التطبيقية في المصارف الإسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فلا تخفى الحاجة الماسة إلى استمرار البحث المتأني المتعمق في أنشطة المصارف الإسلامية، سواء ما أصبح منها جادة مسلوكة يستبعد التنكب عنها، أو الطرق التي لم تبلغ هذه المنزلة لإعوازها إلى التمهيد أو التعبيد، وجميع هذه المناشط تعتبر ضرورية لتغلب المصارف الإسلامية على مصاعب النشأة، ووحشة الغربة، وبواعث المواكبة العصرية لتحقيق نفس الأغراض المبتغاة في الميدان الاقتصادي ولكن بوسائل شتى منها المتوافق مع المتبع من غيرها، ومنها المهذب أو المشذب، ومنها المستحدث بأصله من حيث هو، أو بوصفه والملابسات الإجرائية لتطبيقه.
و(المرابحة) هي من هذا النوع الأخير، وقد أدى هذا الطابع القديم الحديث فيها إلى أن لا تقتحمها أبصار الباحثين إلا من خلال الاعتراض عليها أو المنافحة عنها، ولم يسلم هذا ولا تلك من الإفراط أو التفريط.
وقد أردت أن أسلط بعض الضوء على (أسلوب المرابحة) من خلال النواحي التالية:
- أسلوب المرابحة قديما وحديثا
- التأصيل الجماعي لأسلوب المرابحة
- الجوانب الفقهية المطبقة في المرابحة
- جوانب تطبيقية أخرى للمرابحة
- أساليب وصنع طرحت في شأن المرابحة
ولا أدعي أن هذا كل ما يقال في هذا المقام فقد اقتصرت على ما رأيت أنه أهم مع بعض المهم، ثقة بما تكشف عنه اللقاءات الجماعية من تكامل، وعسى أن تتمخض البحوث المطروحة في الندوات المتخصصة لموضوع واحد، كهذه الندوة عن تأصيل لذلك الموضع الوحيد من استعراض ما له وما عليه وإحلاله موقعه الجدير به، بعيدا عن ضغط الحاجة، والاسترواح للسهولة أو الشهرة.
والله ولي التوفيق.
د. عبد الستار أبو غدة
[ ٥ / ٨٩٤ ]
(أولا)
أسلوب المرابحة قديما وحديثا
(تمهيد وجيز في ماهية المرابحة):
المرابحة صيغة (مفاعلة) من الربح، وهي بيع بزيادة ربح على الثمن الأول، وصيغ المفاعلة للمشاركة وهي هنا اشتراك البائع والمشتري في قبول الإرباح بالقدر المحدد، والمرابحة: نوع من أنواع بيوع الأمانة التي يقوم فيها التبايع على أساس (رأس المال)، وهو ثمن شراء السلعة أو (التكلفة) وهي ما قامت به السلعة على البائع.
ففي بيع المرابحة يتم عقد البيع بإضافة نسبة مئوية معلومة أو مبلغ مقطوع على رأس المال أو التكلفة.
أسلوب المرابحة قديما:
وهذا البيع بهذه الصورة الساذجة لم يخل منه كتاب من كتب الفقه على شتى المذاهب، ولم ينازع أحد في مشروعيته؛ لأنه بهذه الكيفية الخاصة لتحديد الثمن لم يخرج عن مطلق البيع الذي جاء النص بإباحته في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، بل جاء في السنة تطبيق للتولية (شقيقة المرابحة) حين اشترى أبو بكر ﵁ الناقتين اللتين أعدهما للهجرة عليهما، وأراد أبو بكر ﵁ إعطاء إحداهما للنبي ﷺ على سبيل الهبة، فقال له النبي ﷺ: بل بالثمن، أي يأخذها تولية بمثل الثمن الذي اشتراها به أبو بكر ﵁.
وللفقهاء تفصيلات في أحكام المرابحة وآثارها وما يترتب على ظهور الخلف (التغاير) بين ما أخبر به البائع وبين الثمن الحقيقي (الخيانة في الإخبار عن الثمن) من تصحيح للثمن المستحق على المشتري وثبوت خيار له بين المضي في العقد مصححًا أو الفسخ عند من يثبت له ذلك الخيار، ويسمى (خيار المرابحة) أو (خيار تخبير الثمن) (١) – مع الأخذ بالاعتبار أن هذه التسمية الثانية تشمل بالإضافة إلى المرابحة كلا من (التولية) و(الوضيعة) .
ولسنا بمعرض البحث في هذه الأحكام المستقرة بل الغرض مناقشة الطرح الجديد للمرابحة والجوانب الفقهية العصرية لتطبيقها، ولذا آثرت استخدام عبارة (أسلوب المرابحة) .
_________________
(١) التسمية الثانية يستعملها الحنابلة و" تخبير " بالباء بعد الخاء بمعنى " الإخبار " وقد وقعت في كثير من كتبهم محرفة إلى " تخيير" بياءين
[ ٥ / ٨٩٥ ]
أسلوب المرابحة حديثا:
أما أسلوب المرابحة حديثا فالحق أن أول من طرحه للتطبيق على نطاق المعاملات المصرفية هو الدكتور سامي حسن حمود، وقد أنصف الحقيقة حين أشار إلى (سابقة) قديمة لهذا الأسلوب، هي ما أورده عن الإمام الشافعي في كتاب الأم و(بارقة) جديدة لسند هذا التطبيق، هي ذلك التكييف الشرعي الدقيق الذي أسعفه به العلامة الشيخ محمد فرج السنهوري (١) .
أما السابقة فهي قول الشافعي في كتاب الأم:
" وإذا أرى الرجلُ الرجلَ السلعةَ، فقال: اشتر هذه وأربحك فيها كذا، فاشتراها الرجل، فالشراء جائز، والذي قال: (أربحك فيها) بالخيار: إن شاء أحدث فيها بيعا وإن شاء تركه، وهكذا إن قال: " اشتر لي متاعا، ووصفه له، أو متاعا أي متاع شئت، وأنا أربحك فيه، فكل هذا سواء يجوز البيع الأول، ويكون فيما أعطى من نفسه بالخيار، وسواء في هذا ما وصفت إن كان قال: أبتاعه وأشتريه منك بنقد أو دَيْن، يجوز البيع الأول، ويكونان بالخيار في البيع الآخر. فإن جدداه جاز. وإن تبايعا به على أن ألزما أنفسهما فهو مفسوخ من قبل شيئين: أحدهما أنه تبايعاه قبل أن يملكه البائع. والثاني أنه على مخاطرة إنك وإن اشتريته على كذا أربحك فيه على كذا " (٢) .
وأما التكييف الشرعي لهذا الأسلوب مقولا على لسان العلامة الشيخ محمد فرج السنهوري كما جاء في مقابلة أجراها معه الدكتور سامي حمود بتاريخ (٩/٨/١٩٧٥) (٣):
" هذه العملية مركبة من وعد بالشراء وبيع بالمرابحة.
- وهي ليست من قبيل بيع الإنسان ما ليس عنده؛ لأن المصرف لا يعرض أن يبيع شيئا، ولكنه يتلقى أمرا بالشراء، وهو لا يبيع حتى يملك ما هو مطلوب، ويعرضه على المشتري الآمر ليرى ما إذا كان مطابقا لما وصف.
- كما أن هذه العملية لا تنطوي على ربح ما لم يضمن؛ لأن المصرف وقد اشترى فأصبح مالكا يتحمل تبعة الهلاك ".
_________________
(١) ذكر ذلك في رسالته للدكتوراة " تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية (ص٤٧٩) ط (١)
(٢) الأم للإمام الشافعي ٣/٢٩ ط. الكليات
(٣) تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية (رسالة دكتوراة) سامي حسن محمود (ص٤٧٩) ط (١)
[ ٥ / ٨٩٦ ]
واستكمالا لتأريخ هذا التطبيق فإن الكيفية التي طرح بها أول مرة لم تلبث أن اتسعت أفقيا وعموديا – إن صح التعبير – فقد ذكر الدكتور سامي هذا الأسلوب على أنه بديل يطرحه لمواجهة مسألة خصم الكمبيالات لدى البنوك الربوية ممن يشترون السلع، وليست لديهم الملاءة للدفع والعاجل وأنه: " للمساعدة على تمكين الشخص من الحصول على السلعة التي يحتاجها على أساس دفع القيمة بطريق القسط الشهري، أو غير ذلك من ترتيبات مشابهة، ولكن هذا الخط يبدأ من المستهلك وليس من التاجر ". وهذا الخط أصبح خطوطا حيث صار يصل بين التاجر المستورد وبين المصدر، ويصل بين صاحب المصنع وبين مصدري المصانع، ويصل بين مستغلي منافع البواخر والطائرات وبين صانعيها وهكذا.
كما أن المرابحة اتسعت في الشمول بحيث زاحت (المضاربة)، بل كادت تزيحها من التطبيق، مع أنها وهي الأسلوب الرائد في المصارف الإسلامية، وكانت مطروحة وحدها في الساحة حتى قرنت بها المرابحة.. وسنرى أن هذه المزاحمة أو الإزاحة لم تنج من المخاوف بل المآخذ أحيانا مما سيأتي بيانه في موقعه المناسب. مما جعل الحاجة داعية إلى تقديم ردائف للمرابحة من حيث هي، أو للعنصر الشائك منها وهو أن يسبقها وعد بالشراء باعتباره إجراء يتوقف عليه تطبيقها، وأصبح مثارا للجدل من حيث لزومه وعدم لزومه، وأثر ذلك على جوهرية شراء المصرف السلعة لنفسه وتحمله للضمان. وهو ما طرح في الندوة الفقهية الأولى لبيت التمويل الكويتي (٧ مارس ١٩٨٧) من خلال خيار الشرط على ما سيأتي:
[ ٥ / ٨٩٧ ]
(ثانيا)
التأصيل الجماعي لأسلوب المرابحة
لم يلبث أسلوب المرابحة المقدم إلى المصارف الإسلامية أن أخذ طريقه إلى الإقرار الجماعي له من خلال قنوات شتى؛ (١) .
(إحداها): ظهوره بصورة أساسية في أنظمة المصارف الإسلامية الأولى ونشراتها، كبنك دبي الإسلامي، وبيت التمويل الكويتي، والبنك الإسلامي الأردني، وبنك فيصل الإسلامي المصري، وبنك فيصل الإسلامي السوداني إلخ.
(الثانية): إدراجه في الكتابات المهتمة بتنظير أنشطة المصارف الإسلامية، كالموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية في جزأين منها: الأول ص٢٨، والخامس، الجزء الشرعي، المجلد الأول ص ٣٢٩، وإن كان معظم ما جاء عنه فيهما يدور على ما كتبه الدكتور سامي حمود.
(الثالثة): صدور التوصيات من المؤتمرات بتنظيم وتعزيز أسلوب المرابحة، كان ذلك في مؤتمر الصرف الإسلامي الأول بدبي ١٣٩٩ هـ = ١٩٧٩م. ثم في مؤتمر المصرف الإسلامي الثاني بالكويت.
(الرابعة: تأكيد ذلك في ندوة البركة الأولى للمصارف الإسلامية بالمدينة المنورة. رمضان ١٤٠٣هـ = يونيو ١٩٨٣م. والتي عنيت بالرد على بعض الشبهات المثارة حول المرابحة.
والجدير بالذكر أن هذين المؤتمرين لم يحسما أعسر الجوانب الفقهية في هذا الأسلوب وهي مسألة إلزامية الوعد، ولا تركاها غفلا، بل جاءا بمبدأ التخيير لكل مصرف في الأخذ بإحدى الوجهتين اللتين اختلف فيهما طويلا، وهما: الإلزام، وعدمه (٢) .
_________________
(١) الأعمال المصرفية التي يزاولها البنك الإسلامي ص٣، بيت التمويل الكويتي للأعمال المصرفية والاستثمار ص١٦ بيوع الأمانة في ميزان الشريعة
(٢) بعض المصارف يختار الإلزام، وبعضها يختار عدمه، وبعضها يختار في المرابحات الخارجية الإلزام، وفي المرابحات الداخلية عدم الإلزام وذلك هو المطبق في بيت التمويل الكويتي تبعًا لصعوبة تقدير جدية الوعد ومعرفة العملاء
[ ٥ / ٨٩٨ ]
وفيما يلي نص قرار المؤتمر الأول للمصرف الإسلامي بدبي بشأن اعتبار (الوعد بالشراء مرابحة) بين صور التمويل:
" يطلب العميل من المصرف شراء سلعة معينة يحدد جميع أوصافها ويحدد مع المصرف الثمن الذي سيشتريها به العميل بعد إضافة الربح الذي يتفق عليه بينهما. وهذا التعامل يتضمن وعدا من عميل المصرف بالشراء في حدود الشروط المنوه عنها، ووعدا آخر من المصرف بإتمام هذا البيع بعد الشراء طبقا لذات الشروط.
ومثل هذا الوعد ملزم للطرفين قضاء طبقًا لأحكام المذهب المالكي، وملزم للطرفين ديانة طبقا لأحكام المذاهب الأخرى. وما يلزم ديانة يمكن الإلزام به قضاء إذا اقتضت المصلحة ذلك وأمكن للقضاء التدخل فيه.
وتحتاج صيغ العقود في هذا التعامل إلى دقة شرعية فنية، وقد يحتاج الإلزام القانوني بها في بعض الدول الإسلامية إلى إصدار قانون بذلك.
ويلحظ بوضوح أن الغرض الأساسي من القرار بيان مشروعية (إلزام الوعد) . أما المؤتمر الثاني بالكويت فقد جاء فيه عن المرابحة ما نصه.
" يقرر المؤتمر أن المواعدة على بيع المرابحة للآمر بالشراء بعد تملك السلعة المشتراة للآمر وحيازتها ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الوعد السابق هو أمر جائز شرعا طالما كانت تقع على المصرف الإسلامي مسئولية قبل التسليم وتبعة الرد فيما يستوجب الرد بعيب خفي.
وأما بالنسبة للوعد وكونه ملزما للآمر أو المصرف أو كليهما فإن الأخذ بالإلزام أمر مقبول شرعا، وكل مصرف مخير في الأخذ بما يراه في مسألة القول بالإلزام حسب ما تراه هيئة الرقابة الشرعية لديه.
وخلاصة هذا القرار:
- ضرورة أن يسبق تملك المصرف السلعة لنفسه وحيازتها قبل بيع السلعة للواعد.
- تحمل المصرف تبعة الهلاك قبل التسليم
- تحمل المصرف تبعة الرد بالعيب الخفي
- جواز إلزامية الوعد وعدمها
- تخيير المصارف في الأخذ بالإلزام وعدمه من خلال قرار هيئة رقابة المصرف.
[ ٥ / ٨٩٩ ]
أما ندوة البركة الأولى فقد جاء في التوصية الثامنة منها ما يلي:
" أورد بعض الناس شبهات على جواز بيع المرابحة بالأجل بأنه ينطوي على شبهة ربوية، كما أوردوا شبهات على جواز بيع المرابحة للآمر بالشراء. وهذه الشبهات هي:
(أولا) أن هذا العقد يتضمن بيع ما ليس عند البائع
(ثانيا) تأجيل البدلين
(ثالثا) أنه بيع دراهم بدراهم والمبيع مرجأ، أو أنه نوع من التورق
(رابعا) أن المالكية منعوا الإلزام بالوعد في البيع
(خامسا) أن هذا العقد يتضمن تلفيقا غير جائز
فما هو الجواب عن ذلك؟
الفتوى: بيع المرابحة المعروف في الفقه الإسلامي جائز باتفاق سواء كان بالنقد أو بالأجل، وأن هذه الشبهة الربوية المثارة على بيع المرابحة بالأجل ليست واردة لا في هذا البيع ولا في البيع المؤجل.
وأما صورة المرابحة للآمر بالشراء فإن اللجنة تؤكد ما ورد في المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي المنعقد في الكويت مع ما تضمن من تحفظات بالنسبة للإلزام ".
(ثالثا)
الجوانب الفقهية المطبقة في المرابحة
إن المرابحة من حيث هي غنية عن الاستدلال على مشروعيتها هنا، لما أشرت إليه من اشتمال كتب الفقه جميعها على باب للمرابحة تستوفي فيه أدلة مشروعيتها وأحكامها ومستند كل حكم، ولكن بالنظر إلى (أسلوب) المرابحة المتبعة في البنوك الإسلامية هناك بعض الجوانب الفقهية المرعية فيه حتى يمكن تطبيقها بصورة عملية مأمونة.
وهذه الجوانب المستحدثة تزيد أو تنقص تبعا لمجالات التطبيق المختلفة، وما دمنا في معرض البحث والمناقشة فإن المناسب استيعاب جميع ما حفت به المرابحة من نقاط مع مستند كل منها بقطع النظر عن كونه مسلما أو محل اعتراض، مع إيراد النقاش المتعلق بكل منها. وفضلا عن ذلك سأشير في الأخير إلى جوانب فقهية وقع الربط بينها وبين أسلوب المرابحة مع أنها لا علاقة لها بهذا الأسلوب.
[ ٥ / ٩٠٠ ]
وفيما يلي الكلام عن تلك الجوانب، مع مناقشة ما أورد في ذلك من اعتراضات وشبهات:
استعراض الجوانب الفقهية المعترض بها على أصل المرابحة:
لعل ما أورده كل من الدكتور يوسف القرضاوي من اعتراضات على أسلوب المرابحة بصدد الدفاع عنها (١) وما أورده الدكتور محمد سليمان الأشقر في كتابه الهادف إلى نقدها (٢) . هو أجمع ما قيل في هذا المجال، حيث أورد الدكتور القرضاوي ستة أمور، اثنان منها لا داعي للتوقف عندهما لما فيهما من التكلف، ومجافاة المنطق الفقهي:
(أولهما) إن هذه المعاملة ليست بيعا ولا شراء وإنما هي حيلة لآخذ الربا، (وثانيهما) أن أحدا من فقهاء الأمة لم يقل بحلها. وما جاء به المعترضون بهذين لا يزيد عن التهويل اللفظي، وقد نهض الدكتور القرضاوي بكشفه بما لا مزيد عليه.
ثم أورد الدكتور القرضاوي – على لسان المعترضين – أربعة أمور أخرى؛ اثنان منها تكفي لمحة يسيرة في الكلام عنها، في حين يقتضي الأمران الآخران شيئا من التفصيل (الآتي فيما بعد) لما لهما من جذور في المراجع الفقهية، كما تكررت بعض هذه الاعتراضات في دراسة الدكتور محمد الأشقر مع زيادات سيأتي الكلام عنها بمناسبتها.
* القول بأن أسلوب المرابحة من بيعتين في بيعة:
وذلك لما فيها من البيع للواعد بالأجل وهو بسعر مغاير للسعر الحال والحقيقة أن هذا الاعتراض ليس موجها للمرابحة لذاتها، بل لما فيها من بيع الأجل؛ لأن تطبيق المرابحة لدى المصارف الإسلامية لا ينفك عن بيع الأجل.. وقد جاء تفسيران (للبيعتين في بيعة): أحدهما أنها قول البائع: بعتك بعشرة نقدا أو بعشرين نسيئة، والتفسير الثاني أنها بيع العينة؛ لأن فيه بيعتين إحداهما بثمن آجل، والأخرى بثمن حال، لتحصل بذلك الحيلة على الربا.
وسيأتي الكلام عن علاقة أسلوب المرابحة ببيع العينة، أما البيع بالأجل فقد اعتبر التشكيك فيه من سقط القول بعد أن أخذ به جماهير الفقهاء، وضبطوا صحته بأن ينفصل المتعاقدان (بعد المساومة في الثمن المتعدد) على ثمن واحد محدد، فلا تكون هناك إلا بيعة واحدة، وينتفي الغرر الذي يحصل لو كانت المساومة أساسًا دون إبرام وجه واحد مما دار فيها.
والذي يقع في أسلوب المرابحة هو بيعة واحدة للاتفاق على ثمن واحد هو تحديد ثمن البيع الأجل مع تحديد الأجل، فلا جهالة ولا غرر.
_________________
(١) بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية، للدكتور يوسف القرضاوي ٣٧
(٢) بيع المرابحة كما تجريه البنوك الإسلامية، للدكتور محمد سليمان الأشقر ٧
[ ٥ / ٩٠١ ]
* القول بأن أسلوب المرابحة فيه بيع ما لا يملك:
وهذا الاعتراض لا مساغ له أيضا في الأسلوب المطبق في المصارف الإسلامية، اللهم إلا ما قد يقع مخالفا لما هو مقرر من مؤتمراتها وندواتها أو هيئاتها ومستشاريها، فما وقع كذلك فهو أسلوب منحرف، وعليه تنصب معظم الاعتراضات (١) .
وهذا المحذور من أول ما طرح بالنسبة لأسلوب المرابحة فقد احترزت منه البيانات التي رافقت نشأته.
* القول بأن الوعد لازم:
لا يخفى أن هناك صلة شديدة بين مسألة (بيع ما لا يملك) وبين الجانب الآخر المهم في أسلوب المرابحة وهو القول بلزوم الوعد، من حيث إن ما ينشأ عن هذا اللزوم يحول الوعد إلى شبه عقد فيقع المصرف في بيع ما لم يملكه بعد.
وليست الإشارة إلى هذه العلاقة حديثة بل جاءت في أقوال المتقدمين على ما أورده الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير في إشارة له إلى المرابحة ضمن أشكال وأساليب الاستثمار في الفكر الإسلامي حيث قال: " وجدت في أقوال المتقدمين من الفقهاء صورة من التعامل شبيهة بما نتحدث عنه يؤيد حكمهم فيها ما ذهبت إليه، فقد روى مالك في الموطأ: أنه بلغه أن رجلا قال لرجل: ابتع لي هذا البعير بنقد حتى أبتاعه منك إلى أجل، فسأل عن ذلك عبدَ اللهِ بنَ عمرَ فكرهه ونهى عنه.
وقد ذكر مالك هذه المسألة في باب " بيعتين في بيعة " فكأنه يرى أن ابنَ عمرَ يعتبرها داخلة فيما نهى عنه من بيعتين في بيعة. (٢)
قال الباجي: " ولا يمتنع أن يوصف بذلك من جهة أنه انعقد بينهما أن المبتاع للبعير بالنقد إنما يشتريه على أنه قد لزم مبتاعه بأجل بأكثر من ذلك الثمن فصار قد انعقد بينهما عقد بيع تضمن بيعتين، إحداهما الأولى وهي بالنقد، والثانية المؤجلة، وفيها مع ذلك بيع ما ليس عنده؛ لأن المبتاع بالنقد قد باع من المبتاع بالأجل البعير قبل أن يملكه، وفيها سلف بزيادة؛ لأنه يبتاع له البعير بعشرة على أن يبيعه منه بعشرين إلى أجل، يتضمن ذلك أنه سلفه عشرة في عشرين إلى أجل، وهذه كلها معان تمنع جواز البيع، والعينة فيها أظهر من سائرها ".
_________________
(١) ومن ذلك ما جاء في بحث الدكتور محمد سليمان الأشقر حيث أورد بضعة أمور - سبق بعضها - وهي لا تتحقق إلا في تطبيق خاص من تطبيقات المرابحة ليس هو المعمول به في المصارف الإسلامية، ولم يورد على الأسلوب المشهور إلا مسألة إلزامية الوعد. . مع أمور أخرى تتصل به وهي كل ما يقيد حرية الطرفين في إتمام البيع أو تركه، وعدم ترتب تعويض لما يقع على أحدهما من ضرر، وعدم البيع إلا بعد القبض
(٢) أشكال وأساليب الاستثمار في الفكر الإسلامي، بحث للدكتور الصديق محمد الأمين الضرير، مجلة البنوك الإسلامية، العدد ١٩
[ ٥ / ٩٠٢ ]
ولابد من التعقيب بأن هذا المحذور يقع حقيقة إذا صدر الشراء من العميل والبيع إليه قبل تملك المصرف للسلعة، وهو ما صوره الدكتور محمد الأشقر بقوله: " إن العميل يقول في شأن السلعة: إذا اشتريتموها بمائة فقد أشتريتها منكم بمائة وعشرين نقدا أو مؤجلة "، ثم قال عن هذه الصورة: " فهو عقد بلا ريب ولو سمي وعدا فهو عقد أيضًا وهذا لا يسلم إلا بوجود الضميمة التي فيها فإذا اشتريتموها بمائة فقد أشتريتها منكم "
وليس هذا هو الأسلوب المتبع في المصارف الإسلامية أصوليا، ولا عبرة بما شذ، كما هذه الصورة المنتقدة فيها شراء معلق والبيع والشراء لا يقبل التعليق ولا يقع، خلافا للبيع المضاف إلى زمن مستقبل حيث تلغى الإضافة ويقع البيع.
المواقف تجاه لزوم الوعد:
بما أن توصية المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي تركت الحرية لكل مصرف في الأخذ بلزوم الوعد أو عدمه فإن المصارف اختلفت مواقفها في هذا الشأن:
- فبعضها كالبنك الإسلامي الأردني أخذ بإلزام الوعد مطلقا.
- وبعضها كمصرف فيصل الإسلامي السوداني أخذ بالإلزام بالنسبة للمصرف دون العميل، وهو ما رأى الدكتور الضرير أنه أبعد عن الشبهة؛ لئلا تجعل المعاملة عقد بيع مرابحة قبل ملك البنك للسلعة إذا اعتبر ملزما للطرفين. .
- وبعضها كبيت التمويل الكويتي أخذ بالإلزام في المرابحات الخارجية، حيث تكثر المخاطر لعدم معرفة حال الواعد، والأخذ بعدم الإلزام في المرابحات الداخلية.
والحقيقة أن زوال الشبهة تماما هو في القول بعدم لزوم الوعد رغم ما يحف بذلك من المخاطر التي لا تخلو عنها طبيعة التجارة وأسلوب المرابحة أسلوب تجاري، وليس أسلوبا مصرفيا للتمويل دون مخاطر.
وقد رأينا في كلام الشافعي اشتراط الخيار لكل من الطرفين، كما رأينا في كلام المالكية إدراج صور من المرابحة في العينة المكروهة، أو المحظورة حسب الصيغة المتبعة فيها لموضع اللزوم الذي جعل الشراء كما لو كان لصالح الواعد، ثم يتقاضى منه زيادة عن المدفوع وهي نظير الأجل.
كما أن من صور هذه المواعدة بأنها عقد لم يحالفه الصواب؛ لأنه أعدم الفوارق بين العقد والوعد لمجرد توثيق الوعد ديانة أو قضاء في حين أن العقد يترتب عليه الحصول على ثمن المبيع، وبمجرد العقد.
والوعد لا يزيد عن الحصول على تعويض للضرر إن وقع، وللقضاء فيه مدخل ومجال. . .
وقد حان الآن الكلام عن قضية إدراج المرابحة في بيع العينة، وعن مسألة إلزام الوعد:
[ ٥ / ٩٠٣ ]
إدراج المرابحة في بيوع العينة:
للعينة صورة مشهورة وقع فيها خلاف بين الجمهور القائلين بحرمتها أو كراهتها تحريما وبين الشافعية القائلين بجواز العقد نظرا إلى اكتمال مقوماته وطرح ما التبس به من نية، وهذه الصورة هي أن يشتري شخص سلعة من مالكها بالأجل، ثم يبيعها إليه نقدا، وهناك صورة أخرى بكون الرغبة للحصول على المال لدى مالك السلعة نفسها حيث يبيع سلعته نقدا إلى شخص، ثم يشتريها منه بالأجل، وهاتان الصورتان لم تتبدل فيهما عين السلعة وعين العاقدين (البائع والمشتري) وهي تتخذ حيلة للاقتراض بفضل خال عن عوض وليس تمليك السلعة مرادا في الصورتين، بل المراد تحصيل السيولة لكن تحت اسم المبايعة.
ولا يخفى أنه لا علاقة حقيقة بين أسلوب المرابحة وبين العينة في تحقيق ما يراد من العينة من السلف الذي يجر نفعا دون أن يكون لأحد العاقدين غرض في تملك أو تمليك السلعة؛ لأن هناك سلعة لم تكن لدى كلا المتعاملين بأسلوب المرابحة، بل كانت لدى طرف ثالث (المصدر) وتم تملكها لأحدهما (المصرف)، ثم بيعها بالأجل للمتعامل الآخر (الواعد بالشراء) ولم يقم المصرف بشرائها ثانية من الوعد بالشراء كما هو الحال في العينة حيث يكون الغرض الحصول على (العين) أي النقد، وليس الحصول على السلعة: ومن هنا جاءت تسمية هذه المعاملة قال الفيومي في المصباح المنير: " قيل لهذا البيع عينة؛ لأن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بدلها عينا أي نقدا حاضرا، وذلك حرام إذا اشترط المشتري على البائع أن يشتريها منه بثمن معلوم، فإن لم يكن بينهما شرط فأجازها الشافعي لوقوع العقد سليما من المفسدات، ومنعها بعض المتقدمين وكان يقول: هي أخت للربا.
والربط بين الاشتراط وبين الحرمة هو مذهب الشافعية خلافا للجمهور الذين لم يعلقوا الحرمة على هذا الاشتراط الملفوظ أو الملحوظ. فلو باعها المشتري من غير بائعها في المجلس فهي عينة أيضا لكنها جائزة بالاتفاق "، وهذا الصورة الأخيرة تسمى (التورق) " وهو الحصول على الورق، أي الفضة فهو بمعنى (العينة) التي هي الحصول على العين، أي النقد الحاضر من ذهب أو فضة.
ويبدو للمتأمل في مذهب المالكية أنهم اتجهوا وجهة مغايرة كل المغايرة لما أخذ به الشافعية من ربط الحرمة باشتراط الصفقة الثانية التي تعود بها السلعة إلى مالكها الأول، فالمالكية منعوا كثيرا من صور البيع على سبيل الحرمة أو الكراهة أو التورع لوجود الغرض المشابه لبيع العينة على تقدير أنه من الممكن اتخاذ صور من البيع ذريعة للربا، وسموها عِينة، وما أجازوها منه غيروا آثاره ونتائجه لإجراء تغيير في تكوينها مع أنها لا يقع فيها عود السلعة إلى مالكها الأول، ولكن لمجرد قابلية المجال لسلوك سبل أخرى كالقرض، فإذا لم يتم القرض وتم ما يغني عنه مع ترتب زيادة على أحدهما فهي من الذريعة للربا، وهم قد توسعوا في الذرائع.
[ ٥ / ٩٠٤ ]
وفيما يلي إيجاز ما أورده ابن رشد (الجد) في " البيان والتحصيل " وهو أصل لِمَا جاء في كتب المالكية التالية له حول تقسيم العينة إلى جائزة وهي إذا لم يقع تواعد بل مجرد استفادة البائع من وجود الرغبة، ومكروهة وهي إذا حصل تواعد على أصل الشراء والإرباح دون تحديد مقدار الربح، ومحظورة قال عنها ما نصه " وهي أن يقول الرجل للرجل: اشتر سلعة كذا وكذا بكذا وكذا، وأنا أشتريها منك بكذا وكذا، وهذا الوجه فيه ست مسائل تفترق أحكامها بافتراق معانيها " ثم سردها معقبا عليها بأحكام شتى، كالجواز، أو الكراهة " لوجود المراوضة التي وقعت بينهما في السلعة قبل أن تصير في ملك المأمور "، وقال في إحداها: " ويستحب له أن يتورع فلا يأخذ منه إلا ما نقد فيها " ولولا خشية الإطالة لأوردت كلامه بكامله فيرجع إليه من شاء (١) .
ومن هذا يتبين أن الممنوع هو ما كان فيه قرض بزيادة وظهر في صورة بيع. أما أسلوب المرابحة فهو بيع خالص ولو كان من الممكن أن يقرض البائع المشتري المبلغ الذي يتمكن به من الشراء لصالحه دون فرق الربح الذي حصل لموضوع التأجيل في الثمن، والأمر لا يعدو أن يكون من قبيل الورع والحذر من مشابهة من يتخذ صورة البيع حيلة للإقراض بالربا. . .
هذا وقد أورد الدكتور رفيق المصري على (أسلوب المرابحة) بصدد رفضه له أنه لا يخرج عن أسلوب (حسم الأسناد التجارية) قائلا: " فليس الحسم إلا نتيجة عملية مشابهة حيث يقوم البائع بالبيع لأجل مع زيادة السعر، ثم يتقدم إلى المصرف للحسم، فيأخذ الثمن النقدي، على أن يسترد المصرف الثمن المؤجل في الاستحقاق. والفرق بين العمليتين هو أن المصرف يمنح المال للبائع في حال الحسم، ويمنحه للشاري في حال " بيع المرابحة ". وهذا وإن كان (أي المصرف) يطالب الشاري بسداد الثمن عند الاستحقاق قبل الرجوع على البائع (بافتراض أن السند لم يظهر) أي وكأن المصرف في حال الحسم يمنح المال للبائع عوضا أو نيابة عن الشاري، فماذا يبقى من الفرق بين الحسم وما دعاه الدكتور حمود بالمرابحة. هذا مع أن المرابحة فرأينا (أي رأي د. المصري) ليست كما صورها الدكتور حمود.. أن بيع المرابحة يتم ضمن علاقة ثنائية بين البائع والمشتري فيما يريد أن يجعله الدكتور حمود ذا علاقة ثلاثية بإضافة المصرف الممول وهو في هذه الحالة عبارة عن قرض بفائدة يقدمه المصرف إلى الشاري والفائدة ليست إلا فرق السعرين: المؤجل والمعجل فهو يشبه بهذا نظام بطاقة الائتمان المعروف في الغرب. . . وإن هذه الصورة من بيع المرابحة للأمر بالشراء إنما تطابق صورة من بيع العينة المحرم.
_________________
(١) البيان والتحصيل لابن رشد (الجد) ٧/٨٦ - ٨٩
[ ٥ / ٩٠٥ ]
وقد استكملت كل كلام الدكتور رفيق؛ لأنه أقسى وأغرب ما أثير على أسلوب المرابحة. وقبل مناقشة بعض ما جاء في كلامه عنه تجدر الإشارة إلى أن هذه النقطة التي وقف عندها طويلًا (وهي المشابهة بينه وبين الحسم) ليست كل ما أبداه من اعتراضات على أسلوب المرابحة، ففي دراسة قدمها في ورقة عمل إلى المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي أضاف إلى هذا الجانب أمورًا أخرى هي أنه من (بيعتين في بيعة) و(بيع ما ليس عند البائع) و(فيها سلف وزيادة) أي قرض مع فضل خال عن عوض. وقد سبق الكلام عن هذه الاعتراضات، وهي قد جاءت أيضًا في بحث للدكتور الصديق محمد الأمين الضرير بصدد أسلوب المرابحة مع الإلزام بالوعد ونقلها على سبيل التشبيه واستند في ذلك إلى عبارة للباجي، وسبق تفصيل ذلك". (١) .
أما الجواب عن الجديد منها وهي (تشبيه أسلوب المرابحة بالحسم) فهو لا يلحق بأسلوب المرابحة أي ضير؛ لأنه تشبيه في الأثر والنتيجة مع إغفال الفروق الجوهرية في السبب الشرعي المقتضي التحريم في الحسم، والحل في المرابحة، فكم من صيغتين تشابهتا في تحقيق الغرض مع اختلاف المنهج والحكم.
ويلحظ أن الدكتور حسن الأمين – في بحثه عن أسلوب المرابحة (٢) استرسل في تكييف هذا الاعتراض بما ربما لم يخطر على بال صاحبه وهو أن الحسم هو بيع بطريق الحوالة، وأن الحوالة مختلف فيها هل هي بيع أم وفاء ثم ضعف ذلك وأشار إلى أن عملية الحسم قرض وفيها مبادلة نقد بنقد زائد في مقابل الأجل على حين أن المرابحة تتضمن مبادلة سلعة بنقد، هذا ما ختم به الدكتور الأمين مناقشته لهذا الاعتراض وهو يغني عن كل ما سواه؛ لأن مرده إلى اختلاف السببين ما بين حلال وحرام.
ويضاف إلى هذا أنه لا صحة لكون العلاقة ثلاثية في المرابحة فقد اشتبهت على قائل ذلك المراحل المتعددة لأسلوب المرابحة وفي كل منها علاقة ثنائية، والمرابحة نفسها علاقة ثنائية بين الواعد والبنك، ثم بين البنك والمصدر، ثم بين البنك والعميل. . ثم كيف يسلم للدكتور رفيق المصري قوله: إن " الفائدة ليست إلا فرق السعرين المؤجل والمعجل " مع أن هذا الفرق إذا وقع خلال البيع حلال وهو نفسه مصرح بذلك. (٣)
_________________
(١) أشكال وأساليب الاستثمار في الفكر الإسلامي بحث للدكتور الصديق الضرير في مجلة البنوك الإسلامية العدد (١٩)
(٢) الاستثمار اللاربوي في نطاق عقد المرابحة (بحث منشور في مجلة المسلم المعاصر العدد (٣٥) .
(٣) بحثه: النظام الإسلامي خصائصه ومشكلاته ص ١٨، ويبدو أن الولع بنقد المرابحة أدى به إلى هذا القول المختلف عما سبق له أن قرره
[ ٥ / ٩٠٦ ]
رابعًا: جوانب تطبيقية شرعية للمرابحة:
توجد هناك لدى بعض المصارف جوانب شرعية تطبقت في المرابحة حتى أصبحت من لوازمها حسب الأسلوب المتبع عمليًّا مع أن هذه الجوانب ليست لازمة لأصل الأسلوب، فمن ذلك:
أ- أخذ العربون من الواعد:
وموجز الكلام في الحكم الشرعي للعربون أن الإمام أحمد قال بجوازه مستدلًّا بفعل عمر ﵁، وأن للعربون صورتين: أن يكون جزءًا مقدمًا من الثمن في حال تمام البيع على كل حال، ثم إما أن يعاد لدافعه إن لم تتم الصفقة، أو أن لا يعاد بل يؤخذ في حال العدول من دافعه عن إتمام الصفقة.
وما دام حكم العربون خلافيًّا وقد قام الدليل على جوازه ولم يصح الحديث في النهي عن بيع العربون، فوجوده في بيع المرابحة لا يختلف في الحكم عن وجوده في بيع المساومة، لكن بعض من تكلم في مسألة لزوم الوعد ربط بين العربون وبين هذا اللزوم الذي يفضل عدم وجوده، أبعادًا لصورة الوعد عن ملامح العقد المبرم، مع أن العربون ليس فيه مزيد إلزام في لزوم الوعد في ذاته بل هو في معنى التعويض عما لحق بالطرف الآخر من ضرر وليس حملًا على إبرام العقد، فإبرام العقد شيء، وبذلك المال تعويضًا عن ترك التعاقد شيء آخر.
وقد اختلفت صور العربون بعد شمول حالته للطرفين للواعد الذي سيؤول إلى مشتر، أو البائع. كما ظهرت صورة يدفع فيها الواعد عربونًا ثم إذا أخل بالتعاقد لا يرد إليه إلا إذا هيأ بمعرفته مشتريًا آخر بحيث لا يقع الضرر.
وقد يدفع الواعد قبل دخوله في المواعدة عربونًا للمصدر، ثم يأتي للمصرف الذي يبدي رغبته في شراء السلعة (التي هي موضوع المرابحة) فيفرج المصدر عن عربون الواعد، ثم يشتري المصرف السلعة ويبيعها مرابحة للعميل الواعد.
ب- أخذ الضمان من الواعد:
الأصل في الضمان (أي الكفالة) أن يؤخذ في الحق الذي وجب أو انعقد سبب وجوبه، وقد أجاز بعض الفقهاء ومنهم الحنفية والحنابلة أن يطلب الضمان لحق سيجب فيما بعد وسموا هذا (ضمان الدرك)؛ لأنه لما سيدرك الشخص من حقوق عليه، كما سماه بعضٌ: (ضمان السوق)؛ لأنه يحصل لتمكين غريب يريد العمل في السوق فيكفله تاجر معروف تجاه كل ما سيترتب بذمته وبذلك يعمل في السوق.
[ ٥ / ٩٠٧ ]
وبما أن المصرف الإسلامي يجري المرابحة عن طريق استيراد ما يحتاجه العميل، ومن خلال البيانات التي يقدمها العميل عن البضاعة وعن المصدر، وقد يكون في ذلك بعض التوريط للمصرف إذا تعامل مع مصدر لا يعلم جديته في التعامل وأمانته فيه، وقد يدفع له الثمن أو جزءًا منه – من خلال فتح الاعتماد - ثم لا يفي بما التزم تجاه المصرف، وحينئذ يحتاج الأمر إلى جهد كبير لاستخلاص المصرف حقه ومع هذا الجهد قد يرجع بخفي حنين، وهذا ما دعا بعض المصارف إلى أن تطلب من الواعد قيامه بكفالة المصدر – وهي معاملة مستقلة عن المرابحة وإن كانت قد أصبحت من إجراءات أسلوبها المتبع لدى بعض المصارف.
على أن الالتزام الذي تغطيه هذه الكفالة ليس هو التزام البيع بالمرابحة؛ لأنه لم يحصل بعد، وإنما هو نتيجة التزام مستقل، وهو التزام تبعي للالتزام الأصيل بين المصرف وبين المصدر الذي منه يتم الحصول على السلعة موضوع المرابحة.
ج- تخفيض الثمن بالسداد المبكر:
لا يخفى أن أسلوب المرابحة يشتمل على البيع بالأجل، والأجل في البيع له حصة من الثمن، لكنها مدمجة فيه وعليه لا يمكن شرعًا أن يزاد الثمن إذا زاد الأجل، كما لا يمكن أن ينقص إذا نقص الأجل.
وهاتان الحالتان من صور الربا في الجاهلية ويطلق على الأولى (زِدْنِي أُنْظِرْك) وعلى الثانية (ضع وتعجل) ..
وبما أن أسلوب المرابحة، بل بيع الأجل نفسه يتم في ساحة ترتبط فيها الأسعار بالفائدة وحساباتها الزمنية فإن من يشتري بالأجل لمدة ما، ثم يقوم بالسداد قبل مضيها يشعر أنه قد غبن؛ لأنه اشترى حالًّا بسعر الآجل، مما أدى بالمصرف المركزي بباكستان إلى إصدار تعليماته للمصارف بشأن التزام تخفيض الثمن في حالة السداد المبكر. (١)
ولا يخفى ما في ذلك من خلل شرعًا، بالرغم من وقوع الخلاف في قاعدة " ضع وتعجل " فإن ما استقر عليه الفقه منع الحط من الثمن المؤجل إذا تم تعجيله ما دام ذلك الحط بشرط ملفوظ أو عُرْف ملحوظ.
(خامسًا)
أساليب وصيغ طرحت في شأن المرابحة
لقد أتى على المصارف الإسلامية حين من الدهر لم تزل – إلى جانب خدماتها المصرفية - متشبثة في جوهر أعمالها الاستثمارية بالتجارة في ظل قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ . [البقرة: ٢٧٥]
فإن إقدامها على التجارة لا يحصل بالصورة التقليدية المتبعة في الأسواق والتي يصدق عليها قول القائل: (وفازَ باللذةِ الجسورُ) بل إنها – في ظروف استئمان أصحاب الأموال إياها ومناشدتهم لها بلسان الحال في مزيد الحرص على مصالح المودعين المستثمرين في سلامة رأس المال وريعه ما أمكن- لا تتردد في توفير أي ضمان أو أمان لا يخل بقاعدة الرحب الحلال المتمثلة في (الغرم بالغنم) و(الخراج بالضمان) ولا يوقع المتعامل في المحذور بظلم المراباة أو التجارة باختلال التراضي وحصول الخلابة.. والمصارف الإسلامية إن وجدت في (بيع المرابحة المسبوق بالمواعدة) واحة الأمان ليس لها أن تكتفي به؛ لما يعتري هذا الأسلوب من الاحتمالات الناشئة عن إلزامية الوعد وعدمها، ولكثرة الصور العملية التي تستدعي فيها الأسواق اتباع أسلوب المبادرة لتوفير ما يظن اتجاه الرغبات إليه، ولو كانت غير معينة ولا موثقة بالوعد المحترم.
_________________
(١) أشار إلى ذلك د. جمال الدين عطية في كتابه على البنوك الإسلامية.
[ ٥ / ٩٠٨ ]
أ- أسلوب (بيع المخابرة)
وتطبيقه للمصارف الإسلامية
المستند الشرعي:
أسلوب شرعي يحقق – في الأصل- التروي وتدبر العواقب لصاحب الخيار سواء كان هو المشتري ليرى هل يصلح له المبيع أو لا، أو البائع ليرى هل يناسبه الثمن أو لا، لكن الغاية الخاصة هنا هي حفظ خط الرجعة فيما إذا لم يف الواعد بوعده في شراء السلعة، التي سيتملكها (المصرف الإسلامي) بناء على هذا الوعد، ولا ضير من تعدد الغايات والمصالح من تصرف ما، ولا أثر لذلك على مشروعيته.
السابقة العلمية:
إن الإمام محمد بن الحسن الشيباني هو أول من أرشد إلى هذه الوسيلة سائلًا سأله (حقيقة، أو تقديرًا على سبيل التعليم) وقد سماها ذلك السائل (حيلة) بمعنى المخرج الشرعي أو الحل الموافق لحالة السائل. وفي ذلك أورد محمد بن الحسن في كتاب "المخارج" ص ٣٧ على لسان من سأله قوله:
- أرأيت رجلًا أمر رجلًا أن يشتري دارًا بألف درهم، وأخبره أنه إن فعل اشتراها الآمر بألف درهم ومائة درهم، فأراد المأمور شراء الدار، ثم خاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يأخذها، فتبقى الدار في يد المأمور، كيف الحيلة في ذلك؟
- قال: يشتري المأمور الدار، على أنه بالخيار فيها ثلاثة أيام، ويقبضها، ويجيء الآمر إلى المأمور فيقول له: قد أخذت منك هذه الدار بألف درهم ومائة درهم، فيقول المأمور: هي لك بذلك. فيكون ذلك للآمر لازمًا، ويكون استيجابًا من المأمور للمشتري.
الخطوات العملية:
١- يتلقى المصرف الإسلامي رغبة من عميله مع وعد بالشراء وهو إن كان لا يبالي – في الواقع- بمصير هذا الوعد، فإن من الضروري الإبقاء على جدية الوعد تفاديًا للدخول في المصفقة وإلغائها مما إذا تكرر يخل بسمعة المصرف كمستورد.
٢- يشتري المصرف السلعة الموعود بشرائها مع اشتراطه الخيار (حق الفسخ) خلال مدة معلومة يظن كفايتها للتوثق من تصميم الواعد على الشراء وصدور إرادته بذلك.
٣- يطالب العميل الواعد بتنفيذ وعده بالشراء فإذا اشترى السلعة باعه المصرف إياها وبمجرد موافقته على البيع يسقط الخيار الذي له.
[ ٥ / ٩٠٩ ]
مزايا هذا الأسلوب:
ليس الاستباق والتروي هو الأهم في مزايا أسلوب (بيع المخايرة) فإنه يتيح للمصرف الإسلامي الدخول في مبادرات لشراء ما يتوقع اتجاه الرغبات إليه، كما أنه يجعل المصرف الإسلامي جهة أصيلة في السوق حيث يتلقى رغبات البيع من المصدرين كما يتلقى رغبات الشراء من العملاء.
وهذا الأسلوب كان أول ما طرحته جوابًا عن مسألة أثيرت في إحدى جلسات هيئة الفتوى والرقابة الشرعية لبيت التمويل وقد شد انتباه رئيس مجلس إدارته بصفته رئيسًا لتلك الجلسات وعنصرًا مصرفيًا ضروريًا لاكتمال مداولاتها وحسن أداء مهامها فاقترح أن يكون أحد موضوعات الندوة الفقهية الأولى التي أقامها بيت التمويل الكويتي، وذلك لكي يمر بقنوات جماعية بحيث تستطلع الآراء الشرعية والفنية في تطبيقه وأدائه الدور المطلوب. وقد اشتملت الندوة على أربعة أبحاث في هذا الموضوع شاركت بأحدها وهو منشور ضمن أعمال الندوة المذكورة.
ولعل من لطيف التوافق أن هذا الأسلوب الذي يمكن اختصار تسميته بكلمتي (بيع المخايرة) سبق إلى تقريره وسيلة للأمان في الاستثمار الأمام محمد بن الحسن الشيباني، كما أن (بيع المرابحة للواعد بالشراء) – وموقعه معروف في أمان الاستثمار- قد سبق إلى الإبانة عنه الإمام الشافعي، مع أن الموضعين يمثل كل منهما بابًا أصيلًا بين أبواب فقه المعاملات. وهذا يزيد من الدلائل على ما في هذا التراث الفقهي من ثروة تشريعية لا تفتقر إلا للترتيب والمواكبة العصرية في صور التطبيق ومجالاته.
وفيما يلي بعض ما انتهت إليه الندوة في هذا الأسلوب تأكيدًا لموقعه رديفًا للمرابحة أو بديلًا لها حسب الرغبة:
الفتاوى والتوصيات الفقهية:
بشأن خيار الشرط وتطبيقه في معاملات المصارف الإسلامية
(١) أحكام مختارة في خيار الشرط:
أ- خيار الشرط حق يثبت باشتراط المتعاقدين لهما أو لأحدهما أو لغيرهما، يخول من يشترط له إمضاء العقد أو فسخه خلال مدة معلومة.
ب- اشتراط الخيار كما يكون عند التعاقد يكون بعده باتفاق العاقدين.
جـ- يتم اشتراط الخيار بكل ما يدل عليه.
[ ٥ / ٩١٠ ]
د- يمكن اشتراط الخيار في جميع العقود اللازمة القابلة للفسخ مما لا يشترط القبض لصحته، فيمكن اشتراطه في البيع والإجارة مثلًا، ولا يسوغ اشتراطه في الصرف والسلم وبيع المال الربوي بجنسه.
هـ- لا يجب تسليم البدلين (المبيع أو الثمن) في عقد البيع بشرط الخيار، ولكن يجوز قيام أحد العاقدين أو كليهما بالتسليم طواعية لا سيما بهدف التجربة والاختبار.
وينتقل ملك المبيع إلى المشتري (المصرف الإسلامي مثلًا) بموجب العقد إذا كان الخيار له وحده.
ز- نماء المبيع في مدة الخيار يتوقف فيه إلى إمضاء البيع أو فسخه، فإن أمضى كان النماء للمشتري (المصرف) وإن فسخ كان للبائع.
حـ- إذا كان الخيار للمشتري وحده (المصرف) فإن تصرفاته، من بيع وإجارة ونحو ذلك، تصرفات صحيحة ناقلة للملك مسقطة للخيار ولو لم يسق ذلك التصرف قبض المصرف الإسلامي للسلعة ما لم تكن قوتًا.
ط- يسقط الخيار ويصبح العقد باتًا بمجرد انقضاء مدة الخيار إذا لم يصدر من المشتري (المصرف) فسخ العقد أو التصرف في السلعة.
ى- لا يشترط قيام المشتري (المصرف) بإعلام البائع بإبرامه للعقد أو فسخ له، لأن البائع بموافقته على جعل الخيار للمشتري خوله صلاحية اختيار الإمضاء أو الفسخ خلال المدة المعينة.
ك- يضمن المشتري (المصرف) المبيع إذا قبضه وتلف مدة الخيار.
(٢) تقديم صورتين لخيار الشرط للممارسة:
يمكن تطبيق إحدى الصورتين التاليتين:
الأولى: بناء على رغبة ووعد بالشراء:
أ- يتلقى المصرف الإسلامي رغبة من عميله مع وعد بالشراء، وهو وإن كان لا يبالي –في الواقع- بمصير هذا الوعد، فإن من الضروري الإبقاء على جدية الوعد، تفاديًا للدخول في الصفقة بدءًا ثم إلغائها انتهاءً، مما إذا تكرر يخل بسمعة المصرف كمستورد.
ب- يشتري المصرف السلعة الموعود بشرائها مع اشتراط الخيار له (حق الفسخ) خلال مدة معلومة تكفي عادة للتوثق من تصميم الواعد على الشراء وصدور إرادته بذلك.
جـ- يطالب المصرف الواعد بتنفيذ وعده بالشراء فإذا اشترى السلعة باعه المصرف إياها، وبمجرد موافقته على البيع يسقط الخيار.
الثانية: المبادرة لتوفير سلع مرغوبة في السوق:
أ- يشتري المصرف الإسلامي سلعة من الأسواق المحلية أو العالمية مع اشتراطه الخيار (حق الفسخ) خلال مدة معلومة تكفي عادة للتوثق من وجود راغبين يبرم معهم عقودًا على تلك الصفقة.
ب- يحق للمشتري (المصرف) أن يبرم عقودًا على تلك الصفقة مع الراغبين في شرائها وبمجرد إتمام العقد ينتهي الخيار.
[ ٥ / ٩١١ ]
من المراجع المستخدمة في البحث
أ- من كتب الفقه:
- الأم للإمام الشافعي
- المغني لابن قدامة
- المبسوط للسرخسي
- مواهب الجليل للحطاب
- البيان والتحصيل، لابن رشد الجد
- بداية المجتهد لابن رشد الحفيد
- المخارج في الحيل، لمحمد بن الحسن الشيباني
ب- من كتب أنشطة المصارف الإسلامية:
- تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية، د. سامي حسن حمود
- الأعمال المصرفية التي يزاولها بنك دبي.
- أعمال مؤتمر المصرف الإسلامي الثاني، بيت التمويل الكويتي.
- البنوك الإسلامية، للدكتور جمال الدين عطية
- قرارات مؤتمر المصرف الإسلامي الأول، بنك دبي
- قرارات ندوة البركة الأولى
- فتاوى وتوصيات الندوة الفقهية الأولى لبيت التمويل الكويتي.
[ ٥ / ٩١٢ ]
المؤتمر السنوي السادس للمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية
(مؤسسة آل البيت)
ندوة عن:
"خطة (استراتيجية) الاستثمار فلي البنوك الإسلامية:
الجوانب التطبيقية، والقضايا والمشكلات:
بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب / البنك الإسلامي للتنمية / جدة.
عمان
٢٢ شوال – ٢٥ شوال ١٤٠٧هـ
١٨/٦ – ٢١/٦/١٩٨٧م
[ ٥ / ٩١٣ ]