وآراء الفقهاء المتقدمين
فيه
إعداد
الشيخ محمد عبده عمر
باحث علمي في المركز اليمني للأبحاث الثقافية
بوزارة الثقافة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله. والصلاة والسلام على من قال: الدين المعاملة: أبي القاسم محمد خاتم الأنبياء وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وترسم خطاه إلى يوم الدين. وبعد.
فهذا بحث في موضوع: بيع المرابحة للآمر بالشراء.
واستجابة لرغبة مجمع الفقه الإسلامي المتضمنة خطاب سماحة أمينه العام المؤرخ ١٥ / ٨/ ١٤٠٨هـ في الكتابة في المواضيع التي تعرض على المجمع في دورته الخامسة المزمع انعقادها في ديسمبر ٨٨ م بدولة الكويت الشقيق فقد وقع اختياري على المواضيع التالية:
منزلة العرف من الأدلة الشرعية، وقد فرغت من الكتابة فيه. والآخر: بيع المرابحة.
وهو ما سوف نتناوله في بحثنا هذا إن شاء الله وقد قسم إلى المباحث التالية:
١- المبحث الأول:
تعريف بيع المرابحة في الاصطلاح الشرعي وآراء الفقهاء المتقدمين فيه.
٢- المبحث الثاني:
الإشارة إلى السوابق التاريخية للموضوع وما طرح فيه من أنظار شرعية إلخ.
٣- المبحث الثالث:
النظرة الفقهية إلى أدلة الخلاف ووجه الدلالة منها ومخارج الاستدلال. هذا والله وحده الهادف إلى الحق وإلى الصراط المستقيم.
[ ٥ / ٨٨١ ]
المبحث الأول:
١- تعريف المرابحة في الاصطلاح الشرعي: هي أن يذكر البائع للمشتري الثمن الذي اشترى به السلعة ويشترط عليه ربحًا كأن يقول البائع أنا اشتريت هذه السلعة بمائة دينار أو هي علينا بمائة دينار وأبيعك إياها بمائة وعشرة. وهناك عدة تعاريف وكلها تدور حول هذا المعنى وكلها تعني الزيادة على رأس المال. فعند الحنفية: المرابحة: نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول مع زيادة ربح. وقال بعض المالكية: المرابحة عبارة عن بيع السلعة بالثمن المشتراه به مع زيادة ربح معلوم للمتعاقدين: أما الحنابلة فقالوا: هو البيع برأس المال وربح معلوم. هذه التعاريف متقاربة المعنى كما نجدها مشتركة في مدلولها اللغوي: فالمرابحة في اللغة مشتقة من رابح واربح وكلا اللفظين يعنيان البيع أو الشراء بزيادة على رأس المال وهو الربح (١) وهذا هو المعنى الشرعي لمعنى المرابحة فاجتمع المدلول اللغوي مع المدلول الشرعي في الاصطلاح. وهذا التعريف للمرابحة ليس هو المقصود هنا بالبحث لأن بيع المرابحة بالتعريف المتقدم يكاد ينعقد الإجماع على صحته عند العلماء سلفا وخلفا بل إنه قد نقل الإجماع على صحة بيع المرابحة بالمعنى المتقدم وإن كان البعض من العلماء يفضل بيع المساومة عليه وهذا خلاف أفضلية وليس خلاف في عدم صحة بيع المرابحة. فبحثنا هذا لا يتعلق ببيع المرابحة بالمعنى الآنف الذكر على اعتبار أنه ليس هناك أي خلاف في صحته وجوازه وإن كانت هناك خلافات جزئية تفصيلية بين الفقهاء سلفا وخلفا وهذا شيء متعارف عليه بين الفقهاء في مسائل عديدة من فقه المعاملات وإن كنا لا بد وأن نتناول بيع المرابحة بالمعنى المذكور ولكنه ليس مقصودا لذاته بل لتحرير المسألة التي يتعلق بها بحثنا هذا وللإيضاح الكافي الذي يجلي المسألة المراد بحثها من أي ملابسة عملا بالقاعدة الفقهية المشهورة: الحكم على الشيء فرع عن تصوره ولكن بحثنا يتعلق بصورة التعامل التي تزاولها البنوك والمصارف الإسلامية تحت عنوان: بيع المرابحة للآمر بالشراء وصورتها: أن يتقدم العميل إلى البنك أو المصرف طالبا منه شراء سلعة معينة بالمواصفات التي يحددها على أساس الوعد منه أي من العميل بشراء تلك السلعة اللازمة له فعلا مرابحة بالنسبة التي يتفقان عليها ويدفع الثمن مقسطا حسب إمكانيته. فهذه الصورة كما يفهم من التعريف ذات شقين: أحدهما عندما يأتي العميل إلى البنك طالبا منه شراء سلعة معينة أو موصوفة ليست عند البنك فيعده البنك بأنه سيشتري السلعة التي يطلبها العميل ويبيعها له ويعده أي يعد العميل البنك بأنه سوف يشتري السلعة عند ما يقدمها البنك. وفي هذه الفترة يحددان الشراء والربح وطريقة الدفع نقدا أو مؤجلًا أو مقسطًا، وبعض المصارف أو البنوك تطلب دفع عربون مقدما.
والسلعة المطلوبة قد لا تكون موجودة في الأسواق المحلية فيستوردها البنك من الخارج.
٢- الشق الآخر: إبرام العقد وتبدأ بعد شراء البنك البضاعة وعرضها على العميل وقبوله لها: ما حكم هذه المعاملة في فقه الشريعة الإسلامية؟ فهذه هي نقطة البحث التي تتعلق بها الأنظار الشرعية. وإن كانت كما تقدمت الإشارة أتناول في البداية الموضوع بصفة عامة لتحرير وإيضاح نقطة البحث لا أكثر من ذلك.
المبحث الثاني: الإشارة إلى السوابق التاريخية للموضوع وما طرح فيه من أنظار شرعية إلخ.
_________________
(١) انظر مادة ربح في لسان العرب. المغني لابن قدامة ٤/١٣٦. البداية والنهاية لابن رشد ٢/٢١٤
[ ٥ / ٨٨٢ ]
تقدمت الإشارة إلى أن بيع المرابحة بالتعريف الفقهي المتقدم باستثناء تعريف نقطة البحث من البيوع الجائزة بين الفقهاء ويشترط في بيع المرابحة ما يشترط في البيع بصفة عامة ويختص بشروط خاصة أهم ما فيها علم المتابيعين برأس المال والربح كأن يقول البائع: رأس مالي مائة وربح عشرة. وفي هذا المبحث مسائل لا بد من تناولها. منها ما هو الذي يعد من رأس المال مما لا يعد وفي صفة رأس المال الذي يجوز أن يبنى عليه الربح. والأخرى حكم ما وقع من الزيادة أو النقصان في خبر البائع بالثمن.
فأما ما يعد في الثمن مما لا يعد: أي مما ينوب البائع على السلعة زائد على الثمن فإن المالكية يقسمونه إلى ثلاثة أقسام: قسم يعد في أصل الثمن ويكون له حظ من الربح. وقسم يعد في أصل الثمن ولا يكون له حظ من الربح وقسم لا يعد في أصل الثمن ولا يكون له حظ من الربح. فأما الذي يحسب في رأس المال ولا يجعل له حظ من الربح فهو الذي لا يؤثر في عين السلعة مما لا يمكن البائع أن يتولاه صاحب السلعة بنفسه كالسمسرة والطي والشد وقال أبو حنيفة بل يحتمل على ثمن السلعة كل ما نابه عليها وقال أبو ثور: لا تجوز المرابحة إلا بالثمن الذي اشترى به السلعة فقط. إلا أن يفصل ويفسخ عند البيع إن وقع، قال: لأنه كذب لأنه يقول: أي صاحب السلعة ثمن سلعتي كذا وكذا وليس الأمر كذلك وهو عنده أي عند أبي ثور من باب الغش. وأما الذي يحسب في رأس المال ويجعل له حظ من الربح فهو ما كان مؤثرا في عين السلعة مثل الخياطة والصباغ. وأما صفة رأس المال: أي الثمن الذي يجوز أن يخبر به فإن مالكًا والليث بن سعد قالا فيمن اشترى سلعة بدنانير والصرف يوم اشتراها صرف معلوم ثم باعها بدنانير تختلف عن الدنانير التي اشترى بها أو بدراهم والصرف قد تغير إلى زيادة أنه ليس له أن يطلب سعر الصرف الذي كان يوم شرائه للسلعة. كما اختلف بعض فقهاء المالكية: فيمن ابتاع سلعة بعروض هل يجوز له أن يبيعها مرابحة أم لا يجوز فقال ابن القاسم يجوز له بيعها بالثمن الذي اشتراها به من العروض ولا يجوز له على القيمة. وقال أشهب: لا يجوز لمن اشترى سلعة من العروض أن يبيعها مرابحة لأنه يطالبه بعروض على صفة عرضه. وفي الغالب لا يكون عنده فهو من باب بيع ما ليس عنده. كما اختلف مالك وأبو حنيفة فيمن اشترى سلعة بدنانير ثم أخذ بالدنانير عروضا أو دراهم فهل يجوز له بيعها مرابحة دون أن يعلم (١) بما نقد أم لا يجوز؟ فقال مالك لا يجوز إلا أن يعلم بما نقد وقال أبو حنيفة يجوز أن يبيعها منه مرابحة على الدنانير التي ابتاعها: أي التي ابتاع بها السلعة دون العروض التي أعطى فيها أو الدراهم. وقال مالك أيضا فيمن اشترى سلعة بأجل فباعها مرابحة أنه لا يجوز حتى يعلم بالأجل وقال الشافعي إن وقع كان للمشترى مثل أجله. وقال أبو ثور هو كالعيب وله الرد به أما حكم ما وقع فيه من الزيادة والنقصان في خبر البائع بالثمن. فقد اختلف فيه فقهاء السلف ومن هذه المسائل مسألة من ابتاع سلعة مرابحة على ثمن ذكره ثم ظهر بعد ذلك إما بإقراره أو ببينة أنه كان أقل، والسلعة قائمة فقال مالك وجماعة: المشتري بالخيار.
_________________
(١) انظر البداية والنهاية لابن رشد المرجع السابق
[ ٥ / ٨٨٣ ]
إما أن يأخذ بالثمن الذي صح أو يترك إذا لم يلزمه البائع أخذها بالثمن الذي صح، وإن ألزمه لزمه. وقال أبو حنيفة ونفر بل المشتري بالخيار على الإطلاق ولا يلزمه الأخذ بالثمن الذي إن ألزمه البائع لزمه. وقال الثوري وابن أبي ليلى وأحمد وجماعة بل يبقى البيع لازمًا لهما بعد حط الزيادة وعن الشافعي قولان قول بالخيار مطلقا وقول باللزوم بعد الحط وحجة من أوجب البيع بعد الحط أن المشتري إنما أربحه على ما ابتاع به السلعة لا غير ذلك فلما ظهر خلاف ما قال وجب أن يرجع إلى الذي ظهر كما لو أخذه بكيل معلوم فخرج بغير ذلك الكيل إنه يلزمه توفية ذلك الكيل. وحجة من رأى أنه الخيار مطلقًا تشبيه الكذب في هذه المسألة بالعيب أعنى أنه كما يوجب العيب الخيار كذلك يوجب الكذب.
وأما إذا فاتت السلعة فقال الشافعي يحط مقدار ما زاد من الثمن وما وجب له من الربح وقال مالك: إن كانت قيمتها يوم القبض أي يوم البيع على خلاف عنه في ذلك مثل ما وزن المباع أو أقل فلا يرجع عليه بشيء: أي فلا يرجع عليه المشتري بشيء وإن كانت القيمة أقل خير البائع بين رده للمشتري القيمة أورده الثمن أو إمضائه السلعة بالثمن الذي صح. وأما إذا باع الرجل سلعته مرابحة ثم أقام البينة أن ثمنها أكثر مما ذكره وأنه وهم في ذلك والسلعة قائمة. فقال الشافعي: لا يسمع منه تلك البينة لأنه كذبها آخر. وقال مالك في هذه المسألة إذا فاتت السلعة يخير المبتاع أن يعطى قيمة السلعة يوم قبضها أو أن يأخذها بالثمن الذي صح. ومعرفة أحكام هذا البيع في مذهب السادة المالكية. ينبني على معرفة أحكام ثلاثة وما تركب منها وهي حكم مسألة الكذب وحكم مسألة الغش وحكم مسألة وجود العيب فأما حكم الكذب فقد تقدمت الإشارة، وأما حكم الرد بالعيب فهو حكمه في البيع المطلق. وأما حكم الغش عنده فهو تخيير البائع مطلقا وليس للبائع أن يلزمه البيع وإن حط عنه مقدار الغش كما له ذلك في مسألة الكذب (١) .
_________________
(١) الأم للشافعي ج٣ ص٣٤
[ ٥ / ٨٨٤ ]
ومما تقدم يتضح لنا بأن هذه المعاملة معروفة في كتب الفقه الإسلامي. أما الخلاف فيما يتعلق ببحثنا فهو وقوع البيع على الإلزام من أول الأمر بمعنى أن البنك ملزم بالبيع مرابحة للآمر بالشراء. والآمر بالشراء ملزم بتنفيذ وعده بالشراء عندما يقدم له البنك السلعة المطلوبة. فهذه معاملة مركبة من وعد بالشراء وبيع المرابحة فهي في الحقيقة ليست من باب بيع الإنسان ما ليس عنده؛ لأن البنك لا يبيع شيئا ابتداء، وإنما يتلقى أمرًا بالشراء وبالتالي فهو لا يبيع حتى يملك ما هو مطلوب منه ويعرضه على المشتري ليرى ما إذا كان مطابقًا لما وصف أم لا. وبالتالي فإن هذه المعاملة لا تنطوي على ربح ما لم يضمن؛ لأن البنك قد اشترى فأصبح مالكا يتحمل تبعة الهلاك.
هذه خلاصة وجهة نظر المجيزين لهذه المعاملة من بعض الفقهاء المعاصرين، أما علماء السلف بما فيهم أصحاب المذاهب الفقهية المشهورة فلا أعلم أحدًا منهم أجاز هذه المعاملة، والمشهور من بعض علماء السلف ﵃ جواز هذه المعاملة إذا جعل الخيار للطرفين أو لأحدهما. أما الفقهاء المعاصرون فإن أول خلاف ظهر بينهم في هذه المسألة عندما طرح هذا الموضوع على بساط البحث في مؤتمر المصرف الإسلامي بدبي ١٣٩٩ هـ ١٩٧٩م، وكان رأي الأغلبية جواز الإلزام بالوعد في هذه المعاملة وقد جاءت توصية المؤتمر كالتالي: " يرى المؤتمر أن هذا التعامل يتضمن وعدًا من عميل المصرف بالشراء في حدود الشروط المنوه عنها ووعدا آخر من المصرف بإتمام هذا البيع بعد الشراء طبقا لذلك الشرط. إن مثل هذا الوعد ملزم للطرفين قضاء طبقا لأحكام المذهب المالكي. وملزم للطرفين ديانة طبقًا لأحكام المذاهب الأخرى. وما يلزم ديانة يمكن الإلزام به قضاء إذا اقتضت المصلحة ذلك وأمكن للقضاء التدخل فيه. تحتاج صيغ العقود في هذا التعامل إلى دقة شرعية فنية وقد يحتاج الإلزام القانوني بها في بعض الدول الإسلامية إلى إصدار قانون بذلك " نصًّا: (١) .
_________________
(١) انظر مؤتمر المصرف الإسلامي بدبي ١٣٩٩ هـ ١٩٧٩م ص١٤
[ ٥ / ٨٨٥ ]
وطرح هذا الموضوع نفسه في مؤتمر المصرف الإسلامي الثاني المنعقد بالكويت في جمادى الآخر ١٤٠٣ هـ مارس ١٩٨٣، وأصدر المؤتمر فيه التوصية التالية:
٨ – " يقرر المؤتمر أن المواعدة على بيع المرابحة للآمر بالشراء بعد تملك السلعة المشتراة وحيازتها ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الموعد السابق هو أمر جائز شرعًا طالما كانت تقع على المصرف الإسلامي مسئولية الهلاك قبل التسليم وتبعة الرد فيما يستوجب الرد بعيب خفي. وأما بالنسبة للوعد ملزما للآمر أو المصرف أو كليهما فإن الأخذ بالإلزام هو الأحفظ لمصلحة المصرف، والأحفظ لمصلحة التعامل واستقرار المعاملات وقيمة مراعاة لمصلحة المصرف والعميل وأن الأخذ بالإلزام أمر مقبول شرعًا وكل مصرف مخير في الأخذ بما يراه في مسألة القول بالإلزام حسب ما تراه هيئة الرقابة الشرعية لديه " نصًّا.
بهذا الاستعراض للسوابق التاريخية للموضوع وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بنقطة البحث نخلص من تحرير الموضوع إلى النقاط التالية:
١ – أولا عنوان بحث الموضوع والمحدد تسميته من قبل المجمع: ببيع المرابحة للآمر بالشراء غير دقيق؛ لأن هذا العنوان تدخل فيه صور من بيع المرابحة للآمر بالشراء أجازها العلماء سلفا وخلفا مما جعل البحث في الموضوع محل التباس تبعًا لالتباس العنوان. وأرى ضرورة التسمية التالية: بيع الأمانة للآمر بالشراء لمقابل ربح معلوم للبائع المؤتمن على شراء السلعة للآمر بالشراء؛ لأن هذا البيع في نظري هو بيع أمانة أقرب منه للمرابحة، وهذا التخريج لهذا النوع من البيع يخرجنا من الخلاف الفقهي وعلى وجه الخصوص يخرجنا من النص النبوي الشريف الذي يتمسك به بعض الفقهاء من قوله ﵊: " لا تبع ما ليس عندك " على أن لي بعض الملاحظات على وجه الاستدلال بهذا الحديث سوف أوضحها في مكانها من هذا البحث إن شاء الله. كما يخرجنا من الخلاف الفقهي الذي يمثل من وجهة نظري جوهر الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة سلفا وخلفا والخاص بالوفاء بالوعد من جانب العميل خاصة إذا علمنا بأن جمهور الفقهاء قد جوزوا هذا النوع من البيع إذا جعل الخيار للطرفين أو لأحدهما. كما أن الفقهاء المعاصرين مجمعون ولا يوجد بينهم خلاف حسب علمي بأن الخيار في هذا النوع من البيع، إذا جعل الطرفان بالخيار أو أحدهما فإنه يعتبر جائز شرعًا، وإنما الخلاف بين السلف والخلف منصب في هذه المسألة على الوعد الذي يعد به العميل البنك أو المصرف من أخذ السلعة عندما يقدمها له البنك وتكون مطابقة للمواصفات التي اشترطها العميل في توفرها في السلعة. هل الوعد شرعًا ملزم للعميل بأخذ السلعة أو ليس ملزما. وقد تقدم لنا في هذا البحث استعراض أقوال الفقهاء وخلاصة مؤتمرَي دبي والكويت.
[ ٥ / ٨٨٦ ]
٢ – ثانيا: استدلال بعض الفقهاء بحديث: لا تبع ما ليس عندك، ووجه الاستدلال بهذا الحديث على مسألتنا مناط البحث واضح: وهو أن البنك أو المصرف عندما يعد العميل ببيع السلعة لا يكون البنك أو المصرف قد ملك تلك السلعة، وبالتالي فإن هذا البيع لا يجوز استنادًا إلى نص الحديث. ولكن هذا الاستدلال من وجهة نظري غير دقيق للأسباب التالية.
١ – أولا: أن قوله ﵊: «لا تبع ما ليس عندك» يحتمل أن النهي منصب على تحريم بيع الإنسان لأخيه شيئًا لا يقدر على تسليمه للمشتري وقت العقد؛ لأن هذا النوع من البيع نوع من بيوع الغرر التي نهى الشارع عنها، ومن الأمور التي لا يستطيع البائع تسليمها وقت العقد كبيع الطير في الهواء والسمك في الماء ومن باب أولى يشمل النهي بيع الفضولي ما ليس يملكه وإن كان بعض الفقهاء قد أجازوه إذا أجازه من يملك عين المبيع بالشروط المعتبرة، كما يحتمل أن ينصب النهي على كل بيع لا يستطيع البائع تسليمه للمشتري وقت إبرام العقد وإن كان يملكه، هذا من ناحية وجه الاستدلال بهذا الحديث على مسألتنا فالحديث بهذا الاحتمال تصبح دلالته ظنية أي غير قائمة الحجة على المخالف؛ لأنها غير قطعية الدلالة على محل الخلاف، أما من ناحية أصولية فإن الحديث يشتمل على عموم وخصوص مطلق يجتمعان في النهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده، وينفرد الجواز في بيع الإنسان ما يملكه مما هو قادر على تسليمه؛ لأنه يسمى عرفًا عنده وإن كان غير قادر على تسليمه وقت العقد إذا أخبر المشتري بذلك وهذا ما جرى عليه عرف المسلمين في معاملاتهم.
وبالنظر إلى مناط الاستدلال بهذا الحديث على مسألتنا نجد وجه الاستدلال غير دقيق؛ لأن هذه المسألة مركبة من طرفين أو جزأين من وعد بالشراء من جانب العميل طرف، وبيع بالمرابحة من جانب البنك أو المصرف وبالتالي فهي ليست من قبيل بيع الإنسان ما ليس عنده، فجهة النهي منفكة؛ لأن البنك لا يبيع شيئا ابتداء وإنما يتلقى أمرا بالشراء وبالتالي فهو لا يبيع حتى يملك ما هو مطلوب منه وطبقًا للمواصفات الدقيقة التي يحددها الآمر بالشراء، فإذا جاءت السلعة على خلاف الشروط والمواصفات الدقيقة فإن المشتري بالخيار إن شاء عقد الصفقة وأبرم العقد، وإن شاء فسخ البيع باتفاق المذاهب الفقهية، وليس في هذا النوع من البيع شيء من الغرر المحتمل وجوده في حديث: لا تبع ما ليس عندك، كما تقدمت الإشارة، ومعلوم عند علماء سلف الأمة وخلفها بأن نصوص الكتاب والسنة الخاصة بالمعاملات معللة ومعقولة المعنى وخاضعة للحكمة والمصلحة التي تختلف باختلاف الزمان والمكان، ومن هذا المنطلق كانت المذاهب الفقهية وزخرت المكتبات بإنتاج العقول المتفقهة في كنوز الكتاب والسنة. وهذه هي مهمة المجمع الذي بدأ بخطى ثابتة ومباركة مما جعله الآن موضع اهتمام أمتنا الإسلامية التي تأمل من علمائها وفقهائها الأجلاء مساندتها ومساعدتها على جمع كلمتها في الرأي خاصة في هذا الظرف الذي نجد فيه أمتنا الإسلامية مستهدفة من الطامعين في خيراتها وموقعها والذين ما برحوا يخططون لزرع الفتن بين أبنائها.
[ ٥ / ٨٨٧ ]
فإذا لم نجد للمسألة حكمًا من الكتاب ولا السنة ولا الإجماع ولا القياس الصحيح فإن الواجب على المجتهد والحالة هذه أن يلجأ للالتماس في حكم المسألة إلى المصادر الشرعية المعتبرة.
المبحث الثالث: النظرة الفقهية إلى أدلة الخلاف ووجه الدلالة منها ومخارج الاستدلال:
أن أدلة الخلاف في المسألة مناط البحث تنحصر أصولها في الآتي:
١ – عن عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال «: لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك» رواه الخمسة إلا ابن ماجه. الحديث: في ج٢ من كتاب المنتقى لابن تيمية الجَدّ، طبعة أولى عام ١٣٥١ هـ- ١٩٣٢ م ص٣٣٢ (١) .
٢ – عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك» رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم وأخرجه في علوم الحديث من رواية أبي حنيفة عن عمرو المذكور بلفظ: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع وشرط» ثم قال ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني في الأوسط وهو غريب، متن بلوغ المرام (٢) .
_________________
(١) انظر ٥ و٦ من نيل الأوطار ص ١٧٥ وما بعدها
(٢) انظر ٥ و٦ من نيل الأوطار ص ١٧٥ وما بعدها
[ ٥ / ٨٨٨ ]
٣ – عن حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه قال: «قلت: يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني عن البيع ليس عندي ما أبيعه منه، ثم أبتاعه من السوق. فقال: لا تبع ما ليس عندك»، رواه الخمسة، هذه هي النصوص الثابتة بالسنة ومكان الدليل منها على المسألة عند القائلين به هو قوله ﵊: «لا تبع ما ليس عندك»، وقد سبق في المبحث الثاني مناقشتي لوجه الدلالة، ووجهة نظر المستدلين بها. وقصدت بجمع نصوص الحديث وكان بالإمكان الاكتفاء بحديث حكيم بن حزام لولا أن الإمام محمد بن علي الشوكاني ﵁ قال في سنده عند شرحه للحديث: ما يلي " الحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه وقال الترمذي حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن حيكم، انتهى. وفي بعض طرقه عبد الله بن عصمة زعم عبد الحق أنه ضعيف جدا، قال: والكلام للشوكاني:ولم يتعقبه ابن القطان بل نقل عن ابن حزم أنه مجهول. قال الحافظ وهو جرح مردود فقد روى عنه ذلك ثلاثة كما في التلخيص وقد احتج به النسائي، وفي الباب عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند أبي داود والترمذي، وصححه النسائي وابن ماجه قال: قال رسول الله ﷺ «:لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا في ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك» قال الإمام الشوكاني: قوله: " ما ليس عندك "، أي ما ليس في ملكك وقدرتك. ثم قال: والظاهر أنه يصدق على العبد المغصوب الذي لا يقدر على انتزاعه ممن هو في يده، وعلى الآبق الذي لا يعرف مكانه، والطير المنفلت الذي لا يعتاد رجوعه، ويدل على ذلك معنى عند لغة، قال الرضى: إنها تستعمل في الحاضر القريب وما هو في حوزتك وإن كان بعيدا، انتهى. فيخرج عن هذا ما كان غائبًا خارجا عن الملك أو داخلًا فيه خارجًا عن الحوزة. وظاهره أنه يقال لما كان حاضرا وإن كان خارجا عن الملك فمعنى قوله ﷺ وآله وسلم «لا تبع ما ليس عندك» أي ما ليس حاضرا عندك ولا غائبا في ملكك وتحت حوزتك. قال البغوي: النهي في هذا الحديث عن بيوع الأعيان التي لا يملكها، أما بيع شيء موصوف في ذمته فيجوز فيه السلم بشروطه فلو باع شيئا موصوفا في ذمته عام الوجود عند المحل المشروط في البيع جاز، وإن لم يكن المبيع موجودا في ملكه حالة العقد كالسلم. قال: وفي المعنى بيع ما ليس عنده في الفساد بيع الطير المنفلت الذي لا يعتاد رجوعه إلى محله، فإن اعتاد الطائر أن يعود ليلًا لم يصح عند الأكثر إلا النحل، فإن الأصح فيه الصحة كما قاله النووي في زيادات الروضة وظاهر النهي تحريم بيع ما لم يكن في ملك الإنسان ولا داخلا تحت مقدرته. وقد استثنى من ذلك السلم فتكون أدلة جوازه مخصصة لهذا العموم.
وكذلك إذا كان المبيع في ذمة المشتري إذ هو كالحاضر المقبوض، هذه خلاصة وجهة نظر الإمام الشوكاني ومن نقل عنهم، نجد فيها الاحتمالات التي أشرنا إلى بعضها في المبحث الثاني من هذا البحث. ولكنا نجد الإمام النووي يصرح بجواز البيع إذا كان البيع في ذمة المشتري إذ هو - أي المبيع - كالحاضر المقبوض، انتهى.
[ ٥ / ٨٨٩ ]
وإذا أمعنا النظر في حديث حكيم بن حزام وفي استفتائه للنبي ﵊ بهذه الصيغة: يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني عن البيع ليس عندي ما أبيعه منه، ثم أبتاعه من السوق، إن المعنى المتبادر إلى الذهن من منطوق الحديث أن الرجل طالب السلعة يأتي إلى حكيم ليأخذ منه سلعة في الحال، فيتفقان على الثمن دون علم المشتري أن السلعة التي أبرم بشأنها العقد غير موجودة عند حكيم، ثم يذهب حكيم خلسة إلى السوق فيبحث عن السلعة التي عقد بشأنها العقد مع المشتري فيأخذها من السوق فيأتي بها ليسلمها إلى المشتري. فكانت فتوى هذا السؤال: لا تبع ما ليس عندك، لما في ذلك من الغرر والمخاطرة.
أما الغرر فلما فيه من إيهام المشتري بأن السلعة المطلوبة موجودة لدى البائع وقت إبرام العقد حيث لم يقل حكيم: إنه ليأتيني الرجل فيسألني عن البيع، فأقول له السلعة المطلوبة ليست عندي ولكني أعدك بعد إبرام العقد بالذهاب إلى السوق، وأخذها وأعرضها لك وتسليمك إياها حسب المواصفات المتفق عليها في صيغة العقد. فلو كان السؤال على هذا الوجه الذي يحاول المستدل على تحريم نوع البيع في مسألتنا هذه لربما كانت الفتوى بقوله ﵊ «لا تبع ما ليس عندك» على خلاف ما هي عليه.
فوجه الدلالة في الحديث افتراضية على خلاف منطوق الحديث ومفهومه وسببه. وأما المخاطرة فلربما ذهب إلى السوق فلم يجد السلعة المباعة مما يثير الخلاف والمنازعة بين البائع ما ليس عنده والمشتري. . . إلخ.. وربما كانت حاجة المشتري إلى السلعة لا تحتمل التأخير إما لحاجته إليها في الحال وإما لنفاذها من السوق بسبب إيهام المشتري بأن السلعة المطلوبة بحوزة البائع مما يجعل المشتري يطمئن إلى محادثة البائع المدلس وضياع جزء من الوقت كان بإمكان المشتري طالب السلعة الحصول عليها بيسر وسهولة لو أن البائع المدلس قال لطالب السلعة: السلعة المطلوبة لا توجد الآن عندي فإن أحببت أحضرتها لك عند الحصول عليها، وإن كنت تريدها الآن فبإمكانك الذِّهَاب إلى السوق أو إلى التاجر الفلاني وهذا من باب النصيحة.
٢ – الدليل الثاني من أدلة الخلاف يتعلق بالعميل: أي الوفاء بالوعد بمعنى هل الوفاء بالوعد من جانب العميل يأخذ السلعة عند إحضارها من قبل البنك أو المصرف ملزم أو غير ملزم. ومما زاد الخلاف في المسألة: صيغ الوفاء بالوعد من الكتاب والسنة مختلفة حسب اختلاف الآثار المترتبة عليها فليست كلها تحمل على الوجوب، وليست كلها تحمل على الندب والاستحباب. مما حدا ببعض الفقهاء إلى التفريق بين الوفاء بالوعود التي يترتب على عدم الوفاء بها إضرار للطرف الآخر فجعلوا الوفاء بها واجب وملزم مثل أن يقول فلان من الناس لآخر: اهدم دارك هذه وابن مكانها أخرى وأنا أسلفك ما تحتاج إليه من تكاليف بناء للدار. فيقوم صاحب الدار بهدمها، فإن الوفاء بالوعد ملزم؛ لأن الواعد أدخل الموعود في ورطة، وعلى ذلك فقس مثل قول الواعد لآخر: تزوج وأنا أسلفك تكاليف الزواج، ونحو ذلك، فقالوا: بلزوم كل وعد أدخل الموعود في ضرر من جراء تسبب عدم وفاء الواعد بوعده كما ذهب فريق من الفقهاء إلى الإلزام بالوفاء بالوعد مطلقًا.
[ ٥ / ٨٩٠ ]
وفريق آخر ذهب إلى عدم الإلزام بالوعد مطلقا، ومن هذا الفريق الأئمة الثلاثة ورواية عن الإمام مالك. علمًا بأن الأئمة الثلاثة ما عدا مالك يجوزون هذا النوع من البيع إذا كان الخيار لهما أو لأحدهما، ولم يحتجوا بحديث حكيم بن حزام المتقدم على فساد البيع مما أضعف الاستدلال به في مسألتنا هذه، ومما يلاحظ في هذه المسألة أن كلام الفقهاء منصب في باب الوفاء بالوعد على العميل دون صاحب البنك أو المصرف فيما إذا لم يلتزم بالوفاء للعميل حسب الاتفاق الذي تم بينهما، فحسب علمي لم أجد أحدًا تناول الطرف الآخر بالإلزام أو بعدمه أو غير ذلك، كما هو الخلاف بالنسبة للعميل علمًا بأن الأضرار التي تلحق بصاحب البنك أو المصرف قد تلحق بالعميل إذا كان يترتب على عدم وفاء البنك بما التزم به من إحضار السلعة بوقت معين معلوم إضرار بالعميل: والخلاصة لهذا المبحث تتحدد في أن النصوص التي وردت في إطار الظنية في ثبوتها أو دلالتها، وهنا يتصدى الاجتهاد للبحث عن صحة السند من خلال دراية السند وطرق روايته أو يتصدى الاجتهاد للبحث في تفسير تلك النصوص بما يؤدي إلى وضوح الدلالة على المعاني المراد منها: الأمر (١) الذي يحتم على مجمعنا الموقر حسم الخلاف في هذه المسألة التي أصبحت ملحة وضرورية في حياة الأمة الإسلامية ولنا في مصادر الاجتهاد النبع الذي لا ينضب فإذا كانت النصوص ظنية الدلالة وشقة الخلاف فيها متسعة، والمسألة المطروحة ضرورية وملحة فإننا نلجأ لترجيح أحد القولين أو الأقوال على الآخر باستلهام روح التشريع الإسلامي الذي استهدف في أحكامه تحقيق مصالح الناس ودفع المفاسد عنهم، وهو الذي يقدر ما إذا كان عملا معينا يحقق لهم مصلحة: أي يجلب لهم نفعا أو يدفع عنهم مفسدة، أي يدرأ عنهم ضررًا. وقد ذهب المالكية إلى أن المصلحة تخصص النص غير القطعي ومنها كل النصوص العامة، ومن ذلك تخصيص الحديث النبوي «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر» فإن المصلحة تقتضي عدم تحليف المدعى عليه إلا إذا كان بينه وبين المدعي خلطة حتى لا يسيء السفهاء استغلال هذا الحق ويكيدون لغيرهم رفع دعاوى أمام القضاء، كما أن المذهب الحنفي ويخصص النص بالمصلحة وإن كان عندهم يأخذ اسم الاستحسان ومنها تخصيص الحديث الذي يوجب رؤية العيان في الشهادة فأباحوا قبول شهادة التسامع في إثبات بعض الحقوق إذا اقتضت المصلحة فيها ذلك، مثل إثبات أصل الوقف صيانة للأوقاف القديمة من الضياع، وأجازوها في إثبات النسب والوفاة والدخول بالزوجة ومنها حديثنا محل الخلاف. فقد خصصوا النهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده. فأباحوا بيع الثمار المتلاحقة بعد بدو صلاحها. وكذلك تخصيص النصوص التي توجب أن يكون الشهود من الرجال وحدهم أو من الرجال والنساء معًا، فأباحوا قبول شهادة النساء وحدهن فيما لا يطلع عليه سوى النساء مثل الجرائم التي تقع في الحمامات الخاصة بالنساء وشهادة القابلة على واقعة الولادة وتعيين المولود عند النزاع فيه.
_________________
(١) انظر الجامع الصحيح ٣/٥٣٦ الغرر وأثره للدكتور الصديق الضرير ص٣١٨. وما بعدها
[ ٥ / ٨٩١ ]
خلافًا للحنابلة الذين يرون عدم جواز تخصيص النص بالمصلحة على الرغم من أخذهم بنظرية المصالح المرسلة وحجتهم في أنه لا محل للنظر إلى المصلحة إلا عند فقدان النص، ولا مجال للنظر إليها عند وجوده؛ لأن دلالة النص وعمومه مقدمان على النظر إلى المصلحة. كما ذهب الشافعي إلى رفض الأخذ بنظريتي الاستحسان والمصالح المرسلة إلى عدم تخصيص النص، ولو كان غير قطعي الدلالة بالمصلحة؛ لأنه يرفض التسليم بالمصلحة كأصل للتشريع، غير أنه يصل إلى ذات النتيجة التي يصل إليها من يأخذ بالمصلحة المرسلة كأساس للتشريع، ويخصصون بها النص ولكن عن طريق أصل آخر هو تحكيم قاعدة الضرورات تبيح المحظورات (١) . وعلى الرغم من الخلاف الشكلي بين الأئمة الثلاثة فإن المصلحة المرسلة أصبحت مصدرًا خصبا للفقه الإسلامي تخصص بعض النصوص وتفسر البعض الآخر منها فمن أمثلة الاعتماد عليها في تفسير النصوص وفهمها منع عمر بن الخطاب ﵁ إعطاء المؤلفة قلوبهم سهمًا في الزكاة رغم الأمر بذلك في القرآن كما أوقف عقوبة السرقة في عام المجاعة وأبقى أرض العراق وغيرها من الأرض المفتوحة في أيدي أصحابها، وفرض ضريبة الخراج عليها بدلا من توزيعها على الفاتحين: وفي هذا الصدد يقول المالكية تعبيرهم المشهور: " فحيث تكون المصلحة العامة للمسلمين يكون شرع الله " (٢) .
وبعد هذا الاستعراض، ولكون هذا النوع من البيوع أصبح اليوم في حكم الضرورة وبما أن القاعدة الشرعية: هي أن الأصل في المعاملات الإباحة إلا ما قام الدليل المعتبر شرعًا على تحريمه فإنني أرجح جواز إباحة التعامل بهذا البيع مع وضع الشروط والضوابط اللازمة شرعًا، ولو لم يكن في نظري أي مرجح لهذا النوع من البيع إلا تخصيص الحديث النبوي الذي ينهى عن بيع ما ليس عند البائع على فرض سلامة وجه الاستدلال منه لكانت المصلحة وحدها كافية لتخصيصه، ولا يفوتني هنا أن أذكر أصحاب الفضيلة أعضاء المجمع الموقرين بترابط النظرة الفقهية للمجمع في هذه المسألة. وبين القرار رقم (١) و٢/٧. /٨٦ بشأن استفسارات البنك الإسلامي للتنمية الذي أصدره في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من ٨ إلى ١٢ صفر ١٤٠٧ هـ / ١٢ إلى ١٦ أكتوبر ١٩٨٦ م. حيث جاء فيه ما يلي: " المبدأ الأول: أن الوعد من البنك الإسلامي للتنمية بإيجار المعدات إلى العميل بعد تملك البنك لها أمر مقبول شرعا.
المبدأ الثاني: أن توكيل البنك الإسلامي للتنمية أحد عملائه بشراء ما يحتاجه ذلك العميل من معدات وآليات ونحوها مما هو محدد الأوصاف والثمن لحساب البنك بغية أن يؤجره البنك تلك الأشياء بعد حيازة الوكيل لها هو توكيل مقبول شرعا. والأفضل أن يكون الوكيل بالشراء غير العميل المذكور إذا تيسر ذلك.
_________________
(١) انظر المدخل للزرقا ص ٥٧ وما بعدها المستصفى للغزالي ص١٣٧، والأم للشافعي ج٧ ص٣٧٣- ٣٧٤
(٢) انظر محمد يوسف موسى: المدخل ص١٨٩، ١٩١، أصول الفقه للبرديسي ١٩٦٩ ص٢١ وما بعدها
[ ٥ / ٨٩٢ ]
المبدأ الثالث: إن عقد الإيجار يجب أن يتم بعد التملك الحقيقي للمعدات وأن يبرم بعقد منفصل عن عقد الوكالة والوعد.
المبدأ الرابع: أن الوعد بهبة المعدات عند انتهاء أمد الإجارة جائز بعقد منفصل.
المبدأ الخامس: أن تبعة الهلاك والتعيب تكون على البنك بصفته مالكا للمعدات ما لم يكن ذلك لتعد أو تقصير من المستأجر فتكون التبعة عندئذ عليه. . . إلخ.
والله أسأل أن يهدينا سواء السبيل ويلهمنا طريق الحق والصواب
إنه ولي ذلك والقادر عليه.
بقلم عضو المجمع محمد عبده عمر
أهم مراجع البحث:
١ – البداية والنهاية لابن رشد.
٢ – المدخل لفضيلة الشيخ الزرقا.
٢ – المغني لابن قدامة.
٣ – الأم للإمام الشافعي.
٤ – زاد المعاد للإمام ابن القيم.
٥ – نيل الأوطار للإمام الشوكاني.
٦ – متن بلوغ المرام على شرح سبل السلام.
٧ – الجامع الصحيح.
٨ – الغرر وأثره لفضيلة الشيخ الصديق الضرير.
٩ – المستصفى للإمام الغزالي.
١٠- محمد يوسف موسى المدخل.
١١- أصول الفقه للبرديسي.
١٢- أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف.
١٣- إعلام الموقعين لابن القيم.
١٤- غمز عيون البصائر لشهاب الدين الحموي.
[ ٥ / ٨٩٣ ]
المؤتمر السنوي السادس للمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية
(مؤسسة آل البيت)
ندوة عن:
"خطة (استراتيجية) الاستثمار في البنوك الإسلامية:
الجوانب التطبيقية، والقضايا والمشكلات".
بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب/ البنك الإسلامي للتنمية/ جدة.
عمان ٢٢ شوال – ٢٥ شوال ١٤٠٧ هـ
١٨/٦ – ٢١/٦/١٩٨٧م
بحث الدكتور عبد الستار أبو غدة
عن