فضيلة الدكتور علي احمد السالوس
في زكاة المستغلات اختلفت الآراء، ولم يكن هناك خلاف يذكر بين المذاهب الفقهية والذي أبرز هذا الخلاف هو ضخامة هذه المستغلات في العصر الحديث.
فعندما عقدت حلقة الدراسات الاجتماعية بدمشق سنة ١٩٥٢م، وبحثت موضوع الزكاة انتهى المجتمعون إلى أن المستغلات لا تزكى عينها، وإنما غلتها فقط، وأن ما تزكى غلته لا عينه يقاس على زكاة الزرع، فالعين كالأرض، والغلة كالزرع، فصافي الغلة يزكى بنسبة ١٠ %.
وهذا الرأي وجد من عارضه، وأذكر على سبيل المثال أن الشيخ محمود شلتوت أفتى بأن الغلة تزكى زكاة نقود، أي ٢.٥ % واستمر الأمر إلى أن عقد المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية سنة ١٣٨٥هـ (١٩٦٥م) . وكان أستاذنا العلامة المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة أحد الذين حضروا حلقة الدراسات الاجتماعية، وقدم للمؤتمر بحثًا عن الزكاة، وذهب في المستغلات إلى ما انتهى إليه الرأي في تلك الحلقة. وبعد مناقشة البحث انتهى المؤتمر إلى ما يأتي:
الأموال النامية التي لم يرد النص ولا رأي فقهي بإيجاب الزكاة فيها حكمها كالآتي:
١- لا تجب الزكاة في أعيان العمائر الاستغلالية والمصانع والسفن والطائرات وما شابهها، بل تجب الزكاة في صافي غلتها عند توافر الناصب وحولان الحول.
٢- وإذا لم يتحقق فيها نصاب وكان لصاحبها أموال أخرى تضم إليها، وتجب الزكاة في المجموع إذا توافر شرطا النصاب وحولان الحول.
٣ – مقدار النسبة الواجب إخراجها هو ربع عشر صافي الغلة في نهاية الحول. ومعنى هذا أن المؤتمر رفض رأي أستاذنا، ومعلوم أن المجمع لا يصدر الفتاوى إلا بالإجماع، وهذا يعني أنه هو نفسه عدل عن رأيه وانضم لرأي الجماعة، ولكن سمعت غير هذا، ولا أجد له تفسيرًا.
[ ٢ / ٩٤ ]
وبعد المؤتمر الثاني للمجمع ظهر كتاب "فقه الزكاة" للأستاذ يوسف القرضاوي وكان للكتاب أثره الواسع في هذا المجال. وانتهى فضيلته في المستغلات إلى رأي حلقة الدراسات الاجتماعية مع شيء من التعديل، يحث رأي إسقاط ما يقابل استهلاك العين، فالعين المستغلة لها عمر زمني مفترض، واقترح عدم تزكية الربع أو الثلث كما كان يحدث عادة في الخرص.
وهذا الرأي كأنه وسط بين الرأيين.
وينتهي الأمر إلى مؤتمر الزكاة الأول الذي شرفت بحضوره. وذكرت في اجتماع اللجنة العلمية ما يؤيد المؤتمر الثاني لمجمع البحوث، مستدلًا بما يأتي:
١- المستغلات في عصرنا لا أصل لها في تاريخ أمتنا، حيث كان المسلمون يؤجرون البيوت، والحوانيت، والحمامات، والدواب، وغيرها، ورأي الأئمة الإعلام أن الغلة تزكى زكاة نقود، وما قال أحد بقياسها على الزرع.
٢- الزكاة عبادة، والقياس في العبادة قد يكون غير جائز.
٣ – ولو أخذنا بالقياس نظرًا للجانب المالي، فهو هنا قياس مع الفارق، لأن المستغل ليس كالأرض، فقد يهلك في لحظة: فتحترق الطائرة، وتغرق السفينة، وتنهدم العمارة، والأرض باقية إلى أن يأذن الله ﷿ في زلزلتها.
والغلة ليست كالزرع لأنها تزكى كل حول، أما الزرع فبعد أن يزكى، إذا ادخر سنوات فلا يزكى مرة ثانية، إلا إذا أصبح عروض تجارة.
ولذلك بين الإمام الشافعي الفرق بين النقدين والزرع بقوله في رسالته (ص٥٢٧- ٥٢٨):
" وأني لم أعلم منهم مخالفًا في أني علمت معدنا فأديت الحق فيما خرج منه، ثم أقامت فضته أو ذهبه عندي دهري، كان على في كل سنة أداء زكاتها، ولو حصدت طعام أرضى فأخرجت عشرة، ثم أقام عندي دهره، لم يكن على فيه زكاة ".
ولكن هذا الرأي رفضه الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي، والأستاذ الدكتور مصطفى الزرقاء، وهو أحد الذين حضروا الدراسات الاجتماعية، وقد رد قائلًا بجواز القياس هنا، وبأن هذا القياس قياس محكم.
[ ٢ / ٩٥ ]
العرض والمناقشة
١٠/٤/ ١٤٠٦- ٢٢/١٢/١٩٨٥
الساعة ١٦.٢٠ – ٢٠.٢٠
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
نبحث الآن موضوع " زكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية " وأمامكم فيه بحثان: أحدهما لفضيلة الشيخ القرضاوي، والثاني لفضيلة الشيخ علي بن أحمد السالوس، وقد ترون مناسبًا أن يتفضل الشيخ يوسف القرضاوي بعرض موجز عن البحث في هذا الموضوع يعتمد النظرة الفقهية من خلال الاختلاف والدليل فليتفضل مشكورًا.
الشيخ يوسف القرضاوي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ﴿رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، وبعد.
هذا الموضوع الذي قدمت لأتحدث عنه، ليس جديدًا عليكم وهو في كتابي " فقه الزكاة" وأعتقد أنكم تعرفونه، لذلك فأنا أجد من العسير أن أكرر نفسي لهذا فأنا ألخص تلخيصًا ربما كان مخلًا كالتلخيص الذي لخصه مجموع ملخصات البحوث وهو في الحقيقة ملخص تلخيصًا شديدًا جدًا لا يمكن أن يفي ببعض ما في الموضوع من أساسيات.
الذي أريد أن أؤكد عليه هنا أن الشريعة لا تفرق بين متماثلين كما أنها لا تجمع بين مختلفين، وأن أحكام الشريعة في جملتها معللة مفهومة، وأن جمهور فقهاء الأمة يعللون الأحكام، وهذا ما جعلنا ننظر في وعاء الزكاة أو الأموال التي تجب فيها الزكاة على أساس هذه النظرة، وأن سبب إيجاب الزكاة كما نص كثير من الفقهاء هو المال النامي، النامي حقيقة أو النامي تقديرًا، النامي أو القابل للنماء، ومعنى أنه نام أنه يدر كسبًا وإيرادًا لصاحبه، وبناء على هذا قلنا: إن الأموال النامية تختلف من عصر إلى عصر، ربما كانت هناك أموال في عصر النبوة وفي عصر الصحابة ليس لها نماء أصبحت في عصرنا أموالا نامية بل من أكبر الأموال النامية وأكثرها وأشهرها، ومن هنا ظهرت أشياء لعلها لم تظهر عند الفقهاء السابقين فلم يكن عندهم ما يجعلهم يجتهدون فيها، والاجتهاد وليد مشكلة يجدها الفقيه فيبحث ويجتهد، فإذا لم توجد أو وجدت على سبيل الندرة، لم يكن هناك حاجة للاجتهاد ربما وجدت بعد عصور الاجتهاد ولكن في عصور التقليد، قلما نجد قولًا إلا أن يردد أقوال السابقين، هذا ما جعلنا ننظر في المستغلات أو أو الأراضى والعقارات، العقارات والمصانع ونحوها التى سماها بعض الفقهاء " المستغلات " وهو ما تبقى عينه وتتجدد منفعته بخلاف الأِشياء التي تعد للتجارة في العين تنتقل من يد إلى يد، هذا الأشياء رأيناها في عصرنا في مثل العمارات السكنية وفي مثل المصانع التي تنتج ويباع نتاجها في الأسواق، ماذا ينبغي أن ننظر إلى هذه الأشياء، ربما إذا نظرنا إلى الفقه التقليدي أو المشهور فيه نقول: لا شك فيها حتى يأتي منها بعض المال ويحول عليه الحول فتجب فيه الزكاة، ولكن إذا لم يحل عليه الحول كما يحدث فعلًا، فإن كثيرًا من أصحاب هذه العمارات والمصانع لا يبقى في يدهم مال يحول عليه الحول، لأن المال يتحول للانتاج مرة أخرى، لا يبقى عنده سيولة، أكبر التجار والرأسماليين ليس عندهم مال سائل، لأن المال يعمل باستمرار من شيء إلى شيء فربما تمر السنون تلو السنين ولا تجب عليه زكاة قط، فهل قصد الشارع أن يعفى هؤلاء من الزكاة.
[ ٢ / ٩٦ ]
فمن هنا كانت نظرتنا إلى هذه الأموال، إن هذه هي أموال نامية وعلة وجوب الزكاة هو النماء أو المال النامي، من ناحية أخرى النصوص العامة، عموم النصوص وإطلاقها التي أوجبت في كل مال حقا أو في كل مال زكاة ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ "أدوا زكاة أموالكم" من غير فصل بين مال ومال. وكما قال القاضي أبو بكر بن العربي إن كلمة " زكاة أموالكم"، أو ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، عام في كل مال على تباين أسمائه وإختلاف أغراضه،فمن خص منها شيئا فعليه الدليل،فعموم النصوص من ناحية، والتعليل بأن وجوب الزكاة أساسه المال النامي والقياس أيضًا، وأحب أن أقول إن الزكاة فيها قياس من نواح كثيرة، وما من مذهب فقهي إلا وأدخل القياس في الزكاة، والزكاة ينظر إليها على أنها إحدى العبادات الأربع والشعائر الكبرى في الإسلام، وقد ينظر بعض الناس إلى هذا الجانب فيقول: إنه لا يدخل القياس فيها، ولكن الزكاة ليست عبادة محضة، بل هي عبادة وهي أيضًا جزء من النظام المالي والاقتصادي في الإسلام، هذا يجعل الفقهاء أحيانًا ينظرون إليها باعتبارها حقًا ماليًا، ولهذا أوجب الأئمة الثلاثة وجمهور الأمة الزكاة في مال اليتيم، ولم يخالف في ذلك إلا الحنفية الذين نظروا إلى الجانب العبادي فيها، فلم يوجبوا الزكاة على الصغير والمجنون، على حين أن الحنفية نظروا إليها من الجانب العبادي في هذه الناحية، فالزكاة فيها بجوار الجانب العبادي الجانب الاجتماعي والاقتصادي والمالي، فهذا القياس جعلنا نقول إنه ينبغي أن يقاس ما تنتج هذه العقارات وهذه الأشياء على إيجار الأرض الزراعية خاصة عندما يقال إن المالك يخرج الزكاة عن أجرة الأرض كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة، هذا ما أحببت أن أقوله في وجهة الموسعين في إيجاب الزكاة، وهناك طبعًا مضيقون في إيجاب زكاة، وبعضهم يضيق إلى أن يقول: إنه ليس في عروض التجارة صدقة، كما هو مذهب الظاهرية، فطبعًا أولى أن يقولوا في إيجاب المستغلات.
[ ٢ / ٩٧ ]
هناك أحب أن أقول شيئًا في هذا، أنه سبق لكثير من الفقهاء القول بإيجاب الزكاة في هذه الأشياء ولهم أكثر من اتجاه، فهناك من ينظر إلى أعيانها كما حكى ابن القيم عن ابن عقيل، الإمام ابن عقيل الحنبلي وهو إمام مشهور ذو باع طويل وصاحب الفنون، ابن عقيل قال: إن الزكاة في العقارات أو في الحلى كما ورد عن الإمام أحمد: الحلى إذا اتخذ للكراء، ورد عن الإمام أحمد رواية أن فيه زكاة خرج ابن عقيل على رواية الإمام أحمد تخريجًا: أن الدور التي تكرى ونحوها تكون فيها زكاة أيضًا، ونقل هذا ابن القيم عن ابن عقيل ولم يعترض عليه حيث إنه أقره في ذلك، هناك أيضًا بعض الأقوال في مذهب مالك ذكرتها في كتاب " فقه الزكاة "، وهناك رواية عن الإمام أحمد أيضًا: أنه من قبض كراء داره يزكيها عندما يقبضها، وهذا ذكره أيضًا ابن قدامة في " المغنى"، وهناك كل من يزكى المال المستفاد من الصحابة والتابعين يقول بزكاة هذه الأشياء عندما يقبضها، عندما يقبض الغلة، الإيراد. مذهب ابن مسعود ومذهب ابن عباس ومذهب معاوية من الصحابة ومذهب عدد من التابعين أن المال المستفاد، أي المال الذي لم يزك من قبل، الذي يقبضه صاحبه عليه أن يزكيه حين يقبضه، أي يزكيه حين يستفيده كما قال ابن عباس، وكان ابن مسعود يعطي العطاء ويأخذ من كل ألف خمسة وعشرين، يعني بيسموه الحجز في المنبع، وهكذا، وكذلك كان معاوية يزكى العطاء، وكان عمر بن عبد العزيز يزكى العطاء والجائزة، يخصم، فإن كل من يقوم بزكاة المال المستفاد عند قبضه يزكى غلة هذه العقارات، ولكن المذهب الذي اخترته هو ما ذهب إليه مشايخنا منذ ثلث قرن، المرحوم الشيخ خلاف وإخواننا السلفيون يعترضون علينا في المرحوم الشيخ خلاف والشيخ أبو زهرة والشيخ عبد الرحمن حسن ﵏ جميعًا- المرحوم أي المدعو له بالرحمة- فهؤلاء في سنة ٥٢ في حلقة الدراسات الاجتماعية التي عقدت بدمشق، ذهبوا إلى أن هذه العقارات والمصانع تزكى غلتها العشر، عشر الصافي قياسًا على الأرض الزراعية، أنا قلت: هناك يجب أيضًا لكي يكون القياس صحيحًا أن نعفي مقابل الاستهلاك، لأن الأرض الزراعية لا تستهلك في ٣٠ سنة يحسم ذلك على هذا السن التقديري أو العمر التقديري، هذا ما ذهبت إليه وأردت بذلك في الحقيقة أن أرد على الذين يقولون: إن الشريعة الإسلامية توجب الزكاة على الفقراء وتعفى الأغنياء، كما قال لي أحد الإخوة ونحنن نصعد الأسانسير في النفدق الذي نقيم فيه قال: انظر هذه الناطحة من ناطحات السحاب قلت له: ولكن لا يبدو أن ليس عليها زكاة لأن صاحب هذه الناطحة ممكن أن يأتي إليه الآلاف والملايين ومع هذا لا تجب عليه الزكاة لأنه لا ينتظر حتى يحول عليها الحول، ومنذ سنوات كنت في ماليزيا سألني مدير جامعة الملايو سؤالًا أثاره الشيوعيون هناك قالوا: إن الإسلام يوجب الزكاة على فقراء المزارعين صغار الزراع ويعفى كبار الملاك، سألني هذا السؤال فعرفت من أين أتى هذا السؤال، أتى هذا السؤال أن في مذهب الشافعي ويقرب منه بعض المذاهب الأخرى أن الزكاة لا تؤخد إلا مما يقتات على سبيل الاختيار، القمح، الذرة، والأرز، هذه الأشياء، أما مزارع التفاح والمانجو وجوز الهند والشاي والمطاط وغير ذلك وإن جلبت لصاحبها الملايين فليس فيها شيء، المجالس الإسلامية هناك حينما تأخذ الزكاة ممن يزرعون الذرة والقمح وهذه الأشياء وهؤلاء هم الفقراء ومعظمهم مستأجرون، أما كبار الملاك فلا تأخذ منهم شيئا، فقلت له: إن في مذهب أبي حنيفة الزكاة في كل ما أخرجته الأرض، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز وقد جاء عن عدد من السلف وهو الموافق لعموم الآيات والنصوص، ولذلك رجحه القاضي أبو بكر ابن العربي في كتابيه أحكام القرآن، وعارضة الأحوذي وقال إن مذهب أبي حنيفة هو أحوط للمساكين وأليق بشكر النعمة وأحق بتحقيق مقاصد الشرع ومصالح الخلق.. إلى آخر المقال، والإمام الشافعي لعله لو كان موجودًا الآن ورأى ما رأينا لغير رأيه ما يدرينا لعله يغير رأيه، وقد غير رأيه في مدة أقرب من هذا، كان له مذهب قديم في العراق ومذهب جديد في مصر، هذه المفارقات هي التي تجعلنا أيها الإخوة نقول بتوسيع وعاء الزكاة، فلا يعقل أن نقول: إن الشارع قصد إلى إعفاء الغنى وإيجاب عبء الزكاة على الفقير، أليس هذا صاحب ناطحات السحاب وغيره أليسوا محتاجين إلى تطهير أنفسهم وتزكية أموالهم؟ ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ أليسوا محتاجين إلى التطهير والتزكية؟ هم محتاجون وأموالهم محتاجه بل هم أكثر من غيرهم حاجة إلى هذا التطهير وإلى هذه التزكية.
أكتفى بهذه الإشارات واللمحات وأسأل الله تعالى أن ينير طريقنا وأن يفقهنا في ديننا إنه سميع قريب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢ / ٩٨ ]
الرئيس:
أحب أن أسأل فضيلة الشيخ لما ركز على أن العلة في الزكاة هي النماء هل هي علة اطرادية أم لا؟
الشيخ يوسف القرضاوي:
هي اطرادية نعم.
الرئيس:
إذا كانت اطرادية فعندنا يرد سؤال فيما لو كان عند إنسان رصيد كبير من الذهب أو الفضة وبقى سنين لا يستغله بأي نماء.
الشيخ يوسف القرضاوي:
فضيلة الرئيس أنا أشرت إشارة موجزة إلى معنى النماء، قلت: النماء حقيقة أو تقديرًا، ما كان قابلًا للنماء فهو نام، لذلك اعتبروا النقود بطبيعتها نامية لأنها قابلة للنماء، هذا النماء بالقوة وليس النماء بالفعل، فلو أن إنسانا عطل هذه النقود فعليه زكاتها، هذا ما قصدته من النماء وهو مشروح ومنبه عليه، والفقهاء يقصدون بالنماء: أي النماء حقيقة أو تقديرًا بأن يكون المال في ذاته قابلًا لأن ينمى، هذا ما أردته.
الشيخ رجب التميمي:
لقد ذكر فضيلة الأستاذ أن العقارات والمصانع والمستغلات يؤخذ منها العشر كما في الأرض الزراعية ثم استدرك وقال إن هذه الأشياء قد تستهلك على مدى ثلاثين أو غير ذلك ولذلك يجب أن ننقص العشر لأن الأرض الزراعية لا تستهلك، هذا قول جميل وله تقدير، لكن هذه المستغلات لو قسناها على الأرض الزراعية التي فيها نصف العشر والتي تحتاج إلى مؤونة مثل الأرض التي تسقى بالدولاب وغيره، أم ماذا يرى فضيلة الاستاذ حينما ننقص العشر إلى أي شيء؟ أنا أرى أن هذه المستغلات يؤخذ منها نصف العشر قياسًا على الأرض الزراعية التي تحتاج إلى مؤونة كالأرض التي تسقى بالدولاب وغيره، فما رأي فضيلة الأستاذ في ذلك أم أن له رأيًا آخر في إنقاص الزكاة من العشر إلى أي شيء؟
الشيخ يوسف القرضاوي:
شكر الله لفضيلة الأستاذ التميمي، أنا أيضًا يمكنني أن أوافق على هذا لأن الذي يهمني في الحقيقة هو ألا تخلو هذه الأموال النامية الكبيرة التي يملك بعض الناس منها الكثير والكثير جدًا ألا تخلو عن زكاة عند قبض إيرادها، فيمكن أن نقول كما قال مشايخنا بالزكاة في الصافي على أن يكون عشرًا وأن يحدد المقدار لأن الكلام الآن في المقدار إذ انتهينا إلى أن فيها زكاة، ممكن أن يكون العشر في الصافي مع حساب مقابل الاستهلاك، وممكن أن يكون كما قال فضيلة الشيخ نصف العشر في الإجمالي، في إجمالي الإيراد دون نظر إلى حساب الاستهلاك قياسًا على الأرض التي تروى بآلة وما إلى ذلك أنا لا أمانع في هذا، وربما يكون هذا تيسيرا في الحساب وأسهل على عموم الناس.
الشيخ رجب التميمي:
يعني ممكن أن نتخذ في هذه الجلسة الرأي ونحدد الرأي في المقادير ونبحث ذلك.
[ ٢ / ٩٩ ]
الشيخ عبد اللطيف الفرفور:
بسم الله الرحمن الرحيم، أشكر لفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ يوسف القرضاوي مطلاعته القيمة وما فيها من لمسات الاجتهاد المذهبي المشكور، غير أن هنالك سهوًا فيما أعتقد، وجل الذي لا ينسى، في تقرير بعض الحقائق العلمية. ففضيلته نسب إلى الإمام الأعظم ومذهبه أنه يقول بوجوب الزكاة في المستغلات أو بغير ذلك، لعل هذا الكلام سهو، والذي هو معروف في المذهب الحنفي، في المفتى به في كتب المذهب أن المستغلات لا زكاة فيها، لا زكاة في المستغلات، وأنا الذي فهمته، ولعلك لم تقل ذلك، وأنا الذي فهمته أن الإمام الأعظم يميل مع الجمهور، لعل هذا القول قول للإمام، لكن المفتى به في المذهب كما هو معلوم لدى السادة العلماء عدم وجوب الزكاة في المستغلات والأراضي الإيجارية. هذه واحدة، فإذا كان فضيلته لم يقل ذلك فقد اتفقنا. بقيت مسألة وهي أن محل الزكاة المال المنامي تقديرًا أو تحقيقًا، وما أظن أن أحدًا من الفقهاء في المذاهب الأربعة الكبرى قال: إن علة الربا هو المال النامي، لأن علة الربا كما تعلمون العلة هي السبب المؤثر، علة الربا عند الحنفية القدر والجنس وعلة الربا عند الشافعية كما تفضل المطعومات والمقتاتات وعلة الربا عند المالكية المدخرات، فإذا تأسس كلامه على أن علة الربا هو المال النامي فقد وضع محل الربا علة، والعلة الحكم شيء ومحله شيء آخر إن علة الربا لدى كل إنسان قرأ المذهب الحنفي هي القدر والجنس، وللحنفية في ذلك استدلال كبير تجده في كتاب " التوضيح " لصدر الشريعة وحاشية التلويح، وفي كتب أصول الفقه المتعددة عند الحنفية، فقضية المال النامي ليس علة أبدًا لا عند الحنفية ولا عند المالكية ولا عند الشافعية، ولكنني إنصافًا للحقيقة العلمية لم أطلع على قول عند الحنابلة في قضية المال المنامي هل هو العلة أم لا؟ وأرجو أن يفيدني في مذهب الحنابلة فضيلته في هذا، فإنني أعلم أن المذهب الحنبلي دائمًا بنحو قريبا من المذهب الشافعي في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل القياسية الفقهية، فإذا كان أصل الموضوع كله مبنيًا على أن علة الربا هو المال النامي فإن أصل الموضوع من أساسه يحتاج إلى نظر، هذا مع العلم بأني أنصف فضيلته في مقاصده وفي حقية وغاية ما قاله وما رمى إليه من أننا نريد توسيع وعاء الزكاة وعدم إعفاء الأغنياء، وأننا نريد ذلك عن طريق علمي أصلي، مؤصل، ولا نريده لأجل أن نقول هذا الكلام انطلاقًا من عاطفة دينية صحيحة جياشة لدينا نريد تحقيقها ولكننا نطالب بالدليل الصحيح، والدليل الصحيح ما كان مبنيًا على أساس صحيح. أشكر فضيلة الرئيس وأرجو الإفادة والاستفادة، فقيل للإمام أبي حنفية: كيف وصلت إلى ما وصلت إليه قال: ما تركت الإفادة وما استنكفت عن الاستفادة. وشكرًا.
[ ٢ / ١٠٠ ]
الشيخ يوسف القرضاوي:
شكر الله للأخ فرفور ولكن يظهر أنه الذي سها ولست أنا، وجل من لا يسهو، أولا أنا لم أقل إن أبا حنفية قال: إن هناك زكاة في المستغلات، إن هذا مذهب الزيدية وليس مذهب الحنفية، أنا قلت إن أبا حنفية يقول: الزكاة في كل ما أخرجت الأرض ورجحه القاضي أبو بكر ابن العربي، وقلت أن أبا حنيفة قال: الزكاة على المالك المؤجر في الأرض الزراعية وليس على المستأجر، وإن كان المذهب يقول الفتوى على قولهما، على قول الصاحبين وليس على قول الإمام الأعظم، هذا من ناحية، الأمر الآخر هو أمر الربا، ما دخل الربا؟ تكلمت عن علة الزكاة وليس عن علة الربا، موضوعنا هو الزكاة وليس الربا، وهما متقابلان ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ فنحن في الصدقات وليس في الربا يا شيخ فرفور، فعلة الربا هذه معروفة وفيها خلاف المذاهب، أي علة الاقتيات أو القدر والجنس، ولكن ليس هذا موضوعنا وما تطرقت إليه قط، أنا أتكلم في علة الزكاة، فأقول إن الحنفية وغيرهم حتى عند الحنابلة، أشار ابن قدامة في المغنى إلى أن النماء أيضًا هو العلة، المال النامي. أسأل الله ﷾ أن يغفر لي ولك.
[ ٢ / ١٠١ ]
الشيخ على السالوس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، نحمده ﷾ ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى من اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين. وبعد أيها الإخوة الكرام. في الواقع أنا لم أكتب بحثًا في هذا الموضوع وأنما أبديت بعض الملاحظات كنت أبديتها أمام اللجنة العلمية للمؤتمر الأول للزكاة، والتلخيص هنا فيه بعض أشياء سقطت، فرقم ١، ٢، ٣ هذه الأرقام إنما هي لفتوى المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية هذا ليس رأيي، وأيضًا فيه بعض أشياء أخرى سقطت، والمستغلات في عصرنا لا أصل لها، اذكر أنني قلت فيما كتبت، فما كتبته لم يصلني، هنا جزاهم الله خيرًا أرسلوا الأبحاث ولكن الأبحاث لم تصلني، وأذكر هنا أنني قلت المستغلات لها أصل، ثم الزكاة هنا بالنسبة للقياس قد يكون جائزا وقد يكون غير جائز، ففيه كلمة (غير) ناقصة، على أي حال أبين وجهة النظر التي أبديتها. حلقة الدراسات الاجتماعية كما تفضل الدكتور القرضاوي أفتت بأن المستغلات تقاس على الأراضي الزراعية، والغلة تقاس على الزرع، وهذا الرأي هناك من خالفه مثل فضيلة الشيخ شلتوت، واستمر الأمر إلى أن وصل إلى المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية، في المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية قرر ما أثبته هنا أنه لا تجب الزكاة في أعيان العمائر بل في غلتها عند توافر النصاب وحولان الحول، وإذا لم يتحقق فيها نصاب وكان لصاحبها أموال أخرى تضم إليها ويزكى على المجموع بشرط توافر النصاب وحولان الحول، ومقدار الزكاة ربع العشر، إذن هنا المؤتمر الثاني لمجمع البحوث رأى أن المستغلات تزكى زكاة نقود، الغلة هي التي تزكى وتزكى زكاة نقود وليست زكاة زروع، ولم يقيسوها على الزرع، ثم أشرت أيضًا إلى ما ذكره فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه القيم " فقه الزكاة " حيث أخذ رأيًا وسطا ولم يذهب إلى رأى حلقة الدراسات كما هو ولم يوافق مجمع البحوث الإسلامية، ولذلك ما أذكره هنا ليس رأيًا شخصيًا وإنما هو أدلة أرى أنها تؤيد ما ذهب إليه المجتمعون في المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية.
[ ٢ / ١٠٢ ]
أولًا: أن هذه المستغلات كانت موجودة من قبل فكانوا يؤجرون الدور والدواب والحمامات وغير ذلك، فالمستغلات كانت موجودة فعلًا، وما قال عالم بأن نقيس هذا على الزروع وإنما كانوا ينظرون إلى الأموال هذه على أنها تزكى زكاة نقود، كيف كانت تزكى، القائلون بأنها تزكى في الحال وهم قلة، وهناك من قال تزكى بعد حولان الحول أو تضم إلى الأموال الأخرى.
الأمر الثاني: أننا هنا نقيس في العبادات والقياس في العبادات قد يكون غير جائز لأننا إذا جئنا للقياس في العبادات على إطلاقه فإننا سنقع في أشياء محظورة، فعلى سبيل المثال إذا قلنا القياس المطلق أو العلة المطلقة، كيف مثلًا أن صاحب أربعين شاة يخرج شاة وصاحب مائة وعشرين شاة يخرج شاة! قلنا هنا بعلة مطلقة وهذا غنى وهذا فقير وصاحب تسع وثلاثين شاة لا يخرج شيئًا! إذن هنا القياس في العبادات لأن العبادات أصلًا أن الإنسان يعبد الله ﷾ وهو طائع إن لم يستطع أن يصل إلى الحكمة ثم لو فرضنا أن هنا الجانب المالي في الزكاة كما تفضل الدكتور، الجانب المالي قد يجعلنا نأخذ بشيء من القياس، أقول هنا أيضًا بأن القياس مع الفارق، فارق فيماذا؟ المستغل ليس كالأرض لأن المستغل يمكن الطائرة تحترق، والسفينة تغرق، والعمارة تنهدم، إنما الأرض من طبيعتها البقاء، طبيعة الأرض تختلف عن طبيعة المستغلات هذه ناحية، ناحية أخرى، أن المستغل قد يكون قائمًا وصالحًا ومع ذلك لا يستخدم، لماذا؟ لأنه ظهر ما هو أحسن منه، آلة معينة، ثم الاختراعات الحديثة وصلت إلى مرحلة، اعتبرت هذه الآلة مرحلة متخلفة جدًا، فأصبحت لا تستخدم، فكأن ثمن هذا المستغل يعتبر ضاع. إذن نقيس المستغل على الأرض فيه فارق. الأمر الآخر ما تنتجه الأرض وما تنتجه المستغلات: ما تنتجه الأرض، إذا خرج منها وزكيته، فكما يقول الإمام الشافعي: وبقى عندي دهره فلا أزكيه مرة أخرى، أما المستغل ما يخرج منه وبقى عندى دهري ففي كل عام أزكيه، إذن هنا المستغلات زكاة الغلة التي تخرج منها عندما نزكيها هذا العام وتبقى عندنا أيضًا تتزكى في العام التالي وهكذا، أما ما يخرج من الأرض فإننا نزكيه عندما يخرج ما لم يتحول إلى تجارة، وما بينه الإمام الشافعي في رسالته الأصولية عندما أخذ يبين الفرق بين الزرع والذهب والفضة، إذن هنا القياس يكون مع فوارق كثيرة، لذلك أرى أن القياس هنا غير دقيق. أما أن نأخذ برأي أن فيها زكاة أم لا، ونزكى في الحال أم لا؟ هذا رأي أرى أن تبحثوه وأن تنتهوا فيه إلى ما يرضى الله إن شاء الله، ولكن المقدار أن نقيس على الزرع هذا هو ما أرى أنه بعيد. والله ﷾ أعلم بالصواب، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
[ ٢ / ١٠٣ ]
الشيخ المختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا..
شكرًا لإحالتي الكلمة، وأريد أن أعقب على ما جاء في كلمة سماحة الشيخ يوسف القرضاوي فيما ذهب إليه من حيث التأصيل ومن حيث التفريع. أما من حيث التأصيل فقد اعتمد العمومات في الشريعة وأسند رأيه إلى الإمام أبي بكر ابن العربي، والإمام أبو بكر بن العربي هو معلوم من كبار فقهاء المالكية وهو رجل يطلق كلامه بدون تدقيق، هو قوى الحجة يريد أن يلجيء خصمه، لو أخذنا بكلامه لقلنا له: يا إمامنا عليك أن تزكى حذاءك، عليك أن تزكى عمامتك، وعليك أن تزكى الدار التي تسكنها، وعليك أن تزكى الطعام الذي ادخرته لحياتك لكامل السنة، كل هذه أموال، في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ونعلم أن الشريعة الإسلامية من حيث الأصول بينت أشياء وسكتت عن أشياء موجودة في وقت التشريع، وما سكتت عنها إلا لأنها عفو، وقد كانت الدور تكرى، ومالك ﵁ ما ملك دارًا كامل حياته وإنما يسكن في دار بالكراء، ومن أبواب الفقه عندنا أي المسلمين في كل المذاهب باب كراء الرواحل والسفن، فالرواحل والسفن كان يوجد في المسلمين من لهم نشاط في هذا النوع، فهي مشهورة معلومة عند جميع الفقهاء يشاهدونها، والذين يعتمد قولهم ما رأيت واحدًا منهم قال: إنه تجب الزكاة في هذه.
الأمر الثاني هو أننا بجانب شيئين: الأمر الأول الحق الواجب، والحق الواجب هو أمر خطير لأننا نجعل أن كل من لم يقم بهذا الواجب هو آثم مستحق لعقوبة ترك الزكاة، ولكن الإسلام لم يجعل الحد الأدنى هذا هو الحق الوحيد في أموال الناس ولكن الأثرياء عندهم حق واجب وهو الأدنى، وهو ما ورد فيه النص وما زاد على ذلك هم مطالبون فيه بالصدقات وبغيرها من أبواب البر المعروفة في الإسلام.
الأمر الثاني أو الثالث الذي أريد أن ألاحظه هو أنه يكفينا الاتهامات الواردة على هذه القلعة الفقهية من غير الفقهاء فلا نسمح للفقهاء أن يزيدوا ضغثًا على إبالة، ونسمع بالفقه التقليدي. فما أظن أن هناك فقهًا تقليديًا وفقهًا تجديديًا وإنما هناك فقه إسلامي كله نتيجة النظر، فلا يتهم بعضنا بعضًا بالألقاب التي تؤثر بالنسبة للعامة ولا تؤثر على العلماء. فإن هذا مفهوم الزكاة في المستغلات هو أمر مضطرب لأن السفن استهلاكها في أمد، وهناك من يكري السيارات واستهلاك السيارة هو لا يتجاوز بالنسبة للسيارة المكتراة أكثر من ثلاث سنوات على أكثر تقدير، وهناك دور العمارات وتستمر ثلاثين سنة، فهذه المستغلات هي مستغلات لا تدخل تحت قاعدة من القواعد التي نستطيع أن نضبطها بها. وبناء على ذلك كله فأنا أؤكد أن ما ذهب إليه المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية هو الصواب، وما زاد على ذلك لا يزيد على دعوة إلى أثرياء المسلمين ليساهموا في المشاريع العامة، وما وقف صحابة رسول الله ﷺ في بناء الدولة على إخراج الزكاة ولكنهم تجاوزوا ذلك إلى إعطاء ثلث ونصف مالهم وأكثر من ذلك. وشكرًا.
[ ٢ / ١٠٤ ]
الشيخ أحمد الخليلي:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد.
فإني أشكر الرئيس على إعطائي هذه الفرصة للحديث، وأشكر للأخوين الكريمين فضيلة الدكتور القرضاوي وفضيلة الدكتور على السالوس بحثهما القيم حول هذا الموضوع ولا ريب أن الذي دفع فضيلة الدكتور القرضاوي إلى الاجتهاد في هذه القضية وما يراه من حاجة المسلمين المعوزين ومن الثراء الواسع عند بعض المسلمين، هذا الثراء يتمثل في مثل العمارات الشاهقة التي تدر عليهم دخلًا كبيرًا، فإذا ما قيل بإعفائهم من الزكاة مع فرض الزكاة على الذين يجهدون في حرث الأرض بعرق الجبين وببذل ما في أيديهم أدى ذلك إلى شيء من المفارقات، في الواقع الدين الإسلامي الحنيف دين اجتماعي يرعى مصالح جميع الطبقات، فلا يكلف الغني فوق طاقته ولا يجعل الفقير أيضًا ضائعًا في مجتمعه، ففي أموال المسلمين حقوق سوى الزكاة، والدليل على ذلك أن الله ﷾ قال في محكم كتابه ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ هذا حق سوى الزكاة بدليل قوله ﷾ من بعد: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ﴾، مع أنه من المعروف أن المعطوف غير المعطوف عليه في العربية، فلا يعفي أمثال هؤلاء الذين من الله عليهم بهذا الثراء من مراعاة حاجات الفقراء والمساكين بعد أن يعطوا حق الزكاة الواجب في الأصناف التي نص العلماء على وجوب الزكاة فيها، أو جاءت النصوص بوجوب الزكاة فيها. كما أنه لا يمنع أن يكون هنالك اجتهاد بحسب الظروف وبحسب الأحوال. فنجد في عهود السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم اجتهادات قد تكون هذه الاجتهادات تؤدي أحيانًا إلى تطبيق أمر لم يكن يطبق في عهد الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، مثل ذلك صنيع عمر ﵁ حيث جلد في الخمر ثمانين، وصنيعه ﵁ حيث جعل طلاق الثلاث ثلاثًا وقال: (رأينا الناس تعجلوا أمرا كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم) فهذا نظر منه وهذا النظر لا يحجر على علماء المسلمين. والقاعدة التي ذكرها فضيلة الدكتور على السالوس وهي أن باب العبادات لا قياس فيه، ينبغي أن ينظر في هذه القاعدة، ذلك لأن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام أشار إلى القياس في بعض الأشياء، فعندما سئل عن قبلة الصائم نبه على المضمضة التي هي مقدمة للشرب، هل تنقض المضمضة الصوم؟ فعندما أجيب بـ: لا، جعل حكم القبلة كحكم المضمضة، القبلة هي مقدمة للوقاع والمضمضة هي مقدمة للشرب. وكذلك عندما سألته الخثعمية قالت له "إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع الثبوت على الراحلة أفأحج عنه؟ فقال لها: أرأيت أن لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان مجزيًا؟ قالت: نعم قال: فذاك ذاك" فالحج عبادة، وقد قاس هذه العبادة التي هي دين الله ﷾ على دين الناس، وكذلك أيضًا قوله عليه أفضل الصلاة والسلام للرجل الذي جاء يستفتيه في أخته التي نذرت أن تصوم ولم تصم حتى ماتت، أيضًا قاس هذا الدين على دين الخلق وقال: «فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء» فإذن مجال الاجتهاد والقياس في هذه المسألة ينبغي أن لا نوصد بابه وإنما ينبغي النظر في المقدار فإذا كان هذا الدخل نقودًا ومن المعلوم أن زكاة النقد هي بنسبة ٢.٥ % فأقرب أن تكون هذه الزكاة الواجبة في ريع العمارات وأمثالها زكاة نقد ولا تكون زكاة زراعة، هذا الذي يتجه لي، وطبعًا المجال واسع للاجتهاد في هذه المسألة ونظر أصحاب الفضيلة العلماء فيها.
[ ٢ / ١٠٥ ]
الشيخ عبد العزيز عيسى:
بسم الله الرحمن الرحيم، أريد أن أنضم إلى إخواني الذين يرون أن لا زكاة في المستغلات لشبهة عندي، أما أولًا فلأن الرسول ﷺ هو الذي بين الأنواع التي تجب فيها الزكاة وأنصبتها ومقاديرها، وغير معقول أن يكون هناك رغبة من الشارع أو تصرف من الشارع في أن يكون على هذه المستغلات التي صورت ثم ينسى الرسول أو يتناسى أن يبلغها الناس، هذا بعيد جدًا. وما هذه المستغلات؟ هي مثل المأجورات التي نؤجرها ونحن لم نقل لا يوجد عند أحد قول لا زكاة فيها حتى يقال نحن لا نوجب عليه الزكاة، وحتى يحتج علينا هؤلاء وأولئك والشيوعيون ومن إليهم. لم يقل أحد بمنع الزكاة عليها ولا أصدر هذا الحكم، نحن نوجب عليه الزكاة في كل ما فضل عن حاجته وحاجة من يعول إذا مضى عليها الحول وبلغت نصابًا. وكون نتصور أن فيه أحد مجنون سفيه بيجيلوا من مستغلته مائة ألف جنيه في العام ويضيعها، ده مجنون لا يكلم وهو معاقب لهذا، إنما إحنا نقول للناس: وعاء الزكاة كله فيما يتعلق بالذهب والفضة كذا وكذا، وهذا الذهب والفضة وهذا النصاب يكون من كل مدخراته، قد يكون عنده مستغلات وقد يكون عنده ثمرة مزروعات زرعها وقد يكون عنده راتب وما إلى ذلك، كل هذا يكون ويكون وعاء للزكاة، فإذا كان مجموعة أنصبة دفعت الزكاة عن مجموعة الأنصبة إذا تحقق شرطها. نحن في المستغلات سواء كانت عمارات أو نحوها، ولا نريد أن يفهم الناس أن الشارع يضيق عليهم، الشارع لا يضيق، الشارع بيعطي الناس فرصها، هو الشارع لما شرع الزكاة وطلب من الناس هذا نظر إلى حالهم وقال خذوا الوسط من أموال الناس ولما رأى ناقة كوماء في مال الصدقة غضب فلما أخبره الذي أخذ الزكاة من العمال قال له: إنني أخذتها بناقتين صغيرتين رضي واطمأن، فالعملية ليست عملية تتبع أموال الناس، والشريعة الإسلامية لا تتبع أموال الناس ولا ترضى أن تحقد عليهم، هذا نوع من الحقد، ولا أعمل بما يقوله الشيوعي، هو انتقاد التماس فرصة يريدون أن يغلبوا بها أصحاب الإسلام ولا نقبل كلامهم ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ هل هم إذا اتبعناهم في مثل ذلك وفرضنا الزكاة على المستغلات هل يقبلون كلام الشريعة في ناحية أخرى؟ أبدًا، نحن لا نأبه باعتراض الشيوعيين ولا القاديانيين ولا البهائيين ولا كلام من هذا، الزكاة فرضها الشارع وحدد الرسول ﷺ أصناف الأموال وحدد أنصبة الزكاة وحدد المقادير التي تدفع، والمهم أن نغرس الإيمان في قلوب أصحاب الأموال، ونحن بنحكي في الحديث القدسي «ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به » الخ. نعلم الناس أن المسألة مسألة الفريضة وطبعًا الناس عندنا عارفين هذا، أن الفريضة أمر لا بد منه لا يمكن أن نتخلف عنه وهناك ما هو فوق الفريضة، ومن زاد زاد له الله من الخير.
[ ٢ / ١٠٦ ]
الشيخ محمد علي التسخيري:
شكرًا سيدي الرئيس.. رغم أنه ليس لي الدخول في الموضوع بعد ما تعرفونه من الخلاف في مسألة الزكاة في مثل هذه الموارد بين الإمامية وغيرهم، وهم هنا يوجبون خمس المال، ولكني على الفرض أود أن أشير إلى نقطة تبدأ من حيث انتهى أخي الشيخ الخليلي، من أن الدافع في فرض الزكاة في مثل هذا المورد هو محاولة سد الفراغات الاقتصادية وتوزيع الضريبة على هؤلاء جميعًا حتى يقوموا بحق الفقراء. الدافع هو هذا بلا ريب، أود أن أشير إلى نقطة مهمة، أن علينا أن نلتزم بأنصبة الزكاة كما جاءت بلا ريب، ولكن إذا لم تف هذه الأنصبة بما يحقق ذلك التوازن المطلوب على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي فإن الأمر متروك للجانب المتغير، أن ينتقل من جانب الأحكام الثابتة إلى جانب الأمر المتغير المتروك بيد ولي الأمر ويجب حينئذ طاعة ولي الأمر فيما يطلب، ولي الأمر عندما يرى أن الحاجة الاجتماعية الاقتصادية تقتضي فرض ضريبة معينة على دخل أو على شيء معين، لا ريب طاعته واجبة، وحينئذ فعلى من أوجب عليه ذلك الالتزام، وإذا لم يلتزم يستطيع ولي الأمر أن يفرض عليه العقوبة ويمكن لهذه العقوبة أن تكون مالية، لكن كما قلت هذا هو الجانب الذي يتغير بتغير الظروف وبتغير المصلحة التي يراها ولي الأمر الحاكم للدولة الإسلامية الذي يرى أن الخزينة تتطلب أمورًا أخرى بالإضافة إلى الزكاة المفروضة. يجب أن نلحظ هذا العنصر حينما نتحدث وحتى حينما نجيب على الإشكالات التي تورد على النظام الاقتصادي الإسلامي بأنه يوجب على فقير ولا يوجب على غني، بالعكس يستطيع ولي الأمر أن يوجب على الأغنياء أو على من كان دخلهم كذا بمقتضى ما يراه من مصلحة لسد الفراغ الاجتماعي. وددت الإشارة إلى هذه النقطة. وشكرًا.
[ ٢ / ١٠٧ ]
الشيخ تقي عثماني:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وكفى والسلام على عباده الذين اصطفى. لعل النقطة الأساسية في هذا الموضوع هي أننا جعلنا جميع الفقهاء مطبقين على أن الزكاة إنما تجب على المال النامي، وقد ذكر فضيلة الشيخ القرضاوي حفظه الله تعالى في كلمته القيمة أن هذه المستغلات أصبحت اليوم نامية، فلذلك يجب أن تفرض عليها الزكاة، ولكني أرى أننا لو حددنا معنى المال النامي، ما هو المال النامي لوصلنا إلى نتيجة: أن المال النامي فيما فهمت من اصطلاح الفقهاء هو مال تأتي نتيجة نمائه من جنس ذلك المال، مثلًا النقود، إنها تنمو حقيقة أو تقديرًا، فتأتي نتيجة النماء في صورة النقود نفسها، وكذلك لحيوان ينمو فيأتي نتيجة نمائه بصورة حيوان من جنس الحيوان، وكذلك الزروع والثمار تعد نامية من حيث إنها تنمو فتأتي نتيجة نمائها في صورة المحصولات الزراعية، ولم أجد في كتب الفقهاء ما يسمى مالًا ناميًا ولا تأتي نتيجة نمائها من غير جنسها، وأما المستغلات فليست من الأموال النامية بهاذ المعنى من يحث إن نتيجة النماء لا تأتي في صورة تلك الأموال من جنسها وإنما تأتي في صورة النقود. فلذلك لا تصلح أن تسمى أموالًا نامية. وكما تعرفون أنتم أن وجوب الزكاة على شيء أو عدم وجوبه إنما يبتني على كون ذلك المال ناميًا أو غير نام، وأن كثرة المقدار الحاصل وقلته لا تؤثر في وجوب الزكاة، فإن كان المال ناميًا وجب فيه الزكاة سواء كان قدره قليلًا بعدما بلغ النصاب، وإن لم يكن ناميًا لم تجب فيه الزكاة سواء كان قدره كثيرًا، فنرى أن المستغلات، الدور المأجورة، والحوانيت المأجورة، كانت موجودة في زمن سلفنا الصالح، في الأزمنة السالفة ولو كانت غلتها قليلة بالنسبة إلى غلة المستغلات اليوم، ومع ذلك لا يوجد في الفقهاء من يقول بوجوب الزكاة على المستغلات، نعم إذا كثرت غلات المستغلات كما تفضل فضيلة الشيخ القرضاوي حفظه الله أن هؤلاء أصحاب المستغلات يجلبون أموالًا كثيرة، فإننا لا ننكر وجوب الزكاة على تلك الأموال الكثيرة التي يجلبونها من تلك المستغلات، إنما تجب عليهم الزكاة على غلاتهم التي يحصلون عليها من تلك المستغلات.
ثم هناك ناحية ثالثة وهي أن الزكاة، لو أوجبنا الزكاة على المستغلات نفسها..
الرئيس:
أنتم جمعتم بين كلمتين، قلتم إنه لا يوجد في فقهاء الإسلام من يقول بوجوب الزكاة على حاصل المستغلات.
[ ٢ / ١٠٨ ]
الشيخ تقي عثماني:
لا! على المستغلات نفسها، والناحية الثالثة هي أن الزكاة يجب ألا تكون مجحفة، فلو أوجبنا الزكاة على المستغلات نفسها فهناك كثيرون من المقلين ومن الأرامل والأيتام إنما يعيشون على غلات دورهم أو غلات حوانيتهم الصغيرة، فلو أوجبنا الزكاة على الدور والحوانيت صار ذلك مجحفًا لمالهم ولا عدل في ذلك في الشرع الشريف، هذه نواح ثلاثة كنت أريد أن ألفت أنظاركم إليها.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الدكتور عبد الستار أبو غدة:
بسم الله الرحمن الرحيم.. أريد أن أثير نقطة وأطلب من فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي أن يتعاون في حلها. فقد تردد على لسانه وعلى لسان غيره أن علة الزكاة النماء، والذي نعلمه أن النماء هو شرط في وجوب الزكاة وليس علة وشتان بين الشرط والعلة، فالفقهاء يذكرون النماء شرطًا من شروط وجوب الزكاة، ومن المعلوم ومن قواعد الأصول أن وجود الشرط لا يقتضي وجود المشروط، أما وجود المشروط لا بد له من وجود الشرط، فالنماء ليس علة للزكاة وإنما هو شرط، وقد تأملت كثيرًا في العبارات القليلة جدًا التي أوردها في كلامه من كلام صاحب العناية وفتح القدير فوجدت أنهم لم يذكروا النماء علة للزكاة، وإنما أوردوا كلامًا يفهم منه أن عدم وجوب الزكاة في مال كذا وكذا لعدم النماء أي لتخلف الشرط وليس لتخلف العلة وإلا لو قلنا بأن النماء علة لأصبح لا حاجة للنصوص التي جاءت في أن الإبل فيها زكاة والبقر فيها زكاة والغنم فيها زكاة وليس في الحمر زكاة مع أن الحمر مال نام، وقد سئل رسول الله ﷺ «هل في الحمر زكاة؟ فقال: لا أعلم فيها إلا هذه الآية الفاذة» وهي قول الله ﷿ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ فأريد أن يمحص النظر ولا سيما أنه أورد في كتابه فقه الزكاة النماء في عداد الشروط ولم يورده علة، ثانيًا: أن المألوف في القياس أن يكون في جزئية أو في ناحية، أما أن نأتي إلى أمر فنقيس في أصل وجوبه وهو في نظر الآخرين غير واجب ثم نقيس في النصاب لنستحدث له نصابًا ثم نقيس في القدر الواجب، إذن هذه تركيبة مستحدثة وتحتاج إلى كثير من الأدلة ومن المستندات، فلذلك هناك ما يشير إلى أن الزكاة هي معلقة بالنصوص والعلة فيها هي النصوص وليس النماء، النماء شرط وإذا وجد الشرط لا يوجد المشروط. والحمد لله.
[ ٢ / ١٠٩ ]
الشيخ أحمد بازيع ياسين:
بسم الله الرحمن الرحيم، أشكر الأخ الرئيس وأشكر الباحثين على ما قدماه من اجتهاد في هذا الموضوع، وأود أن أشير إلى أنه عقد في الكويت من عامين مؤتمر للزكاة وبحثت هذه المسألة واتخذ فيها قرار، وأصحاب الفضيلة العلماء كثير منهم من شارك هناك وهم موجودون بيننا الآن، وأود أن أبين أن المستغلات ليست من الأمور الجديدة التي نحتاج فيها إلى اجتهاد، المستغلات كانت على عهد الرسول ﷺ وعهد الصحابة وعهد السلف الصالح، وكانت المستغلات إذا كان فيها ريع يضاف ريعها على الموجودات وتزكى مع مال صاحبها، إنما اجتهاد مشكور ولهم من الله ﷾ الأجر والثواب، ثم أود أن أوضح موضوع النماء، في الحقيقة عندما وردت كلمة الزكاة المضادة لها الربا، فأنا في الحقيقة مرتاح لكلمة الأخ عن الربا، لأن دائمًا الزكاة نماء والربا فناء، نماء الزكاة ليس في الحقيقة بما يقدمه أصحاب الأموال من نصيب لمستحقي الزكاة إنما الذي يظهر لي وأنا أعمل في الميدان الاقتصادي أن الزكاة تجبر الإنسان صاحب المال على العمل وعندما تجبره على العمل يكون هناك نماء ويقضى على البطالة، فالعمارة التي كلفت مليون دينار مثلًا جل هذا المليون ذهب إلى العمال، وهنا الحكمة كل عمل استفاد منه العامل تقل نسبة الزكاة عليه فتكون الزكاة على ريعه وليس على أصله، ثم إن الزكاة تؤخذ من القلة، أنها تؤخذ من القلة وتنفق على الكثرة، أما الربا فهو مثل ما تفضل الأخ الفاضل يؤخذ من الكثرة الفقيرة ويعطى إلى القلة ففيه فناء. ثم إن العبادة، الأمر التعبدي لا شك والله ﷾ يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ والعبادة هي في الأركان الخمسة، وأيضًا في عمارة الأرض فحينما يسلك الإنسان مسلكًا في عمله وفي حياته حسبما يريده الله ﷾ وملتزمًا الشريعة الإسلامية فلا شك من أن هذه عبادة حتى ولو كانت في أمور حياتية وأمور في المعاملات. القواعد والأصول، شريعتنا الإسلامية في الحقيقة غنية بالقواعد والأصول والأسس التي منها نستنبط الأحكام. ولقد سبقنا الأفذاذ والعباقرة من هذه الأمة ولا أعتقد أن هناك أمرًا من الأمور إلى الآن يحتاج إلى استنباط وإلى اجتهاد إلا اللهم النزر اليسير جدًا، فعلينا في ذلك الرجوع إلى فقهائنا وإلى علمائنا السابقين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
[ ٢ / ١١٠ ]
الشيخ إبراهيم الغويل:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
أولًا الشكر للسيد الرئيس ولكل الإخوة الذين شاركوا، بما أنني آخذ الكلمة لأول مرة، وأود قدر الإمكان أن أكون وجيزًا وواضحًا قدر ما أستطيع ولقد سهل فضيلة المتحدث الذي تحدث قبلي على المهمة، لقد وقفت كثيرًا أمام القول: إن العلة في الزكاة هو النماء، لقد اعتقدت أن الزكاة هي التي تدفع إلى النماء، أصلًا زكى الشيء نماه، فالزكاة أصلًا هي التي تؤدي إلى النماء وتؤدي إلى التنمية وتدفع إلى العمل، ومن هنا جرت المقابلة بينها وبين الربا فعلًا وبدقة، لأن الربا انتفاخ كاذب بينما الزكاة نماء حقيقي عن طريق العمل، والفارق الأساسي بين الربا وبين الزكاة أن الربا انتفاخ بدون عمل انتفاخ كاذب، بتعبيرات عصرنا نسميه التضخم، بينما الزكاة هي تنمية حقيقية عن طريق العمل، وكما قال المتحدث قبلي فإن لوجود هذا الأمر ولوجود هذا الفارق كانت الزكاة تزداد كلما قال العمل وتقل كلما كثر العمل، حينما تكون الأرض بدون سقي وبدون جهد يكون العشر، حينما تكون بالسقي تكون نصف ذلك، حينما يكون الأمر يستدعي جهدًا أكثر يكون ٢.٥ % ربع العشر، هذا التناسب والتضاعف يتم كلما زاد العمل، حينما يزيد العمل تقل نسبة الزكاة، حينما يقل العمل تكثر نسبة الزكاة، إذن النظرة الأساسية هي الدفع إلى العمل والتنمية، ومنع النمو الكاذب. الذي نواجهه في هذا الموضوع، والموضوع الذي سيليه فيما يتعلق بزكاة الدين هو ما يلي: أننا حينما نبحث عن القواعد والأصول نجد أن الأمور بينة واضحة وحينما تلتبس الأمور ويطلب الفتوى فيما هو موضع التباس تظهر أمامنا المشكلات.مثلًا أصلًا رأس المال إنما يأتي نتيجة عمل وجهد سابق وتستحق عليه الزكاة، فإذا أريد لرأس المال نفسه أن ينمو من جديد وأن يحصل على مقابل على الجهد السابق مرة أخرى، نشأت المشكلة التي نعالجها الآن، الأصل أن لكل عمل أجرًا أو لكل عمل جزاء، فإذا لم يكن هناك من عمل فلا جزاء.
[ ٢ / ١١١ ]
القاعدة فيما يبدو لي في الفكر الاقتصادي الإسلامي أن العمل هو أساس التنمية، وبالتالي فلكل عمل جزاء، وهذا ما يميزنا على الشيوعيين والماركسيين وغيرهم، نحن ننحاز إلى أن العمل لا بد له من مقابل، ولكننا نرفض أن يكون للمقابل مقابل، من هنا تنشأ المشكلة، يعمل الإنسان عملًا صالحًا فيستحق جزاء، ولكن هذه المعادلة وقد أقفلت تدخل في مرحلة التلاعب حينما يطلب مقابلًا على مقابله، وتنشأ هذه المشكلة التي نواجهها الآن، فيما يبدو لي أن العلة في الزكاة وكما أخرجها الأقدمون أنها تدور في أحد أمرين، هو حق بتعبير ربى "حق" من أين نشأ هذا الحق، لأنه تحمل الزكاة على الشركة أو تحمل على أنها دين، والأرجح عندي أنها تحمل على الشركة، فنحن بحكم ملكية الأزل شركاء مع هذا العامل الذي كلفناه أن يعمل في هذا المال، ولذلك ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ حينما أعمل، أعمل بهذا الجهد ممكنًا في هذه الثروة التي مكنني فيها الله ومكنني فيها هذا المجتمع المستخلف فيها، ولذلك هناك حق بحكم ملكية الأزل لا بد أن يتقاضاه هذا المجتمع. فالصورة الأصلية إنما الموضوع الذي أدى إلى الالتباس هو موضوع النقود، والمنع هناك واضح لأنه كما قال الأقدمون أيضًا إن النقود فيها شرك خفي ولذلك استعمل ربى التطهير النفسي. لماذا الشرك الخفي؟ لأن كل ما في الكون يستهلك حتى بعوامل التعرية تستهلك الجبال، ولكننا نحن حينما أوجدنا النقود وهي وكيل عن الطيبات أردنا للوكيل أكثر من موكله. أصبحت النقود لا تتناقص ولا تكلف صاحبها شيئًا، أي طيبة من الطيبات تكلف صاحبها التخزين وقد تستهلك وما إلى ذلك، ولكن هذا الوكيل الجديد، هذا البديل الجديد، الذي جاء لكي يكون مقياسًا ومقومًا أصبح أداة اختزان واكتناز لما جاء فيه من هذه المزايا التي لا تكلف، فهناك العلة مختلفة بالنسبة للنقود لأنها تطهير نفسي ومنع أن يظن أن هناك مالًا ينقص. الله الواحد الأحد الذي لا شبيه له ولا مثيل هو الداعم، ولكن أي طيبة أي شيء في هذا الكون يتناقص مع الزمن، فلا بد أن تتناقص النقود أيضًا. فالزكاة على النقود هي ضريبة للتناقص، ولدفعها حتى لا تكون مكتنزة ومعطلة عن التعامل، ولكن الأصل في الزكاة العامة محمولة على أننا شركاء مع هذا الذي يعمل في هذا المال الذي استخلفنا الله فيه جميعًا ووظفناه فيه لأنه أقدر على بذل هذا الجهد فيه. إذا نظر إلى هذه الأمور بالقواعد والأصول الأصلية يصبح بعد ذلك أن النظر أيضًا في الموضوع التالي أنا حينما أضع هذا المال في خدمة المجتمع وأسلمه إلى شخص آخر لكي يستخدمه، فإذا استخدمه فلا زكاة عليه حتى عنده وإلا فإن عطله فعليه الزكاة، أما أنا وقد وضعته في خدمة المجتمع فلا زكاة على. النظرة تختلف، وبعد ذلك سنأتي لموضوع الدور والعمارات والمستغلات، ومن هنا نشأت المفارقات. العوامل الأخرى التي أوجدها ربى من نعمة تنمو من طبيعتها، ولكننا نحن هنا أوجدنا نموًا مفتعلًا، ولذلك نواجه هذا المشكل. في اعتقادي أن ربط الموضوع فيما يتعلق بالربا ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ وربط الموضوع بالزكاة وباعتبارها أنها تقوم أصلًا على معنى الشركة من المجتمع وباعتبارها دفعًا نحو التنمية ونحو العمل وربط كل ذلك بالعمل والعمل الصالح هو الذي يوضح صورة النظام الاقتصادي الإسلامي. وكل ما هو عبادة إنما هو تهيئة الإنسان لأداء دوره، وفي اللسان العربي المبين: عبد الطريق أو عبد الإبل، هيأه لما يصلح له، التسخير هو دفع الشيء لما يصلح له جبرًا وانقيادًا، وأما العبودية والعابدية فهي تهيئة الشيء لما يصلح له. فكل شيء يؤكد الأمور لما تصلح له هو عبادة ولذلك نحن حينما نعمل المبادئ الأساسية في الفكر الإسلامي وفي الفكر الاقتصادي الإسلامي كثير من هذه الأمور يبدو لي أنه يجب أن ننظر إليها نظرة أخرى وشكرًا.
[ ٢ / ١١٢ ]
الشيخ وهبة الزحيلي:
بسم الله الرحمن الرحيم، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد.
الحقيقة أننا في هذا العصر أمام مشكلة حساسة تتعلق بالنظام الاجتماعي الإسلامي بين النظم العالمية، نريد أن يثبت هذا النظام كفاءته لإنقاذ مجتمعنا من عوامل التردي والفقر والجوع والتخلف، وكل ما يعوق نهضته ويجعله في زمرة العالم النامي أو العالم المتخلف، وقد بدأت دولة باكستان في فرض الزكاة. ونحن أمام هذه التجربة خصوصًا بعد الإحصاءات الدقيقة لهذا الموضوع في ذلك المجتمع، هل يمكن لفريضة الزكاة أن تنهي مشكلة الفقر؟ الحقيقة، القائمون على هذا الموضوع في الباكستان ما يزالون إلى الآن لم يصلوا إلى نتيجة، لأن حصيلة الزكاة لم تحقق الهدف المرجو. لذلك نحن أمام مشكلة تحريك ليس أمام مشكلة فرض زكاة على أشياء لا يقتنع بها المجتمع خصوصًا وقد أدركوا أن شبه إجماع من الفقهاء أن الزكاة لا تكون إلا في أربعة أصناف من الأموال، هي النقود، والأنعام، الزروع، والتجارة، لذلك نحن بحاجة إلى تحريك الهمم، وتحريك النفوس كما تفضل فضيلة الشيخ عبد العزيز عيسى، إلى جعل الإيمان هو العنصر المحرك الدافع القوي لدفع أصحاب الأموال الضخمة لأن يقوموا بواجبهم في إنهاء مشكلة الفقر في البلاد الإسلامية، وهذا مراد الشارع، الشارع عندما فرض الزكاة أراد أن يقيم تعادلًا وتوازنًا بين جانب الفقراء وجانب الأغنياء ليحقق الوسطية المعروفة عن منهج الإسلام، بناء على هذا الهدف وهو مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية الكبرى لا نريد أن ندخل في التفصيلات والجزئيات التي هي محل خلاف فعلًا، هل يجوز القياس في العبادات أم لا يجوز؟ ويكاد يكون هناك شبه استقرار نفسي وأغلبي عند الناس أن القياس لا يكون جائزًا في العبادات، وليس هذا هو رأي القلة بل هو رأي الأكثرين، هذا شيء.
[ ٢ / ١١٣ ]
الشيء الثاني، قضية أن نقطع جزءًا كحد أدنى للمعيشة بمقدار الثلث أو الربع أو ما شاكل ذلك، هذا أيضًا أمر مضطرب لأن الأغنياء لا يمكن أن يحد إنفاقهم شيء. فقد يكون الثلث بالنسبة إليهم لا يشكل شيئًا والثلث لآخرين يشكل شيئًا، فلذلك القضية مطاطة وقد يكونوا بهذا الثلث يحققون أهدافًا كبرى نظرًا لغناهم الفاحش، لهذا أرى أن نبحث الهدف من استثمار الأموال في المستغلات وكل نواحي الدخل التي تأتي للمسلم في عصرنا الحاضر، هناك دخول جديدة وهناك استثمارات جديدة وهناك توجيه للمال نحو ما يحقق الاسترباح والفائدة وجني أكبر قدر ممكن من الربح في شتى النواحي. فإذا وجد المجتمع أن العمارات تحقق ربحًا وقد أقبل الناس في فترة ما على هذا النحو من القطاع الاقتصادي، فتجد الأغنياء يتجهون إلى بناء العمارات لإيجارها وأخذ الربح منها، كذلك في جدة هناك مكاتب ليس فيها إلا مكتب وهاتف وموظف أو اثنان وهو يحرك العالم بهذا الهاتف وتأتيه دخول ضخمة من هذا التحريك، الحقيقة العامل الأكبر الذي يسيطر على الأغنياء في عصرنا الحاضر هو عنصر الاسترباح وعنصر جلب أكبر قدر ممكن من الربح، لذلك لا داعي لأن نقول إن الزكاة واجبة في هذا القطاع من النشاط الاقتصادي العمارات وغيره، وإنما يجب أن نقول إن كل ما هو متجر فيه – الحقيقة العمارات والدخول ومقالع الحجارة والسيارات وكثير من نواحي الاستثمار الحديثة يراد بها لربح- نقول: كل هذا في الحقيقة ينطبق عليه معاني التجارة، صحيح هو لا يعرضه للبيع ولا ينوي بيعه إلا بعد أن يكاد لا يحقق الهدف المرجو منه وهو أخذ أكبر ربح ممكن، عندما تزيد النفقات الاستهلاكية على الربح يبيع العمارة ويستغني عنها ويوجه استثماره إلى نشاط اقتصادي آخر، الحقيقة الغني اليوم يهمه أن يأتي أكبر دخل ممكن من هذا العمل، سميه تجارة، سميه استغلالًا، سميه أي شيء المهم لازم تفرض عليه الزكاة، ونحرك عوامل الإيمان في قلب هذا المؤمن، الحقيقة قرارات المجامع للآن لم تشكل قناعة عند الناس، فنريد أن يكون إذن لقرارنا مساس بقلوب وأفئدة المؤمنين ليندفعوا إلى القيام بواجبهم في تزكية أموالهم وتطهير نفوسهم. والحقيقة يمكن أن يطبق على كل هذه الاستثمارات الحديثة معنى التجارة وزكاة التجارة، وحينئذ نخرج من المآزق والخلافات الفقهية وتكون الزكاة ضمن ربع العشر ٢.٥ % وبعد حولان الحول، وأيضًا نتجاوز كل هذه المشكلات الفرعية، وإن كان للسادة الأفاضل جهد طيب عبأ بعض الأفكار لضرورة الاتجاه نحو تزكية هذه الأموال، الحقيقة نحن إذا اتجهنا ونظرنا إلى الموضوع نظرة أخرى، كل ما فيه استرباح يعني التجارة، وهذا اتجار في العمارات الحقيقية تجب فيه الزكاة، ولكن أنضم إلى الرأي الذي يقول بأن تلك الزكاة هي ربع العشرة ٢.٥ % ويكون ذلك بعد انتهاء الحول وحينئذ لا داعي لأن ندخل الناس، حتى العوام لم يقتنعوا عندما نقول لهم: زك عماراتك، زك سياراتك، زك الغلة الناتجة، فهو في الحقيقة لن يقتنع في هذا الموضوع وشكرًا.
[ ٢ / ١١٤ ]
الرئيس:
ترفع الجلسة لأداء الصلاة المغرب ثم نعود إنشاء الله تعالى لاستكمالها.
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم.. فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه.
الشيخ عبد الله بن بيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين.
حضرة الأخ الرئيس أشكركم وأشكر الأخ الأمين العام على الدعوة الكريمة التي وجهتموها إلي ولست عضوًا في هذا المجلس الموقر، ولكني أريد أن أدلي بدلوي في قضية تهم جميع المسلمين وأن أذكر في هذه القضية ما أراني الله وأسأل الله ﷾ أن أكون موفقًا فيما أقول. وبعد.
فإن الله ﷾ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، والنبي ﷺ يقول في الحديث الذي روته عائشة ﵂ وهو حديث صحيح متفق عليه «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» فبناء على هذا وانطلاقًا من أن الزيادة في الكامل تعتبر نقصًا، فإن موضوعنا قد يتعلق إلى حد ما بهذه المقولة الأولى وبهذه المسلمة.
الزكاة: حد النبي ﷺ جملة من الأموال التي يجب فيها الزكاة، هذه الجملة المحدودة جعلت الأصل هو عدم الزكاة وجانب الزكاة جانب محدود، معناه أن الأموال التي نص على وقوع الزكاة فيها هي التي تزكى والأموال التي ليست كذلك هي من قبيل العفو، وهذا يدل عليه الحديث الذي رواه الدارقطني وغيره: «وترك أشياء من غير نسيان»، هذه الأشياء التي تركها الله ﷾ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ هي من باب العفو، وقال ابن رشد رحمه الله تعالى في "البداية": يقول الله ﷾: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ . إن هذا العام يراد به الخصوص، فقد اتفق المسلمون على عدم وجوب الزكاة في كل مال، هذا نصه في "البداية"، ويقول إنه عام يراد به الخصوص، والعام الذي يراد به الخصوص هو ما لا يتناول جميع أفراده، بل يقتصر على بعضها، وهو ليس كالعام المخصوص، لأن العام المخصوص يتناول جميع أفراده، يدل على جميع الأفراد تناولًا وحكمًا، والعام الذي يراد به الخصوص لا يدل عليها لا تناولًا ولا حكمًا، هذا هو الفرق، ولأجل هذا يقول ابن رشد: إن هذا من العام المراد به الخصوص لأن المسلمين اتفقوا على أن الزكاة لا تخرج من كل الأموال، فهناك أموال نص عليها الشارع هي التي تخرج منها الزكاة، وهناك أموال عفا عنها فلا تجب فيها الزكاة، إن الزيادة كما قلت في التام هي نقص، والإسلام لا يحتمل النقص. هذا من جهة العفو، الأصل هو العفو ولذلك لا يجوز أن نحدث واجبًا لم يقله النبي ﷺ ولم يذكره وكما قلت ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ فالنبي ﷺ عندما نص على بعض الأموال وترك بعضها، فإن معنى هذا أن المتروك لا زكاة فيه. هذه المسألة الأولى التي أردت أن أشير إليها، وأن قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ هو من باب العام المراد به الخصوص وليس من باب العام لمخصوص.
[ ٢ / ١١٥ ]
المسألة الثانية: الزكاة تعبدية، الزكاة في الحقيقة كما يقول العلماء مترددة بين التعبدي وبين المعقولية، فهي معقولة من جهة سد خلة الفقير، غير معقولة من جهة القدر الذي تجب فيه الزكاة، وبنوا على هذا جملة من الأحكام منها وجوب النية فيما فيه شائبة التعبد فإنه يدور بين وجوب النية وبين عدمه، فالزكاة مترددة وهي قريبة من التعبد، والتعبد كما تعلمون لا قياس فيه.. النبي ﷺ لما رأى الرجل بارزًا في الشمس وقال إنه برز وقام ليستمع إلى خطبة النبي ﷺ أمره بالدخول وأن يجلس في الظل. والبروز في الشمس قد يكون عبادة في عرفات وهو مستحب في عرفات، ولكنه ليس مستحبًا والرجل لا يمكنه ولا يجوز له أن ينشئ عبادة في حكم لم يأمر الشارع فيه باتباعه، هذه هي النقطة الثانية التي أردت أن أشير إليها.
هناك كثير من الأمثلة يمكن لفت الانتباه إليها، أكثر المذاهب على أنه لا زكاة في الماشية غير السائمة خلافًا لمذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى لحديث «في سائمة الغنم الزكاة أو في السائمة الزكاة» حسب لفظ البخاري في كتاب أبي بكر الصديق ﵁. الغنم السائمة وعكسها المعلوفة أو الماشية السائمة هي التي تجب فيها الزكاة عندهم بسبب هذا القيد وهو الوصف ومفهوم المخالفة لمن يعمل طبعًا بمفهوم المخالفة، والمالكية يعملون بمفهوم المخالفة، إلا أنهم في هذه النقطة بالذات لم يعملوا بمفهوم المخالفة لأنه من باب الغالب، فكأن النبي ﷺ سئل عن غنم سائمة فأجاب: «في الغنم السائمة زكاة» أو أن الغالب أن تكون سائمة ولأجل ذلك اعتبروا أن هذه الصفة ليست مقيدة وليست موجبة لعدم الزكاة في غير السائمة.
المهم أن العلماء لم يستندوا إلى النماء فالغنم المعلوفة أيضًا تنمو وتتوالد ومع ذلك لم يقل أحد منهم مطلقًا بأن النماء سبب في وجوب الزكاة، ولو كان النماء علة لكانت العلة مطردة ومنعكسة، واطراد العلة وانعكاسها واضح البطلان، فعشرة من الغنم تنمو وتتوالد ومع ذلك لا زكاة فيها إنما لا يمكن أن يكون النماء علة لأنه لا يطرد ولا ينعكس، والعلة الصحيحة شرطها الاطراد والانعكاس، يمكن أن يكون دليلًا للعلة لمن يقول بالقياس دلالة، وتعلمون أن أنواع القياس، هذا يعلمه الجميع، ثلاثة: قياس الشبه، وقياس العلة، وقياس الدلالة، يمكن أن نقول أنه دليل على العلة، إلا أنه ليس علة مطلقًا ولا يمكن أن يعتبر علة. هذه نقطة أخرى.
[ ٢ / ١١٦ ]
هناك شبهة قد تثار هي شبهة مقايسة الاقتصاد الإسلامي بالاقتصاد العالمي، أو ما يقوله الآخرون عن الإسلام، لقد تحدث قبلي أحد الإخوان لعله الشيخ وهبة لا أدري، أحد الإخوان الذي ألحوا على ضرورة حل المسألة من الناحية الإيمانية بمعنى أن نكون جيلًا من أجيال الإيمان، جيلًا مؤمنًا صادقًا في إيمانه، عندما نكون هذا الجيل المؤمن سنجد أنه سيكون متعاونًا وسنجد أن الناس يديرون أموالهم. النبي ﷺ قد وقعت في زمنه أزمات اقتصادية كثيرة لم يوجب ضريبة تصاعدية، لم يوجب شيئًا إلا الزكاة التي أوجبها الله ﷾ بل دعا الناس للتصدق، عندما أتاه أناس، مجتاب النمارى أكثرهم مضر، تنمر وجه النبي ﷺ وخطب في الناس فحثهم على الصدقة وكل منهم يتصدق حسب جهده وحسب إيمانه. النبي ﷺ يحض على الصدقات وعلى حمل المجاهدين في غزوة تبوك في شدة العسرة، ويأتي عثمان ﵁ ويتصدق بما تصدق به ويأتي قبل ذلك عندما يأمر بالصدقات يقدم أبو بكر ﵁ كل ماله ويقدم عمر رضوان الله عليه نصف ماله وكل يقدم حسب إيمانه وحسب جهده، لم يقل مطلقًا يجب على هؤلاء كذا، ويجب على هؤلاء كذا، الوجوب درجة ثابتة لا يمكن أن تتغير ولا أن تتبدل، تبقى بعد ذلك الأوضاع التي يفرضها الإيمان وتفرضها الأوضاع الخاصة بالمسلمين، إذن يجب أن نفرق تفريقًا واضحًا بين حكم من أحكام الله ﷾ لا يتغير ولا يتبدل وهو حكم الزكاة وبين الأحكام التي قد تفرضها أوضاع معينة كالقرض الخراج، الخرج المعين، يعني أريد أن ليس هو الخراج بمعناه، معناه خراج الأرض وإنما هو الخراج الذي يتحدث عنه ابن العربي رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿هَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ في قراءة نافع وسدًا في قراءة عاصم، فابن العربي يتحدث عن هذا الخرج أو عن هذا الرزق الذي يفرض على الناس أو هذه الضريبة التي تفرض وإني أكره الضريبة كثيرًا لأنها من باب ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ فهي كلمة غير لائقة بالمسلمين، هذا قد يكون في ظروف معينة وقد تكلم العلماء عنه ووضعوا له شروطًا وطالبوا من ولي الأمر أن يقسم على المنبر أن بيت المال لا يملك شيئًا وأنه لا يستطيع أن يقوم بمصالح المسلمين وحينئذ يتولى جباية هذا الخرج جمع من العلماء ليسدوا منه الحاجة، أما أن نفرض زكاة ليست منصوصة ولا منصوصًا عليها في أموال لا تتناولها الزكاة فلعمري إن هذه الدعوى يفهم منها أن في الدين نقصًا، والدين ليس بناقص وزيادة الكامل تعتبر نقصًا وأشكركم.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢ / ١١٧ ]
الشيخ محمد عبده عمر:
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تمسك بسنته وبعقيدته إلى يوم الدين. أما بعد،
فضيلة رئيس المجلس فضيلة المشايخ العلماء.. الواقع لست آتي بجديد عمن سبقني من العلماء في موضوع الزكاة، ولكنني أحب أن أنبه إلى موضوع هام جدًا ربما البعض يفهمه ولكن لا يحب أن يتكلم عنه، ونحن كنخبة لشعوبنا الإسلامية يجب أن نفهم على أي حال وعلى أي وضع تعيش شعوبنا الإسلامية اليوم، إن موضوع الزكاة في الإسلام ليس هو ما يتطلبه العالم الإسلامي من اجتهاد في مجال الاقتصاد وفي مجال العدالة الاجتماعية المطلوبة والملحة اليوم، لكنه أكبر من هذا وأعظم من هذا.
إن الإسلام تحوم حوله شبه من الأعداء ولقد سبق لبعض أصحاب الفضيلة أن قال: ليس علينا من الأعداء يقولون ما يقولون، هذا صحيح، لكن بالمقابل علينا أن نتمسك بالإسلام روحًا ومعنى، وهنا نقول: ما علينا من الأعداء وما علينا من شبههم، موضوع الزكاة في الإسلام وسائل الاقتصاد أو الوسائل التي يوجب على الإسلام الزكاة تبدلت وتغيرت من عهد النبي ﵊ إلى عهدنا الحالي. وهذا شيء لا يجادل فيه أحد، ثم أيضًا المعاملة، معاملة الناس اليوم ليست على مقتضى شريعة الله فيها الغش وفيها أموال تدخل من غير حلها، فنحن نناقش نصاب الزكاة بينما الأموال هذه التي نحاول أن نستخلص منها نصاب الزكاة لا نناقشها ولا نفهم من أين أتت، فالمسألة مهمة جدًا هو أن الأعداء يراهنون على حلف الإسلام عدالة اجتماعية واضحة وصحيحة وكافية لحل مشاكل العالم الإسلامي أم لا؟ والحقيقة كما قال بعض الفضلاء من أصحاب الفضيلة بأن الزكاة حتى ولو أديت على أحسن وجهها لن تحل مشاكل العالم الإسلامي اليوم. مشاكل العالم الإسلامي اليوم مستعصية تمامًا، وأنتم تعلمون أنه في عهد النبي ﵊ وفي المجتمع المدني عندما آخى بين المهاجر الذي أتى من مكة بدون مال ولا أهل ولا دار وبين أخيه الأنصاري في المدينة، أول ما آخى بينهم الأخوة في الإسلام. فكان نتيجة العقيدة الإسلامية الإيمانية أن انطلق كل أنصاري بأخيه المهاجر يقاسمه في كل شيء ولم يقل ﵊ إن هذا ليس من الإسلام بل فتح ﵊ وأيد هذا، لكن نحن لا نقول هذا إلزامًا ولا جبرًا بل طواعية ونتيجة للإيمان العميق في قولب أولئك الطلائع الإيمانية المخلصة للإسلام والصادقة مع ربها، لكن بالمقابل نقول إننا نحن الآن، وضعنا الآن الإيمان ضعف، والعقيدة الإسلامية ضعفت في قلوب المسلمين، وتقوى الجانب الاقتصادي المادي المظلم على قلوب وعقول الشعوب الإسلامية.
[ ٢ / ١١٨ ]
ومن هنا دخلت عليهم الشبه ودخلت عليهم التهم، واتهموا في دينهم وفي عقيدتهم، وأن الإسلام عاجز عن أن يحل مشاكل العالم الإسلامي وأن الشقة تتسع بين فقراء معدمين وبين رأسماليين متخمين. ومن هنا يلجأ بعض الحكام إلى أن يستورد بعض المذاهب من هنا أو هناك كعلاج للمجتمع. ألا يليق بهذا المجمع الإسلامي العالمي أن يناقش هذه القضية بكل أبعادها. وبالتالي إذا كان هناك حق سوى الزكاة، كما قال السلف والخلف إن هناك حقًا في الإسلام سوى الزكاة، هذا الحق اليوم لم يؤد طواعية واختيارًا كما كان يؤدى في عهد السلف الصالح. ألا يليق بهذا المجمع أن يجعل هذا الحق واجبًا كالزكاة ونضمه إلى الزكاة من أجل أن نستطيع أن نوضح وجه الإسلام، وجه العدالة الاجتماعية في الإسلام وأن الإسلام نظام عقدي ونظام عبادة ونظام اقتصاد ونظام عدالة وبالتالي لسنا بحاجة إلى العقائد ولا الأفكار المستوردة من هنا أو هناك. لا أنكر أن مبحث الزكاة مهم، لكن هل الزكاة كافية في الوقت الحاضر، حتى لو ناقشناها بكل أبعادها مهما كان الخلاف في المسألة الجزئية، هل هي كافية؟ وهل تحل مشاكل العالم الإسلامي اليوم؟ إن هناك مبدأ في الإسلام من أين لك هذا. فقبل كل شيء نبحث عن مصادر هذا التملك وهذه الأموال وهل المعاملة في هذا الدخل على مقتضى شريعة الله أم فيها هناك مفاسد ومحاذير، وبالتالي علينا أن نركز على إيضاح وجه العدالة الاقتصادية في الإسلام، فإن هذا الموضوع خطير جدًا وحوله تحوم الشبه من الأعداء، وعلينا أن نثبت للأعداء بأن في الإسلام عدالة اجتماعية متكاملة من كل النواحي وهو صالح لكل زمان ومكان. أنا لا أقول بالأفكار المستوردة ولست متأثرًا بها أبدًا على الإطلاق لأنني أؤمن بالله وباليوم الآخر. لكن علينا أن نوضح مبدأ العدالة الاجتماعية في الإسلام بكل أبعاده على مقتضى ما وصلت إليه شعوبنا اليوم، وعلى مقتضى ما وصل إليه عصرنا من وسائل الإنتاج ومن سهولة التملك ومن اتساع الشقة في المجتمع الواحد. نجد المكان الواحد بل في البيت الواحد هذا غني غنى مطلق وهذا فقير فقر مدقع، ومن هنا تدخل الأفكار وتدخل الفتنة على عقيدتهم وفي دينهم.
الرئيس:
أرجو الاختصار يا فضيلة الشيخ.
الشيخ محمد عبده عمر:
شكرًا.. ولهذا فإنني أركز على أن نوضح وجه الإسلام في الجانب الاقتصادي ونثبت للعالم كله أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢ / ١١٩ ]
الرئيس:
الشيخ زكريا مع التفضل بالإيجاز.
الشيخ زكريا البري:
سيادة الرئيس لم يقل لأحد قبلي: مع التفضل بالإيجاز، ولكنني أشكره على هذا.
بسم الله الرحمن الرحيم، أشعر بكثير من السعادة حين أوجد في هذه المجموعة الطيبة وبدلًا من المقدمة الطويلة أدخل في بعض الأمور معارضًا جاري ويكفي هذا.
جاري العظيم بدأ كلامه بأن هذا ما أراه الله، وأنا أذكره بما يذكره من قول عمر حينما أملى حكمًا فكتب الكاتب هذا ما أراه الله عمر، فقال: لا قل: هذا ما رأى عمر فإن يكن خطأ فمن عمر. وليس هذا بجديد على علمه ولكنه النسيان قطعًا، بعد ذلك قال: إن الإضافة إلى الكامل تعتبر نقصًا في الكامل، هذه كلمة دعوى رددها لغات القياس، ومردود عليها في كتب أصول الفقه، وبعد ذلك أقول إن ما تركه الله ﷾ يعتبر عفوًا، ولا يعتبر عفوًا إذا ما وصلنا كأهل الاختصاص أي أن هذه الأموال يجب فيها الزكاة، بعد ذلك قال: إن الزكاة عبادة، نعم إنها عبادة ولكنها في نفس الوقت لا أقول ضريبة حتى لا يعارضني ولكني أقول إنها مؤنة الأموال، ولذلك وجبت في أموال الأيتام وليسوا مكلفين بعبادة، بعد ذلك أجيال الإيمان التي تحدث عنها لا تعالج المشكلة مطلقًا، لأننا لا نتكلم عن الإيمان وإنما نتكلم عن نظام اقتصادي في الدولة يتولاه الحاكم ويتولاه أولو الحل والعقد، بعد ذلك هؤلاء الشباب الذين يراد لهم أن يتربوا على الإيمان يسألونك أول سؤال: كيف تجب على في الإسلام ضريبة الأرض الزراعية وأخي تمامًا بجواري يملك أكثر مني عقارات ولا يدفع عنها مليمًا، هل هذا يمكن أن يكون عدل الله؟ إنه فهم الفقهاء لا أكثر ولا أقل ولا بد له من إجابة، والقول إن بهذا كلام الشيوعيين يقول فليكن من أي مكان كان ورد على سؤال، بعد ذلك أقول: أنا منضم إلى الأخ الفاضل الدكتور يوسف القرضاوي وقد انضممت إليه كثيرًا في مؤتمرات كثيرة مع مخالفات جزئية بيني وبينه ولكني أنضم إليه، ومع هذا فبعد أن استمعتم إلى هذه الآراء الكثيرة التي تجعل الموقف في غاية الدقة أن نخرج بأنه لا زكاة، ثم بعد ذلك يخاطبنا الناس بما حدثنا به عن ماليزيا والشاي والمطاط إلى آخره نريد جوابًا على هذا منكم ولهذا أردت أن أخرج من هذا الخلاف وأن أتوصل إلى أمر أرجو أن يكون مقبولًا عندكم، وهو ترك قضية الزكاة إلى أمر ولي الأمر ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ ونتوجه إلى أولياء الأمر في البلاد الإسلامية بفرض ما نسميه مؤنة إرضاء لجاري العزيز أو ضريبة تتعادل مع الزكاة في الأموال التي لم تفرض فيها الزكاة حتى نخرج من هذه القضية الكبرى، ولكي نسد حاجات المسلمين. بعد ذلك هذا الأمر إذا ما اتبعت فيه الطرق الشرعية، فقهاء يقترحون، وحكام يلزمون فإنه بحكم القرآن الكريم، وكما قال الإمام الألوسي ينشئ حكما شرعيًا دينيًا يطلب من الحاكم أن يحاسب عليه في الدنيا ويثيب الله ويعاقب عليه في الآخرة، هذا كلام الإمام الألوسي، لأننا لا نطيع ولي الأمر من حيث إنه ولي أمر، وإنما نطيعه من حيث إن الله ﷾ قد أمر بطاعته، وأمر بطاعته في مثل هذه الأمور المستجدة.
عندي كلام كثير ولكنني امتثالًا لأمر ولي الأمر أكتفي بهذا وشكرًا.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢ / ١٢٠ ]
الشيخ محمد عمر الزبير:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
في بادئ الأمر أريد أن أذكر قضية النماء هل هو علة أو هو شرط؟ والواقع أن الإمام القرافي في فروقه ذكر الفرق بين السبب والشرط والمانع فجعل السبب ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم، وجعل الشرط ما يوجب من وجوده العدم، وذكر الزكاة على أساس أنها سبب وأن الحولان هو الشرط وأن الدين هوا لمانع فلا يمكن أن نقول على أن النماء شرط وإنما الحولان هو الشرط والسبب أعم من العلة كما يعرف الأصوليون ذلك، وبالنسبة للزكاة، النصاب هو السبب في الأموال التي ذكرها الرسول ﷺ ولكن يمكن أن نستخرج علة تشترك في صفة هذه الأموال ويمكن أن نقول: النماء علة لذلك، ولكن ليست العلة هي السبب الرئيسي الذي يرتبط به الحكم وجوبًا وعدمًا وإنما هي دالة على أن السبب الرئيسي في الحكم الشرعي الموجب للزكاة هو النصاب، على كل حال هناك اختلاف في وجهة النظر بين الأصوليين حول تعدية هذه العلة في الأموال التي تشترك فيها صفة النماء أو لا تشترك وهل هي قاصرة على محلها التي هي هذه الأموال بأنواعها المخصوصة المذكورة، هذه قضية.
القضية الثانية، في الواقع قضية التفرقة بين ما يستلزم من الحاكم أن يحقق نوعًا من العدالة أو التوازن بين الطبقات وهذا الأمر متروك لولي الأمر حسب الحاجة، ونستطيع أن نفرق بين الواجب كحكم شرعي وبين ما يوجبه ولي الأمر حسب حاجات المجتمع وتغيراته، فإذن هناك أحكام ثابتة حتى لو اقتصرنا على الأنواع المخصوصة التي ذكرها الفقهاء بالنسبة لأموال الزكاة إلا أن هناك أموالًا أخرى كما قال الإمام الشاطبي ﵁ يمكن أن يوظف ولي الأمر ما يستلزم لدفع الجوائح عن المجتمع، وهذا مجال خصب تستطيع الدولة أو الحاكم أن يحقق كثيرًا من التوازن في المجتمع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢ / ١٢١ ]
الدكتور عبد السلام العبادي:
بسم الله الرحمن الرحيم.. في هذه المجالات العلمية لا بد في بحث المسائل الفقهية من تحرير محل النزاع حتى لا يذهب بنا البحث في جوانب ليست لها علاقة مباشرة بالموضوع الذي نتعرض له.
الموضوع الذي أمامنا هو هل تجب الزكاة في المستغلات في ريع أو في دخل المستغلات أو لا تجب؟ فالقضية ليست قضية بحث في زيادة الإيمان وفي دعوة الناس للصدقة ولا في هل للحاكم المسلم سلطة فرض مدخلات جديدة على أموال الناس ولا في أي أمر لاحق هذا أمر.
الأمر الثاني: القضية المطروحة هل هي قضية مستحدثة مائة بالمائة. وضح أستاذنا يوسف القرضاوي أن هنالك آراء فقهية قديمة قالت بوجوب الزكاة على دخل المستغلات، إذن الأمر في هذا المجال أمر ترجيح، وليس أمر استحداث لرأي جديد، ولكل وجهته ونظره في مجال الترجيح، ما رآه أستاذنا في هذا المجال من مرجحات لإيجاب الزكاة في دخل المستغلات له وجهة نظر فيها، وجهة نظر مقدرة ومحترمة، ووجهة النظر التي تمنع أو لا توجب، كما ظهر من النقاش، أدخلت في الواقع على المسألة مجموعة من العناصر التي لا بد أن تلحظ فيما إذا أريد لجهة تشريعية خاصة بعد توجه عدد كبير من الدول الإسلامية إلى وضع فريضة الزكاة في تشريع ملزم ولم يترك لعملية المبادرة الفردية هذا المجال، قد يختار المشرع هذا الرأي أو ذاك الرأي، أرجو أن يسمح لي بأن أقول إنني أميل في هذه المسألة إلى عدم الإيجاب وإن كنت أحترم الرأي الذي يرجح الوجوب الذي تفضل به أستاذنا، ملاحظًا عناصر أخرى دخلت في العملية تفضل بعض الإخوان وأشار إلى بعضها، لدينا في مجال المستغلات العقارية عنصر التعرض لمخاطر الاستثمار، والتعرض لاحتمالات الخسارة، وعند ذلك تعطيل هذه الأموال، نحن نلاحظ بعد فترة الكساد الاقتصادي التي نمر بها أن كثيرًا من أصحاب البنايات ينظرون إلى بناياتهم دون أن يحصلوا منها على أي دخل بل يحاولون بيعها، ويبيعونها بأسعار أقل بكثير من تكلفتها في بعض البلاد.
[ ٢ / ١٢٢ ]
الأمر الثالث: عنصر استثمار الأموال وإيجاد فرص العمل وإدارة المال في المجتمع، هذا الذي يستثمر في العقارات ويعمل فرص عمل ويحرك المال ويحقق مدخلات اقتصادية لجمهور كبير من الناس يدعم هذا التوجه، وأقول توجهًا أن عنصر النماء كما تبين من البحث ليس علة في إيجاب الزكاة إنما هو شرط حتى بعدما سمعنا من الأخ الدكتور محمد عبده عمر لأن هي دالة، هي مؤشر، هي حكمة قضية النماء، لكن لا بد أن يتوجه الباحث إلى معرفة العلة الحقيقية في إيجاب الزكاة التي يمكن أن تكون مطردة وإذا لم تكن مطردة عند ذلك لا تسمى علة لأن هذا هو أساس تسميتها بعلة.
أما قضية الفقر والفقراء فيجب أن لا يغيب عن بالنا أن معالجة قضيتهم لن تتم في النظر الإسلامي فقط عن طريق الزكاة، هنالك نظام متكامل لمعاجلة مشكلة الفقراء يكفي أن نشير هنا إلى قاعدة، إذا لم تف حصيلة الزكاة بتأمين مستوى الكفاية للفقراء ضمن قواعد تشريعية متعددة بينتها الشريعة، فبين بعض الباحثين أن حق الفقراء في الكفاية متعلق بأموال الأغنياء ولو أدى ذلك إلى استيعاب جميع أموالهم واشتراكهم فيها بالتساوي. أنا لا أستطيع من أجل حل مشكلة الفقراء أن أوسع دائرة الإيجاب في الزكاة بهذه الحكمة التي تحرص عليها الشريعة وتدعو إليها تأمينًا للعدالة الاجتماعية بين الناس، لأن لدى غنية في بعض القواعد الشرعية التي ستعمل مباشرة بعد أن تنتهي هذه القاعدة من العمل، هي قاعدة الزكاة، ثم إن استخدام المستغلات هو الآن بات وسيلة لعيش الفقراء والأغنياء ليس فقط لعيش الأغنياء أو لمزيد من الدخل لديهم، لأننا نلاحظ في مجتمعاتنا ونراهم حولنا في كل مكان هذا الذي يؤجر بيتًا صغيرًا وهذا الذي يؤجر غرفة وهذا الذي يؤجر سيارة أو غير ذلك، فإذا أردنا أن نأخذ بقاعدة أن المستغلات تجب فيها الزكاة، فإننا يجب أن نلاحظ موضوع الاطراد في تطبيق ما تبنيناه، التوجه إلى إعفاء حد معين من المعيشة الذي هو أدنى ما يكفي الإنسان، والذي انتهى فيه أستاذنا إلى تقرير كتنسيب بأن يكون هناك ثلث الدخل معفى، في الواقع هذا لا يحل المشكلة لأنه لا ينسجم مع قاعدة إعفاء الحد الأدنى للمعيشة، لأنه سيكون فقيرًا وسيدفع ثلثي الدخل، إعفاء ثلث الدخل بالنسبة له لا يحل المشكلة، يمكن أن يكون التصور بإعفاء مجموعة من المالكين من الدخول في دائرة التكليف في مجال الزكاة في هذا النوع من أنواع الزكاة، لذلك أرجو أن يكون الأمر في إطار الترجيح، وإذا كان في إطار الترجيح، نحن لا نستطيع أن نرفع الخلاف وبالتالي عندما يتوجه إلى وضع تشريع ملزم في مجال الزكاة للحاكم المسلم أن يتبنى الرأي الذي يراه محققًا للمصلحة بمشورة الخبراء والمختصين، وبخاصة أننا لدينا مؤتمرات علمية قد بحثت هذا الموضوع وانتهت فيه إلى رأي معين. وشكرًا.
[ ٢ / ١٢٣ ]
الرئيس:
في الواقع أنا هنا في موضوع أشار إليه الشيخ عبد السلام ناقل ولست بناقد، أشار إليه أثناء الانصراف إلى صلاة المغرب أن هناك كلمات موسعة وهي لا تعدو عن كلمات إنشائية. ونحن كما تعلمون في مجال فقه وفي مجال تحرير محل النزاع وفي مجال استنباط العلل وفي مجال جمع الأدلة وبيان مدارك الأحكام ومدارك الخلاف، أما الأمور العاطفية أو الأمور الوقتية أو مشكلات الحياة أو ما جرى مجرى ذلك، فهذه بحور لا ساحل بها، نحن نريد أن نسير في ذلك المسار فقط. هذا أذكره لكم على سبيل النقل من توجهات بعض الإخوان ويرون ويأملون أن يكون ما يتفضل به المشايخ في المسار الفقهي الذي يحدد لنا القضية ويعطينا إيضاحًا عنها.. والكلمة الآن للشيخ عمر جاه، ثم للشيخ عبد اللطيف.
الشيخ عمر جاه:
بسم الله الرحمن الرحيم.. ولأنني آخذ الكلمة لأول مرة أريد أن أتوجه بكلمة شكر إلى رئيس المجمع وإلى الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي على حسن التنظيم الذي سهل لنا الأمور ومهد لنا الطريق. وعندي ملاحظة: لا أريد أن أعلق على موضوع الزكاة الذي أعتبر وأعتقد أن أصحاب الفضيلة العلماء الذين تكلموا عنه أعتقد أنهم قتلوه بحثًا. أريد فقط أن أستوضح نقطة واحدة هي تتعلق بزكاة المستغلات.. ومما لا شك فيه أن مجال المستغلات وخاصة ما يخص العمارات والمصانع، مجال يعتبر من أحد مجالات استثمار أموال المسلمين في الوقت الحاضر. وليس من المعقول إهمال هذا القطاع الذي يستوعب أكبر قدر من استثمار أموال المسلمين. وإذا كنا في إطار هذا المجمع نمثل العالم الإسلامي في الوقت الحاضر. إذن ينبغي أن نقول إن وجودنا هنا تجسيم لمشاكل المسلمين خاصة المشاكل الاقتصادية، فالزكاة كما نعرف جزء ومحاولة أو توجيه إلهي لإعطاء المحتاج من مال الأغنياء التي تعتبر وديعة عندهم. وسؤالي أو ملاحظتي أن من يتساءل عن وجوب الزكاة في المستغلات هل الزكاة التي تتكلم عنها في المستغلات نفسها أو في دخل المستغلات؟ ونعني إلى الفهم، وأرجو من فضيلة العلماء الذين قدموا بحوثًا في هذا المجال أن يصححوا فهمي إن أخطأت. الزكاة التي نتكلم عنها الآن هي الزكاة في دخل المستغلات وأعتقد أن دخل هذا إذا كان شكل أموال له قواعده في مسألة الزكاة، إذا كان نتصور إنسانًا استثمر مليون ريال في بناء عمارة لعملية تجارية وحصل أن هذه العمارة لم تستغل لفترة زمنية،من المعقول أن لا يطالب بالزكاة، إذن فالمزكى هو ريع هذه العمارة أو دخل هذه العمارة أو الأموال التي يتحصل عليها من هذه العمارة. إذن أعتقد أن العلماء لا يختلفون أبدًا على وجوب فرض زكاة على هذه الأموال ولكن الزكاة هي على الأموال التي تدرها أو يستنتجها المستثمر من هذه المستغلات. فأرجو من الدكتور يوسف الذي تفضل بتقديم البحث في هذا الموضوع، وإنني أعترف بأنني تعلمت من بحثه الكثير، إذا كان فهمي هذا خطأ، أرجو أن يتفضل ويصحح لي هذا الفهم.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢ / ١٢٤ ]
الشيخ محيي الدين قادي:
نحمده ونستغفره ونتوب إليه، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ألا إن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
والزكاة: أثيرت مشكلة زكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية. هذه المشكلة فيما يبدو لي موجودة من يوم أن هاجر ﷺ إلى المدينة واحتاج المسلمون إلى أن الواحد منهم يتنازل عن نصف بيته أو نصف منزله إلى أخيه من المهاجرين. وقد وجدت هذه المشكلة وهي فاشية منتشرة من عهده ﷺ وهي كراء الدور. ولكن الفاشي المنتشر إذا سكت عنه صاحب الشرع يعتبر أن سكوته حكم، فلم يوجب ﷺ فيما رأينا وما عرفنا من نصوص السنة الشريفة وفيما عرفه الأئمة السابقون، يعني من نصوص السنة، والزكاة في العقارات. وإن قلنا بأن هذه المشكلة جدت وتطورت فهل حضارة بغداد وقاضي قضاتها أبو يوسف وحضارة القيروان وقاضيها سحنون وحضارة قرطبة، يعني لم تعرف هذه المشكلة، أيضًا وهي ما يتعلق بكراء العقارات. فجعلنا الزكاة واجبة في العقارات يقتضي من القائل به أن يعيدنا إلى مصدر من مصادر التشريع المعروفة وهي المجمع عليها أو المختلف فيها على الأقل وهي الكتاب والسنة وهما محل الإجماع، والإجماع على رأي أغلبية الفقهاء، ثم ما اتسع عند بعض الأئمة وضاق عند بعضهم كالمصالح المرسلة والاستصحاب. أما إن أردنا أن نجيب هؤلاء السائلين من الشيوعيين وغير الشيوعيين، فديننا يجيب في غير هذا. فعندنا دروب من المؤاساة الواجبة في الإسلام غير الزكاة، وذلك كما ورد في قوله ﷺ «إذا بات أهل عرصة في شبع وفيهم جائع فقد برئت منهم ذمة الله ورسوله» وكقوله ﷺ حين أصابت الناس حاجة «من كان عنده فضل زاد» إلى غير ذلك، وكقول مالك بن أنس "إن لم توف الزكاة بحقوق الفقراء أنه يجب على الأغنياء إغناء الفقراء" وإلى غير ذلك من الوجود الكثيرة. وقد ورد في عهد الإمام علي للأشطر النخعي وهو من المتفق عليه بين أهل السنة وغيرهم، يعني أنه أوصى بالأرامل وبالأيتام وبذوي الحاجة وبذوي العجز إلى غير ذلك. فالزكاة تتسع لبعضهم ولا تتسع للكل، وفي الإسلام وفي بيت المال موارد أخرى. فإن أردنا تحقيق ذلك فعلينا أن نحقق ذلك إلى أي مصدر من مصادر التشريع نرجع أقوالنا هذه. وإن كان ما قلته صوابًا فمن فضل الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢ / ١٢٥ ]
الشيخ عبد الله البسام:
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد. وبعد،
فأصحاب الفضيلة قتلوا الموضوع بحثًا في هذا الأمر وتعرضوا لموضوع النماء: هل هو علة أو شرط؟ وحسب ما عندي من قراءة وما عندي من فهم أن النماء شرط من شروط وجوب الزكاة وأنه ليس علة فيها. وإنما الذي أرى وقرأته وعلمته من كلام أهل العلم أن النقطة الأساسية في الزكاة هي المواساة بين الفقراء والأغنياء. فالمواساة هذه يستطيع الفقيه أن يأتي بها في كل نقطة من نقاط الزكاة، فهذه هي التي تحدد مأخذ الزكاة. ولهذا أهم ما استدل به الجمهور على عدم وجوب الزكاة في حلي المستعار أو المستعمل، أهم ما استدلوا فيه أنه للقنية وليس للنماء. وإذا كان ليس للنماء فمعناه أن صاحبه بعدم إخراجه ساوى الفقير، دخل عنصر المواساة في ذلك لأنه من أموال القنية التي لا تنمو والتي هي من استعمالات صاحبه. هذا المبدأ مبدأ المواساة إذا طبقناه على المستغلات كالمصانع والعمائر ونحوها وجدناه تنطبق على ذلك. فمسألة المستغلات هي مسألة قديمة وليست جديدة. هي موجودة في صدر الإسلام في عهد النبي ﷺ وفي عهد أصحابه وفي الصدر الأول، فلم يحدث فيها تشريع جديد وإنما بقيت على الأصل فيها. وكونها تضخمت وكثرت غلاتها، وهذا أعتقد لا يغير من التشريع شيئًا، التشريع لا يزال باقيًا لأن التشريع يقع على الكثير والقليل، هذا ما أردت أن أبديه حول هذه النقطة. وشكرًا.
[ ٢ / ١٢٦ ]
الشيخ عبد الله إبراهيم:
بسم الله الرحمن الرحيم.. شكرًا لفضيلة الرئيس على ما أتاحه لي من المشاركة التي قد طالت وتنوعت إلى أن ظهرت لي أن المسألة قد بقيت مختلفًا فيها، ولم نصل إلى الحل الحاسم. فمن بين نقاط الخلاف هي مسألة النماء نفسه. فالنماء كما ظهر لنا جميعًا إما أن يكون شرطًا وإما أن يكون علة، على حسب ما ظهر لنا من المناقشات. وبالنسبة لما حضر لي من القراءات في هذه المسألة، أن النماء أيضًا إلى جانب وجود القول بأنه شرط أو علة يوجد أيضًا ما هو يشبه بأنه نوع ليس بشرط ولا بعلة ولكنه نوع. هذا ظهر من تعبير الإمام النووي في المجموع لأنه قال: الأموال الزكوية إما ما هو نماء وإما ما هو مصدر للنماء، أو كما قال الماوردي في الأحكام السلطانية وكذلك القاضي أبو يعلي، فالنماء هنا كما ظهر لي أنه نوع من الأموال الزكوية. فالأموال الزكوية إما ما هو نماء وإما ما هو مصدر للنماء، فظهر لي أن النماء هنا يعني الدخل، فالأموال الزكوية إما هو الدخل على حسب التعبير الحديث وإما هو المال النامي والمال النامي نوع والنماء نفسه نوع، فالنماء ظهر لنا هو غلة المستغلات فهذا هو النماء، وأما النقود والسوائم وأموال العروض التجارية فهذه هي المال النامي فإذا رأينا إلى تقسيم الأموال الزكوية إلى هذين النوعين، إما الأموال الزكوية إما ما هو نماء، وإما ما هو مصدر للنماء. إذن فكل ما هو نماء تجب فيه زكاة أو كذلك كل ما هو مال نام أو مصدر للنماء تجب فيه الزكاة، ومهما كان الأمر فالخلاف لا يزال باقيًا. وأرى أن نخرج من هذا الخلاف بما عليه الفقهاء. في كثير من الأحيان رأينا الفقهاء إذا اختلفوا في مسألة من المسائل فإنهم يطبقون قاعدة اختيار الأنفع للفقراء. رأينا الإمام النووي في المجموع وكذلك ذكر كثيرًا في المغني لابن قدامة، فإنهم في مسألة اختلفوا فيها طبقوا أو يشيرون إلى الأخذ بما هو أنفع للفقراء. فخروجًا من الخلاف الذي نحن فيه الآن فأنا أميل إلى أن نطبق أو لا نمنع من أي جهة من الجهات تطبيق ما هو أنفع للفقراء، تطبيق ما هو أنفع للفقراء بالنسبة لمسألتنا هذه، فهو طبعًا كما ذهب إليه مقدم البحث الفاضل الدكتور يوسف القرضاوي، فإن تطبيق ما هو أنفع للفقراء أيضًا يناسب كما قال فضيلة الشيخ عبد الله البسام فإن فيه مواساة للفقراء، فإن الزكاة ومن حكم تشريع الزكاة فيها مواساة للفقراء. فالأخذ بهذه القاعدة قاعدة اختيار الأنفع للفقراء يمكن أن نقيس أشياء غيرها وليس لنا أن نقف في مسألتنا هذه فقط مسألة غلة المستغلات. فكل ما هو مثل غلة المستغلات يمكن أن نطبق عليه قاعدة اختيار الأنفع للفقراء. فهناك مسائل أخرى إذا طبقنا عليها هذه المسألة نفيد المجتمع كثيرًا خصوصًا مجتمع اليوم، مجتمع المسلمين في كل مكان يحتاج إلى تطبيق ما هو الأنفع للفقراء. هذا ما أراه للخروج من هذا الخلاف، والله أعلم.
[ ٢ / ١٢٧ ]
الشيخ عبد اللطيف الفرفور:
شكرًا أيها السيد الرئيس الواقع أولًا في كل اجتهاد تخريجًا أو ترجيحًا نردد ما قاله الإمام أبو حنيفة ﵁ "علمنا هذا رأي وهو أحسن ما توصلنا إليه فمن جاءنا بأحسن منه كان أحق".
القضية هي في دخل المستغلات وليست في أعيانه كما هو ظاهر. فهل النماء علة بصرف النظر عن كونه شرطًا أو نوعًا أو غير ذلك، الواقع أني أعود فأكرر أنه ظهر لدى جميع الأفاضل الحضور أن النماء ليس علة لأن العلة هي السبب المؤثر، والنماء ليس سببًا ولا مؤثرا، ثم المواساة التي تفضل بها بعض الزملاء الأفاضل حكمة وليست علة. المواساة مئنة وليست مضنة، نحن نبحث هنا المضنة لأنها هي التي يدور معها الحكم وجودًا وعدمًا مع التأثير فيه. فمن ادعى غير ذلك فعليه الدليل، من ادعى أن النماء علة فليأتنا بدليل نقلي وعقلي.
ثانيًا القياس على الأرض الزراعية هنا غير وارد إطلاقًا لغلبة جانب التعبد في الزكاة على معنى الحق البحت، أي حق المال، فهي كما يقول الأصوليون الأحناف: عبادة فيها معنى المئنة، الأصل فيها العبادة فلو سلم جدلًا فهو قياس مع الفارق كما تفضل الأخ الدكتور السالوس.
ثالثًا، الزكاة في ريع المستغلات مفروضة كما تفضل الشيخ عبد العزيز عيسى فنحن لم نقل: إن الزكاة غير مفروضة كما تفضل الشيخ عبد العزيز عيسى فنحن لم نقل: إن الزكاة غير مفروضة ما قال بذلك أحد، لكنه في الريع بزكاة النقود وبشروطه فهذا هو التوسط، الوسطية التي نادى بها الإسلام.
وهذا يعد كله من باب التجارة، وعلى فرض عدم وفاء هذه الزكاة بالهدف في ظل ترقيع الأنظمة الحالية، لأننا لسنا في نظام اقتصادي إسلامي، نحن نرقع الأنظمة الحالية ترقيعًا بما لدينا من حلول إسلامية، والمفروض أن نستبدل بهذه الأنظمة النظام الاقتصادي الصحيح الكامل الشامل الوافي حتى نرى هل يحقق الهدف أم لا؟ فالنبي ﵊ ورد عنه أثر لا أدري الآن تخريجه بالضبط ولكني قرأته في بعض الكتب المعتبرة الموثوقة من كتب السنة "لو أن الله ﷿ يعلم أن زكاة أموال الأغنياء لا تكفي الفقراء لأنزل عليهم من عنده ما يكفيهم"، فإذا أحببنا معالجة قضية عدم وفاء هذه الزكاة بحاجات الفقراء ولتحقيق العدالة الاجتماعية فعندنا في المذهب الحنفي فرق كبير بين ما يسمى بحكم الفتيا، وبين ما يسمى بالسياسة الشرعية. فيقول ابن عابدين في "رد المحتار" نقلًا عن أئمة المذهب، وهذا هو آخر كتاب من كتب الحنفية المعتبرة: "إن الإمام بشروطه طبعًا له صلاحية فرض خرج، وأحببت كلمة الخرج جدًا وإن لم يقلها ابن عابدين بالذات وإنما هي كلمة معتبرة بعد الرجوع لأهل الحل والعقد وهي الشورى الخاصة أن يفرض في أموال الأغنياء ما يكفي الفقراء وما يكفي حاجة الدولة"، هذا حكم اسمه حكم سياسي، ولا نقول سياسي بمعنى السياسة الحالية التي نفهمها، حكم سياسي شرعي، وله حق الإلزام وعلى الناس أن يطيعوا ذلك يثابون ما أطاعوا ويعاقبون من عند الله ما خالفوا، اللهم إذا كان في ذلك منفعة عامة للكافة وبشروطها المعتبرة. فقد خصص ابن عابدين مطلبًا خاصًا لما يسمى بالسياسة الشرعية. فحينما يضيق الأمر إذا ضاق الأمر اتسع، نأتي إلى السياسة الشرعية ونقول للحاكم المسلم تعال فافرض في أموال الأغنياء ما يكفي الفقراء وما يكفي الجيش وما يكفي البلاد، هذه ناحية. وأقول بعد ذلك إن الشرع ما شرعه الله، ولا نستطيع أن نزيد من عندنا شيئًا باسم المصالح إذا كان الأمر يتعلق بالتعبد بالذات. والزكاة أمر تعبدي أكثر مما هو حق مالي فلنقتصر على النصوص ونبتعد عن هذه الاجتهادات ما دمنا نريد أن نصل إلى السلامة في ديننا ودنيانا. مع شكري لمن تفضل قبلي بالجهود المشكورة والاجتهادات النافعة فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد، وأرجو الله أن أكون صاحب الأجرين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢ / ١٢٨ ]
الدكتور حسن عبد الله الأمين:
بسم الله الرحمن الرحيم.. شكرًا للسيد رئيس الجلسة والإخوة الكرام السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
الحديث حول الزكاة في المستغلات دار كثيرًا وأشبع بحثًا من الإخوة الكرام. والحقيقة أن الأموال المستغلة هي في واقع حياتنا الحاضرة تمثل نسبة عالية من الاقتصاد الكلي لأي بلد من البلدان. فهي في حقيقتها قبل أن تكون أموالًا مستغلة في أعيان كانت أموالًا سائلة ابتغى بها التنمية والربح والعائد من أصحابها. وكان لهم أن يدخلوا بها في التجارة مباشرة ويديرونها سريعًا، ولكنهم اكتشفوا أن جعلها في هذه المستغلات المتنوعة أنفع وأفيد كثيرًا لهم من التجارة السريعة. فهي في حقيقتها أموال نقدية أدخلت في عمليات شبيهة بالتجارة إن لم تكن تجارة، وكون كثير من الإخوة جعل هذه الأموال يزكى ريعها ولا تزكى أصولها هذا نوع من التجاوز. وقد يكون مقبولًا حفاظًا على هذه الأصول ولكن ليس مقبولًا أن نجعلها والتجارة في مستوى واحد. أموال التجارة تزكى كلها ما كان منها نقدًا وما كان منها عينًا. تقوم ثم تزكي. لكن هنا لا نقيم هذه الأعيان المالية في المستغلات، وإنما نأخذ الزكاة كما يتجه أكثر الإخوان من ريعها ومن عائدها. فهل أولًا يصح أن نبعد هذه الأموال من الزكاة نهائيًا كما يتجه بعض الإخوة؟ هذا لا يصح. أو هذا في رأيي لا يكون منطقيًا. كيف نستبعد هذه الأموال وهي أموال ضخمة جدًا تمثل النسبة العالية وقد تكون الثلث أو النصف أو أكثر من ذلك من الأموال الدائرة في النشاط الاقتصادي؟ من حيث المبدأ أعتقد أنه ليس سليمًا أن نستبعد هذه الأموال من محيط الزكاة. فإذا انتقلنا إلى مرحلة أخرى هي أن تكون الزكاة في ريعها وعائدها فكذلك أرى أنه لا نسوي بينها وبين التجارة العادية التي نأخذ على ريعها وعلى أعيانها. المخرج في رأيي في هذه الحالة بعد أن نقرر مبدأ الزكاة فيها أي في عائدها وليس فيها أن تكون هذه الزكاة في يوم العائد مباشرة حتى لا تخرج مرة أخرى في شكل مستغلات وتتسرب من السيولة التي بين أيدينا التي نستطيع أن نجعل منها زكاة، لأننا لا نستطيع أن نعوض هذا بجعلها هي في أعيانها وفي ذواتها زكاة أو نزكي عنها. فالرأي الذي ذهب إليه الأخ الدكتور يوسف القرضاوي أعتقد أنه سليم في هذا الموضوع: أن تكون الزكاة واجبة، وأن تكون واجبة في ريع هذه الأموال المستغلة وأن تقوم في تاريخ وجود هذه العوائد منها. وشكرًا.
[ ٢ / ١٢٩ ]
الشيخ عجيل جاسم النشمي:
بسم الله الرحمن الرحيم.. والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
يبدو لي أن القضية منحصرة في تحقيق محل النزاع كما أشار أحد الزملاء. وبناء الحكم في هذه القضية يقتضي توضيح معنى السبب ومعنى الشرط كي نتوصل إلى قضية النماء هل هو شرط أم سبب؟ ويقتضي أيضًا تحقيق معنى العلة. أود هنا أن أذكر لكم ما يحضرني في تعريف السبب والخلاف فيه وفي تعريف الشرط والعلة. ثم أبني الرأي حول قضية النماء.
السبب: اختلف فيه العلماء إلى رأيين: الجمهور قالوا بأن السبب هو وصف ظاهر منضبط يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم. وآخرون رأوا أن السبب هو أيضًا وصف ظاهر منضبط يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم بشرط أن لا تكون هناك مناسبة بين السبب وتشريع الحكم. فعلى الرأي الأول السبب والعلة قد يجتمعان. وقالوا إن بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا، أي يجتمعان في شيء وينفرد الأعم منهما في شيء آخر. فتجتمع العلة والسبب فيما إذا كانت هناك مناسبة في تشريع الحكم، أي إذا ظهرت الحكمة من التشريع كقصر الصلاة في السفر. السفر هو السبب والحكمة ظاهرة في التخفيف، فهنا يقول الجمهور بأن في هذا المثال يجتمع السبب والعلة. فبينهما عموم وخصوص مطلق. على الرأي الثاني لا تجتمع العلة مع السبب لأن العلة لا بد وأن تظهر الحكمة فيها ولذلك قيدوا فقالوا إن السبب شرطه أن لا تكون هناك مناسبة، فإذا كانت هناك مناسبة فلا يكون سببًا إنما يكون علة. هذه خلاصة ما قاله العلماء في السبب.
أما الشرط: فعرفوه بأنه ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذات الشرط ويكون خارجًا عن حقيقة المشروط. هذا تعريف السبب والشروط. وعلى هذا فالنماء هو شرط لأن الحكم لا يدور معه، شرط لا سبب، لأن السبب قد يكون له شرط لوجوبه أو وجوده. فالنماء شرط للسبب. ونصوا هنا في قضية الزكاة أن السبب هو ملك النصاب. فملك النصاب هو الذي يدور معه الحكم وجودًا وعدمًا. أما النماء فهو شرط من الشروط عند من يرى أن النماء شرط للزكاة. وقضية العلة هنا ليس لها تأثير في هذه القضية، العلة ليس لها تأثير لا باعتبار معنى الحكمة، لأن السبب هو الأعم. فكلما وجدت العلة وجد السبب، لأن السبب هو الأعم، ولا توجد العلة إلا ويوجد السبب معها إذا ظهرت الحكمة على رأي الجمهور. فالرأي العلمي الذي أطمئن إليه هنا في هذه القضية بناء على هذه المسلمات في تعريف السبب والشرط هو أن النماء شرط وليس سببًا والله أعلم.
[ ٢ / ١٣٠ ]
الشيخ آدم شيخ عبد الله:
بسم الله الرحمن الرحيم.. بعد شكرى للأمين العام ورئيس المجمع وجميع الباحثين يظهر لي أن هناك لبسا في المسألة، المسألة المراد: هل غلة أو ريع أو أجرة المستغل أو عين المستغل؟ فإن لم يكن المستغل نفسه من عروض التجارة فهذا أمر ظاهر والريع أو الغلة تجب الزكاة بشروطها، من النصاب وحولان الحول أو ضم هذه الغلة إلى أموال صاحبها، وإن كان المراد المستغل عينا ولم يكن المستغل من عروض التجارة، فأرى أن مثل هذا كان موجودا في عصر النبي ﷺ، فكان هناك مزارع، مزارع النخيل ومستغلة ولم تجب الزكاة في عين الأرض. هناك بيوت تدر دخلا وغلة ولم تجب الزكاة في عين البيوت المستغلة إن لم تكن من عروض التجار. ولهذا أنا أرى أن يدور الكلام والنقاش حول هاتين النقطتين، يعني غلة الأرض وريعها أو غلة العمارات والمصانع، فإن المصانع وما فيها من الأدوات والأرض وما فيها من أدوات الحرث تدر أموالا، فهذه الأموال نوجب فيها الزكاة بشروطها، وما أدوات الحرث ونفس أصل الأرض المستغلة ولا أعتقد هناك فرق بين أرض مستغلة وعمارة مستغلة، لذلك أنا أرى أو أضم رأيي مع من يرى أن الأعيان المستغلة إن لم تكن من عروض التجارة لا تجب فيها الزكاة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢ / ١٣١ ]
الشيخ على العصيمي:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه.
ينطق بعض الإخوان باسم الزكاة فيقولون زكاة كما يقول البعض إذا نكروا حياة يقولون حياة، ونحن هنا في موضع عال وسام وكريم وينبغي أن نعرف كيف ننطق بهذا الاسم الذي هو ركن من أركان الإسلام، ولقد تشعب الحديث وطال وينبغي أن يختصر اختصارا سريعا. فالأمر فيه واضح وضوحا جليا والدليل فيه قائم من القرآن ومن السنة وأعمال ورأى بعض الصحابة، فالأمر هو أن المال المستغل أصله مال ولذلك يجب فيه الزكاة كما تجب في المال والسلام.
الدكتور محمد شريف أحمد:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أود أن أشكر في البدء الرئيس والأستاذ الأمين العام على إتاحة هذه الفرصة للتحدث في هذا الموضوع الذي سأسهم فيه بشكل موجز وسيكون دوري تعليقا وملاحظات بسيطة فقط.
أود أن أقول إننا في مجمع فقهي إسلامي والمفروض من هذا المجمع الفقهي وهو كذلك كما نلاحظه أنه يصدر عن رأي اجتهادي أصيل. والمفروض أيضا أن هذا الرأي يكون مؤسسا على دليل من كتاب أو سنة أو مصادر متفق عليها أو مختلف فيها. وقد نوقشت هذه المسألة وكما قيل قتلت أو أشبعت بحثا فيها. وكما أرى أن فضيلة الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي قدم عرضا أصيلا يمكن أن نعتبره نموذجا لاجتهاد عالم معاصر يجب أن نجل رأيه ونحترمه كما نجل ونحترم آراء علمائنا من السلف الصالح. ولا يعني ذلك أنني أؤيده في رأيه تمام التأييد ولكني أؤيد نهجه الجرئ ونهجه العلمي الذي يضع اللمسات على موضع الداء، والحقيقة أن هذه المسألة كما تفضل الدكتور هي تتفرع عن قاعدة أساسية، بعد أن كان الموضوع ينزل إلى التفصيلات وبدأ البحث الآن يعود إلى تلخيص هذه المسائل، إلى الرجوع إلى الأفكار الأساسية. الفكر الأساسي الذي انطلق منه الدكتور الأستاذ القرضاوي: هو هل أن أحكام الله معللة بالأغراض، أو غير معللة؟ هو ذكر اسم العلة، وكما أعتقد والشخص موجود لا يجوز أن أتكلم باسمه ولم يكن يقصد بالعلة المعنى الاصطلاحي الأصولي. والحقيقة كما تعلمون وكما تفضل السادة الأفاضل تناولوا المصطلحات الأصولية: السبب، الشرط، المانع، العلة، لكن هذه المصطلحات لم تكن في يوم من الأيام عائقا لأي مجتهد تعوقه عن الاجتهاد، وإنما هذه مصطلحات فنيه اصولية تتبع الحكم وليست تسبق الحكم الاجتهادي، لذلك إذا أخذنا بالرأي القائل بأن الزكاة هي من الأحكام الشرعية التي يغلب فيها الجانب المالي وهو خاضع للتعليل فإن المنطق يدفعنا إلى أن نذهب وننحو منحى الأستاذ القرضاوي. أما إذا رأينا بأن الزكاة هي حكم شرعي ويغلب فيه الجانب التعبدي يكون من الصعب علينا أن نأخذ بغيره. والحقيقة أنا شخصيا لم أطلع تمام الإطلاع على بحثه القيم وعلى البحوث القيمة الأخرى، ولكن كما تعلمون أن كثيرا من المجتهدين ولا أعنى ولا أقصد بذلك أن أدخل في دائرة الاجتهاد وإنما أنا فيه طالب من طلاب العلم، ولكننا نقرأ كثيرا أن المجتهدين قد يتوصلون لعلة تنقدح في ذهن المجتهد أي هنالك إحساس لدى المجتهد في عدالة هذا الحكم. ولذلك إذا كان لي رأي فإن إحساسي يميل إلى الدكتور القرضاوي ولكن ديني الجانب الآخر ربما يميل إلى الرأي الذي عبر عنه بكل وضوح الأستاذ الجليل الشيخ عبد العزيز عيسى وهو الأوفق لمن يريد أن يلتزم بالجانب النصي تماما، وأنه الأوفق أيضا للمعنى الديني الملتزم الصارم فقط. ولكن إذا أردنا أن نسير إلى بعد اجتماعي في الدين فلابد أن نأخذ برأي الأستاذ الدكتور القرضاوي. وشكرا والسلام عليكم.
[ ٢ / ١٣٢ ]
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم وبهذا ينتهي ما سجلت من أسماء في مناقشة هذا الموضوع وقد كثرت النقاط الهامة واستغرقنا أربع ساعات في هذا الموضوع والآن إذا تكرمتم سوف أحضر ما جرى من المداولات وما جرى في النقاش وألخصه وأبين من خلاله ما اتجهت إليه أكثر الأنظار أو أكثر الأصوات فمن كان منضما إلى هذا الرأي فذاك، ومن لم يكن منضما إلى هذا الرأي ربما يتأمل يحصل له الانضمام أو يحصل له التحفظ.
الشيخ عبد الله بن بيه:
كما يبدو أن بعض الإخوان يريدون لنا أن نبحث في فراغ، نحن لسنا جمعية سياسية تنقسم فيها الأصوات والأهواء، نحن كما قيل إن الناقد وإن كان بصيرا لكنه بسلوك الأثر جدير، نحن نفتى، نصدر فتوى وبذلك نترجم عن الله ورسوله. الفتوى هي ترجمة عن الله ورسوله كما يقول العلماء " إخبار الفتوى كمن يترجم والحكم إلزام " فما يترجم عن الله ورسوله لابد أن يرجع إلى كتبا لله وسنة رسوله. ينبغي أن نتأمل قليلا في كلمة قالها اليوم فضيلة الدكتور الحبيب ابن الخوجة نقلها عن إمام الحرمين: هناك المتقابلات، الأوامر والنواهي. هناك الناحية المحصورة والناحية غير المحصورة هل من كلمة تفيدنا كثيرا، الجهة المحصورة والجهة غير المحصورة. هل الجهة المحصورة هنا هي جهة الزكاة أو هي جهة غير محصورة. ما هي الجهة التي حصرها الشارع بمعنى أنها تحتاج إلى نص من الشارع لنأخذ فيها حكما. هل يجوز لنا إحداث حكم؟ أعتقد أن هذا الموضوع في غاية الأهمية والدعاوى ما لم تقيموا عليها بينات أبناؤها أدعياء.
أنا لم أقل أبدأ إننا لا نقيس كما يحلو لجاري. وهذا من حسن الجوار أن ينسب إلى. أنا أقوال إن الأحكام تتلقف من أقوال النبي ﷺ وأفعاله وإقراراته ومن القياس. القياس هو المصدر الرابع وأنا أقول بالقياس.إلا أن القياس إ ذا لم يكن على غير شيئ أو كان فاسدا فإنه ممنوع شرعا. فإن القياس الذي لا يستند إلى علة جامعة، والعلة الجامعة باختصار شديد هي العلة المؤثرة في الحكم والتي تدور معه وجودا وعدما. فإذا لم تدر العلة مع الحكم وجودًا وعدما فمعنى هذا أنها لا تصلح أن تكون علة وبالتالي لا تكون مؤثرة. هنا ليس أمامنا نص نستند إليه ونطمئن إليه وليس أمامنا قياس سليم نستند إليه ونرتكز إليه. أمامنا آراء، بعض الإخوان يقول أرى كذا وأنا قلت: أراني الله، معناه جعل الله هذا رأيي، وهذا قد يكون صحيحا لأني قلته هكذا وأنا قلت: أراني الله، معناه جعل الله هذا رأيي، وهذا قد يكون صحيحا لأني قلته هكذا فالبعض يقول شرط والبعض يقول سبب وليس شرطا ولا علة ولا سببا. الشرط إذا كان شرط وجوب فإن المكلف يجب عليه أن يقوم به كالوضوء للصلاة، والنماء لا يجب على أحد أن يقوم به. النماء أيضا قد يتخلف وتوجد الماهية دونه والشرط إذا تخلف لا توجد الماهية دونه ولا تصح. المال الموضوع إذا لم ينم بشيء فإن الزكاة تجب فيه عندما يحول الحول. إذن هذا ينفى الشرطية وينفى العلية. ولقد قلت إنه إذا كان لنا أن نصف النماء بوصف فيجوز أن نصفه بأنه دليل على العلة وليس علة. وأن يكون القياس قياس دلالة لمن يقول بوجود قياس دلالة، كالشدة دليل على الإسكار، الإسكار هو العلة في الحرمة والشدة دليل على الإسكار. إذن النماء دليل يستروح منه وحكمة وليس شرطا من الشروط. يجب أن يكون هذا واضحا. الزكاة هي الفريضة الثانية بعد الصلاة ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ فليس من المعقول مطلقا أن تكون أحكام كهذه الفريضة الثانية ليست مذكورة عن السلف خصوصا وأن السلف تكلموا عن باب كراء الدور والأرضين، في المدونة مثلا، تكلموا كثيرا عن الكراء وعن الإيجار ولم يتكلم أحد منهم عن الزكاة في هذا إلا القليل النزر ولم أستوعب والحق يقال، لم أقرأ، قرأت قليلا جدا ولكن أرى من واجبي أن أنبه إلى هذه المسألة وأن أدعو الإخوان إلى التحاكم إلى الكتاب والسنة وإلى التحاكم إلى القياس السليم بشروطه المعتادة والمعتبرة. وأضم صوتي إلى ما قاله الشيخ عبد اللطيف، أعجبني كثيرا ما قاله ويجب أن نحرر موضوع ومواضيع النزاع لنهتدي إلي شيء، وأشكركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس:
شكرا ويتفضل الشيخ يوسف مع رجاء الاختصار.
[ ٢ / ١٣٣ ]
الشيخ يوسف القرضاوي:
بسم الله الرحمن الرحيم الشكر لله أولا ثم لفضيلة رئيس الجلسة وللإخوة. وفي القرآن العظيم ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾، الشكر للإخوة جميعا الذين خالفوني والذين وافقوني ولا أتوقع أن يتفق على أمر اجتهادي كهذا. فالأمور الاجتهادية بطبيعتها لابد أن يختلف فيها. ولا أدعى أن رأيي هو الصواب بل أقصى ما أقوله ما جاء عن الإمام الشافعي ﵁ " رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".
أقصى ما يقوله إنسان يجتهد ولا أدعى أنى من المجتهدين، إنما الاجتهاد الجزئي قال به أغلب الأصوليين أن يجتهد الإنسان في مسألة أو موضوع فهذا لا يمانع فيه أحد. وأعتقد أن مهمة مجمعنا هذا هو الاجتهاد الجزئي على الأقل في المسائل التي تعرض عليه سواء كان الاجتهاد هذا اجتهادا ترجيحيا انتقائيا أم اجتهادًا إبداعيا إنشائيا. ففي المسائل التي عرفها السابقون يكون اجتهادنا انتقائيا وفي المسائل الجديدة جدة مطلقة يكون اجتهادنا إنشائيا. وأنا أرى أن اجتهادنا هنا هو من النوع الانتقائي لأن المسألة قد قيلت فيها أقوال كما ذكرت في المذاهب المختلفة وإن لم يكن ذلك هو المفتى به. لأن الشيخ عبد الله ينكر أن يكون للسلف فيها رأي، مع أن الشيخ زروق ذكر في شرح الرسالة رأيا عن بعض المالكية أن يكون في غلة هذه الأشياء، صحيح ليس هو الرأي المشهور، وليس هو الرأي المفتى به، ولكن كم من آراء كانت مهجورة ثم شهرت وكم من آراء كانت ميتة مقبورة ثم حييت، كم من آراء، ولذلك اختلفت التصحيحات والترجيحات في المذاهب المختلفة على طوال العصور، ثم إنه من المقرر أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال والعرف، لماذا تتغير الفتوى، ليس الحكم الشرعي، أي أن هناك أشياء تجد تجعل المجتهد بغير رأيه حتى أن بعض الأئمة غيروا آراءهم في حياتهم، رويت عن الإمام مالك روايات عديدة في المسألة الواحدة، والإمام أبو حنيفة رجع عن بعض أشياء حتى قبيل موته بأيام، وخالفه أصحابه في نحو ثلث المذهب وكثيرا ما قال الحنفية في اختلاف أبي يوسف ومحمد عن شيخهما، هذا اختلاف عصر وأوان وليس اختلاف حجة وبرهان. فإذا كان هذا في وقت قريب مثل وقت الصاحبين مع شيخهما، فكيف والوقت بيننا وبين الأئمة المجتهدين وبين عصور الاجتهاد وقت طويل والحياة لم تعد رتيبة كما كانت، ولكن تغيرت.
[ ٢ / ١٣٤ ]
الإخوة يقولون: إن مسألة الكراء كانت موجودة من قديم، كانت قديمة، ولكن لم تكن بهذا الحجم ولم تكن بهذا القدر الذي هو موجود الآن. نحن إلى عهد قريب لم يكن أحد يسكن دارا بالكراء. الآن بعد حركة الحياة وتنقل الناس وعمل الناس في غير بلادهم وفي غير مواطنهم أصبح لابد من الكراء، فانتشرت هذه الأشياء، وأنا لم أتكلم فقط عن مسألة العمارات السكنية هناك العمارات السكنية، هناك الفنادق، هناك المطابع، هناك السفن والبواخر والطائرات وسيارات النقل وسيارات التاكسي والمصانع بكل أنواعها، تقول كما أشار أخونا الدكتور حسن الأمين قد تكون ثلث ثروة الأمة، نصفها أكثر أقل، يعني أموالا كبيرة، هل الشريعة سكتت عن هذا؟ بعض الإخوة يزعمون أن الشريعة قالت قولا وأننا نجيء باجتهاد نخالف مثل هذا القول، لو كان ذلك لكان الاجتهاد باطلا من أوله، لأنه لا اجتهاد مع النص، إذا كان نصا صحيح الثبوت صريح الدلالة فلا معنى للاجتهاد، إنما هذه الأمور التي لم يجيء نص فيها، كل ما في الأمر، يقال كانت هذه موجودة ولابد أن يكون للشريعة فيها، ولكن لم يصلنا شيء وقد حدث أن الأئمة اجتهدوا في أشياء لم ينص عليها النبي ﷺ، كما رأينا سيدنا عمر ﵁ كما جاء في قضية يعلى بن أمية والخائن ابن أمية والخيل وقال: أنأخذ من كل خمس إبل زكاة ولا نأخذ في مثل هذه الخيل شيئا وعلى هذا أخذ الإمام أبو حنيفة وأوجب الزكاة في الخيل إذا كانت للنماء، في مسألة- أيضا- الصدقة أو الزكاة في الخضروات والفواكه وهذه الأشياء قالوا أيضا على الحنفية أن النبي ﵊ لم يأخذ منها وقالوا لم يأخذ منها لأنه تركها للناس، أو غير ذلك، فكم من أشياء قال بها الفقهاء لم يثبت أن النبي ﷺ أخذ منها ولكنهم طبقوا القواعد العامة والنصوص المطلقة، طبقوا عموم النصوص وإطلاقها وأخذوا من أشياء لم تكن في عهد النبي ﷺ، ولذلك أنا حينما استندت في اجتهادي هذا استندت إلى أشياء أساسية، للأسف أن البعض ذكر أشياء وترك أشياء، أنا استندت إلى أشياء أساسية، لا تنقض إلا بنقض جميع أدلتها. أنا استندت إلى عموم النصوص وإطلاقها، وذكرت كلمة ابن العربي وللأسف بعض الإخوة المالكية لكي ينقض كلامي نقص من ابن العربي، نقص من قدره وقال: هذا ينقصه التدقيق، ابن العربي الذي كان قمة في عصره وقد وصلنا من كتبه القليل وهي تدل على أنه كان مجتهدا رغم أنه كان رأس المالكية في عصره وهو صاحب كتاب " أنوار الفجر" الذي قالوا إنه كان ثمانين مجلدا وضاع فيما ضاع من تراثنا، على كل حال ذكرت عموم النصوص وإطلاقها، ذكرت مسألة القياس ومسألة التعليل، وهنا أقف في هذه الناحية لأنها مسألة تتعلق بالأصول. كثيرون من الإخوة يقولون إن الزكاة عبادة والعبادات لا تعلل ولا يدخلها القياس. وأنا قلت: إن الزكاة ليست عبادة محضة لأنها عبادة من جانب وحق مالي من جانب. ولذلك قالوا إنه ينظر إليها كما ينظر إلى النفقات والغرامات فأوجبوها في مال الصبي والمجنون وهذا رأي الجمهور وإن خالف في هذا الحنفية، والحنفية نظروا إليها على أنها حق مالي فأوجبوا فيها القيمة. فكون حق مالي وذكر ذلك ابن القيم في " أعلام الموقعين" أن فيها الأمرين معا، الأمر التعبدي والأمر أنها حق من الحقوق المالية، فيجب أن ننظر إليها من هذا الأمر وعلى هذا يمكن أن يدخل فيها التعليل ويدخل فيها القياس، هنا مسألة العلة والشرط، أشار أخونا الدكتور عبد الستار أبو غدة إلى أن النماء شرط وليس علة. لعل في كلامي نقصا من الدقة المطلوبة. لأن الكلام هو أن العلة هي المال
النامي أو النصاب النامي وليس مجرد النماء هكذا التعبير. لكنني خانني التعبير أو لم أدقق فيه، إنما هو المال النامي أي المال الذي تحقق فيه شرط النماء أو النصاب الذي تحقق فيه شرط النماء، هذا هو العلة، المال مع النماء، هذه علة، وعلة أصولية أيضا ليس علة بالمعنى العام كما قال أخونا الدكتور شريف. فهذه علة فيمكن أن نقول إنها علة مؤثرة وتدور مع المعلول وجودا وعدما، وهي غير الحكمة، أنا ذكرت أيضا من الحكم التي ينبغي أن تلحظ وهي حكمة التطهير والتزكية وهي منصوص عليها في القرآن ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وعلة المواساة التي ذكرها الأخ الشيخ البسام هذه أيضا علة الإسهام في حماية دين الإسلام ودولته في سبيل الله والدفاع عنه. كل هذه من الحكم المذكورة وينبغي أن تراعى. فمسألة العلة واردة، مسألة أن النماء أشار هنا الشيخ تقي عثماني أن النماء ينبغي أن يكون من جنس المال وإلا لا يعتبر نماء. لا أدري من أين جاء بهذا، مع أنه ليس من الضروري. لأن الأرض شيء ونماؤها شيء آخر الأرض جماد ونماؤها نبات، التجارة هي عروض ونماؤها نقود. فليس من الضروري ولم أجد من قال هذا. فمسألة المال النامي هذه هي العلة في نظري والنماء متحقق تحقيقا أو تقديرا، نماء بالقوة أو نماء بالفعل.
[ ٢ / ١٣٥ ]
ثم في مسألة القياس، القياس هو في الزكاة وارد وفي العبادات ومن استقرأ الكتب الفقهية في جميع المذاهب يجد أن القياس دخله، ليس هذا فيما يسمونه مدرسة أهل الرأي، ومدرسة الرأي ومدرسة الأثر، المدرستان كلاهما، المذهب الحنبلي. في الصيام ألا يقيسوا على مسألة الاستنشاق في حديث «إذا استنشقت فأبلغ إلا أن تكون صائما» وقالوا إن الماء إذا دخل من الأنف وقاسوا عليه إذا دخل من غير الأنف، من أي منفذ آخر. موجود هذا في الصيام وفي غيره كما أشار أخونا الشيخ الخليلي من أحاديث النبي ﷺ، تدل على أن للقياس مدخلا وقياس الشبيه بالشبيه، والنظير بالنظير حتى في العبادات. وفي الزكاة نفسها هي فيها كثير جدا من أمور القياس وهذا أمر أساسي لأن الاعتماد في موضوعنا على القياس، وأعتقد أن الموجدين هنا ليسوا من الظاهرية، لأننا نؤمن بتعليل الأحكام، وحتى الذين ينكرون تعليل أفعال الله ﷾ من الأشاعرة وغيرهم يعللون الأحكام، هذا أمر معروف وجميع الفقهاء يعللون الأحكام ويبنون عليها أقيستهم فأنا أذكر بعض الأشياء التي جاء فيها القياس، مثلًا عمر ﵁ أمر بأخذ الزكاة من الخيل لما بين له أن فيها ما يبلغ قيمتها مبلغًا عظيمًا من المال وتبعه في ذلك أبو حنيفة، ما دامت سائمة واتخذت للنماء والاستيلاد، أحمد أوجب الزكاة في العسل كما قال ابن القيم لما رود فيه من الأثر وقياسًا على الزرع والثمر وأوجب الزكاة في كل معدن قياسًا على الذهب والفضة. الزهري والحسن وأبو يوسف أوجبوا فيما يستخرج من البحر من لؤلؤ وعنبر ونحوهما الخمس قياسًا على الركاز والمعادن كل مذهب من المذاهب أدخل القياس فى أحكام عدة، كقياس الشافعية غالب قوت البلد أو غالب قوت الشخص على ما جاء به الحديث في الفطر من تمر أو الزبيب أو غيره وقياسهم كل ما يقتات على الأقوات الأربعة المذكورة فى بعض الأحاديث، والإمام الشافعي ذكر أن الذهب لم يجئ فيه حديث وقال ربما جاء فيه حديث لم يبلغنا أو هو قياس على ما جاء في الفضة، ويستبعد أن يكون هناك حديث في عصر الشافعي في الذهب لم يبلغه ولم يعرفه. وعلى كل حال القياس في جميع المذاهب في أمور الزكاة قائم ولا ينكر، يعني في هذا الأمر. وعلى هذا أقول: أخونا الدكتور علي يقول القياس لا يمكن أن يدخل في الزكاة وذكر مسألة الغنم وأربعين من الغنم ومائة من الغنم وكأنه يؤيد ابن حزم، لأن ابن حزم ذكر هذا أيضًا في نفيه للقياس وإبطاله للقياس وذكر عشرات غير هذا لأنه يرى أن الشريعة تفرق بين المتساوين وتجمع بين المختلفين، وذكر في هذا مئات الأمثلة مما رد عليه ابن القيم في كتابه "أعلام الموقعين"، ولكن لا أظن أن أحدًا يقول بهذا، وأنا عللت مسألة الغنم هذه في الكتاب ولا يتسع الوقت أن أرجع. مسألة القياس مع الفارق أن أهم فارق في الموضوع هو أن الأرض باقية بقاء نسبيًا أيضًا، والمصانع والعمارات وهذه الأشياء غير باقية، وأنا لكي أبطل هذا الفارق قلنا أن يحسب مسألة الاستهلاك، ومع هذا قد يقول قائل إن الأرض نفسها غير باقية لأن الأرض إذا لم تسمد دائمًا ويبذل فيها جهد ممكن أن تموت مع الزمن وتصبح أرضًا غير صالحة. وكما أشار أخونا الدكتور إبراهيم الغويل ممكن عوامل التصحر.
[ ٢ / ١٣٦ ]
مفيش شيء في الكون اسمه غير مستهلك. فالأرض نفسها تحتاج إلى جهد حتى تصلح للإنبات، في الحقيقة أنا لا أرد على كل جزئية لأن فيه جزئيات كثيرة ولكن هناك البعض يقولون إن العمارات هذه هي عبارة عن أشياء يشتغل فيها عمال ويشتغل فيها ناس وأفادت المجتمع، طيب بهذا المنطق نفسه نقول هذا عن التجارة وعن الأشياء الأخرى، هي نتيجة عمل من الناس وبعض الناس أيضًا في عصرنا ممن يتبنون رأي ابن حزم في إسقاط زكاة التجارة. صحيح الإمامية لا يقولون بوجوب زكاة التجارة ولكنهم يوجبون بما هو أكثر الخمس، عشرين في المائة وليس ٢.٥ %، عشرين في المائة من صافي الدخل. فيه بعض الناس يأخذون بقول ابن حزم ويعللون ذلك بأن هذه الأموال تعمل ويشتغل فيها الناس، فالمهم أن المال يعمل، المهم أن المال يعمل وأن أطهر نفسي من رجس الشح والأنانية وأطهر هذا المال حقًا ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ وأساهم وأواسي المجتمع وأساهم في سبيل الله إلى آخره فكل هذه مطلوبة. فيه أشياء بعضهم أشار إلى الإجحاف. قد يكون هناك صاحب حانوت صغير أو واحد يأكل من كراء داره، أنا لم أوجب في كل هذا ولو حررنا موضع النزاع كما قال أخونا الأستاذ الدكتور العبادي، أنا لم أقل إلا فيما كان له، ما كان فيه دخل، أولًا طبعًا أنا ذكرت الآراء التي توجب في عين هذه الأشياء وتراها كأنها عين تجارية، مثل رأي ابن عقيلي الحنبلي ومثل رأي الهادوية وغيرهم، ولكني لم أتبن هذا الرأي، أنا تبنيت الرأي الذي يقول إن الزكاة في الدخل في الإيراد في العائد في الغلة، سمها ما تسميها. ولذلك لا يعترض علي بما قاله الأخ الدكتور السالوس وكثير من الإخوة إن هذا المستغل قد لا ينتفع به، قد يبني عمارة ولا يؤجرها ولا يسكنها أحد. هذا أنا لا أوجب فيه شيئًا وهذه نقطة خلافية جوهرية بيني وبين من يوجبون الزكاة في عين هذه الأشياء، ويعتبروها كعروض التجارة. أنا أقول تجب الزكاة في الغلة، في الإيراد، إذا بلغ نصابًا بعد أن يكون ذلك فاضلًا عن حوائجه الأصلية بتعبير الفقهاء وبخاصة فقهاء الحنفية، إذا كان فاضلًا عن حوائجه الأصلية هي ما يعبرون عنه في عصرنا الحد الأدنى للمعيشة، وهذه، وأنا قلت استحسانًا: ممكن أن نجعله الثلث، إنما هذا ليس مهمًا. كثير من الإخوة يقولون إن الزكاة لم تعد كافية في عصرنا لماذا؟ لأن وعاء الزكاة ضيقناه جدًا، مع أنه أساس التكافل الاجتماعي وجوهر العدالة الاجتماعية في الإسلام، الزكاة أولًا، لماذا ركنًا من أركان الإسلام؟ تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم.
[ ٢ / ١٣٧ ]
لماذا نأخذ من بعض الأغنياء ونترك بعض الأغنياء ونأخذ من الغني الضعيف الذي يملك الحد الأدنى الذي هو النصاب ومن يملك الأنصبة الكثيرة والملايين لا يؤخذ منه شيء! يقول بعض الإخوة إننا يمكن أن نفرض حقًا في المال. أنا ممن يقولون بوجوب حق وكتبت بابًا كبيرًا عريضًا في فقه الزكاة كهذا، ولكن بعد أن نستوفي الزكاة ونقيم المساواة والعدالة بين الناس حتى لا يعترض علينا معترض. وإخواننا يقولون يقول الشيوعيون ما يقولون، بلاش شيوعية ولا غيره، إنما فعلًا أنا أريد، أنا أنطلق من غيرتي على الشريعة، إن هذه الشريعة شريعة عادلة وتسوي بين الناس في الحقوق والواجبات ولا تحابي أحدًا على أحد، فيجب أن تكون الشريعة منطقية والفقه منطقيًا. هذا انطلاقي من هذه الناحية، فأيها الإخوة أنا اجتهدت، واجتهادي من منطلق الحرص على هذه الشريعة والحرص على هذا الدين. وما قيل من أننا يجب أن نقوي الإيمان ونحو ذلك، أنا مع هذا أنا عملي الأول داعية قبل أن أكون فقيهًا. ونحن نحب أن ندعم الإيمان ونثبته ونقويه ونبني الأجيال عليه، ولكن هذا شيء ووضع نظام شيء آخر. والإسلام يمتاز بأنه يسير فيه الأمران معًا، الإيمان والسلطان، أو القرآن والسلطان، وكما قال الخليفة الثالث "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" فلا بد من هذين الأمرين معًا وإذا لم يكن الإيمان قويًا كما نرى في كثير من الناس فلا بد من السلطان.
أسأل الله ﵎ أن يغفر لي إذا كنت قد أخطأت وأن يثيبني وإياكم وأن لا يحرمني أجر المخطئ أيضًا، إنه سميع قريب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢ / ١٣٨ ]
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم.. شكرًا لفضيلة الشيخ، شكرًا لجميع المشايخ الأعضاء والباحثين والخبراء. ومن خلال هذه المداولات فإنه تحرر لدينا ما يلي:
أولًا: أنه ليس من خلاف يؤثر في الزكاة في أصل المستغلات والمأجورات.
ثانيًا: أن الذي اتجهت إليه أكثر الأنظار وهو مذهب الإمام مالك كما في موطئه.
ورواية الإمام أحمد كما في كتاب الروايتين للقاضي أبي يعلي وذكرها صاحب المغني وغيرهم من الفقهاء على أن الزكاة تكون في الغلة.
- إذن فكونه لا زكاة في أصل المستغلات والمأجورات هذا كشيء مسلم به في أنظار الكثرة إن لم يكن الجميع.
- أن الزكاة تكون في الغلة.
بقي بعد هذا أمران: أنظار المشايخ أصحاب الفضيلة الأعضاء العاملين حسب التقييدات على أن الزكاة في اللغة تكون ربع العشر من القبض ويبدأ حولان الحول من القبض لا من أصل العقد. ورأى الشيخ يوسف ومن أيده من بعض الإخوة على أن يكون هو العشر مع بعض التقييدات التي ذكرها الشيخ في بحثه ولم يفصح عنها في ملخصة لذلك البحث، ولهذا فإني أرجو من لجنة الصياغة: فضيلة الشيخ السلامي وفضيلة الشيخ طه جابر صياغة القرار بالأكثرية على ما يلي:
أولًا: أنه ليس من خلاف يؤثر في الزكاة في أصل المستغلات والمأجورات.
ثانيًا: أن الزكاة تكون في الغلة بعد حولان الحول من تاريخ قبضها وتكون ربع العشر.
وبهذا انتهت الجلسة، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٢ / ١٣٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
قرار رقم ٢
بشأن
زكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية
أما بعد:
فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني من ١٠ – ١٦ ربيع الثاني ١٤٠٦هـ/ ٢٢ – ٢٨ ديسمبر ١٩٨٥م.
بعد أن استمع المجلس لما أعد من دراسات في موضوع "زكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية".
وبعد أن ناقش الموضوع مناقشة وافية ومعمقة، تبين:
أولًا: أنه لم يؤثر نص واضح يوجب الزكاة في العقارات والأراضي المأجورة.
ثانيًا: أنه لم يؤثر نص كذلك يوجب الزكاة الفورية في غلة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية.
ولذلك قرر:
أولًا: أن الزكاة غير واجبة في أصول العقارات والأراضي المأجورة.
ثانيًا: أن الزكاة تجب في الغلة وهي ربع العشر بعد دوران الحول من يوم القبض مع اعتبار توفر شروط الزكاة، وانتفاء الموانع.
والله أعلم
[ ٢ / ١٤٠ ]