المصرفي الإسلامي
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
موضوع البحث:
حينما قامت البنوك الإسلامية اتجهت صوب الشريعة الإسلامية للبحث عن صيغ لتوظيف أموالها، وكان من بين هذه الصيغ بيوع المرابحة التي تعتبر من الصور المناسبة لطبيعة عمل المصارف في تمويل الأنشطة الاقتصادية المختلفة، وتطبق على نطاق واسع فيها، وبالرغم من ذلك فإنها تكاد تكون الصورة الوحيدة التي ثار حولها جدل كثير ليس من حيث الفكرة كما وردت لدى الفقهاء القدامى، وإنما من حيث الأسلوب الذي تطبق به في البنوك الإسلامية المعاصرة، وبما أن هذا التطبيق يمثل صدى للأفكار النظرية حولها؛ لذلك أثر الخلاف النظري بين الفقهاء المعاصرين على الإجراءات العملية لبيوع المرابحة، الأمر الذي على هذه الصورة محور الاهتمام في كل الندوات والمؤتمرات والدراسات التي جرت حول البنوك الإسلامية، ويأتي هذا البحث ليقوم برصد الإجراءات التفصيلية لبيوع المرابحة لتحديد الفروق بين تطبيقها في البنوك الإسلامية، ثم تقويم هذه الفروق شرعيًّا واقتصاديًّا. وبذلك نصل إلى تحقيق الأهداف التالية.
هدف البحث:
إن الهدف العام لهذا البحث هو المساهمة العلمية في إنجاح مسيرة البنوك الإسلامية من خلال دراسة إحدى أهم صور توظيف الأموال بها وهي بيوع المرابحة لتحقيق ما يلي:
١- تحديد الإجراءات التفصيلية لبيوع المرابحة في البنوك الإسلامية بصورة مجمعة في بحث واحد حتى يمكن تبادل المعلومات والخبرات بين البنوك التي يجمعها هدف مشترك.
٢- تحديد الفروق التطبيقية لبيوع المرابحة بين البنوك المختلفة، ثم تقويم هذه الفروق شرعيا واقتصاديا بصورة تساعد بعض البنوك على تعديل التطبيق استرشادا بالقواعد الشرعية وبما يتم تطبيقه في بنوك أخرى.
[ ٥ / ٩٤٩ ]
٣- بيان مدى تناسب التطبيق مع الأفكار النظرية شرعية واقتصادية بشكل يوضح للمسئولين في هذه البنوك مدى التزامهم بالأحكام الشرعية في تطبيق عقود المرابحة ومدى ومسايرة هذا التطبيق للأفكار الاقتصادية.
مصادر المعلومات: بما أن البحث يجمع بين الإطار التطبيقي والنظري لذلك اعتمدنا في إعداده على المصادر التالية:
أ- تجميع المعلومات عن الإجراءات العملية بواسطة الأدوات التالية:
١- استمارة استقصاء – مرفق صورتها – أرسلناها لجميع البنوك الإسلامية ورد علينا بعضها.
٢- نماذج من طلب الشراء وعقد الوعد وعقد البيع مرابحة، المستخدمة في عدد من البنوك.
٣- دليل إجراءات العمل لبعض البنوك.
٤- الإطلاع على الفتاوى الصادرة من هيئة الرقابة الشرعية لبعض البنوك والتي ناقشت تطبيق المرابحة بها.
٥- الزيارة الميدانية لبعض البنوك بمصر ومناقشة بعض المسئولين بها عن تطبيق عقود المرابحة.
ب- بعض كتب الفقه قديمًا وحديثًا وأعمال المؤتمرات والندوات التي تناولت موضوع المرابحة.
[ ٥ / ٩٥٠ ]
محددات البحث: توجد عدة محددات يلزم ذكرها فيما يلي:
١- إن بعض البنوك لم ترد على استمارة الاستقصاء المرسلة إليها وقد تكون لديها إجراءات تختلف عن باقي البنوك لم نذكرها لأننا لم نعلم بها.
٢- إننا التزمنا بالضوابط التي وضعتها إدارة الندوة –قدر الإمكان- من حيث عدد الصفحات.
٣- إن هناك بحوثًا أخرى في الندوة تتناول بالتفصيل الجوانب المختلفة للمرابحة الفقهية والقانونية والاقتصادية.
أسلوب البحث: قام البحث على الأسلوب التالي في عرض المعلومات:
١- بدأنا البحث ببيان الإطار العام لعمليات المرابحة بشقيه الفقهي والمصرفي.
٢- قسمنا البحث بحسب المراحل التي تتم بها العملية (المواعدة – الشراء الأول – البيع مرابحة) ثم بحسب الخطوات التي تتم في كل مرحلة.
٣- أوردنا الإجراءات العملية التي تتبع في كل خطوة مع تحديد الفروق بينها.
٤- أوردنا الرأي الشرعي والاقتصادي بالنسبة لكل خطوة منها.
خطة البحث: سعيًا وراء تحقيق الهدف من البحث وتمشيًا مع الأسلوب المذكور تم تنظيم البحث وفق الخطة التالية:
المبحث الأول: الإطار العام لبيوع المرابحة.
المبحث الثاني: الإجراءات العملية في مرحلة المواعدة.
المبحث الثالث: الإجراءات العملية في مرحلة الشراء الأول.
المبحث الرابع: الإجراءات العملية في مرحلة البيع مرابحة.
[ ٥ / ٩٥١ ]
المبحث الأول
الإطار العام لبيوع المرابحة
من المهم وقبل البدء في دراسة الإجراءات العملية لبيوع المرابحة أن نأتي في إيجاز على الجوانب الفقهية والمصرفية لها، لتتضح صورتها الإجمالية ولتساعد على تقويم الفروق التي تظهر في التطبيق، وسوف نتناول ذلك في الآتي:
أولًا- الجانب الفقهي ثانيًا- الجانب المصرفي
أولًا- الجانب الفقهي:
أ- تعريف المرابحة: توجد تعاريف عديدة للمرابحة لدى الفقهاء وهي وإن اختلفت في الصياغة إلا أن دلالاتها واحدة، حيث تدور حول بيع السلعة بثمن شرائها وزيادة ربح، حيث يقول أحد الفقهاء: المرابحة بيع السلعة بالثمن الذي اشتراها به وزيادة ربح. (١)
ب- مشروعيتها: يستدل الفقهاء على مشروعية المرابحة بأدلة عامة غير مباشرة مثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) والرأي الراجح لدى الفقهاء أن المرابحة جائزة شرعًا، وهناك من يرى كراهتها مثل ابن عمر وابن عباس، (٣) بل إن هناك من يقول بمنعها مثل ابن حزم (٤) ولقد بنيت الآراء التي تقول بالكراهة أو المنع على أن البيع يتضمن غررًا وجهالة ولقد فند ابن قدامة (٥) هذه الحجة بما يمكن معه القول أن المرابحة جائزة شرعًا.
_________________
(١) الدسوقي – حاشية الدسوقي على الشرح الكبير- دار إحياء الكتب العربية بمصر جـ ٣ ص ١٥٩
(٢) سورة البقرة – آية ٢٧٥
(٣) ابن قدامة – المغني – مكتبة الجمهورية العربية – جـ ٤ ص ١٩٩
(٤) ابن حزم – المحلى – مكتبة الجمهورية العربية – جـ ٩ ص ٦٢٥
(٥) ابن قدامة – المغني – مكتبة الجمهورية العربية – جـ ٤ ص ١٩٩
[ ٥ / ٩٥٢ ]
ويستفاد من الاستدلال على مشروعية المرابحة بالأدلة العامة، بأن الموضوع يدخل بصورة كبيرة في دائرة الاجتهاد الذي يجب أن يراعي إلى جانب الالتزام بالقواعد الشرعية العامة، ظروف الحال المتغيرة، وبذلك فإن التطبيق المعاصر لبيوع المرابحة يجب أن يراعي الظروف الحالية والتي من أهمها أن العملية تتم بين مؤسسات كبيرة وليس في نطاق المعاملات الفردية التي كانت موجودة في زمن الفقهاء القدامى، هذا إلى جانب التطور الكبير الذي لحق بالأنشطة الاقتصادية، وهذا ما يلزم على المجتهدين المعاصرين مراعاته دون التقيد الحرفي بكل ما قاله الأولون رغم أهميته.
جـ – شروط المرابحة: توجد عدة شروط للمرابحة ذكرها الفقهاء القدامى من أهمها:
١- أن يكون الثمن الأول معلومًا لطرفي العقد، وكذلك ما يحمل عليه من تكاليف أخرى.
٢- أن يكون الربح محددًا مقدارًا أو نسبة من الثمن الأول.
٣- أن يكون الثمن الأول من ذوات الأمثال.
٤- أن يكون العقد الأول صحيحًا.
إلى غير ذلك من الشروط المذكورة تفصيلًا في كتب الفقه. (١)
د- صور المرابحة: يمكن أن تتم المرابحة بإحدى صورتين عرفهما الفقه قديمًا وهما:
١- الصورة الأولى: ويمكن أن يطلق عليها الصورة العامة أو الأصلية وهي أن يشتري شخص ما سلعة بثمن معين ثم يبيعها لآخر بالثمن الأول وزيادة ربح، فهو هنا يشتري لنفسه دون طلب مسبق ثم يعرضها للمبيع مرابحة.
٢- الصورة الثانية: وهي ما يطلق عليها حديثًا اصطلاح " بيع المرابحة للآمر بالشراء " وكيفيتها: أن يتقدم شخص إلى آخر ويقول له: اشتر سلعة معينة موجودة –أو يحدد أوصافها- وسوف أشتريها منك بالثمن الذي تشتريها به وأزيدك مبلغًا معينًا أو نسبة من الثمن الأول كربح، وهذه الصورة وإن كانت تسميتها بالبيع مرابحة للآمر بالشراء من إطلاق الفقهاء المعاصرين إلا أن كيفيتها وردت لدى الفقهاء القدامى كما جاء في كتاب الأم للشافعي ما نصه: "وإذا أرى الرجل الرجل السلعة فقال اشتر هذه وأربحك فيها كذا فاشتراها الرجل فالشراء جائز " ثم يقول: "وهكذا إن قال: اشتر لي متاعًا - ووصفه - أو متاعًا أي متاع شئت وأنا أربحك فيه فكل هذا سواء يجوز البيع.." (٢)
_________________
(١) يراجع في ذلك: ابن قدامة المغني مرجع سابق جـ ٤ ص ١٩٨ وما بعدها، ابن رشد – بداية المجتهد ونهاية المقصد – دار الكتب العربية – جـ ٢ ص ٢٧٣ وما بعدها، الشربيني الخطيب – مغني المحتاج – مطبعة مصطفى الحلبي جـ ٢ ص ٧٦ وما بعدها.
(٢) الإمام الشافعي – الأم- الدار المصرية للتأليف والترجمة جـ ٣ ص ٣٣.
[ ٥ / ٩٥٣ ]
ثانيًا: الجانب المصرفي للمرابحة: وسوف نتناول فيه النقاط التالية:
أ- مدى تناسب المرابحة مع طبيعة البنوك الإسلامية.
ب- حجم عمليات المرابحة في البنوك الإسلامية.
جـ- الصورة التي تتم بها وأساليب تطبيقها في البنوك الإسلامية.
أ- مدى تناسب المرابحة مع طبيعة عمل البنوك الإسلامية: يثير البعض شبهات (١) حول قيام البنوك الإسلامية بعمليات المرابحة على أساس أن طبيعة عمل هذه البنوك هو الوساطة المالية وأن عملية المرابحة تقتضي الوساطة التجارية ولذلك فإن البنك يطبق المرابحة بأسلوبه كوسيط مالي وليس كتاجر حيث يقوم بدفع مبلغ للمورد ويتقاضى من المشتري مرابحة أزيد منه، وفي ذلك شبهة ربا لا محالة.
وفي رأينا أن هذه الشبهة لا محل لها، حقيقة أن طبيعة عمل المصارف عمومًا هو الوساطة المالية، ولكن هذه الوساطة بين الادخار والاستثمار، حيث تقوم بتجميع المدخرات وتوجيهها إلى الاستثمارات المختلفة ويختلف هذا التوجيه بحسب نوع البنوك من تجارية ومتخصصة وبنوك استثمار وأعمال، والتي يحق لها استثمار الأموال بنفسها في أعمال وأنشطة تجارية وصناعية وغيرها.
_________________
(١) د. رفيق المصري – النظام المصرفي الإسلامي- المؤتمر الدولي الثاني للاقتصاد الإسلامي باكستان – مارس ١٩٨٣ ص ٤٧ وله أيضًا نفس الرأي في ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي المدينة المنورة – رمضان ١٤٠٣ – كتاب المناقشات صفحات ٩٥ – ٩٦، ١٢٩ - ١٣٠
[ ٥ / ٩٥٤ ]
ولا تختلف طبيعة عمل البنوك الإسلامية (١) وفق هذا التصور عن غيرها في كونها تقوم بالوساطة المالية بين الادخار والاستثمار، غير أن هذه الطبيعة تقتضي أن تكون البنوك الإسلامية بنوك استثمار وأعمال حيث تقوم بمباشرة الأنشطة الاقتصادية المختلفة بنفسها بصور عديدة ومنها صورة بيوع المرابحة التي تعني شراء وبيع السلع بربح محدد، وبالتالي يمكن القول أن عملية المرابحة لا تتناقض مع طبيعة عمل المصارف الإسلامية بل على العكس هي من أنسب صور توظيف الأموال بها، كما أن دور البنك في هذه العملية ليس التمويل فقط، وإن كان التمويل لا يمنع من كون العملية تجارة أيضًا، لأن الحكمة من بيوع المرابحة تتحدد في الآتي:
١- أن المشتري مرابحة لا تكون لديه الخبرة في الشراء، وبذلك يعهد إلى غيره ممن له خبرة لشرائها ثم يبيعها له مرابحة.
٢- أن المشتري مرابحة لا تكون لديه القدرة التنظيمية لإتمام عملية الشراء.
٣- أن المشتري مرابحة لا تكون لديه القدرة التمويلية لتمويل عملية الشراء فورًا.
٤- تقليل المخاطر على المشتري مرابحة خلال فترة الشراء الأول من المورد. وإحضار السلعة فإنه وإن كان لا يمكن القول بأن البنك الإسلامي أكثر خبرة من المشتري، خاصة إذا كان الأخير يعمل أو يتاجر في السلعة، فإنه بالتأكيد يقدم خدمات أخرى لإتمام العملية مثل تحمل المخاطر خلال فترة الشراء الأول ومباشرة العملية من خلال أجهزته بالإضافة إلى تمويل العملية، ولكل ذلك فهو ليس ممولًا للعملية فقط، وإنما يمارس الدور التجاري، وما يستحق من ربح ليس فقط لتقديم الأموال كالبنوك الربوية وإنما أيضًا لما يقوم به من دور في إتمام الصفقة.
ب- حجم عمليات المرابحة في البنوك الإسلامية: تأكيدًا لتناسب عمليات المرابحة مع طبيعة عمل البنوك الإسلامية فإنها تقوم بها على نطاق واسع في جميع أنواع السلع ومن مصادر محلية وأجنبية وبمبالغ كبيرة، فلقد ظهر من الإجابات على استمارة الاستقصاء ما يلي:
١- أن عمليات المرابحة تتم على منقولات من أغذية وسيارات وبضائع مختلفة كما تتم على عقارات في بعض الأحيان.
٢- أن نسبة مصدر البضائع تتراوح بين ٣٠ % إلى ٩٠ % مصادر محلية وبين ٧٠ % إلى ١٠ % مصادر أجنبية.
٣- أن نسبة عمليات المرابحة إلى مجموع عمليات التوظيف الأخرى بالبنوك تتراوح بين ٩٠ % وبين ٦٥ % سواء من حيث عدد العمليات أو المبالغ الموظفة.
_________________
(١) من المهم الإشارة إلى أن البنوك الإسلامية تختلف عن غيرها في علاقتها بالمدخرين والمستثمرين حيث تقوم هذه العلاقة على قاعدة المشاركة وليس قاعدة الاقتراض والإقراض بفائدة ربوية.
[ ٥ / ٩٥٥ ]
جـ- الصورة التي تتم بها المرابحة وأساليب تطبيقها في البنوك الإسلامية:
لقد سبقت الإشارة إلى أن الفقه الإسلامي قديمًا عرف صورتين للمرابحة هما الصورة العامة وصورة بيع المرابحة للآمر بالشراء، وبالنظر في التطبيق المعاصر نجد أن الصورة الأولى والتي يسبق العرض فيها الطلب نادرة الحدوث، كما أفادت بذلك البنوك في إجاباتها على أسئلة استمارة الاستقصاء، ويقف وراء هذه الندرة عدة أسباب منها:
١- أن السلع تتعدد ويوجد تخصص في التجارة ولا يعقل أن يتخصص البنك الإسلامي في سلعة معينة، وإلا لكان بذلك يضيق من دائرة نشاطه، كما لا يمكن اقتصاديا شراء جميع السلع وعرضها انتظارًا لطلبها لما يصاحب ذلك من تكاليف ومجهودات كثيرة لدراسة الأسواق، ولوجود مخاطر كبيرة تتمثل في عدم القدرة على تصريف البضاعة وتعطيل جزء من أمواله في المخزون السلعي.
٢- أنه لا توجد لدى البنك قدرة تخزينية لاستيعاب السلع التي يشتريها انتظارًا لبيعها مرابحة.
٣- عدم وجود الكفاءات البشرية المطلوبة لتنفيذ هذه الصورة والتي يلزم أن تكون متخصصة في عمليات التسويق شراء وبيعًا.
لذلك فإن الصورة الأخرى " بيع المرابحة للآمر بالشراء " هي التي تلقى قبولًا في التطبيق العملي كما أفادت بذلك كل البنوك التي ردت على أسئلتنا، وهذه الصورة نقوم بالطبع على الفكرة الأصلية للصورة العامة حيث يقوم المصرف ببيع ما اشتراه مرابحة وإن كان يسبق ذلك طلب من المشتري أي أن الطلب فيها يسبق العرض بما يضمن معه البنك من تصريف السلع التي يشتريها.
وبالنظر في الإطار التطبيقي لهذه الصورة كما تحدث في البنوك الإسلامية نجد أنها تطبق بعدة أساليب هي:
الأسلوب الأول: وكيفيته أن يتقدم العميل للبنك بطلب شراء سلعة معينة يحدد أوصافها ويقوم المصرف بالحصول عليها بطريقته من أي مصدر ثم يبيعها مرابحة لطالبها.
الأسلوب الثاني: وكيفيته أن يتقدم العميل للمصرف بطلب شراء سلعة معينة يحدد أوصافها ومصدر توريدها وكل البيانات المتعلقة بها ويقوم المصرف بشرائها بعينها من نفس المصدر ويبيعها مرابحة لطالبها.
وهذان الأسلوبان يطبقان في البنوك الإسلامية وهما جائزان شرعا كما يقرر بذلك الإمام الشافعي في القول السابق سواء حدد العميل سلعة بعينها أو حدد أوصافها.
[ ٥ / ٩٥٦ ]
الأسلوب الثالث: ويحدث في حالة السلعة المستوردة والمصرف يكون في دولة تحكمها قوانين وقرارات استيراد، حيث يحدد لكل مستورد في الدولة حصة معينة للاستيراد وتصدر له رخصة بذلك فيتقدم المستورد بطلب إلى البنك ليقوم باستيراد السلعة وبيعها له مرابحة، وبما أن رخصة الاستيراد تكون باسم المستورد وأنه في بيع المرابحة لابد أن تكون السلعة في ملك البنك أولا حتى يمكنه بيعها مرابحة، وحلًّا لذلك فإنه في هذه الحالة يتم تطبيق بيع المرابحة بأي من الطريقتين بحسب ما تسمح به قوانين الدول التي توجد بها البنوك.
الطريقة الأولى: أن يقوم العميل المشتري مرابحة بالتنازل عن رخصة الاستيراد للبنك حتى يمكنه شراء السلعة باسمه ثم بيعها مرابحة وهذا ما يتم على سبيل المثال في البنوك الإسلامية العاملة بالسودان.
الطريقة الثانية: أن تستخدم الموافقات او الرخص الاستيرادية للعملاء لإتمام عملية الاستيراد وترد مستندات الشحن باسم المصرف ويتم تظهيرها تظهيرا ناقلا للملكية باسم العميل ويتم إبرام عقد البيع مرابحة معه وبذلك تدخل البضاعة إلى الدولة باسم المستورد، وهذا يحدث في بنك فيصل المصري حيث إن قوانين الاستيراد في مصر تحظر على غير المصريين الاستيراد وبنك فيصل يعتبر من المصارف المشتركة لأن به مساهمين أجانب.
وتجدر الإشارة إلى أنه لو كان للبنك الحق في الاستيراد فإن العملية تدخل في نطاق الأسلوب الثاني.
الأسلوب الرابع: ويمكن تسميته بأسلوب توكيل البائع أو المورد في إجراء عملية البيع مرابحة نيابة عن البنك، وكيفيته كما وردت في جواب المستشار الشرعي للبنك الإسلامي الأردني ردا على مدى شرعية هذا الأسلوب في إجراء عمليات المرابحة، أن يتولى البنك اختيار البائعين وتحديد سقف لمعاملاتهم مع البنك في حدود مبلغ معين على أن يتقدم المشتري بطلب شراء للبنك، فيطلب البنك من البائع عرض أسعار للتحقق من مطابقة الشروط ثم يشتري البنك البضاعة من البائع بموجب فاتورة صادرة باسمه ويتولى البائع بطريق الوكالة تنظيم عقود البيع مرابحة واستلام الدفعة الأولى وتنظيم الكمبيالات وكفالتها ثم يقدم البائع مستندات العملية للبنك الذي يدفع له قيمتها.
وقد أجاب المستشار باعتماد هذا الأسلوب (١) .
_________________
(١) البنك الإسلامي الأردني – الفتاوى الشرعية جـ١ ١٩٨٤ فتوى رقم ٥، ١٤، ٢١
[ ٥ / ٩٥٧ ]
الأسلوب الخامس: ويمكن أن نطلق عليه أسلوب توكيل المشتري مرابحة في إجراء عملية البيع مرابحة نيابة عن البنك، وكيفيته كما ورد في ندوة البركة بالمدينة المنورة (١) أن يطلب شخص من البنك شراء سلعة معينة لبيعها له مرابحة فيتفق معه البنك على توكيله في عملية الشراء، ثم توكيله ثانية في بيعها لنفسه مرابحة، وقريبا من ذلك ما ذكره أحد أعضاء الندوة (٢) فيما وجده مطبقا في بعض البنوك بأن يحضر شخص للبنك ويطلب منه شراء سلعة معينة ليشتريها من البنك مرابحة، فيقوم البنك بإعطائه شيكا بالمبلغ لشرائها بنفسه وأخذها مرابحة، وفي رأينا فإن هذا الأسلوب بشقيه (توكيل أو بدون توكيل) غير سليم للآتي:
١- أنه لا يجوز في عقود المفاوضات ومنها البيع أن يتولى شخص واحد تولي العقد عن الجانبين؛ ولذلك لم يجز أن يكون الشخص الواحد وكيلا عن الجانبين في البيع وأشباهه (٣)، وبالتالي فإنه وإن صح توكيل المشتري مرابحة في إجراء الشراء الأول فلا يصح توكيله في البيع لنفسه مرابحة.
٢ – أن في هذا الأسلوب شبهة التحايل لمعاملة ربوية حيث قد لا تكون هناك سلعة بالمرة، وإنما تتم العملية صوريًّا لحصول العميل على مبلغ الصفقة حالا ورده آجلا بزيادة، وذكر السلعة بينهما لتغطية العملية.
لذلك فإننا ندعو البنوك الإسلامية إلى الامتناع عن هذا الأسلوب الذي يخالف الشريعة الإسلامية.
_________________
(١) ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي- المدينة المنورة – مرجع سابق ص ٣٢٣- ٣٣٠
(٢) د. صديق الضرير – مرجع سابق ص ١٠٦
(٣) الشيخ محمد أبو زهرة – الملكية ونظرية العقد في الشريعة الإسلامية – دار الفكر العربي ١٩٧٦ ص٤٠٦
[ ٥ / ٩٥٨ ]
المبحث الثاني
الإجراءات العملية في مرحلة المواعدة
لقد سبق القول أن بيع المرابحة للآمر بالشراء هو الصورة المطبقة في البنوك الإسلامية، وتبدأ هذه الصورة بمرحلة المواعدة على الشراء حيث يتقدم العميل إلى البنك بطلب لشراء السلعة، وبعد أن يتم دراسة الطلب يتم إبرام عقد الوعد معه، وبالتالي فإن الإجراءات في هذه المرحلة تسير وفق الخطوات التالية:
أولا – تلقي المصرف لطلب الشراء.
ثانيا – دراسة المصرف العملية.
ثالثا – إبرام عقد الوعد مع العميل.
أولا – طلب الشراء: تبدأ العملية بتلقي البنك طلبا من العميل يوضح فيه رغبته في أن يقوم البنك بشراء سلعة معينة على أن يشتريها العميل منه مرابحة، ومن الناحية التطبيقية فإن ذلك يتم في جميع البنوك الإسلامية من خلال نموذج يسمى " طلب شراء أو طلب شراء المرابحة أو رغبة بالشراء ".
أ – البيانات التي تظهر به:
١ – بيانات مشتركة لدى جميع البنوك وهي:
- مواصفات البضاعة المطلوب شراؤها، - بيانات عن العميل.
- القيمة الإجمالية، - المستندات المطلوبة.
٢ – بيانات تنفرد بها بعض البنوك:
- نسبة الربح، - مصدر البضاعة -، شروط ومكان التسليم.
هذا مع ملاحظة ما يلي:
- أن هذا الطلب أو الرغبة عبارة عن بيان بالبضائع المطلوب شراؤها كما هو واضح من التقديم في نماذجها.
- أن هذه النماذج تحيل إلى عقد الوعد الذي يوجد على نفس نموذج طلب الشراء بالصفحة الخلفية في بعض البنوك وتظهر الإحالة بالنص وهذه البضائع هي موضوع وعد الشراء المحرر بيننا وبينكم بتاريخ / /، وبالتالي فإن ما لم يذكر في طلب الشراء من بيانات لدى بعض البنوك يوجد تفصيلا وزيادة عليه في عقد الوعد كما سنرى فيما بعد.
[ ٥ / ٩٥٩ ]
ب – ومن دراسة نماذج طلبات الشراء وإجابات البنوك على استمارة الاستقصاء عن هذه الخطوة يتضح أن العميل قد يقوم بالدراسة المبدئية لتحديد السلعة محل الصفقة وتحديد مصدرها وسعر شرائها وكافة الشروط الأخرى المتعلقة بالشراء الأول، ولتقويم ذلك اقتصاديا يمكن القول بالآتي:
١ – إن قيام العميل بتحديد السلعة ومصدرها والسعر المبدئي لشرائها أمر طبيعي لأنه الذي يحتاج السلعة وهو أقدر على تحديد مواصفاتها ويعرف مصادرها ولديه خبرة بها، هذا مع مراعاة أن البنك يقوم بعد تلقى طلب الشراء بدراسة العملية كما سيأتي بعد.
٢ – من الناحية الفقهية فإن قيام العميل بالاتصال الأول بالموردين وتحديد السلعة أمر يجد سنده الفقهي في قول الإمام الشافعي المشهور حيث جاء في صدره: " وإذا أرى الرجلُ الرجلَ السلعةَ،: فقال اشتر هذه وأربحك فيها " حيث يفهم من النص أنه يجوز أن يقوم المشتري مرابحة بتحديد السلعة تعيينًا ويريها للبائع مرابحة، وتطبيق ذلك في الوقت المعاصر يكون باتصال المشتري مرابحة بالمورد والحصول منه على فاتورة مبدئية وباقي المستندات في حالة الاستيراد من الخارج وتقديمها مع طلب الشراء للبنك.
ثانيا – دراسة العملية: حينما يتلقى البنك طلب الشراء من العميل يقوم بدراسة العملية من كل جوانبها، والتي تشمل – بإيجاز – كما ورد بدليل الإجراءات لدى أحد البنوك: (١) .
١- سلامة البيانات المقدمة من العميل سواء عن نفسه أو البضاعة موضوع الصفقة أو المورد.
٢ – دراسة سوق السلعة حتى يضمن إمكانية تسويقها في حالة نكول العميل عن الشراء.
٣ – التأكد من أن الطلب يدخل فعلا ضمن نشاط العميل حتى لا تكون العملية ستارا لحصوله على مبلغ الصفقة.
٤ – التأكد من أن العملية تتفق والأغراض التي يمولها البنك.
٥ – التأكد من أن العملية تتفق وأحكام الشريعة الإسلامية والقوانين السائدة.
٦ – دراسة الحالة المالية للعميل للتأكد من قدرته على سداد الثمن.
٧ – بيان تكلفة العملية بالتفصيل.
٨ – تحديد نسبة الربح طبقا لنوع السلعة وأجَل السداد.
٩ – تحديد الأسلوب المقترح لتنفيذ العملية من حيث كيفية دفع الثمن للموردين وتحصيله من العميل.
١٠- تحديد الضمانات المقترحة لضمان حق البنك في تحصيل الثمن في ضوء حالة العميل وقيمة الصفقة.
_________________
(١) بنك فيصل الإسلامي المصري – دليل العمل ص١٢٠ وما بعدها
[ ٥ / ٩٦٠ ]
هذا مع ضرورة الإشارة إلى بعض الأمور المتصلة بدراسة العملية التي اتضحت لنا من إجابات البنوك على استمارة الاستقصاء وهي:
أ – أن بعض البنوك عند دراسة العملية تقوم بالحصول على عروض أخرى لنفس نوع السلعة ومواصفاتها بغرض المقارنة والحصول على أفضل العروض لإتمام الصفقة، وهذا أمر له أهميته؛ لأن فيه خدمة للمشتري مرابحة ويؤكد صحة ما ذهبنا إليه سابقا من أن دور البنك في العملية ليس مجرد دور تمويلي فقط كما يعتقد البعض، بل أنه يقوم بدور تجاري أيضا.
ولقد أوردنا سؤالًا باستمارة الاستقصاء: " إذا كان لدى المصرف عرض من مورد آخر خلاف المورد الذي حدده العميل بشروط أفضل، هل يؤخذ به؟ " فأجابت بعض البنوك بنعم وأخرى: لا.
ب – أنه توجد لدى البنوك مشكلات تتعلق بدراسة العملية من أهمها:
١- عدم توافر المعلومات عن الموردين – خاصة المصدرين – ويقترح لذلك:
- إنشاء مركز معلومات عن الموردين.
- إقامة علاقات مع كل من الغرف التجارية والزراعية والصناعية والملحقين التجاريين والهيئات التجارية بالدول الإسلامية.
٢ – عدم وجود قسم لدراسة السلع يمكن بواسطته دراسة الحالة التسويقية للسلعة حتى يمكن تصريفها في حالة نكول العملاء.
[ ٥ / ٩٦١ ]
ثالثا – عقد الوعد: إن الخطوة التالية لدراسة العملية وقبول البنك القيام بها هي إبرام عقد الوعد مع العميل، والذي يتفق بموجبه الطرفان – البنك والعميل على تنفيذ العملية، وسوف نتناول في هذه الخطوة ما يلي:
أ – هل يتم إبرام عقد الوعد أو يكتفى بطلب الشراء؟ لقد أجابت غالبية البنوك على هذا التساؤل بنعم وأرفقت بإجاباتها نموذجا لهذا العقد، وأجاب عدد قليل منها بأنه يكتفى بطلب الشراء، والحجة لدى الفريق الأخير أن إبرام عقد الوعد فيه معنى الإلزام بإتمام الصفقة، وهم لا يأخذون بالرأي الذي يقول بالإلزام بالنسبة للعميل – كما سيأتي بعد- وبالتالي فليس هناك حاجة في نظرهم لإبرام عقد الوعد، وبمناقشة ذلك يمكن القول أن إبرام عقد الوعد ضروري من الناحية العملية حتى مع القول بعدم إلزام الوعد؛ لأن العميل وقد أبدى رغبته في الشراء بموجب طلب شراء فإن الأمر يقتضي الرد على طلبه كتابة؛ لأنه لا يمكن الاعتماد على ذاكرة العاملين، أو العميل وبدلا من أن يرسل البنك له خطابا بذلك فإن الأفضل أن يبرم معه اتفاقا مكتوبا يحفظه كل طرف في ملف العملية لديه حتى يبدأ في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ الصفقة، ويمكن النص إذا رأيا الأخذ بعدم الإلزام على ذلك بالعقد.
ب – البيانات التي تذكر بعقد الوعد: بالاطلاع على نموذج العقود التي وصلتنا مع استمارة الاستقصاء وجدنا أنها تشتمل على البيانات التالية:
١ – بيانات مشتركة لدى جميع البنوك، وهي:
- المقدمة التي تشتمل على البيانات الخاصة بطرفي العقد، وموضوع العقد وهو البيع مرابحة.
- الإحالة إلى طلب الشراء فيما يتعلق بتحديد نوع البضائع ومواصفاتها وغير ذلك من البيانات التي وردت به.
- نسبة الربح المتفق عليها.
- كيفية سداد ثمن البيع.
[ ٥ / ٩٦٢ ]
٢ – بيانات تختلف من بنك إلى آخر، وهي:
- إقرار الطرف الثاني (العميل) بتنفيذ وعده بالشراء عند إخطار البنك له بأن البضاعة جاهزة، فلقد ورد هذا الإقرار في أغلب النماذج.
- ورد في نماذج بعض البنوك بأنه إذا امتنع أحد طرفي العقد (العميل أو البنك) من تنفيذ وعده يتحمل الأضرار التي تلحق بالطرف الآخر، بينما ورد ذلك بالنسبة للعميل فقط لدى بعض البنوك الأخرى.
- إقرار الطرف الثاني بأهليته للتعاقد والتزامه بأحكام الشريعة والنظام الأساسي للبنك.
- النص على قيام العميل بدفع مبلغ مقدم عند توقيع عقد البيع كتأمين لضمان جديته.
- النص على أن الشاحن يعتبر وكيلا عن البنك، وفي نماذج أخرى وكيلا عن الطرفين.
- النص على أن ما ورد ذكره يخضع للقوانين والأعراف النافذة في الدولة، وبما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، وفي بنوك أخرى أحالت النزاع الذي ينشأ إلى هيئة تحكيم يختارها الطرفان.
- نصت بعض البنوك على أحقيتها في شراء البضاعة من مصدر آخر خلاف المورد الذي حدده العميل في طلب الشراء، بينما نصت بعض البنوك على أنه إذا امتنع المورد الذي عينه العميل عن تنفيذ الصفقة أو أخرها لا يكون البنك مخلا بوعده وليس مسئولا عن الضرر الذي يعود على العميل، وعليه – أي العميل- أن يدفع كافة المصاريف التي تكبدها البنك نتيجة عدم تنفيذ الصفقة.
[ ٥ / ٩٦٣ ]
وبالنظر في هذه البيانات يمكن إبداء الملاحظات التالية.
١ – أن تحديد الربح ورد في بعض النماذج كنسبة من التكلفة الكلية، وفي البعض الآخر استثنى منها الرسوم الجمركية، ومصاريف النقل إلى مخازن العميل، وسوف نعود إلى ذلك تفصيلا فيما بعد.
٢ – أن النص على إلزام العميل بالوفاء بوعده دون البنك في بعض عقود الوعد يحتاج إلى تعديل؛ لأن الأصل المتفق عليه وفقا لقول الشافعي أن البنك ملزم بتنفيذ وعده، بينما الخلاف يدور حول إلزام العميل كما سيأتي بعد.
٣ – أن النص في بعض النماذج على التزام العميل بتعويض الضرر الواقع على البنك نتيجة عدم الوفاء بوعده يحتاج إلى تعديل كما جاء في النماذج الأخرى التي تلزم في ذلك كلًّا من العميل والبنك.
٤ – أن النص على أن الشاحن يكون وكيلا عن الطرفين ليس له سنده القانوني أو الشرعي؛ لأنه في مرحلة الشراء الأول يكون البنك هو المشتري ولا دخل للعميل بها.
٥ – أن النص على أنه إذا امتنع المصدر المعين من قبل العميل على تنفيذ العملية فإن البنك لا يكون مسئولا، يحتاج إلى إعادة نظر؛ لأن ذلك يخفف من مسئولية البنك بينما مسئولية العميل قائمة مهما كانت الأعذار.
جـ-الإلزام بالوعد: تعتبر هذه القضية من موضوع بيع المرابحة للآمر بالشراء محل الخلاف الرئيسي حيث كثرت فيها الكتابات وصدرت بشأنها التوصيات العديدة، ويدور الخلاف فيها بين آراء ثلاثة أولها: أن الوعد غير ملزم للعميل أو المصرف، وثانيها: أن الوعد ملزم للمصرف فقط، وثالثها: أن الوعد ملزم لكل من العميل والمصرف، ويأتي التطبيق العملي صدى لهذه الآراء، كما أفادت بذلك البنوك في إجاباتها على استمارة الاستقصاء.
[ ٥ / ٩٦٤ ]
ويعتبر الرأي الثالث (الإلزام لكلا الطرفين) هو الرأي الراجح لدى الفقهاء المعاصرين وبالتالي هو الرأي السائد في التطبيق العملي، ويقف وراء هذا الرأي الذي تؤيده عدد من الحجج العملية والأدلة الشرعية (١)، لسنا في حاجة إلى تكرارها لكننا نود التأكيد بخصوصها على الآتي:
١ – أن موضوع المرابحة في أصل من الأمور الاجتهادية التي لم يرد فيها نص شرعي محدد، وبالتالي فإن الاستدلال بقول الإمام الشافعي بعد الإلزام بالوعد للعميل هو اجتهاد منه صدر في ظل ظروف معينة، وكما يقول الدكتور القرضاوي (٢): " ومن يدري لعل الإمام الكبير- يقصد الشافعي – لو رأى ما يترتب اليوم على إعطاء الخيار لطالب الشراء في الصفقات الكبيرة من الأضرار والخسائر لغير اجتهاده دفعا للضرر وتجنبا لأسباب النزاع بين الناس ".
وعلى ذلك فإن الرأي الذي وصل إليه جمهور الفقهاء المعاصرين من القول بالإلزام لا يخالف نصا ولا يعطل حكما شرعيا قائما، بل على العكس يدور في فلك مقصود الشريعة من المحافظة على الأموال ومنع الضرر والحد من المنازعة بين الناس.
٢- أن الوفاء بالوعد من القواعد الأصولية في الإسلام التي يجب أن يلتزم بها المسلم في كل أعماله.
٣ – أن هناك آراء لدى الفقهاء القدامى تقول بالإلزام بالوعد في المعاملات دينا وقضاء.
_________________
(١) انظر في ذلك: د. يوسف القرضاوي – " بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية " دار القلم الكويت.
(٢) د. يوسف القرضاوي – " بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية " دار القلم الكويت ص٥١
[ ٥ / ٩٦٥ ]
٤ – أن التراضي من أهم ركائز العقود والمعاملات في الإسلام، وحيث إن الطرفين تراضيا على الالتزام بالوعد فإنه ينفذ طالما لم يتفقا على ما يخالف نصا شرعيا، وأن هذا الإلزام لا ينافي مقصود العقد.
٥ – أن ما يسوقه البعض (١) من أنه كان هناك إلزام بالوعد فإن العملية تكون قد تمت، وفي ذلك مخالفة للحديث الشريف ببيع الإنسان ما ليس عنده، هذا فضلا على أنه لا يكون هناك داع لإبرام عقد البيع عند حضور البضاعة، هذا القول مردود عليه بأن الاجتهاد الفقهي والتطبيق العملي المعاصر على أن عقد الوعد ليس بعملية بيع، وأنه ينصب على الوفاء بالوعد فقط، بدليل أنه يمكن تعديل الثمن أو شروط السداد في عقد البيع بعد ورود البضاعة والوقوف على تكلفتها الفعلية؛ ولذلك لا تحتوي عقود الوعد في البنوك الإسلامية على ثمن البيع مرابحة بل تذكر بقيمة إجمالية – احتمالية – في طلب الشراء، ولذلك لا يتم عقد البيع إلا بعد ورود البضاعة فعلا للبنك.
وفي نهاية هذا المبحث نورد ملاحظة عامة تتعلق بترتيب الإجراءات في مرحلة المواعدة، فلقد تبين لنا أنها لا تمر وفق الخطوات المنطقية التي ذكرناها (طلب شراء – دراسة العملية- إبرام عقد الوعد)، بل الذي يتم هو تقديم طلب الشراء كبيان بالبضائع مع إبرام عقد الوعد في نفس الوقت، والذي يكون على نفس نموذج طلب الشراء، ثم يبدأ البنك في دراسة العملية، فإن وجدها مجدية استمر فيها وإلا توقف عنها، وهذا الإجراء يتعارض أولا مع الترتيب المنطقي للعملية، وثانيا أنه في حالة الأخذ بالالتزام بالوعد للطرفين ورأى البنك بعد الدراسة عدم جدوى العملية يعتبر مخلا بالوعد، ولكن الذي يحدث في بعض البنوك أنه غير مخل بوعده، وفي ذلك تناقض بين الإطار النظري والتطبيقي لدى هذه البنوك، بل أننا وجدنا بعض البنوك تذهب في المخالفة إلى أبعد من ذلك فتبرم عقد البيع مع عقد الوعد عند تلقي طلب الشراء.
_________________
(١) د. الصديق الضرير – ندوة البركة – مرجع سابق ص: ١٠٢
[ ٥ / ٩٦٦ ]
المبحث الثالث:
الإجراءات العملية في مرحلة الشراء الأول
بعد أن تنتهي الإجراءات في مرحلة المواعدة تبدأ المرحلة التالية وهي قيام البنك بإجراءات شراء السلعة المطلوبة حتى يتمكن من بيعها مرابحة للعميل، وتمر هذه المرحلة في الخطوات التالية:
أولا: الاتصال بالمورد والتعاقد معه للشراء.
ثانيا: استلام البنك للسلعة من المورد.
ثالثا: المخاطر التي تتعرض لها السلعة خلال مرحلة الشراء الأول.
أولًا: الاتصال بالمورد والتعاقد معه للشراء: وسوف نتناول في هذه المرحلة الإجراءات التالية:
أ – الاتصال بالمورد: يقوم المصرف بالاتصال بالمورد بعدة طرق أهمها:
١ – إذا كان المورد محددا في طلب الشراء المقدم من العميل فإن البنك تكون لديه بيانات عنه وعن البضاعة وأسعارها من واقع الفاتورة المبدئية، وشروط التسليم والدفع، وبذلك فإنه يبدأ في الاتصال به واتخاذ إجراءات الشراء بالطرق المعتادة، وهذا لا يمنع لدى بعض البنوك من أن يحصل البنك على عروض من موردين آخرين للمقارنة بينها واختيار الأفضل، وهذا ما أفادت به بعض البنوك.
٢ – إذا لم يكن المورد محددا في طلب الشراء فإن البنك يتولى بواسطة القسم أو الإدارة المختصة لديه بالاتصال بالموردين والحصول على عروضهم، ثم يبدأ في الشراء بالإجراءات المعتادة.
٣ – أن يكون هناك اتفاق مسبق بين البنك وبعض الموردين على تصريف سلعهم من خلال عمليات المرابحة بالبنك، وبذلك فإن العميل حينما يذهب للمورد للشراء يرسله للبنك فيقدم طلب شراء وبعد دراسته وإبرام عقد الوعد يصدر أمر توريد للمورد ويشتري منه البضاعة، ثم يوكل البنكُ الموردَ في عملية البيع مرابحة للعميل كما سبق ذكره.
٤ – توكيل البنك للعميل في الاتصال بالموردين في مرحلة الشراء الأول خاصة إذا لم يكن في البنك قسم مختص أو خبراء لشراء هذه السلعة، هذا مع ضرورة الإشارة إلى أنه وإن كان يجوز شرعا توكيل البنك للعميل في الشراء الأول، فإنه لا يجوز توكيله في البيع مرابحة لنفسه كما سبق ذكره.
[ ٥ / ٩٦٧ ]
ب – التعاقد مع المورد:
١- أسلوب التعاقد: يتم التعاقد مع المورد بأساليب تختلف بحسب الظروف ونوع السلعة وبذلك يأخذ التعاقد أحد الأساليب التالية:
- إصدار أمر توريد للمورد، ثم ورود الفاتورة منه، وذلك في الشراء المحلي.
- فتح الاعتماد المستندي، وورود مستندات الشحن التي يتسلمها الشاحن وكيلا عن البنك.
- إبرام عقد شراء بين المصرف والمورد، خاصة في حالة العقارات وبعض المنقولات كالسيارات.
وبكل هذه الأشكال ينعقد الشراء الأول بين المورد والبنك بناء على الرأي الفقهي الراجح (١) في أن العقود تنعقد بكل ما يدل على مقصودها من قول أو فعل أو ما يقوم مقامهما كالكتابة، وحيث إن إرسال أمر التوريد للمورد يمثل إيجابا من البنك فإن إرسال المورد للفاتورة أو مستندات الشحن إلى البنك يمثل القبول.
٢ – شروط التعاقد: ومن أهم ما يجب ذكره هنا ما يلي:
- أنه يجب أن يكون مستند التعاقد (فاتورة أو عقد) باسم البنك حتى لو تولى أي شخص آخر الشراء وكيلا عن البنك، وذلك حتى يتحقق شرط ملكية البنك للسلعة قبل بيعها مرابحة، وهذا ما يحدث في الواقع التطبيقي كما أفادت بذلك البنوك في إجاباتها على أسئلة استمارة الاستقصاء بأن البنك يقوم بالشراء لحساب نفسه وتكون المستندات باسمه، هذا مع مراعاة أن بعض البنوك أفادت بأن الفواتير ترد باسم العميل وذلك بالنسبة لعمليات الاستيراد، ونرى في هذه الحالة أن العملية لا تكون بيع مرابحة بل يكون البنك وكيلا عن العميل في الشراء.
- بالنسبة لبعض السلع كالعقارات والسيارات فإن القوانين السائدة في الدول المختلفة تشترط لنقل الملكية ضرورة تسجيل عقد البيع في إدارة التسجيل الحكومية المختصة " كالشهر العقاري بمصر " وبناء عليه فإنه يلزم في حال شراء البنك لمثل هذه السلع أن يسجلها باسمه قبل بيعها مرابحة حتى تتحقق ملكيته لها، وهذا ما ورد في الفتاوى الشرعية لبعض البنوك (٢)، ونرى بالنسبة لهذه النقطة أنه يمكن الاكتفاء في تحقيق شرط ملكية البنك للسلعة قبل بيعها مرابحة بالعقد الابتدائي تبسيطا للإجراءات، وتخفيضا لتكاليف السلعة خاصة في الدول التي يتطلب التسجيل فيها إجراءات مطولة وتكاليف كبيرة، وبما أن البنك يشتري السلعة ليبيعها بمجرد شرائها، فلا داعي لأن تتم إجراءات التسجيل مرتين، مرة باسم البنك ومرة باسم المشتري مرابحة، هذا فضلا عن أن ما نراه لا يتعارض مع القواعد الشرعية التي تقول بأن العقد ينعقد بكل ما يدل عليه وأن الإقرار به عند حاكم (التسجيل) إجراء لتأكيد العقد وليس ضرورة لإنشائه، فهي توثقة للعقد لا زيادة فيه (٣) .
- صفة الثمن: نظرا لأن بيع المرابحة يبنى على الثمن الأول، فإنه يلزم العلم به صفة ومقدارا وهذا ما سنوضحه فيما بعد، كل ما نريد توضيحه هنا أنه لو اشترى البنك السلعة بالأجل فلا بد أن يبين هذه الصفة قبل البيع مرابحة (٤) لأن للأجل حظا في الثمن يزيد به فلا بد أن يعرف المشتري مرابحة أجل الثمن في الشراء الأول.
_________________
(١) الشيخ محمد أبو زهرة – الملكية ونظرية العقد - ص ٢٣٤، ٢٣٨
(٢) البنك الإسلامي الأردني – الفتاوى الشرعية – مرجع سابق ص ٩٨
(٣) الخطيب الشربيني – مغني المحتاج – مرجع سابق جـ٢ ص ١٢٠
(٤) الدسوقي – حاشية الدسوقي – دار إحياء الكتب العربية جـ٣ ص١٦٥
[ ٥ / ٩٦٨ ]
ثانيا: استلام البنك للسلعة من المورد: لإتمام تحقق شرط ملكية البنك للسلعة قبل بيعها مرابحة، ولكي يتم الشراء الأول فإنه يلزم أن يستلم البنك السلعة المشتراة، وهذا أمر طبيعي في عمليات الشراء العادية، ولكن بما أن البنك يشتري السلعة ليبيعها مرابحة فإنه تثور بعض التساؤلات تدور حول استلام البنك للسلعة كأحد الإجراءات التي تثبت ملكيته لها، وهذه التساؤلات تدور حول من يقوم بعملية الاستلام ونقل السلعة.
أ – من يقوم باستلام السلعة في الشراء الأول: بما أن البنك هو الذي يقوم بالشراء الأول لحساب نفسه فإن الوضع الطبيعي أن يقوم هو باستلام السلعة من مخازن المورد أو المكان المحدد في شروط التسليم، ولكن بما أنه يشتريها ليبيعها مرابحة فإنه يتصور أن عملية التسليم للبنك ثم تسليم السلعة للمشتري مرابحة تتم مرة واحدة، ولقد جاءت إجابات البنوك على هذا التساؤل في استمارة الاستقصاء وفق الآتي:
١ – بعض البنوك أفادت بأن الذي يتسلم البضاعة من المورد هو المشتري مرابحة.
٢ – بنوك أخرى أفادت بأن الذي يتسلم البضاعة من المورد هو مندوب المصرف.
٣ – والقسم الأخير من البنوك أفاد بأن عملية الاستلام تتم مشاركة بين مندوب المصرف والعميل.
ومما لا شك فيه أن حضور المشتري مرابحة – أو مندوبة – عملية الاستلام في الشراء الأول أمر هام؛ لأن ذلك يقلل المنازعة حول السلعة في البيع مرابحة له، غير أنه من المهم حضور مندوب البنك معه؛ لأنه هو الذي يشتري في هذه المرحلة.
وفي حالة المشتريات الخارجية فإن البنوك أفادت بأنه في أغلب الأحيان يتولى المشتري مرابحة التخليص الجمركي على البضاعة؛ نظرا لخبرته في ذلك، ولأن البنوك في العادة ليس لديها الإمكانات لعمل ذلك.
ب – نقل السلعة من مخازن المورد إلى مخازن البنك قبل بيعها مرابحة: من الأمور المهمة لتحقيق شرط ملكية البنك للسلعة قبل بيعها مرابحة قبضها حتى تتحقق حيازته للسلعة، ومن المقرر قانونا شرعا أن الحيازة للمنقول تكون بنقله، وللعقار تكون بالتخلية وما يحدث في الواقع التطبيقي في البنوك الإسلامية هو الآتي:
١ – بالنسبة للمشتريات الخارجية، فإن شرط قبض البنك للسلعة قبل بيعها مرابحة يتحقق؛ لأن الشاحن يكون وكيلا عن البنك كما سبق ذكره.
٢ – بالنسبة للعقارات فإن شرط القبض يتحقق أيضا؛ لأنه يحدث بالتخلية، أي تمكين البنك من العقار.
٣ - بالنسبة للمشتريات المحلية (منقولات) فإن البنوك أفادت بأن السلعة تظل في مخازن المورد حتى يبيعها مرابحة؛ نظرا لعدم وجود قدرة تخزينية كافية لديها.
وفي تقويم هذا الأسلوب شرعيا نجد أن مالكًا يرى أنه يجوز بيع ما سوى الطعام قبل القبض، وأما الطعام فالقبض فيه شرط في بيعه، ورأي أحمد قريب من هذا.
وأما أبو حنيفة فالقبض عنده شرط في كل بيع ما عدا المبيعات التي لا تنتقل ولا تحول كالدور والعقار، وهذا هو رأي الشافعي (١)، وبالنسبة لجميع المبيعات.
_________________
(١) ابن رشد – بداية المجتهد ونهاية المقتصد – دار الكتب العربية جـ٢: ص ١٨٢ – ١٨٣- ابن قدامة – المغنى: مرجع سابق جـ٤: ص١٢١- ١٢٨
[ ٥ / ٩٦٩ ]
ثالثا: المخاطر التي تتعرض لها السلعة خلال مرحلة الشراء الأول:
إن السلعة في مرحلة الشراء الأول حتى بيعها مرابحة تكون في ملكية البنك، وعلى ذلك فالمقرر شرعا أن ضمانها يكون على البنك بمعنى أنه هو الذي يتحمل مخاطرها؛ لأنه المالك لها، وهذا ما أفادت به جميع البنوك في إجاباتها على استمارة الاستقصاء، لكن هناك بعض النقاط جديرة بالذكر من أهمها:
أ – أن البنوك تحمل المشتري مرابحة مبلغ التأمين على البضاعة خلال الشراء الأول، وذلك بإدراج هذا المبلغ ضمن المصروفات التي تحمل على الثمن الأول، ويقتضي الأمر طالما أن البنك هو الذي يتحمل مخاطر السلعة خلال مرحلة الشراء الأول أن لا يحمل العميل قيمة التأمين؛ لأنه ما دام البنك يتحمل تبعة الهلاك، والتأمين هنا تكلفة لتبعة الهلاك فإذا حمل بها الآمر بالشراء كان فيها شبهة، ومن وجه آخر فإنه إذا تعرضت البضاعة لمخاطر معينة وتلف جزء منها فإن البنك هو الذي يقبض مبلغ التعويض فكيف يحمل العميل بقيمة التأمين ويحصل البنك على التعويض؟
ب – بعض البنوك تشترط في عقد البيع مرابحة على العميل إبراءها من أي عيب يكون بالسلعة، ويفهم من هذا أن ذلك يكون سواء حدث العيب عند المورد أو عند البنك، وبالتالي فإنه إذا حدثت مخاطر أدت إلى عيوب بالسلعة فإن الذي يتحملها هو العميل وليس البنك، وهذا جائز شرعا (١) .
جـ- في حالة إجراء البيع مرابحة للسلعة على البرنامج أو الصفة أي قبل وصول السلعة وفحصها، ويكون ذلك غالبا في المشتريات الخارجية حيث يقوم البنك بتظهير بوليصة الشحن تظهيرا ناقلا للملكية باسم المشتري مرابحة، فما هو حكم المخاطر التي تتعرض لها السلعة قبل تسليمها للمشتري مرابحة؟
الرأي الفقهي لدى أبي حنيفة أن كل بيع تلف قبل قبضه من ضمان البائع إلا العقار، وقال الشافعي: كل بيع من ضمان البائع حتى يقبضه المشتري. أما مالك فيرى ذلك بالنسبة للطعام فقط، ولأحمد رأيان أحدهما من ضمان البائع والثاني أنه من ضمان المشتري، هذا مع مراعاة ما يلي بالنسبة لهذا البيع:
١ – إنه لو اشترط البنك على العميل إبراءه من أي عيب يظهر بالسلعة فذلك جائز كما سبق ذكره في فقرة (ب) .
٢ – أن البيع على البرنامج جائز عند مالك (٢) طالما كان المبيع موافقا للصفة التي ذكرت خلافا للشافعي (٣) .
_________________
(١) ابن رشد – بداية المجتهد ونهاية المقتصد – مرجع سابق جـ٢ ص٢٣٤
(٢) الإمام مالك – الموطأ – دار الشعب ص٤١٥- ٤١٦
(٣) الإمام الشافعي – الأم – مرجع سابق جـ٣ ص١٨، ٤٥
[ ٥ / ٩٧٠ ]
المبحث الرابع
الإجراءات العملية في مرحلة البيع مرابحة
هذه هي المرحلة الأخيرة من مراحل البيع مرابحة، وسوف نتناول فيها النقاط التالية:
أولا: عقد البيع مرابحة
ثانيا: ثمن البيع
ثالثا: الضمانات
رابعا: التوقف عن الدفع
خامسا: النكول
سادسا: المعالجة المحاسبية لعمليات المرابحة
وفيما يلي تفصيل ذلك:
أولا: عقد البيع مرابحة: من المقرر في جميع البنوك أنه يتم إبرام عقد البيع مرابحة، ولا يكتفى بعقد الوعد السابق، وهذا ما يؤكد ما سبق أن ما ذكرناه بأن عقد الوعد ليس عقد بيع، وسوف نتناول بخصوص عقد البيع ما يلي:
أ – متى يتم إبرام عقد البيع مرابحة؟ يختلف وقت إبرام عقد البيع مرابحة في البنوك المختلفة، فهناك من يذكر أنه يتم إبرام العقد خلال مدة لا تتجاوز خمسة عشر يوما من تاريخ إخطار البنك للعميل بأنه اشترى البضاعة وأصبحت جاهزة، وهناك من حدد هذه المدة بسبعة أيام، بينما توجد بنوك تحدد وقت إبرام العقد بمجرد إعلام العميل بأن البضاعة جاهزة، هذا مع مراعاة أن عملية تجهيز البضاعة التي يعول عليها في تحديد وقت إبرام عقد البيع تكون بإبرام عقد شراء البنك للسلعة أو استلامه للبضاعة، أو استلام الشاحن- وكيل المصرف – للبضاعة ومستندات الشحن أو ورودها للمنطقة الجمركية أو ورود مستندات الشحن للبنك، وإذا كان استلام المصرف للبضاعة يحق له بيعها مرابحة باعتبار أن ذلك يحقق شرط ملكية البنك لها بصورة كاملة، فإن التساؤل الذي يرد هنا هو، هل يحق للبنك بيع البضاعة مرابحة بعد استلام مستندات الشحن أو إبرام عقد شرائها، وبمعنى آخر هل يحق له بيعها مرابحة قبل معاينتها؟ والرأي الشرعي: أن ذلك يجوز طالما كانت السلعة محددة ومعلومة مواصفاتها بدقة وهو المعروف في الفقه الإسلامي ببيع البرنامج، وهو ما صدرت بشأنه فتوى المستشار الشرعي للبنك الإسلامي الأردني (١) بأنه يجوز إتمام البيع مرابحة على أساس بوليصة الشحن عن طريق تظهيرها للغير تظهيرا ناقلا للملكية، وذلك دون معاينة البضاعة الموصوفة في البوليصة.
_________________
(١) الفتاوى – مرجع سابق – ص ١٥
[ ٥ / ٩٧١ ]
ب – البيانات الواردة بعقد البيع مرابحة: بالاطلاع على نماذج عقد البيع مرابحة في البنوك الإسلامية نجد أنها اشتملت على بيانات عديدة سوف نسردها في إيجاز مع إفراد فقرات مستقلة لبعضها، مثل الثمن والضمانات حيث نتناولها بالتفصيل لأهميتها، وتشتمل نماذج هذه العقود على البيانات التالية:
اسم العقد – التاريخ – مكان العقد – بيانات عن طرفي العقد – إقرار العميل بأنه اطلع على نظام البنك – موضوع العقد – تحديد مكان التسليم – تحديد الثمن – تحديد الربح- طريقة دفع الثمن – التأكد بأن البضاعة في حيازة المصرف- تحديد جهات الاختصاص في حالة وقوع نزاع بشأن العقد سواء المحاكم أو هيئات التحكيم التي تشكل باختيار طرفي العقد- الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالعقد – إقرار العميل بأهليته- مسئولية العميل عن تأخير دفع أقساط الثمن – عدم الحق في مطالبة العميل البنك بالتعويض إذا امتنع المورد عن التوريد – مسئولية العميل عن الأضرار التي تقع على البنك من جراء عدم تسلمه البضاعة – إبراء العميل البنك من ضمان ما يكون من عيوب في البضاعة - مسئولية العميل عن إخطار شركة التأمين والملاحة بأي نقص يظهر في البضاعة - الضمانات التي على العميل تقديمها ضمانا لسداد باقي الثمن – مسئولية العميل عن التصرف في البضاعة وفق القوانين بالدولة- إقرار العميل بأن النقص الذي يظهر في البضاعة لا يفسخ العقد بل يستنزل من قيمتها بمقدار النقص.
وتأتي ملاحظاتنا على هذه البيانات في الآتي:
١- إن بعض البنوك تسمي العقد (عقد بيع) فقط دون ذكر كلمة (مرابحة) في عنوان العقد.
٢ – إنه يوجد نموذجان من العقود، أحدهما للعمليات المحلية، والآخر لعمليات الاستيراد وتتفق أغلب بياناتهما ما عدا ما يتعلق بعملية الاستيراد من الخارج مثل مكان التسليم.
٣ – إن بعض نماذج العقود تحيل إلى عقد الوعد وطلب الشراء في تحديد بعض الأمور، مثل مواصفات البضاعة ومكان التسليم، وحيث إن عقد الوعد لا ينعقد به بيع لذا فمن المستحسن – مثل ما فعلت بعض البنوك – ذكر جميع البيانات في عقد البيع.
٤- إنه سبق أن أبدينا ملاحظات على بعض البيانات الواردة خاصة التي تتعلق بمسئولية العميل، والتي ترى أنه يركز عليها دون ذكر لمسئوليات البنك كثيرا.
٥ – من الملاحظ أن بعض البيانات السابقة تذكر في نماذج بعض البنوك، ولا تذكر في الأخرى.
٦ – إنه على وجه الإجمال فإن البيانات الواردة في نموذج عقد المرابحة تشتمل على ما يحقق شروط المرابحة من السابق ذكرها، وبالتأكيد فإن بعض البحوث الأخرى المقدمة في الندوة والتي تتناول كلا من الجانب القانوني والجانب الفقهي لعقود المرابحة سوف تتناول ذلك تفصيلًا.
[ ٥ / ٩٧٢ ]
ثانيا: ثمن البيع مرابحة: وسوف نتعرف عليه في النقاط التالية:
أ – ذكر الثمن في العقد: إن ذكر الثمن في العقد أمر لازم شرعا وواقعا، ونتناول فيما يلي العقد الذي يذكر فيه وكيفية ذكره.
١ – العقد الذي يذكر فيه: بالنظر في نماذج عقود المرابحة وإجابات البنوك على استمارة الاستقصاء نجد أن ثمن البيع مرابحة يذكر مرتين، مرة في عقد الوعد عند من يبرمه، وأخرى في عقد البيع مرابحة، وفي تقويمنا لهذا الأسلوب نقول بالآتي:
- إن الثمن غالبا ما يكون معروفا عند الوعد حيث يتقدم العميل بالفاتورة المبدئية الموضح بها ثمن الشراء الأساسي، إلا أنه ليس من الضروري أن يتفق الثمن الوارد في عقد الوعد مع الثمن الوارد في عقد البيع مرابحة وسبب ذلك كما أفادت البنوك ما يلي:
* قيام المورد بشحن جزء من البضاعة والامتناع عن شحن الجزء الباقي.
* إذا تغيرت الأسعار من مرحلة المواعدة إلى مرحلة الشراء الأول.
* في حالة الاستيراد حيث يمكن أن تتغير قيمة العملة وأسعار الجمارك وغيرها.
- أن ذكر الثمن في عقد البيع مرابحة ضروري؛ لأن العلم بالثمن شرط شرعي في جميع عقود البيع، وأما ذكره في عقد الوعد فلا يغني عن ذكره في عقد البيع؛ لأن العقد الأول يتعلق بمواعدة على البيع ولا يتعلق بعملية البيع ذاتها.
٢ – كيفية ذكر الثمن في العقد: بالاطلاع على نماذج عقود المرابحة في البنوك الإسلامية نجد الآتي:
- بعض البنوك تورد ثمن البيع بصيغة إجمالية هي: " تم هذا البيع وقبله طرفاه بثمن إجمالي قدره.. " وذلك دون الإشارة إلى عناصر الثمن من ثمن شراء أساسي ومصروفات وربح، هذا مع الإشارة إلى أن نفس البنوك تذكر في عقد الوعد بأن الثمن هو قيمة التكلفة المشتملة على ثمن الشراء والرسوم الجمركية وتكاليف الشحن والتأمين وكافة المصاريف الأخرى بالإضافة إلى الربح بنسبة.. % من التكلفة الكلية.
وفي رأينا، وكما سبق أن ذكرنا تكرارا أن عقد الوعد ليس عقد بيع وبالتالي يجب أن يذكر في عقد البيع الثمن بمشتملاته من ثمن أساسي وربح، ولا يكتفى في ذلك بما ذكر في عقد الوعد خاصة أن نفس البنوك أجابت بأنه يمكن أن يتغير الثمن في عقد الوعد عن الثمن في عقد البيع.
- بعض البنوك تورد الثمن إجماليا ثم تذكر مشتملاته بقولها: إن ثمن البيع متضمنا الثمن الأساسي والمصاريف المدفوعة من البنك مضافا إليه ربح قدره ، وهذا الأسلوب سليم شرعا؛ لأنه يحقق شروط العلم بالثمن الأول والربح، لأنه أخير بالثمن الأول بما قامت عليه السلعة به (الثمن الأساسي + التكاليف الأخرى) مضافا إليه الربح المتفق عليه.
[ ٥ / ٩٧٣ ]
ب – عناصر الثمن:
من المعروف أن ثمن البيع في المرابحة يتكون من ثمن الشراء الأساسي والمصروفات التي أنفقها البنك على السلعة خلال فترة الشراء الأول بالإضافة إلى الربح المتفق عليه، وبذلك فإن عناصر الثمن تتحدد في كل من الثمن الأساسي أو الأول، المصروفات، الربح، وفيما يلي تفاصيل كلٍّ منها:
العنصر الأول: الثمن الأساسي أو ثمن الشراء الأول: من المتفق عليه أن الثمن الأول هو الثمن الذي اشترى به البنك السلعة من موردها مع أمور تتصل بالثمن الأول مثل هل هو الثمن المتعاقد عليه أو المدفوع فعلا؟ لأنه قد تتغير قيمته أو صفته بأن يشتري بدولارات ويدفع بدلا منها إسترليني، ونورد فيما يلي أهم الأمور التي تؤثر على الثمن الأول:
١ – تغير الثمن الأول بسبب تغير الأسعار، وصورته أن يشتري البنك السلعة بـ١٠٠٠٠٠ جنيه مثلا ولكن قبل عقد البيع مرابحة زادت الأسعار لتصبح قيمة السلعة ١١٠٠٠٠جنيه فالمقرر شرعا (١) والذي يحدث في التطبيق العملي أنه لا يؤخذ بالزيادة في الأسعار بل بالثمن الذي اشترى به فعلا وهو ١٠٠٠٠٠ جنيه.
٢ – تغير الثمن الأول بسبب تغير في السلعة ذاتها بأن نقصت بالتلف أو غيره أو زادت زيادة متصلة أو منفصلة، ففي حالة التغير بالنقص فإن المقرر شرعا (٢) وما يحدث تطبيقا أنه يتم إسقاط مقابل النقص من الثمن، أما في حالة الزيادة بأن وردت كمية أكبر من المطلوبة مثلا تضاف قيمتها على الثمن الأول.
٣ – سعر الصرف: في حالة المشتريات الخارجية تثور مشكلتان بخصوص تغير سعر الصرف هما:
- إذا اشترى البنك السلعة بعملة أجنبية محددة كالدولارات ١٠٥٠٠٠ ودفع بدل الدولارات إسترلينيا، وكان سعر الصرف مثلا ٣ دولارات لكل جنيه إسترليني، وبالتالي فإن ما دفعه هو ٣٥٠٠٠ جنيه إسترليني، وعند البيع مرابحة تغير سعر الصرف ليكون ٣.٥ دولار لكل جنيه إسترليني، وبذلك تكون القيمة ٣٠٠٠٠ جنيه إسترليني. فهل عند البيع مرابحة يذكر الثمن الأساسي على أنه ٣٥٠٠٠، أو ٣٠٠٠٠ جنيه إسترليني؟ الرأي الراجح لدى الفقهاء (٣) أن السعر يحسب على ما نقده وبسعر ما صرف يوم النقد أي ٣٥٠٠٠ جنيه.
- إذا اشترى بعملة أجنبيه وباع بعملة محلية وتغير سعر الصرف للعملة المحلية إلى العملة الأجنبية من يوم الشراء الأول إلى يوم البيع مرابحة مثل أن يكون ثمن الشراء الأول ١٠٠٠٠٠ دولار وسعر الصرف ١.٣٠ جنيها مصريا للدولار، وعند البيع مرابحة ١.٤٠ جنيها، وبالتالي فإن الثمن الأول يوم الشراء ١٣٠٠٠٠ جنيها ويوم البيع ١٤٠٠٠٠جنيها فأيهما يؤخذ به؟ المقرر شرعا (٤) وما يحدث تطبيقا هو أن الثمن يحسب على سعر صرف يوم البيع لا يوم الشراء الأول أي ١٤٠٠٠٠ جنيه.
ويتصل بذلك نقطة أخرى هي أنه إذا اشترى البنك السلعة بعملة أجنبية وباعها مرابحة، واتفق مع المشتري على أن السعر يحسب بالعملة المحلية بسعر الصرف يوم ورود المستندات، ولقد أجاب المستشار الشرعي (٥) بأن ذلك غير جائز؛ لأن الثمن غير معلوم عند البيع والعلم به شرط لانعقاد البيع.
_________________
(١) ابن قدامة – المغني – مرجع سابق جـ٤ ص ٢٠٠
(٢) المرجع السابق ص ٢٠١- ٢٠٢
(٣) ابن رشد – بداية المجتهد ونهاية المقتصد – مرجع سابق جـ٢ ص٢٧٤
(٤) الإمام مالك – الموطأ – دار الشعب ص ٤١٤، ابن رشد – بداية المجتهد ونهاية المقتصد ص٢٧٤
(٥) الفتاوى الشرعية – البنك الإسلامي الأردني – جـ١ ص٩٣
[ ٥ / ٩٧٤ ]
٤ – الخصم (الحسم) أو الحط من الثمن الأول: وكيفيته أن يسمح المورد للبنك بخصم جزء من ثمن الشراء الأول وهو ما يعرف محاسبيا بالخصم بنوعيه؛ (تجاري ونقدي)، فهل عند البيع مرابحة يذكر الثمن الأول قبل الخصم أو بعده؟
- من الناحية التطبيقية أفادت البنوك في إجاباتها على ذلك بأن بعضها لا تأخذ بالخصم (بنوعيه) في الاعتبار عند تحديد الثمن، والبعض الآخر أفاد بأنه يأخذ الخصم التجاري فقط، بينما هناك فريق ثالث أفاد بأنه يأخذ كلا الخَصْمَين في الاعتبار.
- من الناحية الشرعية يدور الرأي الفقهي في هذه المسألة وفق الآتي (١):
* الرأي الأول: البائع (البنك) مخير بين أن يحط من الثمن الأول ما حط بائعها عنه فإن اختار الحط لزمت المشتري مرابحة، وإن لم يختر فالمشتري مرابحة بالخيار وهذا هو رأي المالكية.
* الرأي الثاني: يرى أن العبرة في ذلك بوقت الخصم أو الحط، فإذا وقع الحط قبل لزوم العقد الأول - أي في فترة الخيار - فيلزم أن يخصم من الثمن عند البيع مرابحة، وإن وقع الحط بعد لزوم العقد الأول فلا يخصم من الثمن الأول؛ لأنه تبرع لا يقابله عوض فلم يتغير الثمن، وهذا هو رأي الشافعية والحنابلة والحنفية.
وتفسير هذا الرأي باللغة المحاسبية المعاصرة أن الخصم التجاري يؤخذ في الاعتبار بخلاف الخصم النقدي، وهذا تخريج سليم؛ لأن الخصم التجاري محاسبيا هو في حقيقته تعديل لسعر البيع، أما الخصم النقدي محاسبيا أو مسألة " ضع وتعجل" فقهيا فهي تتعلق بالدَّيْنِ الناتج عن الثمن، وعادة لا تعرف قيمته إلا عند السداد الذي قد يكون بعد البيع مرابحة.
العنصر الثاني: (من عناصر ثمن البيع مرابحة) المصروفات: من المعروف أن البنك يتكلف بعض المبالغ لشراء السلعة بخلاف ثمن شرائها، ويلزم لكي يحقق ربحا من هذه العملية أن يغطي ثمن البيع هذه التكاليف بالإضافة إلى ثمن الشراء الأول وهذا هو المقرر شرعا، وما يحدث في التطبيق العملي على خلاف حول ماهية التكاليف التي تضاف وفقا للآتي:
- بالنسبة للواقع التطبيقي: بالاطلاع على عقود المرابحة وإجابات البنوك على استمارة الاستقصاء اتضح ما يلي:
١ – بعض البنوك تضيف على الثمن الأول جميع المصروفات المباشرة على العملية مثل مصاريف وعمولة فتح الاعتماد المستندي والنقل والشحن والرسوم الجمركية والتأمين، أي كل ما يدفع ويتحمله البنك متعلقا بهذه الصفقة.
٢ – بعض البنوك تضيف إلى الثمن الأول المصروفات السابقة ما عدا الرسوم الجمركية ومصاريف نقل البضاعة من ميناء الوصول إلى مخازن المشتري على أساس أن مكان التسليم هو ميناء الوصول، وبالتالي فكل ما يحدث من مصروفات بعد ذلك تقع على عاتق المشتري، ولو دفعها البنك نيابة عنه فإنها تُحَصَّل من المشتري كما هي دون إضافتها للثمن الأول أو احتساب ربح عليها.
وهذان الأسلوبان يتشابهان باعتبار أن من يحسب الرسوم الجمركية، ومصاريف النقل إلى مخازن المشتري على أساس أن البنك يدفعها، ويبذل مجهودا في إتمام هذه العمليات، وبالتالي فإنه يكون لها حظ من الربح، وأما من لا يحسبها فيبني ذلك على أن البنك لا يتحمل بها بل يدفعها المشتري، هذا مع ضرورة الإشارة إلى أن إضافة مصروفات التأمين ضمن المصروفات التي تحمل على المشتري أمر فيه نظر وقد سبق بيانه.
_________________
(١) ابن قدامة – المغني – مرجع سابق ص٢٠٠ وما بعدها
[ ٥ / ٩٧٥ ]
٣ – بعض البنوك إضافة إلى ما سبق تذكر في عقد البيع مرابحة بأن يتحمل المشتري أية مصروفات أخرى غير واردة في بنود تكلفة العملية موضوع هذا العقد، وفي الحقيقة فإن ذكر ذلك من غير تحديد لأنواع هذه المصروفات للحكم على ما إذا كانت تلحق بالثمن الأول من عدمه، بالإضافة إلى عدم تحديد قيمتها يثير شبهة حول ضرورة معلومية الثمن.
٤ – بعض البنوك ترى أنه يمكن لها أن تنص في عقد البيع مرابحة على حقها في تعديل بعض بنود المصروفات مثل فرق العملة والعمولة.. ولكن المستشار الشرعي (١) لها لم يجز ذلك على أساس أن هذا يؤدي إلى عدم معلومية الثمن كشرط أساسي من شروط البيع.
٥ – لقد أفادت بعض البنوك في الرد على أسئلة استمارة الاستقصاء بأنها تضيف إلى الثمن مصروفات أخرى غير مباشرة، ويمثل نصيب العملية في المصروفات العامة للبنك، وفي رأينا أن هذا الإجراء فيه شبهة؛ لأنه في أحسن الأحوال لا يمكن تحديد نصيبها من هذه المصروفات بدقة تامة، ومن وجه آخر فإنه يمكن مراعاة تغطية هذه المصروفات من الربح الذي يستحق على ما يتكبده البنك من مال ومن مجهوداته في هذه العملية.
- بالنسبة لوجهة النظر الفقهية في المصروفات التي تضاف على الثمن الأول، تأتي أقوال الفقهاء على التالي (٢):
١ – المالكية: ويفرقون في هذه التكاليف بين الآتي:
- ما له أثر في عين السلعة (أي التكاليف الصناعية) وهذه تضاف ويحسب لها ربح.
- ما ليس له أثر في عين السلعة مثل النقل وعمولة الشراء (أي التكاليف الإدارية والتسويقية) وهذه يفرق بينها، فإذا كانت العادة أن يستأجر عليها تضاف للثمن ولا يحسب لها ربح وإن كانت العادة أن يتولاها البائع بنفسه كعادة التجار فهذه لا تضاف ولا يحسب لها ربح.
٢ – الشافعية والحنابلة: يضاف إلى الثمن الأول كل المصروفات التي تكبدها البائع إلا مقابل ما عمله بنفسه؛ لأنه لا يستحق له أجره على ما عمله بنفسه.
٣ – الحنفية: ما يجري عليه العرف السائد بين التجار.
وبتقويم التطبيق العملي على ما ورد في أقوال الفقهاء نجد أن له سنده الفقهي من أقوال أئمة المذاهب الكبرى خاصة رأي الحنفية الذي ضبط ذلك بما يجري عليه العرف التجاري.
_________________
(١) الفتاوى الشرعية – البنك الإسلامي الأردني – مرجع سابق ص٤٣
(٢) ابن رشد – بداية المجتهد ونهاية المقتصد جـ٢ ص٢٧٣ – ٢٧٤، الخطيب الشربيني – مغني المحتاج – مرجع سابق جـ٢ ص١٧٥، المرغيناني – الهداية – مطبعة مصطفى الحلبي بمصر جـ٣ ص٥٦
[ ٥ / ٩٧٦ ]
العنصر الثالث: الربح: إن هذا العنصر هو مقصود العملية ومنه يستمد اسمها (بيع مرابحة)، والعلم به وذكره في العقد شرط من شروط المرابحة، وسوف نتناوله في الآتي:
١ – العقد الذي يذكر فيه الربح: في جميع عقود الوعد في البنوك التي تبرمه يوجد ذكر الربح فيه، وأما بالنسبة لعقد البيع مرابحة فإن بعض البنوك تذكره والبعض الآخر لا يذكره بل يذكر الثمن إجماليًّا متضمنا الربح دون إشارة إلى ذلك، وهذا أمر يجب تعديله بضرورة ذكر الربح في عقد البيع حتى يحقق شرط العلم بالربح كأحد شروط المرابحة، ولا يكتفى في ذلك بذكره في عقد الوعد حتى ولو أشير صراحة في عقد البيع على هذه الإحالة، أولًا لأن عقد الوعد لا ينعقد به بيع كما سبق أن كررناه، وثانيًا لأنه ربما يتم تغيير الربح بين مرحلة المواعدة ومرحلة البيع لأية ظروف، مثل صدور قوانين أو قرارات من الدولة تنظم ذلك.
٢- كيفية حساب الربح: يحسب الربح كنسبة مئوية من ثمن الشراء وجميع المصروفات في بعض البنوك ومصروفات محددة في بنوك أخرى على الوجه السابق ذكره، هذا مع ضرورة ذكر الآتي:
- أن نسبة الربح يجب أن تختلف بحسب نوع البضاعة وأجل السداد بما يؤثر على إجمالي الثمن الذي يزيد في البيع الآجل عنه في البيع النقدي؛ لأن الرأي الفقهي مجتمع على أن للأجل حظًّا في الثمن، وهذا الحظ يظهر في زيادة نسبة الربح، مع ضرورة الإشارة إلى أن ذلك يجب أن يكون محددًا بصفة قاطعة عند إبرام عقد البيع، ولا يقال مثلًا: إن نسبة الربح لسلعة ما ٥ % إذا كان السداد على شهرين، و٧ % إذا كان السداد على أربعة شهور، وهو ما يعرف بالتناسب الطردي للأرباح مع أجل السداد، فإذا كان يجوز أن يكون هذا واضحًا قبل التعاقد فإنه إذا تم العقد على نسبة معينة ٥ % مثلًا والسداد لمدة شهرين ثم تأخر المشتري عن السداد في الموعد المحدد أن لا تزاد نسبة الربح مقابل الأجل في هذه المرة، بل يعالج الموقف بأحد الإجراءات المقررة للتوقف عن الدفع كما سيأتي:
- أنه في بعض الدول تحدد الدولة بقرارات نسب الربح لكل سلعة مستوردة أو محلية لكل من المستورد أو تاجر الجملة والتجزئة، ولقد أجابت بعض البنوك التي بهذه الدول أنها تلتزم في تحديد الربح بالنسب المقررة بالدولة.
- نود التنبيه إلى خطورة ما نمى إلى علمنا من أن بعض البنوك تحدد الربح بنسب ثابتة على جميع أنواع السلع (١٨ % مثلًا) مسترشدة في ذلك بسعر الفائدة الربوي السائد في السوق، وهي بذلك تفرغ عملية المرابحة من مضمونها الاقتصادي والشرعي، وتصبح كأنها عملية إقراض الثمن للمشتري مرابحة خاصة إذا علمنا أنها توكل العملية كلها شراء أول وبيع مرابحة للمشتري.
[ ٥ / ٩٧٧ ]
جـ- طريقة دفع الثمن: بعد أن حددنا الثمن بعناصره نأتي إلى نقطة هامة وهي طريقة دفع الثمن حيث أظهر الاستقصاء أن جميع البنوك تسير على أن يدفع العميل الثمن للمصرف آجلًا على أقساط وفي حالات قليلة يدفع نقدًا، وعملية تقسيط الثمن تيسر التعامل على العملاء، وترغب في التعامل مع البنوك الإسلامية وتوسع مجالات الاستثمار باستخدام البيع مرابحة، هذا مع ضرورة أخذ الضمانات الكافية لضمان حق البنك كما سنذكره بعد، وأن سعر البيع بالأجل متى تم الاتفاق عليه في العقد لا يزاد بعد ذلك إذا زاد الأجل؛ لأن الثمن بالأجل دَيْن في ذمة المشتري والدَّيْن لا يزيد بزيادة الأجل.
ثالثًا: الضمانات: في حالة البيع بالأجل وهو الغالب في التطبيق العملي فإنه من المقرر شرعًا (١) وقانونًا وما يحدث تطبيقًا أن يحصل البنك على ضمانات من المشتري مرابحة بقيمة المؤجل من الثمن.
وبالاطلاع على نماذج عقود المرابحة في البنوك نجد أنها تطلب كل أو بعض الضمانات التالية:
١- الضمان الشخصي المتعلق بسمعة العميل ومركزه المالي، وهذا يظهر في دراسة العملية.
٢- الحصول على رهن بقيمة الثمن أو رهن البضاعة ذاتها رهنًا تأمينيًّا.
٣- طلب كفالة شخص آخر مليء لضم ذمته إلى ذمة المشتري.
٤- الحصول على سندات إذنية للتحصيل أو سندات إذنية بالاطلاع.
٥- التأمين على البضاعة محل العقد من كافة الأخطار لصالح البنك.
٦- تقديم المشتري خطاب ضمان مصرفي بقيمة البضاعة للبنك.
٧- تحفظ البنك على وديعة للمشتري طرف البنك.
٨- توقيع المشتري على إيصال أمانة أو شيكات مؤجلة السداد بقيمة المبلغ.
٩- عقد البيع مرابحة ذاته.
١٠- إعطاء البنك حق امتياز البائع على السلعة المباعة.
١١- أية ضمانات أخرى يطلبها البنك من المشتري.
_________________
(١) راجع بحثنا الاحتياط ضد مخاطر الائتمان في الإسلام – بالتطبيق على المصارف الإسلامية – مجلة الدراسات التجارية الإسلامية – مركز صالح عبد الله كامل – كلية التجارة- جامعة الأزهر- العدد الخامس / السادس ١٩٨٥.
[ ٥ / ٩٧٨ ]
وبالنظر في هذه الضمانات يمكن القول بالآتي:
١- إن طلب البنك ضمانات من العميل واشتراط ذلك في عقد البيع مرابحة أمر تقره الشريعة حيث إنها لا تخالف مقصود العقد بل تؤكده.
٢- إن بعض البنوك لا تشير إلى الضمانات في عقد البيع مرابحة وإن كانت ذكرتها في إجاباتها على استمارة الاستقصاء.
٣- إن بعض البنوك يكتفي بضمان واحد أو اثنين فقط من هذه الضمانات.
رابعًا: توقف العميل عن الدفع: إذا توقف العميل عن دفع باقي الأقساط وكان موسرًا فإن الإجراءات التي تتبع حيال ذلك أوضحتها نماذج العقد والرد على أسئلة استمارة الاستقصاء في الآتي:
١- حلول باقي الأقساط فورًا.
٢- استخدام المصرف للضمانات المقدمة إليه في استيفاء حقه.
٣- اللجوء إلى القضاء طبقًا لما هو محدد بعقد البيع، وبعض البنوك تجعل ذلك من اختصاص هيئة التحكيم التي ينص على تشكيلها في عقد البيع بعضو يختاره العميل وعضو يختاره البنك وعضو ثالث مرجح يختار مشاركة بينهما.
٤- استرداد البنك للسلعة إن كانت باقية وهذا الإجراء يتبع في بعض البنوك.
٥- فرض مبلغ على العميل لتعويض المصرف عن الضرر الذي وقع عليه من جراء هذا التوقف، ويتبع هذا الإجراء في بعض البنوك بناء على ما انتهت إليه هيئات الرقابة الشرعية الثلاث لدار المال الإسلامي وبنكي فيصل المصري والسوداني، والذي يقضي بتعويض المصرف عن الضرر الذي يحدث من جراء تأخر العملاء عن دفع ديونهم في مواعيدها وتحسب قيمة الضرر على أساس متوسط نسبة إجمالي أرباح البنك المحققة عن ذات الفترة فضلًا عن أية تعويضات أخرى فعلية، بينما في المصرف الإسلامي الدولي يفوض تقدير الضرر إلى هيئة التحكيم.
وما تجدر ملاحظته بهذا الخصوص أن فرض مبلغ على العميل مقابل التأخير ومقابل الضرر الذي يقع على البنك أمر تجيزه الشريعة بناء على الحديث النبوي الشريف «لَيُّ الواجد يحل عقوبته وعرضه» (١) وإذا كانت العقوبة البدنية متفق عليها فإن العقوبة المالية مختلف فيها، والرأي الراجح أنها جائزة وهي في الحقيقة ليس عقوبة بقدر ما هي تعويض للضرر بناء على القاعدة الأصولية إن الضرر يزال، غير أن ما نود الإشارة إليه أن طريقة احتساب الضرر منسوبًا إلى أرباح البنك أمر يحتاج إلى نظر إذ يمكن أن يكون ذلك منسوبًا إلى ما يحققه العميل من أرباح مثلًا، على أساس اعتبار الدَّيْن مال مضاربة. (٢)
_________________
(١) صحيح البخاري بشرح السندي – دار الشعب جـ ٢ ص ٥٨
(٢) راجع في ذلك: بحثنا "حماية الديون في الشريعة الإسلامية" بحث مقدم إلى ندوة البركة الثانية – تونس نوفمبر ١٩٨٤
[ ٥ / ٩٧٩ ]
خامسًا النكول: كل ما ذكرناه حتى الآن في هذه المرحلة من إجراءات يتعلق بما إذا أوفى العميل بوعده واشترى السلعة مرابحة، أما في حالة نكوله أي رجوعه عن طلب شرائه بمعنى عدم تنفيذه لوعده بالشراء السابق إبداء رغبته فيها أو نكول المصرف عن تنفيذ العملية، فإن هذا ما سنناقشه في هذه الفقرة وفقًا للآتي:
أ- نكول العملاء: لقد أفادت البنوك أنه يحدث أحيانًا نكول بعض العملاء، وفي هذه الحالة تتبع الإجراءات التالية:
- بالنسبة للبنوك التي لا تأخذ بالإلزام بالوعد تتولى بيع السلعة التي أحضرتها لحساب نفسها وينتهي الأمر عند هذا الحد.
- بالنسبة للبنوك التي تبرم عقد الوعد وتأخذ بالإلزام به تتبع فيها الإجراءات التالية:
١- بيع السلعة بالسعر السائد في السوق وقبض المصرف للثمن استيفاءً لحقه وإذا قل الثمن عن مستحقات المصرف كان له الرجوع على العميل لاستيفاء باقي حقه، وإذا زاد الثمن كانت الزيادة خالصة له باعتباره مالكًا للبضاعة، هذا مع مراعاة أن حق البنك هنا يتمثل في تكلفة السلعة وقيمة الأضرار التي لحقته من جراء عدم تنفيذ الصفقة.
٢- بعض البنوك تتبع الإجراء السابق ولكنها في حالة إذا زاد ثمن بيع السلعة عن مستحقات المصرف تكون الزيادة للعميل.
٣- بعض البنوك تشترط في حالة النكول إحالة الموضوع لهيئة التحكيم للفصل فيه.
٤- هناك إجراء آخر يتمثل في مصادرة الدفعة المقدمة في مرحلة المواعدة لضمان الجدية.
٥- في كل الأحوال يكون هناك إجراء مستقبلي وهو عدم التعامل مع العميل مرة أخرى.
وبالنظر في هذه الإجراءات يمكن القول بالآتي:
١- إن السلعة في مرحلة الشراء الأول تكون ملكًا للبنك، وبالتالي فإنه إذا باعها يكون البيع لحسابه يتحمل بخسارتها ويعود إليها ربحه بناء على الرأي القائل بأن المبيع يكون من ضمان البائع لا من ضمان المشتري قبل البيع.
٢- إنه تنفيذًا لإلزام العميل بالوعد تقدر الأضرار التي عادت على البنك سواء خسارته في السلعة أو أية أضرار أخرى ويطالب بها العميل ويستوفيها البنك تمامًا من الدفعة المقدمة لضمان الجدية أو مطالبة العميل بها دون مصادرة الدفعة أيًّا كانت قيمتها.
ب- نكول المصرف: بمعنى عدم تنفيذه لوعده بشراء السلعة أو شرائها وعدم بيعها مرابحة لطالبها، وقد أفادت بعض البنوك أنه يحدث أحيانًا نكول المصرف وتتبع بشأن ذلك لما يلي:
١- بعض البنوك تنص على أنه إذا امتنع أحد الطرفين عن تنفيذ هذا الوعد فإنه يتحمل أية أضرار تلحق بالطرف الآخر، وإذا كان ذلك يرد على إجماله في عقود الوعد فإنه في عقد البيع تحدد كيفية حساب الضرر الذي يقع على المصرف عند نكول العميل كما سبق القول، أما كيفية تحديد حساب الضرر الذي يقع على العميل فلا يذكر إلا في الإشارة العامة إلى أن أي نزاع يحدث يحال إلى هيئة التحكيم.
٢- بعض البنوك اشترطت في عقود البيع والوعد أنه إذا كان نكول البنك بسبب المورد الذي حدده العميل فإن البنك لا يعتبر مخلًّا بوعده.
[ ٥ / ٩٨٠ ]
سادسًا: المعالجة المحاسبية لعمليات المرابحة: وسوف نوضح فيها التوجيه المحاسبي لعمليات المرابحة وأرباحها، إما وفقًا لما جاء في استمارة الاستقصاء أو وفقًا لما نراه متفقًا مع الأصول المحاسبية السليمة، وذلك في الآتي:
أ- عند تلقي البنك طلبات الشراء: لا تجرى قيود محاسبية في الدفاتر بل يكتفى بإثبات ذلك في سجل طلبات الشراء مرابحة.
ب- عند إبرام عقد الوعد: نظرًا لأن عقد الوعد يلقي التزامات مستقبلية على طرفيه؛ لذلك فإنه قد يكتفى بإثبات ذلك في سجل عقود الوعد مرابحة أو يتم تسجيل الوعد بقيد نظامي كالآتي:
×× من حـ/ التزامات العملاء عن بيوع مرابحة (مرابحة رقم)
×× إلى حـ/ التزامات البنك عن بيوع مرابحة (مرابحة رقم)
وتظهر في الميزانية ضمن الحسابات النظامية.
جـ- عند تحصيل الدفعة المقدمة التي تشترطها بعض البنوك لضمان الجدية
×× من حـ/ الخزينة (التحصيل النقدي)
×× أو من حـ/ الحسابات الجارية أو الاستثمارية (حـ رقم..) (خصمًا من حـ/ العميل طرف البنك)
×× أو من حـ/ شيكات تحت التحصيل (التحصيل بشيكات)
×× إلى حـ/ حسابات جارية خاصة (مرابحات) مرابحة رقم
د- عند قيام البنك بشراء السلعة وحسب طريقة دفع المبلغ ومفرداته ووقته
×× من حـ/ الاستثمارات تحت التنفيذ (استثمار في مرابحات) مرابحة رقم
×× إلى حـ/ الشيكات
×× إلى حـ/ الموردين
×× إلى حـ/ المراسلين
هـ- عند إبرام عقد البيع مرابحة:
×× من حـ/ مديني المرابحات (اسم المدين) مرابحة رقم
×× إلى حـ/ الاستثمارات تحت التنفيذ (استثمارات في مرابحات) رقم..
×× إلى حـ/ إيرادات الاستثمارات (مرابحات) مرابحة رقم..
وتسوية الدفعة المقدمة مع حـ/ مديني مرابحات:
×× من حـ/ حسابات جارية خاصة (مرابحات)
×× إلى حـ/ مديني المرابحات
[ ٥ / ٩٨١ ]
ز- عند عقد الضمانات المختلفة: تسجل بحسب نوعها بقيد نظامي كالمعتاد.
ح- تحصيل الأقساط تباعًا وبحسب طريقة التحصيل:
×× من حـ/ الخزينة
×× أو من حـ/ حسابات جارية أو استثمارية
×× أو من حـ/ الشيكات
×× إلى حـ/ مديني المرابحات
ط- نكول العملاء:
١- بيع البضاعة بخسارة:
×× من حـ/ الخزينة
×× من حـ/ مديني المرابحات
×× إلى حـ/ الاستثمارات تحت التنفيذ (مرابحات)
٢- بيع البضاعة بربح لحساب البنك:
×× من حـ/ الخزينة
×× إلى حـ/ الاستثمارات تحت التنفيذ (مرابحات)
×× إلى حـ/ إيراد الاستثمارات
ى- المعالجة المحاسبية للأرباح المحققة من عمليات المرابحات، ويحسن أن نوضح ذلك بالمثال التالي:
حققت إحدى عمليات المرابحة ربحًا للبنك قدره ٢٤٠٠٠ جنيه علمًا بأن العملية تمت في ١ /٤ /١٩٨٥ ففي حساب أرباح وخسائر أي سنة يظهر فيه هذا الربح؟ علمًا بأن سداد الثمن على ثلاث سنوات من تاريخ الشراء.
في التطبيق العملي للبنوك وفي الفكر المحاسبي المعاصر يوجد رأيان هما:
الرأي الأول: أن الربح كله يكون للسنة التي تحقق فيها البيع (١٩٨٥) وبالتالي يظهر في حـ/ أ. خ الخاص بهذه السنة بالقيد الآتي:
٢٤٠٠٠ من حـ/ إيرادات الاستثمارات (إيرادات مرابحات)
٢٤٠٠٠ إلى حـ/ أ. خ الاستثمار
٣١/ ١٢ /١٩٨٥
الرأي الثاني: توزيع الأرباح على سنوات التحصيل كالآتي:
على أن يتم تجنيب الأرباح التي تخص السنوات التالية في حـ/ دائن:
٢٤٠٠٠ من حـ/ إيرادات الاستثمارات (مرابحات)
١٥٠٠٠ إلى حـ/ إيرادات استثمارات لم تتحقق (للأعوام التالية)
٩٠٠٠ إلى حـ/ أ. خ الاستثمار (لعام ١٩٨٥)
[ ٥ / ٩٨٢ ]
وبالنظر في هذه المعالجة بشقيها محاسبيًا وشرعيًا يمكن القول بالآتي:
- من الناحية المحاسبية طبقًا لسياسة الحيطة والحذر والتي تقضي بأخذ الخسائر المحتملة في الحسبان فإنه يستحسن أن يكون مخصص بالأرباح التي لم تتحقق، وهي هنا عبارة عن الأرباح المحتسبة على المبالغ غير المحصلة توقعًا لتوقف المدينين عن الدفع، وهذا ما يتبع في البيع بالتقسيط ويتفق ذلك مع الرأي الثاني، وإن كان هذا لا يمنع أن بعض المحاسبين يأخذون بالرأي الأول.
ومن الناحية الشرعية يوجد رأيان:
الرأي الأول: قال به المستشار الشرعي للبنك الإسلامي الأردني (١) ويرى الأخذ بالمعالجة الأولى على اعتبار أن الربح تحقق في سنة البيع وبالتالي يقيد كله فيها بناء على أن العبرة بتحقق الربح، وأن باقي الثمن في حالة التأجيل يعتبر دينًا على المشتري ولا علاقة له بالربح.
الرأي الثاني: ونراه نحن استنادًا إلى القواعد الفقهية التالية:
- أن هناك فرقًا في الربح بين مراحل ثلاث، تولده، وتحققه أو ظهوره، وتوزيعه.
- فالربح كنماء للمال يولد أو يحدث حتى ولو لم يوجد بيع وهذا ما عليه فقه الزكاة في النظر للنماء كشرط من شروط المال المزكى على أنه نماء حقيقة أو حكما، فعلًا أو بالقوة، أما البيع فإنه يظهر الربح ويحققه وليس شرطًا لحدوثه.
- أما توزيع الربح واقتسامه فإنه في فقه المضاربة والتي تعمل البنوك الإسلامية وفق أحكامه في علاقتها بأصحاب حسابات الاستثمار باعتبار البنك مضاربًا وهم أرباب أموال، فالرأي الفقهي (٢) على أنه لا بد من نض المال أي تحويله من عروض تجارة إلى نقود كشرط لتوزيع الربح، ولا شك أن باقي الثمن على عملاء المرابحة ليس نقودًا، ولذلك لا توزع الأرباح الناتجة عن عملية المرابحة إلا بعد التحصيل النقدي.
وهذا الرأي يتفق مع سابقه في أن الربح تحقق في سنة البيع ولكننا بصدد قضية توزيعه بين المضارب (البنك) وأرباب الأموال الأمر الذي يقضي بأن يظهر الربح في سنة تحققه ولكن لا يوزع منه إلا بمقدار ما حصل وهذا هو جوهر المعالجة الثانية بإثبات الأرباح في سنة ١٩٨٥، ثم يرحل منه إلى حـ/ أ. خ الاستثمار الخاص بها ما يقابل المبلغ المحصل ويجنب الباقي في حساب دائن للسنوات التالية.
وفي النهاية أرجو أن أكون وفقت في عرض الموضوع بصورة يستفاد منها في ترشيد عمل البنوك الإسلامية وأقرر أن هذا جهدًا بشريًّا يعتريه القصور ويشوبه الخطأ وحسبي صدق النية في أنني أريد به وجه الله وإعلاء كلمة الإسلام.
والحمد لله أولًا وأخيرًا
د. محمد عبد الحليم عمر
تجارة الأزهر
_________________
(١) الفتاوى الشرعية – مرجع سابق ص ٣٦- ٤٠
(٢) ابن رشد – بداية المجتهد ونهاية المقتصد – مرجع سابق جـ ٢ ص ٣٠٨
[ ٥ / ٩٨٣ ]
المؤتمر السنوي السادس للمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية
(مؤسسة آل البيت)
ندوة عن:
"خطة (استراتيجية) الاستثمار في البنوك الإسلامية:
الجوانب التطبيقية، والقضايا والمشكلات".
بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب/ البنك الإسلامي للتنمية / جدة.
عَمَّان
٢٢ شوال – ٢٥ شوال ١٤٠٧هـ
١٨ /٦ – ٢١ /٦/ ١٩٨٧م
[ ٥ / ٩٨٤ ]
بحث الدكتور شوقي إسماعيل شحاتة
عن