عن
البنوك الإسلامية واستراتيجيتها الاستثمارية
البنوك الإسلامية واستراتيجيتها الاستثمارية
ورقة عمل
مقدمة إلى الاجتماع المشترك بين منظمة الخليج للاستشارات
الصناعية والبنوك الإسلامية في منطقة الخليج
لبحث إمكانيات التعاون بينهما
[ ٥ / ٩٣٨ ]
إعداد
قاسم محمد قاسم
مدير عام مصرف قطر الإسلامي
البنوك الإسلامية واستراتيجيتها الاستثمارية
ورقة عمل لبحث إمكانيات التعاون بين
منظمة الخليج للاستشارات الصناعية والبنوك الإسلامية
في منطقة الخليج
مقدمة:
ليس الغرض من هذه الورقة تقديم بحث بالمفهوم الأكاديمي لكلمة بحث، وليس الغرض منها التعرض بالتفصيل لتطور المصارف عامة والمصارف الإسلامية خاصة.
وإنما الغرض هو عرض تصور مبني على الخبرة والممارسة الفعلية اليومية للاستراتيجية الاستثمارية في المصارف الإسلامية كما يراها الكاتب، والصعوبات التي تصادفها هذه المصارف تمهيدًا لإيجاد تصور مشترك لإمكانات التعاون بين المصارف الإسلامية العاملة في منطقة الخليج، وبين منظمة الخليج للاستشارات الصناعية.
فالغرض الذي من أجله وجدت المصارف الإسلامية يكاد يكون هو نفس الغرض الذي أنشئت من أجله المنظمة، فبينما تسعى المصارف الإسلامية لتوظيف الأموال في مجالات التنمية المختلفة تسعى المنظمة – فيما أظن- إلى تقديم الاستشارة المهنية المتخصصة بكامل فروعها في مجالات التنمية الصناعية للدول الأعضاء في المنظمة. إلا أن المصارف الإسلامية تهدف إلى تحقيق الربح المقبول شرعًا على ما تقوم به من استثمارات في حين أن المنظمة لا تهدف إلى الربح فيما تقوم به من دراسات واستشارات إذ يكفيها أن يعود الربح منفعة اقتصادية واجتماعية ناتجة عما يجري تنفيذه من مشروعات لدى هذه الدول الأعضاء.
إن إدارات المصارف الإسلامية لم تأل جهدًا - منذ تأسست هذه المصارف- في تطوير أنماط ووسائل العمل المنسجمة مع المبادئ الإسلامية، كما لم تأل جهدًا في البحث عن فرص الاستثمار للأموال المتراكمة لديها من أجل خلق دور منتج للمال بين أيدي المسلمين بما ينفع أصحاب الأموال، وينفع المجتمعات التي تنتمي هذه الأموال لها.
[ ٥ / ٩٣٩ ]
لقد كان الهدف الأول لتأسيس أول بنك إسلامي في وقتنا الحاضر هو تطهير الأموال من الربا عن طريق تقديم البدائل المقبولة شرعًا لأنماط الاستثمار المختلفة، والتي درجت البنوك التقليدية على تقديمها سواء لأصحاب الأموال (عرض الأموال) أو مستغلي هذه الأموال (الطلب على الأموال) على أساس ربط الاستثمار وعوائده بفوائد محددة سلفًا.
وقد مارست البنوك التقليدية بفلسفة تنصب على الضمان، وهذه الفلسفة نابعة من كون الوديعة عقد قرض وأن المقترض يتصرف بالقرض ويقع عليه الضمانه، وقد ضمنت البنوك للمودع رأس ماله والفائدة المحددة سلفًا. كما أخذت على المقترضين ضمان ما اقترضوا دون ربط القرض بما وراءه من عمل، ودون نظر إلى نتيجة هذا العمل إن ربحًا وإن خسارة، وعليه فإنه يصح وصف هذه الفلسفة بفلسفة تأجير الأموال حيث يتوجب دفع الإيجار (الفوائد) سواء انتفع (ربح) المستأجر (المقترض) أم لم ينتفع.
مهنيًّا، فقد اقتنع نظام المصرف الدولي بجدوى هذه الفلسفة في غياب البديل، ومع تواتر التطبيق عبر مئات السنين، فقد أصبحت هذه الفلسفة راسخة، وأصبح المجتمع المصرفي الدولي يقاوم أي تغيير.
ولقد طورت الأجهزة المصرفية التقليدية في إحدى مراحلها نوعًا من الممارسات الاستثمارية التي اقتربت بأساسها النظري من المفهوم الإسلامي لاستثمار المال حيث ظهرت مصارف تسمى بنوك التجار أو بنوك الأعمال والاستثمار، وتقوم هذه البنوك على أساس إنشاء المشروعات والمساهمة في رأس مالها مع آخرين إلا أن هذه البنوك قد ظلت وفية للمذهب الذي نشأت عليه وهو نظام الفائدة في تعاملها مع مصادر الأموال.
[ ٥ / ٩٤٠ ]
٢- النظام المصرفي التقليدي وسلوك الأفراد:
٢-١- كان تطور النظام المصرفي التقليدي مواكبًا لتطور الحضارة الغربية الحديثة، والتي كان من أهم إفرازاتها فصل الدين عن الحياة اليومية للأفراد في المجتمعات المسيحية، ودون أن نخوض في بحوث لاهوتية لسنا مؤهلين لها، نقرر أن الدين المسيحي يحرم الربا، ولكننا نجد أن البيئة الحضارية الحديثة أوجدت مناخًا مناسبًا لتطوير العمل المصرفي القائم على نظام الفائدة دون أن يجد مقاومة دينية تمنع تطوره.
٢-٢- ونظرًا لقيام البنوك بدفع الفوائد على الأموال مع تعهدها برد المال والفوائد المستحقة عليه إلى صاحبه فقد أدى هذا الوضع إلى تباطؤ همم أصحاب الأموال عن استثمار أموالهم بأنفسهم بما في ذلك من مخاطر وقبول الأسلوب الهين وهو الإيداع لدى البنوك مقابل الفوائد. ولنفس السبب، أي ضمان البنك لأموال المودع مع ما يترتب عليه من فوائد فقد تعسفت البنوك في اقتضاء ديونها من المدينين دون نظر إلى الحالة المادية للمدين أو حال المشروع الذي أخذ من أجله المال أو الظروف الاقتصادية السائدة، بل إن مبدأ القرض بفائدة كثيرا ما كان أهم أسباب تردي الحالة المادية للمدين. وما وَضْعُ دولِ العالمِ الثالث المدينة بخاف عنا إذ أن فوائد خدمة الدين كثيرًا ما زادت عن موارد بعض الدول المدينة. وهكذا تراجعت المعايير الأخلاقية في التعامل المالي وقلد التجار والأفراد البنوك فيما ذهبت إليه، وأصبح الطلاق بائنًا بين المال وبين الهدف الذي صرف من أجله، وأصبح تأجير الأموال هو القاعدة، كما أصبح الفرد في سلوكه يجمع المال من أجل المال وتطور الأمر ليصبح عادة اجتماعية.
٢-٣- ولتشجيع أصحاب الأموال على الاحتفاظ بأموالهم لدى البنوك فقد أصبحت البنوك تدفع لهم الفوائد على فترات زمنية قصيرة جدًّا ربما وصلت إلى ليلة واحدة “OVERNIGHT” ومن الطبيعي أن يكون أجل الودائع مساويًا للفترة التي تدفع عنها الفوائد. وكانت النتيجة أن تغيرت عادات المودع من استثمار أمواله في مشروعات طويلة الأجل إلى استثمارها في ودائع ذات أجل قصير جدًّا.
[ ٥ / ٩٤١ ]
٣- المصارف الإسلامية، تطهير وتثمير:
٣-١- دخل النظام المصرفي الحديث إلى العالم الإسلامي، والعالم الإسلامي في حالة خطيرة من التمزق والتخلف والجمود، وفي وقت كانت فيه أغلب أقطاره ترزح تحت سيطرة الدول الأجنبية، كما أن دور المؤسسات الدينية بدأ يتراجع إلى الوراء بضغط من الدول الاستعمارية التي كانت ترى دائمًا أن الخطر على نفوذها كبير إذا نهض العالم الإسلامي من سباته بقيادة فكرية إسلامية متطورة؛ ولذا فلقد راوح العالم الإسلامي في مكانه يحاول أن يجيب على السؤال التالي: هل الفوائد المصرفية حلال أم حرام؟ وهل تحل الفوائد إذا كانت دون نسبة معينة وتحرم إن زادت عليها؟ وسمعنا الكثير من الفتاوى التي ليس هنا مجال لبحثها مع أن أغلبها أقر بحرمة فوائد البنوك، إلا أن أحدًا فردًا كان أو مؤسسة أو دولة لم يفكر في إيجاد النظام المصرفي البديل القائم على تطوير أنماط من التعامل الاستثماري المقبول شرعًا.
وللتدليل على ذلك فلقد قبلت الدول الإسلامية جميع التشريعات الوضعية الغربية التي أدخلت معه جميع أنماط التعامل المالي الغربية بحلالها وحرامها كما اعترفت صراحة بالفوائد وظهر اصطلاح الفوائد القانونية في تشريعات تلك الدول الوضعية.
ويشاء المولى أن يجتمع علماء الأمة الإسلامية في عام ١٣٨٥هـ في القاهرة في المجمع الفقهي الثاني، ويجتمع معهم لفيف من اقتصادي هذه الأمة، وصدرت فتوى جماعية باعتبار فوائد البنوك من الربا المحرم، وأن على رجال المال والاقتصاد وعلماء الشريعة أن يبحثوا عن البديل.
ولقد كان البديل في العشر سنوات الأخيرة نحوا من خمسين بنكا إسلاميًّا إضافة إلى البنك الإسلامي للتنمية الذي تشترك في عضويته أكثر من خمسة وأربعين دولة إسلامية، وكذلك تحويل النظام المصرفي في باكستان بأكمله لينسجم مع الشريعة الإسلامية.
[ ٥ / ٩٤٢ ]
لقيت البنوك الإسلامية الكثير من الترحيب والتشجيع منذ قيامها وتمثل هذا التشجيع بالزيادة الكبيرة والمطردة في حجم الودائع لدى هذه البنوك. ذلك أن تأسيس هذه البنوك أوجد منفذًا للكثير من أصحاب الأموال الذين لا يتقاضون أية فوائد على أموالهم فوجدوا في البنك الإسلامي مكانًا مناسبًا لاستثمار أموالهم التي ظلت معطلة سنين طويلة. يضاف إلى هذا انجذاب المتعاملين الآخرين الذين لا تحركهم الاعتبارات الدينية بل جذبتهم النجاحات المبدئية التي حققتها تلك البنوك والعوائد المرتفعة التي تمكنت من توزيعها على المودعين في مراحل مختلفة.
٣-٢- إلا أن نجاح البنوك الإسلامية متمثلًا في الإقبال المتزايد للمودعين كان في حد ذاته بداية لمشاكل فنية حقيقية لهذه البنوك.
إن الأموال المتراكمة لدى البنوك الإسلامية كانت ولا تزال تبحث لها عن منافذ شرعية تستثمر بها حتى تعطي مردودًا مناسبًا للمودع وللبنك، فدعوة البنك الإسلامي لنفسه بأنه قام بتطهير الأموال من الربا واستثمار مال المسلمين فيما ينفع المسلمين خارج نظام الفائدة وخارج إطار الإقراض والاقتراض قد حددت مسار البنوك الإسلامية بصفة نهائية – في رأي الكاتب - في الاستثمار. " فالاستثمار يشكل طبيعة عمل المصارف الإسلامية وذاتها بل وحياتها، وبدونه لا يتصور لها استمرارية - وهي في هذا تعطي النموذج الفريد في التوحد في توجهاتها مع أهداف دولها في الاستثمار والتنمية " (١)
وكما هو معلوم فالاستثمار المرتبط بالتنمية بالمعنى الذي تقصده وترغب في تحقيقه البنوك الإسلامية هو استثمار طويل الأجل بطبيعته، ويجب أن يتم في مجالات وفرص مجدية.
٤- المعوقات التي واجهتها البنوك الإسلامية في توجهاتها الاستثمارية:
واجهت البنوك الإسلامية ولا زالت العديد من المعوقات التي تعترض طموحاتها الاستثمارية، وأهم هذه المعوقات في نظر الكاتب ما يلي:
أولًا: العادات الربوية لدى المودعين:
ومنها أن المودع يودع أمواله في آجال قصيرة لا تتجاوز السنة في أغلب حالاتها، وفي القليل جدًّا من الحالات أصبح المودع يودع في نوع من الودائع المطلقة وهي التي تشبه الودائع بإشعار لدى البنوك التقليدية – وهذا أيضًا ما يجعل من هذه الودائع ودائع قصيرة الأجل عند دراسة طبيعة الموارد المتاحة للاستثمار.
إن مثل هذا الوضع يحد من قدرة المصرف الإسلامي على الاستثمار في الأجل الطويل إذ لابد من تماثل الاستحقاقات بين مصادر الأموال وبين استخداماتها، وهي ما يسمى بالإنجليزية “MATCHFUNDING”؛ لأن الإخلال بهذا التماثل بشكل كبير يعرض المصرف لمخاطر كثيرة أهمها احتمال توقفه عن الدفع.
ثانيًا: يرتبط بالعادات الربوية لدى المودعين عادة أخرى أهمها أن الإنسان فطر على حب الكسب وكره الخسارة.
ومن واقع الخبرة العملية فإن المودع لدى البنك الإسلامي – وإن كان يقبل مقدمًا وعلى الورق على الأقل بمبدأ المشاركة في الخسارة - ينتظر الأرباح الموزعة آخر العام.
_________________
(١) أحمد أمين فؤاد – معوقات الاستثمار في البلاد الإسلامية وسبل التغلب عليها ص٢ من أبحاث المؤتمر الثالث للمصرف الإسلامي- دبي – أكتوبر ١٩٨٥.
[ ٥ / ٩٤٣ ]
وكما هو معلوم فإن أي مشروع استثماري ستمر به عدة سنوات قبل أن تظهر ميزانيته أية أرباح. وهذا الوضع، يضاف إلى سابقه دفع بودائع البنوك الإسلامية إلى الاستثمار في مجالات الاستثمار القصيرة الأجل، وخصوصًا المجالات التجارية حتى تتفادى مشاكل اختلاف الآجال وتشبع الناحية النفسية لدى المودع المتمثلة في التطلع إلى الربح السريع.
ثالثًا: حداثة نشأة البنوك الإسلامية:
ولهذا العامل أثرين:
أ- اضطرار البنوك الإسلامية للتركيز على العمليات التجارية القصيرة الأجل لتقوية مراكزها المالية.
ب- قلة الكفاءات البشرية المؤهلة شرعيًّا وفنيًّا للبحث عن الفرص المجدية وإعداد دراسات الجدوى العائدة لها، وتقييم ما يقدم إليها من مشروعات.
رابعًا: ضيق السوق المحلي أحيانًا وعدم قدرته على استيعاب مشاريع استثمارية معينة بما في ذلك الصعوبات المتعلقة باقتصاديات الموقع وتوطن الصناعة هذا الوضع مقرونا بارتفاع الثروة لدى المودعين في نفس السوق مما يجعل من ازدياد الودائع مشكلة في حد ذاتها؛ لعدم القدرة على خلق فرص مناسبة للاستثمار.
خامسًا: عدم توفر الدراسات لمشروعات استثمارية معينة وعدم وجود أولويات لمشاريع استثمارية تجارية تحقق العوائد المناسبة لتحفيز المستثمر للمخاطرة بأمواله، ويرافق ذلك عدم وجود بيوت الخبرة المتخصصة في تقديم دراسات السوق والجدوى وتقييم الفرص، وإن وجدت مثل هذه البيوت فأكثرها مشكوك في حياده وكثيرًا ما عرضت دراسات تم تفصيلها تفصيلًا لتؤثر على القرار تأثيرًا مغرضًا.
يضاف إلى ذلك أن بيوت الخبرة الأجنبية ليس لها دراية كافية بالسوق المحلي مما يرفع من تكلفة إعداد الدراسة.
سادسًا: القيود على الاستثمار خارج النطاق المحلي:
من المنطقي أن يتجه الاستثمار إقليميًّا وإسلاميًّا مع ضيق الأسواق المحلية عن الاستيعاب. فالبنوك الإسلامية في دول الخليج هي بنوك وفرة نقدية في حين أن الدول العربية والإسلامية المجاورة هي أسواق متعطشة للاستثمار، ولديها الكثير من الكوادر البشرية الماهرة ونصف الماهرة اللازمة للعمل في هذا الاستثمار، كما أن كثافتها السكانية توفر القوة الاستهلاكية اللازمة لامتصاص أي إنتاج.
إلا أن القيود الضريبية والنقدية ومخاطر تقلبات أسعار الصرف ومشاكل ميزان المدفوعات وعدم الاستقرار السياسي وسرعة تغيير القوانين وتعديلها، كل هذه العوامل وغيرها كثير يجعل المستثمر – بما في ذلك البنك الإسلامي- غير مطمئن على مستقبل استثماره؛ ولهذا رأينا ونرى توجيه الكثير من الأموال العربية والإسلامية إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية للاستثمار في القطاعات الصناعية والمالية والعقارية وذلك رغم مخاطر تجميد الاستثمارات الأجنبية، والتي أصبحت أكثر وضوحًا في السنوات القليلة الماضية، رغم كل ما يقال من تبريرات وتفسيرات.
[ ٥ / ٩٤٤ ]
سابعًا: القيود الشرعية:
معلوم أن المصارف الإسلامية قامت لتقدم البدائل المقبولة شرعًا لأنماط التعامل المالي والمصرفي؛ ولذا فإن أي عملية سواء كانت عملية يومية تجارية أو عملية استثمارية تخضع لمراجعة دقيقة للتأكد من انسجامها مع الضوابط الشرعية التي تسير المصارف الإسلامية على هديها. وأي عملية لا توافق الشروط الشرعية يتم رفضها.
ولطمأنة المودع والمستثمر أنشأت المصارف الإسلامية ضمن أجهزتها لجانًا للرقابة الشرعية مكونة من أفاضل العلماء في البلاد التي تعمل فيها لعرض الممارسات المصرفية عليها وصولًا للصيغ المقبولة شرعًا. ولهذا فليست كل الفرص مهما كانت مجدية ومغرية، مقبولة للمصارف الإسلامية. فإذا لم يتساوى أطراف العلاقة في المشاركة في الربح والخسارة وإذا استثمرت المشروعات فائض أموالها أو إذا مولت العجز لديها عن طريق البنوك التقليدية تثور الصعوبات في قبول مبدأ الاستمثار. هناك بالطبع حالات قبلتها بعض لجان الرقابة الشرعية في بعض البلدان ولها أسبابها في ذلك إلا أننا لا نستطيع أن نفترض أن كل اللجان ستتخذ نفس المواقف.
إن من الصعوبات الشرعية اختلاف وجهات النظر من لجنة إلى لجنة في النظر إلى الأشياء والعمليات والمعاملات مما يمكن مصرفًا من عمل شيء ولا يمكن مصرفًا آخر من مشاركته به وأبرز مثل على ذلك اختلاف المواقف في قضية الإيجار المنتهي بالمليك (LEASING)، إلا أن اختلاف لجان الرقابة الشرعية أمر يمكن تلافيه عن طريق التنسيق بين هذه اللجان في المشروعات المشتركة أو بأي أسلوب آخر.
٥- الاستثمار خليجيًا:
بينا في الصفحات السابقة أن الاستثمار بالنسبة للمصارف الإسلامية هو بمثابة الهواء اللازم لتنفس الإنسان وأن المصارف الإسلامية بدون استثمار حقيقي يضيف إلى الاقتصاد الوطني حقيقية ستلقي ظلالًا من الشك على مبررات وجودها. كما قررنا أن المصارف الإسلامية لا ينقصها المال ولكن تعترضها الصعوبات.
[ ٥ / ٩٤٥ ]
وقد استعرضنا بعضًا من تلك الصعوبات وهي في نظري –باستثناء الصعوبات الشرعية- نفس الصعوبات والمعوقات التي تعترض أي مستثمر.
ولقد حاولت المصارف الإسلامية كثيرًا لتذليل الكثير من الصعوبات ولا زالت تحاول وسوف تستمر- إن شاء الله في هذه المحاولات.
ومن ضمن هذه المحاولات محاولتنا اليوم كمجموعة خليجية ضمن منظومة البنوك الإسلامية لولوج باب الاستثمار من حيث يمكن ولوجه بالتعاون مع منظمة إقليمية متخصصة لا تهدف إلى الربح وأعني منظمة الخليج للاستشارات الصناعية.
فدول الخليج تتشابه في الكثير من الخصائص والنظم الاجتماعية والسياسية والنقدية ووفرة الثروة وتشابه التشريعات وهذه كلها نقاط التقاء إيجابية يضاف إليها توجه تلك الدول إلى زيادة التنسيق فيما بينها في مختلف المجالات وصولًا إلى التكامل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
كما تتشابه هذه الدول في صغر كياناتها منفردة –باستثناء السعودية والعراق - من حيث عدد السكان وحجم الأسواق مما يخلق مناخًا استثماريًا غير مؤات إن انفرد كل كيان بتطوير المشروعات التي يرى أنها ضرورية ومن ثم تتكرر المشروعات الاستثمارية المتشابهة مما يؤدي بالتالي إلى الشك في الجدوى الاقتصادية لتلك المشروعات.
إذن فالتكامل الاستثماري بين هذه الدول أمر يمكن أن تفيد منه البنوك الإسلامية وتستفيد عن طريق الدخول في المشروعات المشتركة التي تخدم قطاعًا أوسع وأعمق مما لو انفردت هذه البنوك في الاستثمار في مشاريع متكررة. وعليه فمشاركة البنوك الإسلامية مستفيدة من هذا التكامل يدفع بهذا التكامل إلى مراحل متقدمة.
كما أن الاستثمار خليجيًّا – في المشاريع التي تثبت جدواها- يعطي للمستثمر إحساسًا أكثر بالأمان على استثماراته، ويستطيع أن يرى بعينه: أين استثمرت تلك الأموال وكيف تجري إدارتها، وذلك نظرًا لقربها منه إقليميًّا.
٦- هل يمكن أن تستفيد البنوك الإسلامية في الخليج من منظمة الخليج للاستثمارات الصناعية؟
من كل ما مضى وانطلاقًا من استعداد مبدئي لدى البنوك الإسلامية في منطقة الخليج للاشتراك معًا في مشاريع مشتركة على مستوى الخليج فإن إمكانية التفاعل قائمة بين البنوك الإسلامية والمنظمة، والأسباب بسيطة وسهلة ودون الدخول في تعقيدات علمية لدى البنوك الإسلامية؛ المال، والرغبة في استثماره استثمارًا مجديًا.
ولدى المنظمة الخبرة والكوادر الفنية والسوق الواسع ودعم الدول الأعضاء بها لتسهيل تنفيذ دراستها على أرض الواقع.
[ ٥ / ٩٤٦ ]
ولهذا فإن منظمة الخليج في اعتقادنا تستطيع أن تشبع الحاجات الآتية للمصارف الإسلامية:
١- إعداد دراسات عن السوق وعن فرص الاستثمار التي يتبين جدواها مبدئيًّا في مجالات الصناعة.
٢- إعداد دراسات الجدوى للمشروعات الصناعية والمنوي إقامتها.
٣- تقييم دراسات الجدوى التي تعرض على البنوك الإسلامية من عملاء آخرين أو من بيوت الخبرة المتخصصة.
٤- مساعدة البنوك الإسلامية في الترويج للمشروعات التي تتبناها البنوك الإسلامية.
٥- دعوة البنوك الإسلامية للمساهمة في المشاريع التي تطرحها المنظمة، والتي وافقت عليها الدول الأعضاء.
٦- تقديم فرص التدريب اللازمة للكوادر الفنية لدى البنوك الإسلامية في مجالات دراسة وتقييم وإدارة المشروعات الصناعية.
أما الصعوبات التي تعرضت لبحث بعضها آنفًا فعند وجود:
أ- المشروع المجدي.
ب- المتوسط الحجم.
جـ- ذو الغرض المقبول شرعًا من وجهة نظر إسلامية.
فإنه يمكن بالعمل الدؤوب تخطي الكثير منها والوصول إلى صيغ واتفاقات مقبولة.
وأما المنظمة فإن تعاونها مع مجموعة البنوك الإسلامية في دول الخليج سوف يساعدها بالتأكيد على الوصول إلى أهم أهدافها وهو تحقيق الإنماء الصناعي للمنطقة من منظور التعاون والتنسيق الاقتصادي، كما يساعدها في جهودها لتحقيق التكامل الصناعي بين دول منطقة الخليج العربي.
إن تعاون المنظمة مع البنوك الإسلامية يمثل أداة فعالة وقادرة على تخطي عقبات الروتين كما يمثل وصولًا أسرع إلى الإمكانيات المادية المطلوبة لدفع عملية التنمية والتكامل، ونحن كمجموعة مصارف إسلامية لنا أمل عريض في أن يشجع هذا التعاون جهات أخرى كثيرة في عالَمَيْنا العربي والإسلامي للسير في نفس الاتجاه وصولًا لتنمية الأمة ورفع مستوى الإنسان وتحقيقًا للاعتماد على النفس.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]
صدق الله العظيم
[ ٥ / ٩٤٧ ]
المؤتمر السنوي السادس للمجمع الملكي
لبحوث الحضارة الإسلامية
(مؤسسة آل البيت)
ندوة عن:
"خطة (استراتيجية) الاستثمار في البنوك الإسلامية:
الجوانب التطبيقية، والقضايا والمشكلات"
بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب / البنك الإسلامي للتنمية / جدة.
عمان
٢٢ شوال – ٢٥ شوال ١٤٠٧ هـ
١٨ /٦ – ٢١ /٦ /١٩٨٧م
[ ٥ / ٩٤٨ ]
بحث الدكتور محمد عبد الحليم عمر
عن