الله - ﷺ - نفسه.
ومن المنامات التي أَوَّلَها رسول الله - ﷺ - رؤيا أم الفضل بنت الحارث زوجة العباس بن عبد المطلب ﵁ وعنها أن في بيتها عضوًا من أعضاء رسول الله - ﷺ -، وقد جاء ذلك من ثلاثة طرق عنها ﵂. أحدها: ما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن الحارث عن أم الفضل ﵂ قالت: أتيت النبي - ﷺ - فقلت: إني رأيت في منامي في بيتي أو حجرتي عضوًا من أعضائك، قال: «تلد فاطمة إن شاء الله غلامًا فتكفلينه»، فولدت فاطمة حسنًا فدفعته إليها فأرضعته بلبن قُثَم، الحديث وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد جاء في آخره: «إنما يغسل بول الجارية ويصب على بول الغلام».
الطريق الثاني: عن قابوس بن المخارق عن أم الفضل ﵂ قالت: رأيت كأن بي بيتي عضوًا من أعضاء رسول الله - ﷺ - قالت: فجزعت من ذلك فأتيت رسول الله - ﷺ - فذكرت ذلك له فقال: «خيرًا تلد فاطمة غلامًا فتكفلينه بلبن ابنك قُثَم»، قالت: فولدت حسنًا فأعطيته فأرضعته حتى تحرك أو فطمته، الحديث رواه الإمام أحمد وابن ماجه والطبراني في "الكبير" ورجاله كلهم ثقات. وقد جاء في آخره عند أحمد والطبراني: «إنما يغسل بول الجارية وينصح بول الغلام» وقد قيل: إنه فيه انقطاعًا بين قابوس بن المخارق وبين أم الفضل؛ والصحيح أنه لا انقطاع فيه فقد ذكر المزي في "تهذيب الكمال" أن قابوس بن المخارق روى عن أم الفضل وذكر ذلك غيره أيضًا. وقد روى أبو داود وابن ماجه وابن خزيمة في "صحيحه" والحاكم في "المستدرك" طرفًا من آخر هذا الحديث في حكم بول الجارية وبول الغلام وأنه يغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام، وقد رووه كلهم من طريق قابوس بن المخارق عن لبابة بنت الحارث – وهي أم الفضل – وصححه الحاكم والذهبي. ولو كان فيه انقطاع لبينوه، وقد رواه الطبراني في "الكبير" أيضًا
[ ١٣٧ ]
من طريق قابوس بن المخارق عن أبيه عن أم الفضل ﵂، وهذا من المزيد في متصل الأسانيد.
الطريق الثالث: عن أبي عمار شداد بن عبد الله عن أم الفضل بنت الحارث ﵂ أنها دخلت على رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله إني رأيت حلمًا منكرًا الليلة، قال: «وما هو؟» قالت: إنه شديد، قال: «وما هو؟» قالت: رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري، فقال رسول الله - ﷺ -: «رأيت خيرًا تلد فاطمة إن شاء الله غلامًا فيكون في حجرك» فولدت فاطمة الحسين فكان في حجري كما قال رسول الله - ﷺ -، رواه الطبراني في "الكبير" والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين. وتعقبه الذهبي فقال: بل منقطع فإن شدادًا لم يدرك أم الفضل ومحمد بن مصعب ضعيف، قلت: يشهد له ما تقدم قبله من حديث عبد الله بن الحارث وقابوس بن المخارق.
ومن الرؤيا التي أَوَّلّها رسول الله - ﷺ - مرتين أو ثلاثًا فوقعت على وفق تأويله ثم أوّلتها عائشة ﵂ بخلاف ما كان رسول الله - ﷺ - يئولها عليه فوقعت على وفق تأويل عائشة ﵂. وقد جاء ذلك فيما رواه سليمان بن يسار عن عائشة زوج النبي - ﷺ - ﵂ قالت: كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر يختلف فكانت ترى رؤيا كلما غاب عنها زوجها وقلما يغيب إلا تركها حاملًا فتأتي رسول الله - ﷺ - فتقول: إن زوجي خرج تاجرًا فتركني حاملًا فرأيت فيما يرى النائم أن سارية بيتي انكسرت وأني ولدت غلامًا أعور، فقال رسول الله - ﷺ -: «خَيْرٌ يرجع زوجك عليك إن شاء الله تعالى صالحًا وتلدين غلامًا برًا» فكانت تراها مرتين أو ثلاثًا. كل ذلك تأتي رسول الله - ﷺ - فيقول ذلك لها فيرجع زوجها وتلد غلامًا فجاءت يومًا كما كانت تأتيه ورسول الله - ﷺ - غائب وقد رأت تلك الرؤيا فقلت لها: عَمَّ تسألين رسول الله - ﷺ - يا أمة الله؟ فقالت: رؤيا كنت أراها فآتي رسول الله - ﷺ - فأسأله عنها فيقول خيرًا فيكون كما قال فقلت: فأخبريني ما هي؟ قالت: حتى يأتي رسول الله - ﷺ - فأعرضها عليه كما كنت أعرض فوالله ما تركتها حتى أخربتني فقلت: والله لئن صدقت رؤياك ليموتنَّ زوجك ولتدلن غلامًا فاجرًا، فقعدت
[ ١٣٨ ]
تبكي وقالت: ما لي حين عرضت عليك رؤياي فدخل رسول الله - ﷺ - وهي تبكي فقال لها: «ما لها يا عائشة؟» فأخبرته وما تأوّلت لها فقال رسول الله - ﷺ -: «مَهْ يا عائشة إذا عبرتم للمسلم الرؤيا فاعبروها على خير فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها» فمات والله زوجها ولا أراها إلا ولدت ولدًا فاجرًا، رواه الدارمي وفي إسناده ابن إسحاق وقد عنعن وهو مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح. وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذا الحديث في "فتح الباري" في الكلام على «باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب» وقال: سنده حسن، وذكر أيضًا نحوه من مرسل عطاء بن أبي رباح عند سعيد بن منصور.
فصل