إعداد
الدكتور عبد الله إبراهيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
١- مقدمة:
من وسائل التمويل الخاص لمساعدة ذوي الدخل المحدود من أفراد المجتمع للحصول على حاجة من حاجاتها الأساسية كالمسكن والسيارة وأدوات الزراعة ومكائن الصناعة هو التأجير المنتهي بالتمليك.
وقد مارسته البنوك الربوية طبقًا لنظامها القائم على الفائدة الربوية. فلا تخرج هذه المعاملة عن دائرة القروض الربوية وإن كان التمويل يتم باسم التأجير، وانتهى الأمر بعد انتهاء المدة المتفق عليها، وتم فيها دفع الأقساط الشهرية وهي تمثل القرض المقدم للعميل مع فائدته المقررة، انتهى الأمر بعد ذلك إلى انتقال ملك السلعة أوتوماتيكيًّا إلى العميل وما عليه إلا أن يستحصل من البنك الممول شهادة بإتمامه دفع جميع الأقساط المطلوبة منه ويذهب بها إلى الجهة الخاصة لإبطال حق طلب البنك على السلعة بختم رسمي وتوقيع من المسؤول المختص بالمصلحة المعينة لذلك من قبل الحكومة.
قلنا آنفًا: إن هذه العملية لا تخرج عن دائرة القروض الربوية وذلك لأن البنك الذي يقوم بتمويل شراء حاجة العميل من سيارة ونحوها- كما هو معروف- إنما يقدم له قرضًا بفائدة معينة في السنة مضروبة في عدد السنوات المتفق عليه بين الطرفين يدفع العميل خلال أشهرها جملة القرض بفائدته المذكورة على أقساط معينة.
٢- تطبيق العملية بما يتفق والشريعة الإسلامية:
فقد أخذ البنك الإسلامي للتنمية بجدة هذه المعاملة وجعلها بيعًا تأجيريًا، وتتضمن العملية الإجارة ثم البيع منا تبين من الاستفسارات التي وجهها البنك إلى مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية.
[ ٥ / ٢١٧٧ ]
وقد ناقش المجمع هذه المسألة وانتهت المناقشات إلى قبول هذه العملية على أن تتضمن الإجارة على وعد بالبيع من قبل البنك صاحب السلعة المؤجر ووعد بالشراء من قبل العميل المستأجر.
وقرر المجمع أن هذا الوعد مقبول شرعًا وذلك في دورته الثالثة المنعقدة بعمان، المملكة الأردنية الهاشمية.
٣- جوانب تستحق المناقشة:
على أن الموضوع وإن كان قد سبق اتخاذ قرارات بشأنه إلا أنه لا يزال في حاجة إلى استمرار المناقشة في شأنه في جانب أو جوانب لم يسبق بحثها ولا مناقشتها ولا اتخاذ القرار بشأنها من قبل، من بينها صورة الممارسة بالكيفية التي لا شبهة فيها بالعملية الربوية (القرض الربوي) وكون الوعد المقترن بالعقد على هو من قبيل الشروط المنافية لمقتضى العقد أم لا؟
وهناك نقطة أخرى مهمة يجب ألا يترك الموضوع دون مناقشتها والبت في شأنها ألا وهي مسألة تحديد مقدار الربح، أن العملية ستنتهي بتمليك المستأجر للسلعة المؤجرة له. وهذا التمليك إنما يكون عن طريق الهبة الموعود بها أو البيع الموعود به أيضًا. وعلى أي تقدير فإن المؤجر صاحب السلعة لا يتنازل عن بضاعته دون أن يحصل على الربح المناسب. فحينما يؤجر فلا يؤجرها بالإيجار المجرد مثل أي إجارة عادية بل لا بد أنه يضع ثمن الإيجار بما يتضمن قيمة التكلفة مضافًا إليه الربح ليتسنى له التنازل عن بضاعته بعد انتهاء المدة وإتمام دفع الأقساط بدون أن يخسر. فإنه هنا- وخاصة البنوك وأمثالها- إنما يتاجر وليس يقدم تبرعًا أو مساعدة من أجل الخير والبر، بل تجارة يقبض من ورائها الربح بأعلى مقدار ممكن.
الجانب الأول:
قد ذكرت من قبل أن صورة الممارسة لدى البنوك الربوية لا تخرج في الواقع عن دائرة القروض الربوية فعليه يجب علينا أن نقدم صورة جديدة للممارسة والتطبيق يصح أن تكون بديلة ومنزهة عن أية شبهة بالربا ويقتنع المسلم وهو يدخل في المعاملة ويثق بأنه قد تخلص من الربا وتحر من الظلم الذي طالما يبحث عن منفذ للخروج منه.
وهذه الصورة كما يتراءى لي يجب أن تتكون من العناصر الآتية:
١- أن يتم العقد على عقد الإجارة العادية.
٢- أن تكون مدة الإجارة محددة ومعلومة.
٣- أن يكون ثمن الإيجار مناسبًا للسلعة (سكن أو سيارة أو ماكينة زراعية أو صناعية مثلًا) طبقًا لنظام العرض والطلب في المكان والزمان اللذين تم فيهما العقد ومناسبًا لحجمها ودرجة المنفعة التي يمكن الانتفاع منها.
[ ٥ / ٢١٧٨ ]
٤- أن يتحمل الطرفان تبعات ومسؤوليات تخص كلًا منهما كما هو مقرر في بابه.
٥- أن يقترن بالعقد وعد بالهبة أو بالبيع بعد انتهاء مدة الإجارة بالثمن المناسب لذلك كله أيضًا ووعد بالشراء.
٦- في حالة البيع يتفق الطرفان على اعتبار الإيجار المدفوع في المدة التي انتهت أو جزء معين منه قسمًا من قيمة البيع، سواء كان هذا مبنيًّا على وعد سابق يشتمل عليه الوعد بالبيع أو مبنيًّا على اتفاق جديد بينهما تم بعد المساومة الحرة بينهما.
٧- أن يعقد عقد جديد للبيع مستقل عن عقد الإجارة ويكون هذا العقد بعد انتهاء مدة الإجارة وبعد الاتفاق على ثمن البيع، وكيفية دفعه عاجلًا أو آجلًا في أقساط، ومدة التقسيط.
٨- أن تحدد مدة معلومة جديدة لدفع القيمة أو بقية القيمة المتفق عليها بين الطرفين وعلى أقساط أخرى.
٩- يكون لأحد الطرفين الحق في عدم تنفيذ الوعد بالبيع أو بالشراء بموافقة الآخر، لأنهما كانا متواعدين على ذلك، والمسلمون على شروطهم ما لم تحل حرامًا أو تحرم حلالًا.
١٠- تسجل السلعة باسم المشتري كما يسجل حق الطلب على السلعة للبائع على أنها رهن للدين (القيمة أو بقية القيمة المتفق على أنها رهن للدين، القيمة أو بقية القيمة المتفق على دفعها في أقساط في مدة محددة معلومة) .
١١- في حالة الوعد بالهبة بعد انتهاء مدة الإجارة تنتقل ملكية السلعة بعقد جديد للهبة. تلك هي الصورة للممارسة والتطبيق التي ظهر لي أنها تنقذ الطرفين من الظلم والاستبداد الذين اقترن بهما نظام التأجير الربوي المطبق في البنوك الربوية. وبهذا نطبق المبدأ الإسلامي (لا تظلمون ولا تظلمون) .
الجانب الثاني:
وهذا الجانب يتعلق بالوعد بالهبة أو بالبيع المقترن بعقد الإجارة في الصورة المقترحة للتطبيق كبديلة للصورة المطبقة في نظام التأجير الربوي لدى البنوك الربوية، هل هو من قبيل الشروط المقترنة بالعقود أي عقد إجارة بشرط الهبة وعقد إجارة بشرط البيع؟
[ ٥ / ٢١٧٩ ]
وفي حالة اعتباره بمنزلة الشرط المقترن بالعقد هل هو من قبيل الشروط المنافية لمقتضى العقود فيفسد العقد أو يبطل هو في نفسه فقط دون أي مساس بالعقد بأي خلل؟ على خلاف بين الفقهاء في المذاهب المختلفة في ذلك ولكل وجهته وأدلته، وموقفي بالنسبة لهذا الخلاف أني أميل إلى الثاني، أخذًا بما يدل عليه حديث عائشة ﵂ في قضية بريرة المشهورة في باب البيوع في كتب الحديث، حيث أن النبي (ﷺ) لا يحكم بفساد عقد بيع بريرة وإن اقترن به شرط باطل، وهو أن يكون ولاؤها لسيدها الذي باعها لعائشة. وإنما أمر الرسول (ﷺ) عائشة ﵂ أن تستمر في عقدها وشرائها دون مبالاة بالشرط المذكور، وأعلن الرسول (ﷺ) في استنكار لهذا الشرط الباطل لأنه ليس في كتاب الله وكل شرط ليس في كتاب الله (أي مخالف لما قرره الله وهو المخالف المنافي لمقتضى العقد) فهو باطل ولو كان مائة شرط. وشرط الله أحق وقضاؤه أوثق. والشرط الصحيح المقبول والذي هو كتاب الله بالنسبة لهذه القضية هو «إنما الولاء لمن أعتق» .
ومهما كان الأمر وعلى أن هذا الوعد بالهبة أو بالبيع المقترن بعقد الإجارة في مسألتنا هذه – كما هو ظاهر من قبيل الشروط المقترنة بالعقود إلا أنه ليس من قبيل الشروط المنافية لمقتضى العقد فلا يأتي هنا الخلاف في بطلان العقد وفساده ولا بطلان الشرط أو فساده في نفسه، بل هو من قبيل الشروط الجائزة المقبولة (وعد مقبول شرعًا) ولكلا الطرفين الحق في عدم تنفيذه لأنه وعد في المعاوضات. وبهذا أكتفي دون الإطالة في هذا الجانب، خاصة، وقد قرر مجمعنا في دورته الثالثة المنعقدة بعمان، الأردن بقبوله واعتباره وعدًا مقبولًا.
[ ٥ / ٢١٨٠ ]
الجانب الثالث:
وهذا يتعلق بمسألة تحديد الربح فإن المؤجر كما قلت آنفًا (بنكًا كان أو مؤسسة من مؤسسات التمويل العامة أو الخاصة) لا يقوم بالتأجير إجارة عادية وبالإيجار المجرد، بل إنه لا بد يضع ويحدد ثمن الإيجار بما يتضمن قيمة التكلفة مضافًا إليها الربح ليتسنى له التنازل بسهولة عن بضاعة بعد انتهاء مدة الإجارة وإتمام رفع الأقساط بدون أية خسارة تنزل وهو يتاجر ببضاعته بهذه الكيفية.
وبهذا أصبح الأمر واضحًا أمامنا أنه في حالة البيع يكون هناك ثمن الإيجار مضافًا إليه جزء من قيمة البيع الموعود به. وفي حالة الهبة يكون هناك ثمن الإيجار مضافًا إليه مقدار زائد عليه في مقابل الهبة الموعود بها.
ففي الحالة الأولى سيصبح الأمر بمنزلة اجتماع بين عقدي الإجارة والبيع وإن لم يتم البيع بعد. ومعلوم أن اجتماعهما لا يجوز لأنهما من العقود المتبانية وإن كانا من النوع الواحد حيث أن الإجارة نوع من البيوع لأن فيهما بيعًا. ففي البيع بيع أعيان وفي الإجارة بيع منافع. ولهما أثر واحد يتفقان فيه وهو انتقال ملكية العقود عليه بصفة التأبيد للطرف الآخر.
وتباينهما يأتي من حيث أن البيع يقصد به العين ومنفعتها معًا. بينما الإجارة يقصد بها منفعة العين فقط وملكية العين في الإجارة لا تزال لصاحبها وعليه تبعات ومسؤوليات خاصة تجاه العين حتى تبقى صالحة للانتفاع بها لا يجوز وليس من العدل أن تلقى على عاتق المستأجر، إلى آخر ما هنالك من فوارق بينهما معروفة مفصلة في بابها وليس هنا محل تفصيلها.
٤- تساؤل وحل للمسألة:
وإذا كان الأمر كما وضحت فهنا يقفز أمامي تساؤل وهو هل يجوز إضافة مقدار معين إلى ثمن الإيجار في مقابل البيع الموعود به وإن كان المشتري قد وعد بالشراء؟ إلى جانب أن الواضح للجميع أن الغرض من تقديم هذه الخدمة هو مساعدة ذوي الدخل المحدود للحصول على حاجة من حاجاتهم الأساسية؟
والحق أني أميل إلى أنه من الإنصاف بل من العدل أيضًا وللطرفين معًا لا للطرف الواحد فقط هو ألا يسمح بهذه الإضافة، خاصة أن هذا الوعد- كما هو اتجاه الأكثر- غير ملزم.
وإذا كان هذا هو المأخوذ به في حالة البيع فكذلك يجب أن يكون في حالة الهبة.
[ ٥ / ٢١٨١ ]
وبقي الأمر بعد ذلك بالنسبة لموقف المؤجر هل يرضى بذلك وهو- كما هو معروف- ليس يتبرع ولكن يتاجر، وكل ما يهدف إليه الحصول على الربح بأعلى قدر ممكن؟
فهنا أميل إلى أن يسمح للطرفين بالاتفاق على أن يضع المستأجر قدرًا معينًا مستقلًا عن ثمن الإيجار، في حساب الودائع الاستثمارية في البنك الإسلامي كضمان للبائع يستفيد منه ومن أرباحه المتجمعة في آخر المدة بمجرد أن تم عقد البيع على أنه جزء من القيمة أو بقية القيمة ويتسلمه كله عاجلًا ويتسلم بقية القيمة في أقساط في خلال المدة المتفق عليها بين الطرفين، وفي حالة الهبة أميل إلى ألا يكون هناك أية إضافة على ثمن الإيجار وأميل إلى أن يكون هناك وعد بالبيع فقط، ولا يكون وعد بالهبة إلا ممن أراد أن يتبرع خالصًا لوجه الله لا تحايلًا إلى تحليل الربا أو إلى ارتكاب شبهة الربا باسم الهبة ثم يضع في مقابلها، وهي في مرحلة الوعد بها، مقدارًا معينًا زائدًا على ثمن الإيجار على اعتبار أن الجميع هو ثمن الإيجار مع أن ثمن الإيجار المناسب العادل أقل من ذلك.
وبهذا- كما ظهر لي- نطهر العملية- عملية التأجير المنتهي بالتمليك - من أية شبهة بالربا ونطبق في آنٍ واحد المبدأ القرآني العادل المنصف (لا تظلمون ولا تظلمون) والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الدكتور عبد الله إبراهيم.
[ ٥ / ٢١٨٢ ]
الوثائق