الأحكام المتعلقة
ببعض ذوي الأمراض المستعصية
إعداد
الدكتور علي داود الجفال
عميد كلية العين
خطة البحث
الباب الأول: سر المهنة.
- الفصل الأول: - المقصود بسر المهنة.
- متى يستثنى من وجوب كتمان السر.
- ما هي العقوبات التي تقع على من يكشف سر مريضه.
- الفصل الثاني: - مداواة الرجل للمرأة، والمرأة للرجل.
- الفصل الثالث: - التداوي بالمحرمات.
- الفصل الرابع: - واجبات الطبيب في السلم والحرب.
- الفصل الخامس: - استطباب غير المسلم.
الباب الثاني: مسؤولية الطبيب
- الفصل الأول: - الكلام على معنى المسؤولية ومشروعيتها في الفقه الإسلامي.
- الفصل الثاني: - الكلام على أسباب المسؤولية، وطرق رفعها وتضمين الطبيب الجاهل.
- الفصل الثالث: - هل يمكن أن تقوم نقابة الأطباء أو شركة التأمين بدور العاقلة؟
الخاتمة: في الآداب التي يجب على الطبيب أن يتحلى بها.
[ ٨ / ١١٢٨ ]
الباب الأول
سر المهنة
بسم الله الرحمن الرحيم
الفصل الأول
المقصود بسر المهنة
المهنة:
مهن الرجل مهنًا، ومهنة، ومهنة: اتخذ صنعة (١) المهنة: بالفتح الخدمة، وحكى أبو زيد والكسائي: المهنة بالكسر، وأنكره الأصمعي (٢) .
والماهن: الخادم، وقد (مهن) القوم يمهنهم بالفتح فيهما (مهنة) أي خدمهم.
المهنة بالكسر والفتح والتحريك: الحذق بالخدمة والعمل، مهنه كمنعه ونصره، مهنا ومهنة، وبكسر: خدمه وضربه وجهده، وامتهنه: استعمله للمهنة (٣) .
مهن الرجل مهنًا ومهنة: عمل في صنعته، و فلانًا: جهده و الثوب: ابتذله.
امتهن: اتخذ مهنة، يقال: امتهن الحياكة مثلًا.
المهنة: العمل، العمل يحتاج إلى خبرة ومهارة وحذق بممارسته، ويقال: ما مهنتك هاهنا؟ عملك. وهو في مهنة أهله: في خدمتهم (٤) .
السر: واحد الأسرار، وهو ما يكتم، والسريرة مثله، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩]، أي يوم القيامة تختبر الأسرار وتعرف، وهو ما يسر في القلوب من النيات والاعتقادات وغيرها فيعرف الحسن منها من القبيح.
وتقول: أسررت إلى فلان إسرارًا وساررته سرارًا، إذا أعلمته بسرك، وأسرار الكف الخطوط بباطنها.
وفي قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] .
السر ما حدث به الإنسان غيره وأسره إليه، والأخفى من السر ما حدث به المرء نفسه وأخطره بباله من غير أن يخبر به أحدًا، وهذا من السر أيضًا، إلا أنه أشد الأسرار خفاء.
وإفشاء السر نشره وإظهاره، نقيض الحفظ والكتمان، وكل شيء انتشر فقد فشا، ومنه فشو الخير.
وجاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾ [التحريم: ٣-٤] .
_________________
(١) الوجيز ص ٥٩٣
(٢) مختار الصحاح (م هـ ن) ص ٦٣٨
(٣) القاموس المحيط مادة (مهن)
(٤) المعجم الوسيط ٢/ ٧٩٠
[ ٨ / ١١٢٩ ]
والمتظاهرتان عليه في الآية هما أما المؤمنين عائشة وحفصة «أسر إلى إحداهما أنه حرم على نفسه العسل، وقيل: إنه حرم على نفسه جاريته مارية»، فأفشت سره إلى الأخرى (١)، فأنزل الله تعالى الآيتين وجعل إفشاءهما لسر رسوله جرمًا ينبغي المسارعة إلى التوبة منه، وهكذا أدبهما الله تعالى بهذا الأدب الجم فأحسن تأديبهما.
كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته، أو تفضي إليه ثم ينشر سرها» (٢) .
وقال ﷺ: «إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة» (٣) .
وعن ثابت عن أنس قال: «أتى علي الرسول ﷺ، وأنا ألعب مع الغلمان، قال: فسلم علينا، فبعثني إلى حاجة، فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حبسك؟ قلت: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة، قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر، قالت: لا تحدثن بسر رسول الله ﷺ أحدًا، قال أنس: والله لو حدثت به أحدًا لحدثتك» (٤) .
وعن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «احفظ سري تكن مؤمنًا» .
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن إفشاء الأسرار يعد من الكبائر (٥)، وكان الخليفة الفاروق ﵁ يختص المتميزين من الصحابة بالعلم والإيمان والرأي، فيختارهم ليكونوا أهل شوراه، وأدخل فيهم عبد الله بن عباس، على صغر سنه، فجعله من المقربين إليه، فقال له أبوه العباس: (إني أرى هذا الرجل قد اختصك بمجلسه، فاحفظ عني ثلاثًا: لا تفشين له سرًا، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا يجربن عليك كذبًا)، فقال رجل للشعبي: كل واحدة منهن خير من ألف، فقال: بل كل واحدة منهن خير من عشرة آلاف.
من هذا نستنتج أن الشريعة الإسلامية قد أمرت بحفظ الأسرار وكتمانها وعدم إفشائها؛ لدوام الألفة ولصون حقوق الإنسان.
(وسر المهنة) أصل عميق الجذور من أصول المهنة الطبية، وقيمة من قيمها المطلقة التي لم تترك لتقدير الطبيب أو لاجتهاده أو استحسانه في كل حالة على حدة، وهي تلتقي تمامًا مع تعاليم الإسلام، فهي بالإسلام تتقوى وتزداد رسوخًا.
والتفريط فيها يقوض صلاح المهنة الطبية، فيحرم الإنسانية مما لا غنى لها عنه، وفي هذا بلاء خطير وشر مستطير وخسارة فادحة.
إن قدسية سر المهنة الطبية تراث موغل في القدم، حصلته المهنة حتى في أدوارها الباكرة، ولا زالت تحرص عليه حتى الآن.
_________________
(١) أصل القصة في البخاري المظالم ب ٢٥، ك النكاح ب ٨٣
(٢) صحيح مسلم ص ١٠٦ حديث رقم (١٤٣٧)
(٣) الترمذي في سننه شرح العون ٦/ ٩٢- ٩٣
(٤) صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة ص ١٩٢ رقم الحديث (٤٢٨٢)
(٥) الكبائر لابن حجر العسقلاني ٢/ ٢٧
[ ٨ / ١١٣٠ ]
كان الطبيب (أمحوتب) في مصر القديمة يأخذ العهد والقسم على طلابه ألا يذيعوا لمريض سرًا، وجاء من بعده (أبقراط) اليوناني، وما زال قسمه ساريًا على الخريجين من معظم كليات الطب حتى الآن، وفيه أن كل معلومات حصل عليها الطبيب خلال أدائه مهمته، سواء أكانت المعلومات طبية أم غير طبية، سواء أعرفها سماعًا أم مشاهدة أم مجرد استنتاج، فهو سر لا يفشى، مغطى بسر المهنة، حتى أشرقت على العالم شمس الإسلام عقيدة فشريعة فدولة فدعوة فحضارة، فإذا أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس وإذا حضارته خير حضارة استظلوا بها.
وإذا الإسلام يثبت مما سبقه من الأعراف ولو نشأت في وعاء الجاهلية ما يراه غير مجاف للشريعة أو العقيدة، ويعتبره من فضائل الإنسانية التي اكتسبتها على مدى التاريخ.. ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] .
فكان من جراء ذلك أن ازداد (سر المهنة) في مزاولة الطب ثباتًا واستقرارًا، ذكر ذلك ابن أصيبعة في كتابه طبقات الأطباء، وأكده علي بن رضوان كبير أطباء مصر (٤٥٣) هـ، وأوصى بالقسم على حفظ السر مهذب الدين بن هبل البغدادي، وكان من وظائف المحتسب أنه يأخذ على الأطباء قسم (أبقراط) في حفظ السر.
ولا نود أن يفهم أن الإسلام أوصى الأطباء وحدهم بصيانة الأسرار، بل أوصى بذلك أمته كلها؛ لأن الشريعة الإسلامية تأمر الناس بأن يحفظوا الأسرار، فيجب على المسلم أن يلتزم بها، وأن يحافظ عليها، وإن الشخص إذا علم سرًا أو اؤتمن عليه أو عرفه بحكم مهنته عليه ألا يفشي السر.
والقاعدة في الشريعة الإسلامية هي حرمة الإفشاء متى كان من شأن ذيوع السر أن يلحق الضرر بصاحبه، وهو على قيد الحياة أو بعد موته، وقد سئل أديب: كيف تحفظ السر؟ قال: أنا قبره، وقالوا: صدور الأحرار قبور الأسرار، وقال آخر: أستره وأستر أني أستره.
[ ٨ / ١١٣١ ]
فدين الإسلام هو الدين الذي رعى الإنسان ورسم له طريق الحياة الآمنة المستقرة، رعاه في ظاهره وباطنه، رعاه في روحه وجسده، رعاه في يقظته وغفلته، رعاه في كل أموره، فشرع له ما يحافظ على مقومات إنسانيته؛ فحفظ له دينه، ونفسه وعرضه، وماله، وعقله من أن يمس إلا بحق، حتى يسير آمنًا مطمئنًا مستقرًا، مؤديًا حق الله عليه وحقوق العباد، دون تقصير أو تهاون، فيسعد وتسعد بسعادته الإنسانية جمعاء.
فالإسلام أوصى بصيانة الأسرار للأمة كلها، وإنما كان الأطباء على رأس الهرم في ذلك؛ نظرًا لأن مهمتهم ذات مساس مباشر بكيان الإنسان ذاته، وهي لا تقوم قائمتها إلا إن استقرت لدى الطبيب والمريض أن ما بينهما غير معرض للإفشاء أو الإفضاء، يستوي في ذلك ما كان خيرًا أو شرًا، أو قبيحًا أو حسنًا، أو مشرفًا أو مخجلًا، وبغير هذا تهتز المهنة الطبية وتزلزل زلزالًا عنيفًا، لقد جعل الإسلام من الأخلاق العامة ألا تذكر أخاك في غيابه بما لا يحب، ولو كنت صادقًا، وحتى في الأمور ذات الخطر جعل للحصول على المعلومات ضوابط إجرائية لا ينبغي تجاوزها بدعوى الوصول إلى الحقيقة.
فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يعتلي السور ليتحقق أن رجلًا في بستان داره يشرب الخمر، ويراه كذلك، ولكن الرجل يذكره بأنه تسور عليه والله يقول: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢]، ولا يملك أمير المؤمنين إلا أن يذعن لشريعة الإسلام، لا غرو إذن وهذه تعاليم الإسلام (العامة) أن تكون التعاليم (الخاصة) التي تحكم المهنة الطبية أقوى أشد؛ فلذا يجب على الأطباء ألا يفشوا الأسرار، وأن يغضوا الأبصار عن المحارم، ولا يهتكوا الأستار.
ولئن قضت سنة الله وعدالته بأن يتقهقر المسلمون عن مركز القيادة والريادة في العالم بتخليهم عن المواصفات والشروط التي فرضها الله عليهم وجعلها شرطًا لنصرهم، لقد صح كذلك أن أوروبا وهي تخرج من عصورها الوسطى المظلمة إلى عصر النهضة إنما فعلت ذلك بفضل حضارة الإسلام التي أقبلت عليها أوروبا وفرط فيها أصحابها الأصليون، وفي غمار الحياة التي كانت تزداد تعقيدًا نظروا إلى سر المهنة الطبية كقيمة حضارية، وضرورة إنسانية، فلم يأتمنوا عليها قوة العرف والإلف والتقاليد، وإنما أحاطوها بسياج القانون، وسبق إلى ذلك القانون الفرنسي سنة ألف وثمانمائة وخمس وعشرين، فجعل خرقها جنحة تعاقب بالحبس والغرامة، وانتشر ذلك في كل البلاد.
وقد يظن البعض أن السر الجدير بالصيانة هو ما ينطوي على معلومات سيئة أو مهينة أو مشينة بالنسبة للمريض، وهو ظن خاطئ، وإن شاع، فحفظ المعلومات الخاصة بالمريض هو حفظ مطلق ومقصود لذاته، ولا يلزم إطلاقًا أن يكون المريض قد طلب من الطبيب صراحة ألا يدلي بهذه المعلومات، بل هو سر بطبيعته وبطبيعة المهنة، ولو لم يطلب المريض ذلك.
[ ٨ / ١١٣٢ ]
متى يستثنى من وجوب كتمان السر؟
حفظ الأسرار شيء فطري ترشد إليه الطبيعة البشرية، فكل إنسان يحب أن يحفظ من الأسرار الكثير، سواء كانت خيرًا لما ورد في الأثر: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان»، أو شرًا كما ورد في الحديث: «الإثم ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس» .
وقد عدد الناس من قديم الزمان كثيرًا من الفضائل، وكان من أبرزها المحافظة على الأسرار والوعود والعقود، وخاصة إذا أمنهم الناس عليها، والأطباء في القديم والحديث من أوائل من ائتمنهم الناس على أسرارهم، وقد التزم من قاموا بهذه المهنة بحفظ الأسرار من أقدم العصور، التزم به أطباء مصر كما التزم به أطباء اليونان، وقد ضمنوا هذا الالتزام قسمًا يقسمه الأطباء وعهدًا يقطعونه على أنفسهم قبل ممارستهم هذه المهنة.
وسر المهنة أصل عميق الجذور من أصور المهنة الطبية، وقيمة من قيمها المطلقة التي لم تترك لتقدير الطبيب أو لاجتهاده أو استحسانه في كل حالة على حدة.
وهي تلتقي تمامًا مع تعاليم الإسلام، فهي بالإسلام تتقوى وتزداد رسوخًا، فحثت تعاليم الإسلام على الالتزام بالقيم وإحياء ما اندثر منها وجعل هذا دينًا وعقيدة وأسلوب حياة.
وسار على ذلك أطباء المسلمين، وقد أثبت ابن أبي أصيبعة في كتابه (عيون الأنباء في طبقات الأطباء) بعضًا من العهود التي أخذت على الأطباء في زمانه، منها:
(وأما الأشياء التي أعاينها أو أسمعها وقت علاج المرضى أو في غير أوقات علاجهم مما لا ينطق به خارجًا فأمسك عنه)، ويروي ابن أبي أصيبعة بعضًا من التعاليم التي كانت تعلم للأطباء ويطلب منهم التحلي بها، ومنها:
(كمال التخلق وتوافر العقل والحرص على كتمان أسرار المرضى، والعفة، والعزوف عن إسقاط الأجنة، إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق) (١) . هذا وقد حبب الإسلام كثيرًا في المحافظة على الشعور الإنساني والحس البشري؛ لأن ذلك من أسباب الرقي والصعود في حلقات السمو الإنساني على هذه الأرض، ولأنه من أسباب التكريم الإلهي للإنسان الذي وكلت إليه الخلافة عن الله في الأرض، لهذا أحاط الله كرامة هذا الإنسان بحصون واقيات؛ حتى لا يهتك له سترًا، ويفضح له سرًا، فشرع له أمورًا معينة في ذلك ينبغي اتباعها، منها المحافظة على سره وصون كرامته وعرضه.
_________________
(١) عيون الأنباء في طبقات الأطباء: ١/ ٣٥
[ ٨ / ١١٣٣ ]
فالتفريط بسر المهنة يقوض صرح المهنة الطبية، فيحرم الإنسانية مما لا غنى لها عنه، وفي هذا بلاء خطير وشر مستطير وخسارة فادحة.
على أن لكل قاعدة شواذًا تمليها ضرورة أقوى منها، وتحديد الشواذ من مهام الشارع لأمن مهام الطبيب أو السلطات الصحية، ومن منطلق الالتزام الخلقي أن تكون مواطن إفشاء السر معلنة للناس، موضحة لهم دائمًا من قبل المهنة الطبية؛ حتى لا يظن الناس بها غررًا مقصودًا أو غير مقصود.
ولكن هناك حالات في الشريعة الإسلامية يكون فيها إفشاء السر واجبًا، وذلك في الحالة التي يكون فيها كتم السر مؤديًا إلى مفسدة، فإذا عهد شخص بسر إلى آخر، مضمونه ارتكاب جريمة زنا أو سرقة أو قتل، أو حيازة رخصة قيادة مع ضعف البصر الشديد؛ فعلى من عرف هذا السر أن يفشيه، فقد يكون في إفشائه مصلحة ترجى عسى من سمع بالخبر قبل وقوع المفسدة يهب لمنع تلك المفسدة، أو إذا وقعت تلك المفسدة يساعد على كشف الحقيقة للمصلحة العامة، كما روي عن الرسول ﷺ حين قال: «المجالس بالأمانة إلا ثلاثة: مجلس سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حق» (١) .
هذا وقد ورد في ندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية المنعقدة في الكويت بتاريخ العشرين من شعبان لعام ألف وأربعمائة وسبعة للهجرة الموافق الثامن عشر من إبريل لعام ألف وتسعمائة وسبع وثمانين بحث قيم للدكتور محمد سليمان الأشقر خبير الموسوعة الفقهية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويتية حول إفشاء السر في الشريعة الإسلامية، أورده بكامله لما له من أهمية في موضوعنا.
_________________
(١) إحياء علوم الدين: ٥/ ٩٦٠، ط الشعب
[ ٨ / ١١٣٤ ]
إفشاء السر في الشريعة الإسلامية
للدكتور: محمد سليمان الأشقر
خبير بالموسوعة الفقهية – وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
السر واحد الأسرار، وهو ما يكتم، والسريرة مثله، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩]، أي يوم القيامة تختبر الأسرار وتعرف، وهي ما يسر في القلوب من النيات والاعتقادات وغيرها، فيعرف الحسن منها من القبيح.
وتقول: أسررت إلى فلان إسرارًا، وساررته سرارًا: إذا أعلمته بسرك، وأسرار الكف: الخطوط بباطنها.
وفي قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، السر ما حدث به الإنسان غيره وأسره إليه، والأخفى من السر ما حدث به المرء نفسه وأخطره بباله من غير أن يخبر به أحدًا، وهذا من السر أيضًا، إلا أنه أشد الأسرار خفاء.
وإفشاء السر: نشره وإظهاره، نقيض الحفظ والكتمان، وكل شيء انتشر فقد فشا، ومنه فشو الحبر في الورق الرقيق، وفشت الأنعام ترعى: انتشرت، ولذا تسمى السائمة: فاشية.
صور من الكتمان والإفشاء في الكتاب والسنة وآثار الصالحين:
- جاء في سورة التحريم: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٣-٤] .
والمتظاهرتان عليه في الآية هما أما المؤمنين عائشة وحفصة أسر إلى إحداهما أنه حرم على نفسه العسل، وقيل: إنه حرم على نفسه جاريته مارية، فأفشت سره إلى الأخرى (١)، فأنزل الله تعالى الآيتين وجعل إفشاءهما لسر رسوله جرمًا ينبغي المسارعة إلى التوبة منه، وهكذا أدبهما الله تعالى بهذا الأدب الجم فأحسن تأديبهما.
_________________
(١) أصل القصة في البخاري المظالم ب ٢٥، ك النكاح ب ٨٣
[ ٨ / ١١٣٥ ]
- عن عبد الله بن عمر: «أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة (أي مات زوجها) قال عمر: فأتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبث ليالي، ثم لقيني، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلى شيئًا، وكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئًا؟ قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ، ولو تركها قبلتها» (١) .
وفي رواية أحمد: وكان سرًا فكرهت أن أفشي السر.
قال ابن حجر: يستفاد منه عذر أبي بكر في كونه لم يقل كما قال عثمان: قد بدا لي أن لا أتزوج.
- كان الخليفة الفاروق يختص المتميزين من الصحابة بالعلم والإيمان والرأي فيختارهم ليكونوا أهل شوراه، وأدخل فيهم عبد الله بن عباس، على صغر سنه. فجعله من المقربين إليه، فقال له أبوه العباس: (إني أرى هذا الرجل قد اختصك بمجلسه، فاحفظ عني ثلاثًا: لا تفشين له سرًا، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا يجربن عليك كذبًا) فقال رجل للشعبي: كل واحدة منهن خير من ألف. فقال: بل كل واحدة منهن خير من عشرة آلاف.
- قال أنس بن مالك ﵁: «أسر إلي النبي ﷺ سرًا، فما أخبرت به أحدًا بعده، ولقد سألتني أم سليم فما أخبرتها به» رواه البخاري (٢)، وأم سليم هي أم أنس. وفي رواية أنها سألت أنسًا عن حاجة النبي ﷺ التي أرسل أنسًا فيها فقال: إنها سر، فقالت له: لا تخبر بسر رسول الله ﷺ أحدًا، وفي رواية أن أنسًا قال لثابت البناني: (والله لو حدثت به أحدًا لحدثتك يا ثابت) .
_________________
(١) رواه البخاري (فتح الباري ٩/ ١٧٦) وغيره
(٢) فتح الباري ١١/ ٨٢ كتاب الاستئذان ب ٤٦
[ ٨ / ١١٣٦ ]
تحميل الأسرار:
الأولى بالعاقل أن يكون سره وعلانيته سواء، فلا يفعل في غيبة الناس ما يسوءه أن يطلع عليه الناس؛ لأنه وإن غاب عنهم فإن الله عليه شهيد، ولا يضمر في قلبه لأحد من المسلمين ضغينة تحمله على أن يسيء القول، وأن يعلم أن سره ما دام بين حنايا صدره فهو أمير نفسه، فإن أطلع غيره على سره خرج الخيار من يده وأصبح الخيار لغيره.
وإن لم يكن له بد أن يُحَمِّلَ أحدًا سره، فلا يبثه إلى كل أحد، فإنه كما قيل: (لسان العاقل في قلبه، وقلب الأحمق في فمه) .
فيختار من يحمله سره اختيارًا، بأن يكون عاقلًا ثقة أمينًا، وليكن شخصًا واحدًا إن أمكن لا أكثر، فإن انتشر السر عرف أن الذي نشره هو صاحبه هذا بعينه، فإن كانوا أكثر ضاع سره، كما قال الشاعر:
وسرك ما كان عند امرئ
وسر الثلاثة غير الخفي
بين حفظ السر وستر العورة:
عن النبي ﷺ أنه كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا»، وعنه أنه قال: «من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة» رواه الشيخان.
وقال للمنافقين: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه: لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته» (١) .
والعورة ما يستقبح ظهوره للناس، حسيًا كان كالعورة المغلظة والتشوهات الخلقية، أو معنويًا كسيئ الأفعال والأقوال والأخلاق، ثم إن كانوا يجهلونه منك فهو سر وعورة، وإن كانوا يعلمونه فهو عورة وليس بسر، وقد لا يكون السر عورة، وإن كان صاحبه يكره إظهاره؛ كصدقة السر وصلاة السر.
_________________
(١) رواه أبو داود بإسناد جيد، وللترمذي نحوه من حديث ابن عمر وحسنه، (الإحياء وتخريج أحاديثه للعراقي ٥/ ١٠٠١)
[ ٨ / ١١٣٧ ]
فضل كتمان السر:
إن كان السر مما يقبح ظهوره للناس فهو عورة كما تقدم، وفي حفظه فضل ستر العورة على المسلم، وقد تقدم الحديث: «من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة» وهو حق من حقوق كل مسلم على أخيه.
وفي السنة في قصة ماعز الذي اعترف بالزنى، فأقام ﷺ الحد عليه بالرجم، جاء هزال فقال: أنا أمرته أن يأتي فيعترف، فقال النبي ﷺ: «يا هزال، لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك» (١)
وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: (لو وجدت شاربًا لأحببت أن يستره الله، ولو وجدت سارقًا لأحببت أن يستره الله) .
وإن لم يكن السر عورة، فإن المحافظة عليه من كمال المروءة، وكمال الأمانة، وقوة الإرادة.
ومن هنا الحكمة المأثورة: (صدور الأحرار قبور الأسرار)، فالحر المسيطر على إرادته يموت السر في صدره، أما الذي هو عبد لهواه فإن السر لا يزال يختلج في صدره ويضطرب حتى يفر هاربًا.
وحفظ الأسرار على أهل الإيمان من كمال الإيمان؛ لقول النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» قال الغزالي: لا شك أنك تنتظر من أخيك أن يستر عورتك، ويسكت عن مساوئك وعيوبك، ولو أنك ظهر لك من أخيك نقيض ما تنتظره إن اشتد غيظك وغضبك عليه، فما أبعدك إذ كنت تنتظر منه ما لا تضمره له ولا تعزم عليه لأجله، وويل لمن يفعل ذلك في نص كتاب الله، حيث يقول في سورة المطففين: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ (٢) [المطففين: ١-٢-٣] .
وفضل حفظ الأسرار التي في كشفها قبح ومساءة يكون فيه أحيانًا معنى إقالة العثرة، والمعونة على استقامة من وقعت منه الزلة، قال النبي ﷺ: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود» (٣) .
وفي حديث آخر: «من رأى عورة فسترها، فكأنما أحيا موءودة» (٤) .
صفات كتمان السر:
الأولى بمن حمل السر لغيره أن يمحوه من قلبه، وأن يوحي إلى نفسه أنه قد أمات ذلك السر، حتى كأنه لم يسمع به، أو سمع به ونسيه، فذلك أدعى إلى أن يخفيه من أن يرى أنه سيبثه في فرصة آتية.
ثم إن سئل عن السر فليتجاهل أنه يعرفه، فإن عزم عليه فرأى أنه إن قال: إنها أمانة ولن أخبر بها اكتفي منه، فليقل ذلك، وإن رأى أن ذلك يزيد السائل ضراوة، ويحفزه على متابعة الكشف، فليترك ذلك القول وليتلمس أن يستعمل المعاريض، روي أن النبي ﷺ قال: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» (٥) وروي قول ذلك عن بعض السلف، والتعريض: التورية.
ثم إن لم يتيسر التعريض واضطر إلى الجواب قسرًا فقد قال بعض العلماء: إن له أن ينكر، وإن كان حمل السر أمانة أو يخاف على صاحب السر الضرر في نفسه أو أهله أو ماله بغير حق فله أن يكذب، وإن استحلف فله أن يحلف على الكذب، والإثم على من اضطره إلى ذلك بغير حق (٦) .
_________________
(١) رواه أبو داود والنسائي والحاكم، وقال: صحيح الإسناد (تخريج أحاديث الإحياء ٥/ ٩٩٩) وانظر الزواجر لابن حجر الهيتمي: ٢/ ١٢٠
(٢) الإحياء: ٥/ ٩٦٠
(٣) المنهاج في شعب الإيمان: ٣/ ٣٦٢
(٤) قال العراقي: رواه أبو داود والنسائي والحاكم من حديث عقبة بن عامر وقال: صحيح الإسناد (شرح إحياء علوم الدين: ٥/ ٢١٦)
(٥) رواه ابن عدي، قال المناوي: في إسناده داود – تركه أبو داود
(٦) الغزالي: إحياء علوم الدين (شرح الإحياء: ٥/ ٢١٦)
[ ٨ / ١١٣٨ ]
قال ابن حجر الهيتمي: الكذب قد يباح، وقد يجب، والضابط كما في الإحياء: إن كان مقصود محمود لا يمكن التوصل إليه إلا بالكذب فهو مباح وإن كان واجبًا وجب، كما لو رأى معصومًا اختفى من ظالم يريد قتله أو إيذاءه، فالكذب هنا واجب، أو سأل الظالم عن وديعة يريد أخذها، فيجب الإنكار، وإن كذب، بل لو استحلفه لزمه الحلف، ويوري، وإلا حنث ولزمته الكفارة، ولو سأله سلطان عن فاحشة وقعت منه سرًا، كزنى أو شرب خمر، فله أن يكذب ويقول: ما فعلت، وله أيضًا أن ينكر سر أخيه، ثم قال: ينبغي أن يقابل مفسدة الكذب بالمفسدة المترتبة على الصدق، فإن كانت مفسدة الصدق أشد، فله الكذب، وإن كان العكس، أو شك، حرم الكذب.
ثم استشهد لصحة ذلك بحديث الترخيص بالكذب في الحرب، وفي الصلح بين الناس، وفي حديث الرجل زوجته ليرضيها (١)
ولنا فيما قاله الغزالي وأقره ابن حجر الهيتمي توقف، فليست كل مفسدة تترتب على الصدق يستباح بها الكذب، وليس كل مصلحة محمودة تتوقف على الكذب تبيحه، فإنه ما من كاذب إلا ويرى أن في الكذب مصلحة له أو درء مفسدة عنه أو عن غيره، والنبي ﷺ أخرج كلامه مخرج الحصر عندما قال: «إن الكذب لا يحل إلا في ثلاث » الحديث. والذي نراه وتقتضيه الأصول أن تكون القاعدة في ذلك: أنه لا يحل الكذب لجلب مصلحة أصلًا ما عدا الحرب، وأما لدرء المفاسد فلا يحل إلا للثلاثة المذكورة في الحديث، أو ما كان مثلها أو أعظم، لا ما كان دونها في العظم. والله أعلم.
وليحذر حامل السر ممن قد يستدرجه لفضاء بمضمون السر من حيث لا يشعر، فإن للناس في ذلك أساليب لا تخفى على ذوي الفطانة.
من يستحق الستر عليه ومن لا يستحق:
قال الحليمي: (الستر هو في الفواحش التي لا تخرج من الملة، فأما إذا سمع مسلمًا يتكلم بكلام الكفر، فعرف به أنه من المنافقين، فلا ينبغي أن يستر عليه ليعلم المسلمون أنه خارج من جملتهم، ولئلا يغتروا بما يظهره لهم فينكحوه، أو يأكلوا ذبيحته، أو يصلوا خلفه، أو يوصي أحد منهم إليه بولاية أطفاله، ولأن من أظهر الكفر زالت حرمته، فإن الحرمة فيما أوجبنا ستره، إنما كان لدين المتعاطي له، فإذا لم يكن دين فقد زالت العلة، والله أعلم) (٢) .
وواضح أن هذا إنما هو فيما كان من الأسرار من قبيل ستر العورات، أما إن كان من قبيل حمل الأمانة فإن الخيانة لا تجوز، ولو كان من حملك الأمانة زنديقًا، إن التزمت له بحفظها.
لماذا حفظ الأسرار؟
أولًا- لما في كشف السر من الأضرار في أغلب الأحوال:
ولا ينبغي لمسلم أن يسعى فيما فيه ضرر أخيه المسلم، ولا يحل لمسلم أن يتعمد الإضرار بأخيه بغير حق، ولا أن يسعى في أمر يكون سببًا في إيقاع الضرر بأخيه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] .
_________________
(١) الزواجر لابن حجر الهيتمي: ٢/ ١٨٦، القاهرة، مصطفى الحلبي، ١٣٧٠ هـ
(٢) الحليمي: المنهاج في شعب الإيمان ٣/ ٣٦٤
[ ٨ / ١١٣٩ ]
والأضرار التي قد يسببها إفشاء الأسرار مختلفة، فمنها:
أ- الأضرار النفسية والمعنوية:
وذلك إن كان السر عورة يسترها أخوك على نفسه، من إثم ارتكبه، أو فعل شائن زلت قدمه فأقدم عليه، ثم استتر بستر الله تعالى، فإن كشفته عنه آلمته ألمًا شديدًا، فاستاء وحزن، وقد تسقط شهادته، وقد تسقط بذلك كرامته، ويجفوه بعض من كان يألفه، ويحقره من كان يعظمه، وقد يفسد ذلك ما بينه وبين أهله، فيكون في ذلك تحطيم الروابط الأسرية والعلاقات الاجتماعية.
وقال الحليمي: في هتك ستر أصحاب القروف تخفيف أمر الفاحشة على قلب من يشاع فيه؛ لأنه ربما كان يخشى أن يعرف أمره، فلا يرجع إلى ما قارفه أو يستتر منه. فإذا هتك ستره اجترأ وأقدم، واتخذ ما وقع منه عادة يعسر بعدها عليه النزع عنها، وهذا إضرار به (١)
وقد نهى الله تعالى عن التجسس: وهو تتبع ما يخفيه الناس من أمورهم، وقال النبي ﷺ لمعاوية ﵁: «إنك إن تتبعت عورات المسلمين أفسدتهم، أو كدت تفسدهم» (٢) . قال بعض السلف: (كلمة سمعها معاوية من النبي ﷺ نفعه الله بها)، يعني استقام له شأن خلافته مع الناس.
ب- الأضرار البدنية:
فقد يلزمه بكشف سره حد أو عقوبة.
ج- الأضرار المهنية:
فإن المتعاملين مع أصحاب الصنائع كالطبيب والمحامي، إذا شعروا بأن أسرارهم في خطر، يحجمون عن التعامل معهم، أو لا يطلعونهم بالقدر الكافي على ما يريدون الاطلاع عليه لينجحوا في مهماتهم، وبذلك يفقدون وتفقد المهنة ككل نسبة كبيرة من فرص النجاح، وهكذا المهن الأخرى، حتى السائق والخادم إذا كان حافظًا للأسرار التي يطلع عليها تزيد الثقة به، فإن كان عكس ذلك فقد نسبة كبيرة من فرص العمل، وخسر غالبًا ما بيده منها.
د- الأضرار المالية:
فربما أفقده إفشاء السر فرصة كسب ينتظره، أو مصلحة خطط لتحصيلها، وكم يكسب أصحاب الصناعات من الحقائق التي اكتشفوها فأدرَّت عليهم الأموال الطائلة، واعتبروها أسرارًا مملوكة لهم، فهم يستثمرونها وينعمون بخيراتها، ويحرصون عليها كما يحرص كل منا على ما ينفعه، قال رسول الله ﷺ: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله» .
وربما أدى كشف أسرار الناس المالية إلى تسلط اللصوص وأشباه اللصوص حتى يعود الغني فقيرًا، وتَؤُول الثروات التي جمعت بالكدح الدؤوب، والعمل الشريف، إلى الأيدي الظالمة، تعبث بها يمينًا وشمالًا.
وربما لزمته بكشف سره غرامات وتكاليف مالية كان عنها في عافية.
وربما أفقده فضح السر منصبًا يكتسب به رزقه.
وكم قد ثلت الفضائح عروشًا، وأوهنت حكومات، وأتلفت أممًا.
_________________
(١) الحليمي: المنهاج في شعب الإيمان ٣/ ٣٦٢
(٢) رواه أبو داود بسند صحيح (تخريج أحاديث الإحياء: ٥/ ١٠٠٠)
[ ٨ / ١١٤٠ ]
ثانيًا- لأنه قد يكون في إفشاء السر خيانة للأمانة:
وذلك في أحوال:
أ- أن يكون بين المرء وزوجته:
ففي خطبة حجة الوداع أوصى النبي ﷺ بالنساء خيرًا، وقال: «إنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله» .
وروى مسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها»، وفي رواية لمسلم: «إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة » الحديث (١) .
جاء في أخبار بعض أهل الفضل أنه سئل عن حال زوجة له كان قد طلقها فتزوجت بعده، فلما سئل عنها قال: (ما لي ولزوجة غيري؟)
والمراد بما يكتم هنا تفاصيل ما يقع بين الزوجين في خلوتهما.
ب- أن يكون أخوك قد طلب منك كتمان سره قبل أن يفضي إليك به فالتزمت له بذلك، فإن أفشيته كنت قد خنت الأمانة ونقضت العهد (٢)، فكنت ظلومًا جهولًا شأن المنافقين الذين يظهر نفاقهم ويعلم، بمثل هذا الفعل الذميم.
وقد يستكتم الأخ أخاه سرًا في حال دون حال أو وقت دون وقت، فيقبل، فتكون الأمانة بحسب ذلك، كأن يقول: لا تفش عني هذا الخبر إلى ثلاثة أيام، أو: ما دام فلان حيًا، أو ما دمت حيًا، أو نحو ذلك.
ج- أن يكون أخوك قد فاتحك في أمر خاص مما شأنه أن يكتم عن الناس ولو لم يستكتمك، وخاصة إن كان يستشيرك في أمر مما ينويه أو أمر يعزم عليه، فذلك أمانة؛ لقول النبي ﷺ: «المستشار مؤتمن» ويكون كشف خبايا ذلك الحديث خيانة لتلك الأمانة.
وفيما روي من الحكمة أن رجلًا وشى بأديب لدى بعض الخلفاء، فأراد الخليفة الانتقام منه، فقال: اجمع بيني وبين هذا الواشي، فلما جاء قال له:
وأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليًا
فخنت وإما قلت قولًا بلا علم
فأنت من الأمر الذي كان بيننا
بمنزلة بين الخيانة والإثم
كأن يقول للخليفة: كيف تأخذ في بقول من لا يخرج عن أن يكون خائنًا أو كاذبًا.
د- أن يكون السر كلامًا صدر في مجلس خاص، يثق الحاضرون فيه بعضهم ببعض، فالحديث الذي قالوه بمقتضى الثقة هو أمانة، ففيما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهو أمانة» (٣) قال شارح الإحياء: أي التفت يمينًا وشمالًا؛ لأن ذلك يظهر أنه قصد أن لا يطلع على حديثه غير الذي حدثه (٤) .
_________________
(١) صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي: ك ١٦ – النكاح، ح ١٢٣
(٢) انظر الحليمي: المنهاج في شعب الإيمان ٣/ ٢٨
(٣) قال العراقي: رواه أبو داود في الأدب، والترمذي في البر والصلة من حديث جابر، قال: حسن (شرح الإحياء: ٥/ ٢١٦)
(٤) شرح الإحياء: ٥/ ٢١٦
[ ٨ / ١١٤١ ]
هـ- أن تقضي الضرورة أو الحاجة الإنسان أن يكشف عما يسوءه أو يضره إظهاره، وما كان ليظهره لولا حاجته إلى المعونة، كمن يذهب إلى المفتي ليسأله عن حكم الشرع في أمر قد فعله، فإن لم يشرح الواقعة بالقدر الذي يبين به الحكم فيها لم يتمكن المفتي من إجابته والبيان له، فيكون الحديث الذي وصف به فعله إن كان مما يسوء إظهاره أمانة عند المفتي، فإن كشفه كان خائنًا للأمانة، فلو شهد المفتي بعد ذلك أمام القضاء بما سمعه من الإقرار لم تقبل شهادته ولا عبرة بها؛ لأن الخائن للأمانة فاسق غير عادل، وهذا عند المالكية هو المعتمد من قولين لم يرويا عن مالك، وعليه العمل (١) .
ومثل ذلك الطبيب إذا أفضى إليه المريض بسبب مرضه، وقد يكون فعلًا شائنًا، أو كشف للطبيب من بدنه ما يحتاج إلي كشفه للعلاج، ويكون فيه تشويه أو مرض منفر.
وربما أفضى إلى الطبيب النفساني بأوضاع خاصة به في حياته السابقة، أو أوضاع أسرته؛ ليتمكن من تشخيص المرض ومعرفة أسبابه وعلاجه، فيكون ذلك كله أمانة لدى الطبيب، ومن الخيانة أن يفشيها.
وكذلك المكلفون بالأبحاث الاجتماعية الذين يطلب منهم التحقق من الأوضاع المعيشية للمتقدمين بطلب المعونات الاجتماعية، أو معونة الزكاة والصدقات، فإن ما يفضي إليهم به من الشؤون الخاصة التي من شأنها أن تكتم هي أمانات لديهم ليس لهم تضييعها ولا بثها إلا بإيصالها لمن شأنه تقرير تلك المعونة.
غير أن هذا لا يمنع استخدام وقائع أو الوقائع الطبية أو نحو ذلك في الأبحاث العلمية، والاستشهاد بها في تأييد النظريات أو تزييفها، غير أنها إن كانت من قبيل الأسرار فلا يذكر أسماء أصحابها، ولا ما يكشف شخصياتهم، بل تستخدم الألفاظ المبهمة.
وسائر أمناء السر والموظفون في الدوائر الحكومية أو الأهلية حملوا الأمانة بحكم وظيفتهم، فعليهم كتمان كل ما يعلمون أن في إظهاره ضررًا حسيًا أو معنويًا للجهة التي قلدتهم تلك المهمات، ومن الخيانة أن يكشفوا من ذلك شيئًا.
_________________
(١) تبصرة الحكام بهامش فتح العلي المالك، فتاوى الشيخ عليش: ١/ ٢١٧، في باب موانع الشهادة
[ ٨ / ١١٤٢ ]
ثالثًا- لأن البوح بالأسرار فيه غالبًا اتباع لهوى النفس ممن يفعله:
وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، فإن الذي يدعو الناس إلى فضح أسرار غيرهم أو كشف معايبهم أكثرها راجع إلى الهوى.
فمن ذلك:
أ- أن النفوس تنزع إلى كشف الخبايا، والتبسط بغيبة الناس وذكر معايبهم، وخاصة في المجالس التي لا يتقى فيها الله تعالى، فمن اتبع ما تنزع إليه نفسه من ذلك كان متبعًا للهوى، ومن جارى قائلي السوء وكشف لهم ما يعلم من أسرار إخوته، كان متبعًا للمتبعين للهوى من إخوان الشياطين، قال الحليمي: إنما يحمل على ذلك الدغل ورداءة الطبع وسوء النية (١)
فإن الصاحب إذا حل من خليله محل الفؤاد، فاطمأن كل منهما إلى الآخر وركن إليه، فائتمنه على أدق أسراره، وبث إليه أشياء مما في نفسه وأخبارًا عن أشياء فعلها، وربما أفضى إليه برأي له في فلان من الناس أو فلانة، فحق حامل الأمانة أن يكون كفنًا لها، فلا يفضي بشيء من ذلك إلى أحد، ولو أن حبل الوداد انفصم بين هذين الصاحبين ما كان لأحد منهما أن يخون ما ائتمن عليه، ولا أن يفشي سر صاحبه القديم، فإن فعل ذلك يدل على لؤم طبعه وخبث باطنه (٢) وليس للآخر أن يقول: فضحني فأفضحه، وأذلني فأذله، فإن النبي ﷺ يقول: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» .
ثم إن كان في فضح سر المسلم، وكشف الستر عنه، ضرر يلحقه في نفسه أو ماله أو بدنه أو مركزه الاجتماعي، فإن الغالب أن يكون ذلك عن عداوة باطنة أو حقد خفي أو حسد دفين، وذلك من الهوى؛ قال الغزالي: (منشأ التقصير في ستر العورة أو السعي في كشفها: الداء الدفين في الباطن، وهو الحقد والحسد، فإن الحقود الحسود يملأ باطنه الخبث، ولكنه يحبسه في باطنه ويخفيه ولا يبديه مهما لم يجد له مجالًا، وإذا وجد فرصة انحل الرباط وارتفع الحياء وترشح الباطن بخبثه الدفين) (٣) .
ويزداد ذلك الهوى ضراوة إذا انحل رباط المودة فعاد عداوة، فإن لم يكن للصديق القديم عاصم من دين يعتصم به، استغل تلك الأسرار القديمة، وأصبحت في يديه سلاحًا يقتل به عدو اليوم أخاه بالأمس، وكان للهوى حينئذ الأمر والنهي، ولإبليس الكلمة التي لا ترد، لكنه ليس له سلطان على غير الغواة، بل إن هذه الحالة في الحقيقة هي التي تتبين فيها قدرة أهل الحفاظ على كتم الأسرار، فمن أفشى السر عند الغضب فهو لئيم؛ لأن إخفاءه عند الرضا تقتضيه الطباع السليمة كلها، وإنما محل الامتحان عند الغضب، فإفشاؤه عنده من علامات اللؤم وخبث الطبع وسوء السريرة، وقد قال بعض الحكماء: لا تصحب من يتغير عليك عند أربع: (عند غضبه ورضاه، وعند طمعه وهواه)؛ بل ينبغي أن يكون صدق الأخوة ثابتًا على اختلاف هذه الأحوال (٤) .
_________________
(١) المنهاج في شعب الإيمان ٣/ ٣٦٢
(٢) إحياء علوم الدين: ٥/ ٩٥٨، ط الشعب
(٣) إحياء علوم الدين: ٥/ ٩٦٠
(٤) الإحياء وشرحه: ٥/ ٢١٨
[ ٨ / ١١٤٣ ]
متى يجوز إفشاء الأسرار؟
لا يجوز البوح بالسر الذي يشرع كتمانه –على الوجه الذي تقدم- إلا في أحوال معينة، منها:
١- انقضاء حالة كتمان السر:
إذا انتهت حالة السر من غير جهة الكاتم لها، فلا بأس أن يتكلم بذلك. ويكون انقضاء حالة السر بأمور:
أ- أن يبوح بالسر صاحبه نفسه؛ لأنه لا يعود سرًا فيكتم، ولذا فيرتفع الحرج بذلك (١)، ومع هذا فقد تبقى بعض التفاصيل التي لم يبح بها سرًا إن كان يكره التصريح بها، أو يكون في إعلانها ضرر عليه، ومن هنا كان من يفعل الفواحش ويعلن بها خارجًا عمن يجب الكتمان عليه؛ لأنه كاشف ستر نفسه من أول أمره، ولأنه لم يبال أصلًا بما يقال فيه، وقد قال النبي ﷺ: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يصبح وقد ستره الله تعالى فيقول: عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه» متفق عليه.
فإن الرجل إذا قارف السوء، ولم يره غير الله تعالى والكرام الكاتبين الذين يعلمون ما يفعلون، كان عليه أن يستتر بستر الله ويتوب إليه، ولكنه إذا ذهب يكشف ستر الله عنه ويحدث فلانًا وفلانًا بقبيح ما فعل، فكأنه يتمدح بالمذمة، ويتفاخر بالمعصية، فيزداد قبحا إلى قبح، ولم يكن للستر عليه معنى، وإنما تنصرف مشروعيته كتم السر والستر على صاحب المعصية إن كان ممن تبدر منه الزلة النادرة، وظاهره عند الناس حسن جميل.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] .
فالظاهر أن طلب الشهداء ليشهدوا في هذه الحال إنما هو في المرأة التي كثر منها ذلك واشتهر، جمعًا بين ما في هذه الآية وبين ما علم في الشريعة من طلب الستر على من بدرت منه الزلة وأناب.
ب- انقضاء الأضرار والمفاسد التي يتضرر بها المكتوم عنه أو غيره من جميع نواحيها: بدنيًا ونفسيًا ومعنويًا وماليًا، وهذا إن كان سبب مشروعية الكتمان الضرر، فأما إن كان السبب حمل الأمانة فلا تنقضي بذلك، ما لم يأذن المكتوم عنه بإعلانها أو يعلنها هو بذاته.
ج- أن يأذن صاحب السر في إفشائه، فإن أذن فلحامل السر أن يحدث به، فإذا حدث به أحدًا أداه على أحسن وجه، واختار أجود ما سمع.
د- أن يكون الالتزام بكتمان السر إلى أجل، فيأتي ذلك الأجل.
هـ- أن ينتقل حال المكتوم عنه ممن يشرع كتمان سره إلى من يشرع كشف ستره وفضح أمره، كأن ينتقل من حال الإيمان إلى النفاق والكفر والعياذ بالله، أو من حال التستر بالفواحش إلى الإعلان بها.
_________________
(١) فتح الباري: ٩/ ١٧٧- ١٧٨
[ ٨ / ١١٤٤ ]
٢- موت صاحب السر:
وذلك لأن ضرر البوح بالسر ينتفي بالموت غالبًا، ولكن في المسألة تفصيلًا، فقد نقل ابن حجر: إذا مات لا يلزم من الكتمان ما كان يلزم في حياته، إلا أن يكون عليه غضاضة، ثم قال ابن حجر: والذي يظهر انقسام ذلك إلى أقسام: فيكون مباحًا، وقد يستحب ذكره ولو كرهه صاحب السر، كأن يكون فيه تزكية له من كرامة أو منقبة أو نحو ذلك، ويكون مكروهًا، وقد يحرم، كالذي على الميت فيه غضاضة، وقد يجب، كأن يكون فيه ما يجب ذكره كحق عليه. اهـ.
قلت: وقد يكون الحق في الأصل للميت، كوديعة أودعها عند غيره سرًا واستكتم المودع، فوجب عليه ردها على الورثة.
٣- أن يؤدي الكتمان إلى ضرر أبلغ من ضرر الإفشاء:
ومن هنا كشف علماء الحديث أحوال الرواة ووقائع وقعت لهم تدل على فسق أو قلة دين أو تساهل في الكذب، أو نحوه، لا بغرض العيب على المسلمين، وإنما بغرض تفويت الفرصة على هؤلاء؛ لئلا يغتر الناس بأحاديثهم فيظنوها صحيحة، وهي ضعيفة أو مكذوبة، فإن استمرار الكذب، وبناء الأحكام الشرعية على أحاديث منسوبة إلى النبي ﷺ، وهو لم يتكلم بها أعظم ضررًا من كشف كذب الكاذبين.
وكذلك في الشهادة، فإن شهد المستور الحال أو الظاهر العدالة، بأن لمن يعلم باطن حاله أن يقدح فيه ويبين السبب لئلا يظلم المشهود عليه.
٤- دفع الخطر:
قال الزبيدي: يستثنى ما لو تعين (الإفشاء) طريقًا لإنقاذ مسلم من هلاكه أو نحوه، كأن يخبر ثقة بأن فلانًا قد خلا برجل ليقتله، أو امرأة ليزني بها، فيشرع التجسس كما نقله النووي عن الأحكام السلطانية واستجاده، وفي حديث جابر قال النبي ﷺ: «المجالس بالأمانة، فلا يشيع حديث جليسه إلا فيما يحرم ستره من الإضرار بالمسلمين» إلا أنه حديث ضعيف، وفي رواية عند أبي داود: «المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس: مجلس يسفك فيه دم حرام، أو يستحل فيه فرج حرام، أو مجلس يستحل فيه مال من غير حله» قال الزبيدي: سكوت أبي داود عليه يدل على أنه عنده حديث حسن.
قال: والمراد بالحديث أن المسلم إذا حضر مجلسًا، وجد أهله على منكر أن يستر على عورتهم ولا يشيع ما رأى منهم إلا أن يكون أحد هذه الثلاثة فإنه فساد عظيم وإخفاؤه ضرر كبير.
[ ٨ / ١١٤٥ ]
وعلى ضوء ما تقدم يمكن أن يتبين حكم بعض الوقائع:
١- تأكد الطبيب من أن الزوج عقيم، ولا يمكن أن ينجب، وحملت الزوجة بطريق أو بأخرى، وهم الطبيب بإفشاء السر بإخبار الزوج أو إخبار الجهات المسؤولة، فهل له أن يفعل ذلك؟
والذي نجزم به في هذا الشأن أنه ليس للطبيب أن يقول: إن هذه الزوجة قد حملت من الزنى؛ لأنه إن قال ذلك كان قاذفًا، ويستحق حد القذف وهو ثمانون جلدة إن طالبت بذلك المرأة ولم يأت الطبيب بأربعة يشهدون على ذلك.
لكن لو قال للزوج: (تبين من الفحص أنك عقيم لا تنجب) واقتصر على هذا القول فهذا حق، وليس بسر ولا بأمانة حتى يلزم ستره وكتمانه، ولكن من باب المحافظة على سلامة الأسرة إن علم أن ذلك وقع من المرأة على سبيل الزلة فقد يكون عدم الإخبار بذلك أفضل؛ إذ لا فائدة فيه بالنسبة إلى نسب الحمل؛ لأنه سيلحق بالزوج؛ إذ الولد للفراش ولو انتفى الزوج من الولد، ما لم يجبر اللعان لنفيه.
٢- إذا قام الطبيب بعمل يخل بآداب مهنة الطب، واكتشف ذلك زميل له، هل يقوم بإبلاغ وإفشاء السر؟
يختلف ذلك في نظري من حال إلى حال، فإن كان ذلك الطبيب قد اعتدى على الطرف الآخر أو استغل صغره أو جنونه أو نحو ذلك، فهنا ليس الستر على المعتدي أولى من تمكين المعتدى عليه من الوصول إلى حقه.
وإذا كان بموافقة الطرف الآخر، وهو تام التكليف، فإن كانت زلة وحصلت التوبة منها فينبغي الكتمان، وخاصة إذا كان الذي واقع الجرم قد استعان بالزميل الذي اكتشف أمره ليتم تلافي ما حصل.
أما إن كان مستمرًا في غوايته واستغلال مركزه فيجب إيقافه عند حده.
٣- إذا تبين للطبيب أن رب الأسرة قد أصيب بمرض جنسي، فهل يبلغ الأسرة؟ الجواب عندي أنه إن كان المرض معديًا ويخشى أن ينتقل إلى زوجته أو سائر أفراد أسرته، فإن الضرر المتوقع بإصابته الأبرياء أعظم من الضرر الذي ينال المريض نفسه ببيان حاله، وحينئذ فينبغي للطبيب البيان إن سئل عن ذلك أو اقتضته الحال.
[ ٨ / ١١٤٦ ]
٤- مريض أجريت له عملية في العين، أو أصيب فضعف إبصاره لدرجة يكون في قيادته للسيارة خطر عليه هو نفسه وعلى الناس، هل يجوز الإفضاء بأمره للمسؤولين؟
الجواب عندي أنه لا مانع من أن يفضي بذلك ليحصل منعه من القيادة مؤقتًا، إن كان ضعف الإبصار مؤقتًا، أو لسحب الرخصة منه إن كان الضعف دائمًا؛ وذلك لأجل الخطر في القيادة.
٥- بذل طبيب العيون جهده، ولكن لم يفلح في إزالة الداء، وتلفت العين فهل هو مسؤول شرعًا، وهل يجب عليه إفشاء السر؟
الجواب: إنه إن كان متأهلًا، وقد بذل من الجهد ما يبذله أهل الخبرة، ولم يكن سبب التلف عمله هو، فلا ضمان عليه، وليس هناك سر فيحاول إخفاءه.
٦- أخطأ طبيب العيون فأتلف العين بآلة استعملها، أدخلها في جزء من العين لم يكن له إدخالها فيه، وتلفت من حيث يريد إصلاحها، والمريض لم يعلم أن سبب التلف خطأ الطبيب، فهل على الطبيب أن يفشي على نفسه، وهل عليه أن يدفع الدية؟
والجواب: إنه مادام الإتلاف سببه جناية يد الطبيب خطأ فعليه الضمان بدية العين، لأن الإتلاف لا يختلف عمده وخطؤه، بخلاف ما لو فعل ما له فعله، ثم سرى من حيث لا يريد، ولم يكن منعه فلا ضمان، ثم إذا لزم الضمان فعليه أن يخبر به لأنه حق آدمي لا يسقط إلا بالإبراء منه أو الأداء.
٧- إذا حضر رجل وامرأة مقبلان على الزواج، وطلبا فحص ما قبل الزواج، وتم اكتشاف مرض معين في أحدهما قد يؤدي إلى احتمال إنجاب طفل مشوه، فهل يقوم الطبيب بإخبار الطرف السليم، وهل يستتبع ذلك شرعًا مساءلة ما، وهل يتم إخبار الطرف المريض نفسه؟
الجواب: يبدو لي أن قدوم الطرفين جميعًا للفحص يقتضي إخبارهما بالنتيجة، وإلا فإن الطبيب يكون قد خدعهما ولم يؤد واجبه في إطلاعهما على حقيقة وضعهما.
٨- إذا عرف الطبيب من مريضه الذي يعمل في موقع حساس (طيار مثلًا) أنه مدمن مخدرات، وأن بعض زملائه مدمنون أيضًا، فهل يقوم الطبيب بإطلاع المسؤولين على ذلك السر؟ أم يقوم الطبيب بإخطار السلطات لاتخاذ اللازم؟
الجواب عندي أنه: يجب على الطبيب شرعًا أن يبلغ الجهات المسؤولة، ويبلغ السلطات أيضًا إن لم يكن في الأمر مانع من جهة إدارية، وذلك ليمكن تفادي الأخطار الفظيعة التي قد تترتب على قيادة الطائرة من قبل شخص واقع تحت تأثير المخدر.
[ ٨ / ١١٤٧ ]
٩- إذا عرف الطبيب عن مريضته أنها قامت بترك وليدها غير الشرعي في الطريق العام، أو أي مكان آخر؛ تفاديًا للفضيحة، فهل يقوم الطبيب بإبلاغ السلطات، أم يلتزم بكتمان السر؟
الجواب عندي أنه هنا يلتزم الطبيب بكتمان السر، وخاصة إذا كانت قد استكتمته السر، والتزم لها بذلك، وحتى لو لم يلتزم فلا يفشي السر، لشدة الخطورة على حياتها في غالب الأحوال، ولما في إفشاء السر من أضرار معنوية شديدة على المرأة نفسها وعلى أسرتها وعلى سائر أولادها.
١٠- مريض فقد بصر عينه، ولكن أمكن إصلاحها حتى تبدو سليمة تمامًا بحيث لا يعرف الناظر إليه بأنه لا يبصر إلا بعين واحدة، طلب المريض إلى الطبيب أن لا يخبر زوجته بذلك؛ لأنها ستطلب الطلاق إذا علمت بذلك، أو أن خطيبته سترفض الاقتران به؟
الجواب عندي أن: هذا السر ليس للطبيب أن يخبر به؛ لما فيه من الضرر على المريض، والله أعلم.
وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.
[ ٨ / ١١٤٨ ]
العقوبات التي تقع على الطبيب الذي يكشف سر مريضه
تمهيد مفيد في تحديد معنى العقوبة والسر:
أما (العقوبة)، و(المعاقبة)، و(العقاب): فتختص بالعذاب، قال الله تعالى: ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾، ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ .
ويقال: عاقب الحاكم فلانًا على ذنبه عقابًا: أخذه به، والأحكام الشرعية المتضمنة للأجزية، تسمى (العقوبات) .
وأما (السر) فأفصح وأعلى ما قيل في معناه، هو قول الزمخشري: (ما حدث به الرجل نفسه أو غيره، في مكان خال) .
وكني به عن (النكاح)، من حيث إنه يخفى، قال تعالى: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي: نكاحًا، وقال جرير في رثاء زوجته:
كانت إذا هجر (الحليل) فراشها
خزن الحديث وعفت الأسرار
قال الإمام الشافعي: (فإذا علم أن حديثها مخزون، وخزن الحديث: أن لا يباح به سرًا ولا علانية، فلا معنى للعفاف غير (الأسرار)، والأسرار: الجماع.
والرجل الحازم: هو الذي يعامل الناس بالظاهر، فلا يضيق سره في صدره، ولا يتعداه إلى غيره.
قال الشاعر الحكيم (المتنبي) يمدح نفسه بكتم السر:
وللسر مني موضع لا يناله
نديم، ولا يفضي إليه شراب
[ ٨ / ١١٤٩ ]
وإفشاء السر فعل ممقوت، وخلق ذميم، قال الحطيئة في هجاء أمه:
تنحي فاجلسي مني بعيدًا
أراح الله منك العالمينا
أغربالًا إذا استودعت سرًا
وكانونًا على المتحدثينا
حياتك ما علمت حياة سوء
وموتك قد يسر الصالحينا
ولعمري! إن المرء يصعب عليه كتم السر، ويرى بإفشائه راحة، خصوصًا إذا كان السر: مرضًا، أو همًا، أو عشقًا، قال بشار بن برد:
ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة
يواسيك، أو يسليك، أو يتوجع
وقال غيره:
لا تكتمن دائك الطبيبا
ولا الصديق بسرك المحجوبا
وبالجملة: فإن إفشاء السر إلى الغير، يدل على لؤم الطبع، وخبث الطوية، وسوء الخلق.
[ ٨ / ١١٥٠ ]
وإذ قد تمهد لنا هذا، فلنشرع في الكلام على أحكام جريمة إفشاء الأسرار الطبية، ومدى المسؤولية الجنائية للطبيب إذا أفشى سرًا من أسرار مهنته.
فأقول: إن الكلام في هذه القضية متشعب وطويل ومعقد؛ ذلك لأن مسؤولية إفشاء الأسرار عمومًا: الطبية وغير الطبية، مسؤولية أدبية، قد تخطاها فقهاء الإسلام، إلى غيرها من العقوبات النصية المحددة، والذي حملهم على إغفال الكلام عليها صراحة، هو أنها تدخل في دائرة الآداب العامة والأخلاق، فهي بها أشبه وأقرب.
ولكنهم لم يغفلوا الإشارة إليها، فيما قعدوا من قواعد وفرعوا من فروع، والإشارة في بعض الأحيان تكون أبلغ من العبارة (والحر تكفيه الإشارة)، فالباحث في كتب الفقه الإسلامي، لا يعدم وجود حكم لها.
يوضح ذلك: أن للشريعة الإسلامية، في تقسيم الجرائم والعقوبات، مسلكًا رفيعًا فريدًا، فقد نصت على عدد من الجرائم، وفرضت لكل منها عقوبات محددة. كالحدود، والقصاص.
وأما باقي الجرائم، فلم تفرض لها عقوبات محددة، بل ترك الأمر فيها لأولي الأمر والقضاة، والمجتهدين يفرضون منها في كل حالة ما يناسبها من عقوبات تسمى في عرف الفقهاء بالتعزيرات.
وقد سماها الإمام الأكبر فضيلة الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر (سابقًا) بالعقوبات (التفويضية) .
وأرى من المناسب، قبل أن أدخل في صميم الحديث، أن أذكر بعض المعلومات العامة ذات الصلة بالتعزير، ليتسنى لي إدراك ما أنا بصدده، والله ولي التوفيق.
[ ٨ / ١١٥١ ]
أ- عرف فقهاء المسلمين الجريمة بأنها: (محظور بالشرع زجر الله عنها بحد، أو: تعزير) . وذهب جمهور هؤلاء الفقهاء إلى أن التعزير مشروع في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.
فما هي (المعصية)؟
اتفق الفقهاء على أن ترك الواجب، وفعل المحرم؛ معصية فيها التعزير، إذا لم تكن هناك عقوبة مقدرة (١) .
وضربوا الأمثلة لترك الواجب: بمنع أداء الزكاة، وترك الصلاة المفروضة حتى يخرج وقتها، وخيانة الأمانة.
وضربوا الأمثلة لفعل المحرم، بالخلوة بالأجنبية، وتقبيلها، واليمين الغموس، وشهادة الزور، والتستر على المجرمين وإيوائهم.
ترك المندوب وفعل المكروه:
وإذا كان ترك الواجب، وفعل المحرم معصية تستوجب التعزير، إذا لم يكن هناك تقدير للعقوبة.
فما هو الحكم إذا كان الأمر مقصورًا على ترك المندوب أو فعل المحرم، أو بعبارة أخرى: هل يعزر تارك المندوب، وفاعل المكروه؟
لم يتفق الفقهاء في هذه المسألة، ففريق يرى جواز التعزير، وفريق لا يرى الجواز.
فمن قال بعدم الجواز استند على أن التعزير لا يجوز إلا إذا كان هناك تكاليف، وهنا في هذه المسألة، ليس التكليف موجودًا في حالة الندب أو الكراهة، ومن قالوا بالتعزير استدلوا بفعل عمر بن الخطاب –﵁- فقد عزر رجلًا أضجع شاة ليذبحها وأخذ يسن السكين والشاة تنظر إليه، ولما كان مثل هذا الفعل الذي أتاه هذا الرجل يعتبر مكروهًا فقد قالوا بجواز التعزير على فعله المكروه، ومثله (ترك المندوب) (٢) .
_________________
(١) السياسة الشرعية (ص ٥٥)، والحسية في الإسلام (ص٣٨) لابن تيمية، والأحكام السلطانية للماوردي (ص ٢١٠ وما بعدها)؛ والأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص ٢٤٤ وما بعدها)، وغيرها
(٢) راجع المستصفى للغزالي (١/ ٧٥- ٧٦)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٦٠ وما بعدها)، ومواهب الجليل (٦/ ٣٣٠) وغيرها
[ ٨ / ١١٥٢ ]
التعزير لحماية الآداب العامة والأخلاق:
بقي –علاوة على ما تقدم- شيء آخر أجده لزامًا علي أن أذكره، وهو: أن الشريعة الإسلامية قد عنيت أشد العناية بحماية الآداب العامة، والأخلاق الكريمة، وذلك ابتغاء إيجاد أمة كريمة، ومجتمع فاضل، وشعب مثالي بعيد كل البعد عن الميوعة والتخنث، واللهو والعبث؛ ومن أجل ذلك تركت الشريعة الإسلامية المجال يتسع ويمتد حتى يشمل كل الصور، التي يتراءى فيها الأذى والضرر، وأوجبت التعزير على جميع الأعمال الموجهة ضد الأخلاق والآداب العامة، ومنها: إفشاء السر المصون، والحديث المكتوم، وخصوصًا السر بين الطبيب المعالج وبين مرضاه، فلا يجوز للطبيب إفشاؤه، ولا إذاعة أي شيء من المعلومات التي يحصل عليها من المريض، في أثناء علاجه، فالسر حجاب مستور، لا يجوز هتكه، وجانب من حياة المريض مقدس، لا ينبغي كشفه، وإن الطبيب الذي يذيع الأسرار، فيجرح عرض مريض يشهر به، ويسيء إلى سمعته، أو عرض امرأة يكشف سرها ويفضح أمرها ويلحق بها سبة تشينها وتشين ذريتها وذويها من حولها، هو ممقوت عند الله تعالى، وينبغي أن يكون ممقوتًا من كل نفس فاضلة، وكل قلب مؤمن رشيد.
ولقد توعد رسول الله ﷺ مثل هذا الإنسان أشد الوعيد، وأنذره أفظع إنذار، فذكر أنه مصنوع به كما يصنع هو بالناس، ومقضي عليه كما يقضي هو عليهم، فيقول ﷺ: «من تتبع عورة أخيه، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته، يفضحه ولو في جوف رحله»، يعني: يفضحه الله في المكان الذي يأوي إليه، ويأمن به، ويطمئن إليه، وهو بيته الذي ينزل فيه، وكما قيل: (كما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل) .
ومن هذا نستطيع أن نخلص ونفضي إلى أن الطبيب الذي يذيع أسرار مرضاه، ولا سيما الأسرار الخاصة بينه وبينهم بحكم مهنته الطبية، يعتبر من الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات، ويلحق الضرر بهم وبأسرهم، ويشين سمعتهم، فيجب تعزيره وتأديبه والتنكيل به ومنعه من معاودة هذا الخلق الذميم الممقوت، هذا رأيي، والله سبحانه أعلم (١) .
_________________
(١) راجع شرح الزيلعي على الكنز (٣/ ٢١٠)، وتبصرة الحكام لابن فرحون (٢/ ٣٦٦ وما بعدها)، ونهاية المحتاج (٧/ ١٧٤)، وكشف القناع (٤/ ٧٣ وما بعدها)
[ ٨ / ١١٥٣ ]
ب- عقوبة إفشاء الأسرار الطبية (في القانون):
ونزيد هنا (تحت هذا العنوان) كلمة أخرى، تكون رديفًا لما تقدم، فنقول: إن إفشاء السر في حد ذاته جريمة خلقية قبل أن يكون جريمة جنائية.
وهذا يفسر لنا سكوت العلماء عن تقرير عقاب للإفشاء في العهود الغابرة.. مع أن التزام الطبيب بأسرار مهنته، معروف منذ القدم، طالما أن الحياء العام يتأذى من الإفشاء، وطالما أن في ذلك ضررًا بالمصلحة العامة، عندما يمتنع المرضى عن عرض أنفسهم على الأطباء، خشية افتضاح أمراضهم؛ لما قد يترتب على ذلك من إساءة سمعتهم، والحط من كرامتهم.
ثم إن إفشاء السر قد يثير غضب صاحبه إلى حد الاقتصاص بالقتل، وهذا ما حدث سنة ١٨٣٢م في إحدى الجامعات الأوروبية، حيث قتل أحد أساتذة كلية الطب، وكان دفاع القاتل أن الطبيب وضع له عقبة في سبيل زواجه.
وبعد: فما أطيل، وسيكون كلامي على هذا الموضوع منصبًا على ناحيتين، أعالج في أولاهما (أركان جريمة إفشاء السر)، وفي ثانيتهما: أذكر الأحوال التي يباح فيها للطبيب إفشاء سر من أسرار مهنته، دون أن يقع تحت طائلة العقاب.
أولًا- أركان الجريمة:
تقوم جريمة إفشاء الأسرار إذا توافرت أربعة أركان:
١- أن يكون هناك سر.
٢- أن يكون هذا السر، قد اؤتمن عليه طبيب.
٣- أن يفشي الطبيب هذا السر.
٤- أن يكون ذلك بقصد جنائي.
فقد نصت (المادة: ٣١٠) من قانون العقوبات المصري على أن: (كل من كان من الأطباء، أو الجراحين، أو الصيادلة، أو القوابل أو غيرهم، مودعًا إليه بمقتضى صناعته، أو وظيفته، سر خصوصي اؤتمن عليه، فأفشاه في غير الأحوال التي يلزمه القانون فيها تبليغ ذلك، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة شهور، أو بغرامة لا تتجاوز خمسين جنيهًا) .
[ ٨ / ١١٥٤ ]
الركن الأول: سر المهنة الطبية:
وقد وردت بشأنه عدة تعاريف، ترمي إلى تحديده بقدر الإمكان:
فعرفه بعض المستشارين الأوروبيين بأنه: (كل ما يعهد به المريض للطبيب، ولو كان معيبًا أو مزريًا بالشرف)، ولم يكتف بعضهم بهذا التعريف فقال: (إن سر المهنة الطبية لا يقتصر على ما يعهد به إلى الطبيب، بل يتعداه إلى كل ما يشاهده الطبيب أو يسمع به، أثناء ممارسته مهنته) .
وأخيرًا قد يتحدد السر بالوقائع، كما إذا أفضى المريض إلى الطبيب بأن الجرح الذي يعالجه قد نشأ عن عراك.
نخرج من هذا إلى أن (سر المهنة الطبية): هو كل ما يعرفه الطبيب أثناء ممارسته مهنته، وكان في إفشائه ضرر لشخص أو لعائلة.
الركن الثاني: صفة من اؤتمن على السر:
وهذا الركن يعني: أن يكون قد اؤتمن على السر طبيب أو صيدلي أو قابلة.
الركن الثالث: إفشاء السر:
المراد بالإفشاء: إطلاع الناس عليه، سواء كان ذلك عن طريق المكاتبة أو المشافهة أو الإشارة، ولا يشترط أن يكون الإفشاء على ملأ من الناس، بل يكفي أن يكون إلى شخص واحد، فالطبيب الذي يفشي لزوجته سرًا من أسرار مهنته يقع تحت طائلة العقاب، ولو طلب منها كتمانه. ولا يباح الإفشاء ولو كان من طبيب إلى طبيب، والحكمة من هذا: أن المريض لم يأتمن أي طبيب على سره، وإنما ائتمن طبيبًا واحدًا معينًا.
الركن الرابع: القصد الجنائي:
مجرد الإفشاء مع العلم به، كاف لتوفر هذا الركن، وعليه فالقانون لا يعاقب على الإفشاء إذا حصل بإهمال أو عدم احتياط من الطبيب.
فإذا توافرت هذه الأركان الأربعة، وجدت الجريمة، ووجب تطبيق المادة (٣١٠ عقوبات) (١) .
_________________
(١) راجع شرح قانون العقوبات –القسم الخاص- تأليف الدكتور محمود مصطفى (ص ٤٢٤- ٤٣٠)
[ ٨ / ١١٥٥ ]
ثانيًا- مسوغات الإفشاء:
هناك أحوال يخول فيها الطبيب إفشاء السر، دون أن يقع تحت طائلة العقاب.
ويمكن حصر المسائل التي أثير بشأنها مسوغات الإفشاء فيما يلي: (على خلاف وجدل كبير بين الفقه والقضاء، في فرنسا وغيرها):
١- هل يباح للطبيب أن يفشي السر في حالات الضرورة؟
٢- الإفشاء إلى شركة التأمين على الحياة إذا كان الطبيب ممثلًا لها.
٣- أداء الشهادة أمام المحاكم.
٤- رضاء صاحب السر بإفشائه.
٥- إفشاء السر المنطوي على ارتكاب جريمة.
٦- التبليغ عن الوفيات والمواليد والأمراض المعدية.
يطول بنا الكلام إذا أردنا شرح هذه المسائل فنجتزئ بهذا الإجمال، ومن أراد التوسع فليرجع إلى قانون شرح العقوبات –القسم الخاص تأليف أحمد أمين (القانوني. لا الأديب)، والموسوعة الجنائية (الجزء الثاني)، علاوة على ما ذكرته من مراجع سابقة.
[ ٨ / ١١٥٦ ]
الفصل الثاني
مداواة الرجل للمرأة والمرأة للرجل
جعلت الأحكام الشرعية عامة، بحيث لا تنظر إلى حالة من الحالات، ولا إلى فرد من الأفراد، بل هي تنظر إلى جميع الحالات، وإلى جميع الأفراد.
إلا أن هذه الصفة قد تجعل من تطبيق الأحكام في بعض الأحيان حرجًا على بعض الناس، كما أن الإفراط في التمسك بالظاهر من النصوص يؤدي في بعض الأحيان إلى ظلم وضرر، أو كما قال الغزالي (١): (كل ما تجاوز حده انقلب ضده)، لذلك اقتضت حكمة التشريع التيسير على الناس، وعدم تطبيق الأحكام العامة في بعض الأحوال الاستثنائية، رفعًا للضرر، ودفعًا للمشقة.
وقد استند فقهاء الحنفية بذلك إلى (الاستحسان)، واستند المالكية إلى التعليل بالمصالح المرسلة، ثم عارض بعض علماء الأصول بهذا الإسناد للمصلحة، أو على حد تعبير الإمام الغزالي بهذا الاستصلاح.
غير أن جمهور الفقهاء قبلوا به واستندوا بذلك إلى الكتاب والسنة، وسابقات عمر بن الخطاب –﵁- مثال ذلك في الكتاب الكريم: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥]، وفي الحديث الشريف: «الدين يسر»، «أحب الدين عند الله الحنيفية السمحة» (٢) .
فهذه الأدلة وما إليها، وإن ذكرت الدين فحسب، لكنها عامة في الفقه الإسلامي؛ لأن هذا الفقه دين وقضاء في الوقت نفسه.
_________________
(١) كما نقله السيوطي في الأشباه والنظائر (ص٥٩)، مطبعة مصطفى محمد سنة ١٩٣٦م
(٢) البخاري، وشرحه (عمدة القاري) للعيني: ١/ ٢٣٤-٢٣٥
[ ٨ / ١١٥٧ ]
وكذلك روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن قطع أيدي اللصوص في الغزو، بقوله: «لا تقطع الأيدي في السفر» (١) .
ثم بالاستناد إلى هذا الحديث، أفتى المجتهدون، بوجوب رفع الحد والعقوبة في أرض العدو؛ لئلا يلتحق المحكوم عليهم بالأعداء.
وعلى هذا كله، بنى الفقهاء القاعدة الكلية (المشقة تجلب التيسير) وهي من القواعد الأربع التي قال عنها القاضي حسين الشافعي: (إن مبنى الفقه عليها) (٢) .
وإن التيسير معناه الرخصة، أو التخفيف الشرعي بسبب المشقة، استثناء من القاعدة العامة.
والمشقة تشمل الاضطرار والحاجة، دون المصلحة الكمالية، فحالة الاضطرار أو الضرورة هي بعرف الأصوليين: ما التجأ فيها المرء إلى حفظ دينه أو نفسه أو ماله أو عقله أو نسله من الهلاك.
والحاجة: هي ما كانت لازمة لصلاح المعيشة، أما الكماليات: فهي ما وقعت موقع التزيين والتحسين.
والمقصود من هذا كله هو أن الأصل في تعاليم الإسلام الحنيف، عدم جواز معاينة ومعالجة الرجل المرأة الأجنبية، وذلك من أجل النظر والملامسة فيهما.
ويستثنى من ذلك حالات الضرورة، كعدم وجود طبيبة تثق المريضة أو ذووها بها، أو تجد طبيبة ولكنها ليست متخصصة كتخصص الطبيب المعالج لها، إذا كان مرضها يتطلب تخصصًا معينًا، أو أن معارك الجهاد تحتاج إلى توفير الرجال للقتال، وإلى فتح المجال أمام النساء لتمريض الرجال أو معاينتهم ومداواتهم، والقاعدة الفقهية تقول: (الضرورات تبيح المحظورات)، وقال الإمام الغزالي: (جميع المحرمات تباح بالضرورات) (٣) .
وجاء في القواعد الكلية الواردة في الأشباه والنظائر والمنقولة في مجلة الأحكام العدلية (مادة رقم ٣١) أن: (الضرورات تبيح المحظورات) .
وإن الأمثلة على تطبيق هذه القاعدة عديدة ومتنوعة، ولكن هذه القاعدة ليست مطلقة، بل لها تقييدات عديدة، فالإباحة مقيدة بالنص، أو بالقدر، أو بالزمن، وها نحن نستعرض هذه التقييدات مع المواد الكلية التي ذكر بشأنها، ومع بعض الأمثلة التي تهمنا هنا.
_________________
(١) رواه أبو داود في كتاب الحدود – ٣٧- باب ١٩ (في الرجل يسرق في الغزو، أيقطع؟) وهذا ترقيم المفتاح، أما نسخة أبي داود بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد: ٤/ ٢٠٠. وقال المحقق: وأخرجه الترمذي والنسائي: عن جنادة بن أبي أمية، قال: كنا مع بسر بن أرطاة في البحر، فأتي بسارق يقال له: مصدرة قد سرق الناقة، فقال: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقطع الأيدي في السفر، ولولا ذلك لقطعته، ورواه الترمذي في كتاب (الحدود) ١٥- باب (ما جاء أن لا تقطع الأيدي في الغزو)، وقال: هذا حديث غريب، وقد رواه ابن لهيعة بهذا الإسناد ونحو هذا، انظر ٣/٥ من سنن الترمذي، وهو الجامع الصحيح بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان – مطبعة دار الفكر- بيروت. ورواه النسائي في كتاب ٤٦ – باب ١٦ (القطع في السفر) عن بسر بن أرطاة بلفظ أبي داود السابق، انظر الجزء الثامن من سنن النسائي بشرح الحافظ السيوطي ص ٩١، طباعة دار الفكر – بيروت، قال السيوطي: وجاء في روايات الحديث (الغزو)
(٢) جمع الجوامع –شرح المحلى وحاشية البناني (٢/ ٣٧٣)
(٣) الوجيز (٢/ ٢١٦)
[ ٨ / ١١٥٨ ]
أولًا: التقييد بالنص:
قال ابن نجيم: (المشقة والحرج إنما يعتبران في موضع لا نص فيه) (١) .
ثانيًا: التقييد بالقدر:
نصت المجلة على أن: (الضرورات تقدر بقدرها) كما في المادة رقم (٢٢) .
والأصح أن يقال كما جاء في الأشباه والنظائر للسيوطي (٢): (ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها)؛ لأن ما يقدر ليس هو الضرورة نفسها، بل هو ما أبيح بسببها، وبمعناه نصت مجلة الأحكام العدلية على أن (الضرر يدفع بقدر الإمكان) المادة رقم (٣١) .
ومعنى كل هذا أن الضرورة الملحة حالة استثنائية شاذة، والمستثنيات تفسر بتضييق، بمعنى أن الترخيص الذي تقتضيه الضرورة لا يكون على إطلاقه، بل يكون بالقدر اللازم لرفع المشقة.
(مثلًا): إذا جاز للطبيب النظر إلى عورة المرأة المريضة للضرورة، فلا يجوز له أن يرى منها أو يكشف عنها إلى موضع الحرج، ويغض بصره ما استطاع؛ لأن الضرورات تقدر بقدرها
ثالثًا- التقييد بالزمن:
إن الترخيص والاضطرار أو الحكم الاستثنائي الذي تقتضيه يبقى ما دام العذر أو حالة الاضطرار موجودة، فإذا زالت هذه الحالة الاستثنائية، زال الترخيص، ورجع الأمر إلى القاعدة الأصلية.
وبمعناه جاء في مجلة الأحكام العدلية: (أن ما جاز لعذر بطل بزواله)، (وإذا زال المانع عاد الممنوع)، (المادتان رقم ٢٣، ٢٤) .
وبناء على ذلك على الطبيب أن يقدر الضرورة بقدرها، فلا يكشف من العورة إلا بقدر ما يستدعيه الكشف والمعالجة.
_________________
(١) في الأشباه والنظائر، ص ٣٣
(٢) ص ٦٠، ولابن نجيم ص ٣٤
[ ٨ / ١١٥٩ ]
هذا وإن في السنة النبوية المطهرة، من الأحاديث الصحيحة الثابتة، ما يفيد جواز معالجة المرأة الأجنبية للرجل الأجنبي للضرورة، وإليك نصوصها:
١- كتب نجدة بن عامر الحروري إلى ابن عباس يسأله عن خمس خصال، فقال ابن عباس: لولا أن أكتم علمًا ما كتبت إليه.
كتب إليه نجدة: أما بعد، فأخبرني، هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتى ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟
فكتب إليه ابن عباس: كتبت تسألني: هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن، فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة، وأما سهم؟ فلم يضرب لهن (١) .
ومعنى (يحذين) أحذيته أحذيه إحذاء، إذا أعطيته، والحذية: العطية.
٢- وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: كان رسول الله ﷺ يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه، فيسقين الماء، ويداوين الجرحى (٢) .
٣- وعن الربيع بنت معوذ ﵂ قالت: «لقد كنا نغزو مع رسول الله ﷺ لنسقي القوم ونخدمهم، ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة» (٣) .
ففي هذه الأحاديث الشريفة، جواز معالجة المرأة الأجنبية للرجل الأجنبي لضرورة.
٤- ولتوفير الرجال للجهاد، تطوعت الصحابيات في غزوات الرسول ﷺ لخدمة المجاهدين وتمريضهم ومعالجة جرحاهم، وكيف لا يتطوعن وهم يرين رسول الله ﷺ يقرع بين نسائه، فأيتهن تخرج سهمها خرج بها في غزوته (٤) .
ومن الواجب وجود شخص ثالث عند فحص الطبيب للنساء، وبالعكس، تجنبًا للخلوة بهن، ولذا كان رسول الله ﷺ يخير المرأة المتطوعة للتمريض في الغزوة بين أن تكون في رفقة قومها أو عشيرتها، وبين أن تكون في رفقة أم المؤمنين التي وقعت القرعة على خروجها معه ﷺ (٥) .
_________________
(١) راجع الحديث بطوله في صحيح مسلم، رقم ٢٨١٢، في كتاب الجهاد –باب النساء الغازيات، يرضخ لهن ولا يسهم، وفي الترمذي رقم ١٥٥٦ في السير، باب (من يعطى الفيء)، وأبو داود رقم ٢٧٢٧ في الجهاد- باب (المرأة والعبد يحذيان من الغنيمة)
(٢) أخرجه الترمذي رقم ١٥٧٥ في السير، باب (ما جاء في خروج النساء في الحرب)، وأبو داود رقم ٢٥٣١ في الجهاد –باب في النساء يغزون وغيرهما
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد: باب (مداواة النساء الجرحى في الغزو)، وباب (رد النساء الجرحى والقتلى)، وفي الطب –باب (هل يداوي الرجل المرأة، والمرأة الرجل): ٦/ ٦٠
(٤) التراتيب الإدارية أو نظام الحكومة الإسلامية، القسم التاسع، النساء الممرضات اللاتي كن يرافقن المصطفى في الغزوة، وصحيح البخاري –كتاب الجهاد، باب (حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه)، ٣/ ٢٢١، - المطبعة العامرية باستنبول ١٣١٥هـ
(٥) صحيح البخاري (٩/ ٢٩٠) في النكاح: باب (لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم)، والطبقات الكبرى لابن سعد (ترجمة أم سنان الأسلمية)
[ ٨ / ١١٦٠ ]
على أنه في الحالات الإسعافية المستعجلة، يجوز للجنس تطبيب الجنس الآخر، بغض النظر عن وجود شخص ثالث، فإن الضرورات تبيح المحظورات، والكلام هنا أطول من هذا، لكن هذا مفاده.
وقد بقي علينا أن نورد بعض النصوص الفقهية التي ذكرها الفقهاء في مؤلفاتهم، وتعرضوا فيها لحكم الكشف عن العورات في أثناء المعاينات والعمليات الجراحية فنقول:
١- جاء في المغنى لابن قدامة الحنبلي (١):
(فصل) فيما يباح له النظر من الأجانب:
يباح للطبيب النظر إلى ما تدعو إليه الحاجة من بدنها (يعني المرأة) من العورة وغيرها، فإنه موضع حاجة، وقد روي «أن النبي ﷺ لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، كان يكشف عن مؤتزرهم» .
وعن عثمان أنه أتي بغلام قد سرق، فقال: انظروا إلى مؤتزره، فلم يجدوه أنبت الشعر، فلم يقطعه.
وللشاهد النظر إلى وجه المشهود عليها، لتكون الشهادة واقعة على عينها.
قال أحمد: لا يشهد على امرأة، إلا أن يكون قد عرفها بعينها، وإن عامل امرأة في بيع أو إجارة، فله النظر إلى وجهها، ليعلمها بعينها، فيرجع عليها بالدرك.
وقد روي عن أحمد كراهة ذلك في حق الشابة دون العجوز، ولعله كرهه لمن يخاف الفتنة، أو يستغني عن المعاملة؛ فأما مع الحاجة وعدم الشهوة فلا بأس.
٢- وجاء في المهذب وهو من أنفس كتب الشافعية (٢):
(باب ستر العورة):
سترة العورة عن العيون واجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا﴾ [الأعراف: ٢٨] .
قال ابن عباس: كانوا يطوفون بالبيت عراة، فهي فاحشة، وروي عن علي كرم الله وجهه أن النبي ﷺ قال: «لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت» (٣) فإن اضطر للكشف، للمداواة، أو للختان؛ جاز ذلك لأنه موضع ضرورة.
_________________
(١) ٧/ ٤٥٩، طبع محمد رشيد رضا، وقد طبع معه الشرح الكبير على متن المقنع، تأليف شمس الدين ابن قدامة، وهو ابن أخ صاحب المغني موفق الدين
(٢) المهذب في فقه الإمام الشافعي تأليف أبي إسحاق الشيرازي (١/٦٣)، طبع دار الكتب العربية الكبرى بالقاهرة
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٣٣٠) تعليقًا ووصله أبو داود في سننه (٤/ ٥٨) في كتاب الحمام، وأخرجه الترمذي في سننه (٥/ ٩٧- ٩٨) في كتاب الأدب حديث رقم ٢٧٦٩
[ ٨ / ١١٦١ ]
وهل يجب سترها في حال الخلوة؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه يجب؛ لحديث علي كرم الله وجهه.
والثاني: لا يجب؛ لأن المنع من الكشف للنظر، وليس في الخلوة من ينظر، فلم يجب الستر.
قال الإمام النووي في شرحه على (المهذب): والمشهور بـ (المجموع) (١):
(الشرح): هذا التفسير مشهور عن ابن عباس ﵄، ووافقه فيه غيره.
وحديث علي ﵁ رواه أبو داود في سننه في كتاب الجنازة، ثم في كتاب الحمام، وقال: هذا الحديث فيه نكارة، ويغني عنه حديث جرهد –بفتح الجيم والهاء- الصحابي ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «غط فخذك؛ فإن الفخذ من العورة»، رواه أبو داود في سننه في كتاب الحمام والترمذي في الاستئذان (٢) من ثلاث طرق، وقال في كل طريق منها: هو حديث حسن، وقال في بعضها: حديث حسن، وما أرى إسناده بمتصل.
عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، قلت: يا رسول الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يراها أحد، فلا يراها، قال: قلت: يا نبي الله، إذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: فالله أحق أن يستحي منه الناس (٣)
ثم تابع النووي كلامه قائلًا:
أما (حكم المسألة) فستر العورة عن العيون واجب بالإجماع لما سبق من الأدلة.
وأصح الوجهين: وجوبه في الخلوة، لما ذكرنا من حديث بهز بن حكيم.
وممن نص على تصحيحه المصنف (يعني: الشيرازي صاحب المهذب) فإن احتاج إلى الكشف جاز أن يكشف قدر الحاجة فقط.
ثم أردف كلامه معلقًا على كلام أبي إسحاق الشيرازي قول المصنف، فإن اضطر محمولًا على الحاجة لا على حقيقة الضرورة.
ولو قال: احتاج، كما قال الأصحاب (يعني الأصحاب الشافعية) لكان أصوب؛ لئلا يوهم اشتراط الضرورة، فمن الحاجة: حالة الاغتسال، يجوز في الخلوة عاريًا، والأفضل التستر بمئزر. اهـ. المقصود من كلام النووي والشيرازي.
٣- وجاء في كتاب الشرح الصغير المسمى أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك (٤) ما يلي:
ويجب ستر العورة، عمن يحرم النظر إليها من غير الزوجة والأمة، إلا لضرورة، فلا يحرم، بل قد يجب، وإذا كشف للضرورة فبقدرها، كالطبيب، يبقر له الثوب على قدر موضع العلة في نحو الفرج إن تعين النظر، وإلا فيكتفى بوصف النساء؛ إذ نظرهن للفرج أخف من الرجل.
_________________
(١) المجموع (٢/ ١٦٥-١٦٦) من الطبعة المنيرية بالقاهرة
(٢) هذا كلام الإمام النووي –﵁- في نسبة الحديث إلى الترمذي، وبالرجوع إلى سنن الترمذي ٥/ ١١٠، حديث رقم ٢٧٩٥، تبين أن الترمذي قد أخرج الحديث في سننه في كتاب الأدب –وليس في الاستئذان- باب (ما جاء أن الفخذ عورة)، طبع مصطفى البابي الحلبي
(٣) تم تخريجه سابقًا
(٤) الشرح الصغير المسمى أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك تأليف العلامة أبي البركات أحمد الدردير (٤/ ٧٣٦) طبع دار المعارف بالقاهرة سنة ١٩٧٤م
[ ٨ / ١١٦٢ ]
٤- وقال العلامة الكاساني في بدائع الصنائع، وهو الكتاب الذي تميز عن سائر كتب فقه المذهب الحنفي بحسن التنظيم والترتيب مع الاستدلال والتعليل، واستيفاء الدليل من المعقول والمنقول:
بيان ما يحل ويحرم من الرجل من المس والنظر:
يحل للرجل أن ينظر من الرجل الأجنبي إلى سائر جسده، إلا ما بين السرة والركبة، إلا عند الضرورة، فلا بأس أن ينظر من الرجل إلى موضع الختان، ليختنه ويداويه بعد الختن.
وكذا إذا كان بموضع العورة من الرجل قرح أو جرح، ودعت الحاجة إلى مداواة الرجل، ولا ينظر إلى الركبة، ولا بأس بالنظر إلى السرة، فالركبة عورة، والسرة ليست بعورة عندنا.
وأما حكم المس، فلا خلاف في أن المصافحة حلال؛ لأن الناس يتصافحون في سائر الأعصار، في العهود والمواثيق، فكانت سنة متوارثة.
بيان ما يحل ويحرم من النظر والمس للمرأة من المرأة:
كل ما يحل للرجل أن ينظر إليه من الرجل، يحل للمرأة أن تنظر إليه من المرأة، وكل ما لا يحل له لا يحل لها، فتنظر المرأة من المرأة إلى سائر جسدها، إلا ما بين السرة والركبة؛ لأنه ليس في نظر المرأة إلى المرأة خوف للشهوة والوقوع في الفتنة، كما ليس ذلك من نظر الرجل إلى الرجل، حتى لو خافت ذلك تجتنب عن النظر، كما في الرجل.
ولا يجوز لها أن تنظر ما بين سرتها إلى الركبة، إلا عند الضرورة، بأن كانت قابلة، فلا بأس لها أن تنظر إلى الفرج عند الولادة، وكذا لا بأس أن تنظر إليه لمعرفة البكارة في امرأة العنين والجارية المشتراة على شرط البكارة إذا اختصما، وكذا إذا كان بها جرح أو قرح في موضع لا يحل للرجل النظر إليه، فلا بأس أن تداويها، إذا علمت المداواة، فإن لم تعلم تتعلم ثم تداويها، فإن لم توجد امرأة تعلم المداواة، ولا امرأة تتعلم، وخيف عليها الهلاك أو بلاء أو وجع لا تحتمله، يداويها الرجل، لكن لا يكشف منها إلا موضع الجرح، ويغض بصره ما استطاع؛ لأن الحرمات الشرعية جاز أن يسقط اعتبارها شرعًا، لمكان الضرورة، كحرمة الميتة وشرب الخمر، وحالة المخمصة والإكراه.
لكن الثابت بالضرورة، لا يعدو موضع الضرورة؛ لأن علة ثبوتها الضرورة، والحكم لا يزيد على قدر العلة (١) .
_________________
(١) بدائع الصانع للكاساني (٥/ ١٢٣- ١٢٤)، كتاب الاستحسان، وقد يسمى عند الحنفية بكتاب الحظر والإباحة، أو بكتاب الكراهة كما في حاشية ابن عابدين وغيرها من كتب الحنفية
[ ٨ / ١١٦٣ ]
لباب القول بالنسبة إلى نظر الطبيب للمرأة الأجنبية:
بعد أن تتبعنا أقوال الفقهاء، فالذي نراه أن أمر العلاج ضرورة، ولئن بين التشريع أحكام العورات في الرجل والنساء، فلقد كان جليًا أن راعى العلاج أنه استثناء من القاعدة العامة.
ولم يجدوا في هذا الاستثناء حرجًا ولا غضاضة ولا مجافاة للدين، فلم يصروا على أن يجعلوه مجالًا للحرج أو الاحتجاج، وعلى ذلك جرى الفقه حتى الآن، فتظل عورة الرجل حرامًا على الرجل والمرأة، وتظل عورة المرأة حرامًا على الرجل والمرأة كليهما، ولا ينحسر هذا التحريم إلا في شأن العلاج مقام الطبابة.
وطالما توفر هذا الشرط، أي الحاجة الطبية، وتوفرت تقوى الله وصلاح النية؛ فلا إثم ولا بأس.
وآراء الفقهاء المسلمين على هذا الرأي، ولهم منذ مئات السنين أحكام تعد بمقاييس عصرنا، غاية في استنارة وسعة الأفق وتفهم روح الشريعة ونصوصها جامعين في ذلك ما بين العاطفة الإسلامية الدافئة والعقل السليم الرصين، ومن نصوصهم على ذلك:
قول ابن قدامة:
(ويباح للطبيب النظر إلى ما تدعو إليه الحاجة من بدنها من العورة، وغيرها، فإنه موضع حاجة) (١) .
ومن اللطيف ما قرأناه في كتاب الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي (٢) حيث قال:
وقال المروزي: قلت لأبي عبد الله: المرأة يكون بها الكسر، فيضع المجبر يده عليها؟ قال: هذا ضرورة، ولم ير به بأسًا، قلت لأبي عبد الله: مجبر يعمل بخشبة، فقال: لابد لي من أكشف صدر المرأة وأضع يدي عليها، قال طلحة: (يؤاجر): فسألت رأي ابن مضرس، قال: هذه ضرورة، ولم ير به بأسًا.
_________________
(١) المغني لابن قدامة (١/ ٤٥٨)
(٢) الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي (٢/ ٤٦٤)
[ ٨ / ١١٦٤ ]
وتورد الصفحة نفسها:
فإن مرضت امرأة، ولم يوجد من يطبها غير رجل جاز له منها ما تدعو الحاجة إلى نظره منه حتى الفرجين، وكذا الرجل مع الرجل.
قال ابن حمدان:
وإن لم يوجد من يطبه سوى امرأة، فلها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظره منه حتى فرجيه.
وفي حاشية ابن عابدين (١):
وينظر الطبيب إلى موضع مرضها بقدر الضرورة.
ويمكننا أن نقول أخيرًا: إن الطبيب الذي يريد مداواة المريضة يجوز له النظر إلى موضع المرض بقدر الضرورة والحاجة إلى التطبيب؛ إذ الضرورات تقدر بقدرها، وكذا الحكم بالنسبة للمريض، يباح للطبيب أن يرى منه موضع العلة، ولكن بالشروط التي أوردها الفقهاء:
١- أن يكون هذا بحضرة محرم أو زوج أو امرأة ثقة، خشية الخلوة؛ لجواز خلوة الرجل بامرأتين ثقتين عند كثير من العلماء، وذلك لاستحياء كل بحضرة الأخرى.
٢- أن لا تكون هناك امرأة طبيبة متخصصة تعالجها، وينبغي أن تعلم المرأة علوم الطب؛ لتقوم بمداواة النساء؛ لأن نظر الجنس إلى الجنس أسهل.
وهذا الأمر متوفر في زماننا هذا نوعًا ما، وإن كان على نطاق ضيق، لا يشمل جميع المستويات، أو لم ينتشر في أكثر الجهات، فإن لم يقدر أهل جهة على تعليم المرأة، أو لم يجدوا من تقوم بمداواتها، أو إذا وجد، لكن خيف عليها الهلاك، فيجب أن يستر منها كل شيء، سوى موضع المرض، ثم يداويها الرجل، فينظر ويغض بصره ما استطاع؛ لأن ما ثبت بالضرورة يقدر بقدرها (٢) .
ولأن الحرمات الشرعية جاز أن يسقط اعتبارها شرعًا لمكان الضرورة، كحرمة الميتة، وشرب الخمر حالة اللقمة والإكراه، لكن الثابت بالضرورة لا يجوز أن يتجاوز موضع الضرورة؛ لأن علة ثبوتها بالضرورة، والحكم لا يزيد على قدر العلة (٣) .
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (٥/ ٢٣٧)
(٢) تكملة فتح القدير لقاضي زاده (١٠/ ٢٦) ط مصطفى الحلبي، والفتاوى الهندية (٥/ ٣٣٠) ط بولاق
(٣) بدائع الصنائع (٥/ ١٢٤) ط الجمالية
[ ٨ / ١١٦٥ ]
قال الإمام الغزالي:
وتقدر الحاجة التي يجوز إظهار العورة معها، بحيث لا يعد التكشف بسببها هتكًا للمروءة (١) .
ولا فرق في هذا بين ذوات المحارم وغيرهن؛ لأن النظر إلى العورة لا يحل بسبب المحرمية (٢) .
وأما إذا خافت الهلاك بسبب جراحة تقوم بها المرأة، فللرجل الأجنبي أن يقوم بإجراء مثل هذه الجراحة لها (٣) .
وكذلك يشترط في معالجة المرأة للرجل، أن لا يكون هناك رجل يستطيع أن يقوم بمثل هذه المعالجة (٤) .
قال الإمام النووي: هو الأصح، وبه قطع القاضي حسين والمتولي، وقالا زيادة على ذلك: والأولى أن لا يكون ذميًا مع وجود مسلم.
وكذلك لا يقدم للكشف على المرأة غير أمين مع وجود الأمين، وقد يحرم النظر دون المس، وذلك إذا تمكن الطبيب من معرفة العلة بالمس فقط (٥) .
ويمكن إلحاق الأصناف التالية بالطبيب في حكم النظر:
أولًا: ممن ابتلي بخدمة مريض أو مريضة في وضوء أو استئجار أو غيرهما من وسائل التمريض، فيجوز له النظر إلى موضع الوضوء والعورة على قدر الحاجة.
ثانيًا: الخاتن إلى ذكر المختون، والخافضة إلى فرج الأنثى، والقابلة إلى فرج المرأة التي تولدها، واستكشاف العنة والبكارة.
ثالثًا: الإنقاذ من المهلكة، كغرق، أو حريق، أو هدم، أو غيرهما، فيجوز للمنقذ النظر إلى عورة المنقذ من الهلاك للضرورة، ولأنه في حكم الطبيب بجامع إنقاذ النفس، فالمعالج ينقذ النفس، ومنتشل الغريق منقذ له (٦) .
هذا والله ﷾ أعلم
_________________
(١) كفاية الأخيار لتقي الدين الحصني الدمشقي الشافعي (٢/ ٤٧)
(٢) المبسوط للسرخسي (١٠/ ١٥٧)، ومغني المحتاج (٣/ ١٣٣) ط عيسى البابي الحلبي
(٣) الفتاوى الهندية (٥/ ٣٣٠)، ونهاية المحتاج (٦/ ١٩٧)
(٤) مغني المحتاج (٣/ ١٣٣)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي الحنبلي (٨/ ٢٢) ط أنصار السنة المحمدية
(٥) نهاية المحتاج للرملي (٦/ ١٩٥)
(٦) تفسير الفخر الرازي، المسمى (مفاتيح الغيب) (٦/ ٣٥٤) المطبعة الخيرية بالقاهرة سنة ١٣٠٨هـ
[ ٨ / ١١٦٦ ]
الفصل الثالث
التداوي بالمحرمات
اختلفت أنظار الفقهاء في ذلك، والراجح أنه يحرم الانتفاع بالخمر للمداواة؛ لقوله ﷺ: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» (١) .
ولما روي أن طارق بن سويد سأل النبي ﷺ عن الخمر فنهاه –أو كره أن يصنعها- فقال: أصنعها للدواء؟ فقال: «إنه ليس بدواء ولكنه داء» (٢) .
ويحد من شربها لدواء. وهذا محل اتفاق بين معظم المذاهب الفقهية (٣) غير أن الشافعية قالوا: إن التداوي بالخمر حرام في الأصح إذا كانت صرفًا غير ممزوجة بشيء آخر تستهلك فيه.
أما الترياق المعجون بها ونحوه مما تستهلك فيه، فيجوز التداوي به عند فقد ما يقوم به التداوي من الطاهرات، فعندئذ يتبع حكم التداوي بنجس كلحم حية وبول وكذا يجوز التداوي بذلك لتعجيل شفاه بشرط إخبار طبيب مسلم عدل بذلك، أو معرفته للتداوي به، وبشرط أن يكون القدر المستعمل قليلًا لا يسكر (٤) .
وبالجملة، فإن الجمهور الأعظم من علماء المسلمين، كالمجمعين على تحريم التداوي بالخمر، وعلى أنه لو غص بلقمة ولم يجد شيئًا يسيغها به إلا الخمر، جاز له إساغتها به.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٠/٦٨) تعليقًا في كتاب الطب: باب شرب الحلواء والعسل
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، وحديث رقم (١٩٨٤) في كتاب الأشربة: باب (تحريم التداوي بالخمر)، وأبو داود في سننه رقم (٣٨٧٣)، والترمذي (رقم ٢١٤٧)، وصححه، وأحمد (٤/ ٣١١)
(٣) بدائع الصنائع (٥/ ١١٢ - ١١٣)، أحكام القرآن لابن العربي المالكي (١/ ٥٩)، والمجموع (٩/ ٥١ و٥٣)، والمغني (١٠/ ٣٣٠- ٣٣١)، والبحر الزخار (٤/ ٣٥١)، وغيرها
(٤) مغني المحتاج (٤/ ١٨٨)، وشرح جلال الدين المحلي على المنهاج بحاشية القليوبي وعميرة (٤/ ٢٠٣)
[ ٨ / ١١٦٧ ]
كذلك ترادفت كلمتهم على تحريم شربها للجوع أو للعطش إلا الحنفية، فإنهم رخصوا بشربها عند ضرورة العطش أو الإكراه.
هذا وقد شذ عن هؤلاء جميعًا الظاهرية، حيث ذهبوا إلى إباحة التداوي بالخمر عند الضرورة.
قال الإمام ابن حزم الظاهري: (الخمر مباحة لمن اضطر إليها، فمن اضطر لشرب الخمر، لعطش أو علاج، أو لدفع خنق فشربها فلا حد عليه) .
ويقول: إن التداوي بمنزلة الضرورة، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فما اضطر المرء إليه فهو غير محرم عليه من المآكل والمشارب (١) .
هذا وقد أثبتت الأبحاث الطبية أخيرًا أن من الخطأ اتخاذ الكحول دواء لأي مرض من الأمراض، وكان ذلك من أهم النتائج التي توصل إليها المؤتمر الدولي الحادي والعشرون لمكافحة المسكرات والتسمم الكحولي، الذي عقد في هلسنكي عاصمة فنلندا سنة ألف وتسعمائة وتسع وثلاثين، ففي إيراد ذلك عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وكانت النتيجة التي توصل إليها المؤتمر بإجماع الآراء ما يلي:
(يقر المؤتمر أن الطبيب الذي يصف لعليله شيئًا من الخمر على سبيل التداوي يعتبر في عرف هذا المؤتمر طبيبًا متأخرًا في فنه بضعة عشر عامًا، وأن الشخص الوحيد الذي ينتفع من رواج الخمر هو صانعها أو بائعها، وأما شاربها فهو الضحية والفريسة، وهو الذي يدفع ثمنها من ماله وصحته وعاقبة أمره) (٢) .
إن الخمر محرمة لعينها، فلا تباح إلا لضرورة، وليس منها التداوي؛ لأن الخمر لا يغني طريقًا للعلاج، لأن هناك غيرها من الدواء الطاهر يفي بالغرض المطلوب. ومن قال منذ نشأ الطب إلى اليوم: إن في الخمر فائدة طبية لا توجد في غيرها (٣)؟!
_________________
(١) المحلى لابن حزم (٧/ ٤٠٤)
(٢) المسكرات وآثارها وعلاجها في الشريعة الإسلامية، (ص ١٨٥- ١٨٦)، دكتور أحمد علي طه ديان، دار الاعتصام، منقولة من كتاب: آثار الخمور للدكتور أحمد غلوش، مطبعة الهنا للطباعة والنشر بمصر
(٣) العقوبة في الفقه الإسلامي: للمرحوم محمد أبو زهرة (ص ١٨٥)
[ ٨ / ١١٦٨ ]
رأيي في المسألة:
بكل هذه النصوص الواضحة كان الإسلام حاسمًا كل الحسم في محاربة الخمر وإبعاد المسلم عنها، فلم يفتح أي منفذ –وإن ضاق وصغر- لتناولها أو ملابستها.
أما بخصوص استعمالها كدواء، فالناظر في أحاديث الرسول ﷺ يجد التصريح بأن الخمر ليست بدواء، بل إن الأمر جاوزه إلى التصريح بأنها داء، إذن يحرم التداوي بها كما يحرم شربها، وقد أثبتت الأبحاث والتحاليل الطبية العالمية أخيرًا أن من الخطأ اتخاذ الخمر دواء لأي مرض من الأمراض، ولا عجب أن يحرم الإسلام التداوي بالخمر وغيرها من المحرمات؛ فإن تحريم الشيء كما قال الإمام ابن القيم (١) يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق، وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابساته، وهذا ضد مقصود الشارع.
وقال أيضًا: فإن في إباحة التداوي به – ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه- ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة، وبخاصة إذا عرفت النفوس أنه نافع لها ومزيل لأسقامها، جالب لشفائها.
إذن فحرمة التداوي بالخمر هو الحق، وهو الصواب، وهو الرأي الذي أميل إليه.
ومع هذا فإن للضرورة حكمها في نظر الشريعة الإسلامية، فإن الإسلام الحنيف قد بنى تشريعه كله على اليسر والرحمة، ولم يقصد بتكاليفه –على وجه عام- عنتًا ولا إرهاقًا ولا مشقة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .
ومن ذلك رخص لمن أكره بالكفر، أن ينطق بكلمته وقلبه مطمئن بالإيمان. ورخص لمن أشرف على الهلاك أو خاف الضرر بجوع أو عطش أن يأكل ويشرب مما حرم الله بقدر ما يحفظ عليه حياته، أو يدفع عنه ضرره.
_________________
(١) زاد المعاد في هدي خير العباد ٤/ ١٥٤ لابن القيم الجوزية، هذا وقد أفاض العلامة ابن قيم الجوزية في كتابه القيم (زاد المعاد في هدي خير العباد ٤/ ١٥٤ وما بعدها) طبع مؤسسة الرسالة في بيروت سنة ١٩٨٢ م في فصل خاص في هديه ﷺ في المنع من التداوي بالمحرمات، واستوعب الكلام في بدلائه، فمن أراد المزيد من الاطلاع فليرجع إليه
[ ٨ / ١١٦٩ ]
ذلك أن الإسلام حرم شرب الخمر، حفظًا للعقول، وحرم الدم المسفوح والميتة ولحم الخنزير، حفظًا للصحة، وقد جاء ذلك صريحًا واضحًا في قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] .
وقوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] .
وقد جاء عقب تحريم هذه المطعومات قوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥] .
وفي آية أخرى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] . ودل هذا التعقيب الذي هو بمنزلة استثناء على أنه إذا وجدت الضرورة التي تدعو إلى تناول شيء منه، أبيح تناول ما تدعو إليه الضرورة –وليس منها التداوي- إبقاء للحياة، وحفظًا للصحة، ودفعًا للضرر.
ولكن الرخصة في تناول الدواء المشتمل على محرم مشروطة بشروط:
أولًا: أن يكون هناك خطر حقيقي على صحة الإنسان إذا لم يتناول هذا الدواء.
ثانيًا: ألا يوجد دواء غيره من الحلال يقوم مقامه، أو يغني عنه.
ثالثًا: أن يكون الطبيب طبيبًا مسلمًا عدلًا معروفًا بالصدق والأمانة.
على أنه في مجال الواقع والتطبيق العملي، ومن تقرير ثقات الأطباء أن لا ضرورة طبية تحتم تناول شيء من هذه المحرمات –دواء- ولكننا نقرر المبدأ احتياطًا لمسلم قد يكون في مكان لا يوجد فيه إلا هذه المحرمات.
[ ٨ / ١١٧٠ ]
بيان حكم المخدرات
تعريف المخدر والمفتر:
إن تعريف المواد المخدرة، أمر مهم في فهم طبيعة هذه المواد وخصائصها، والنتائج المترتبة على تناولها.
وعليه فإنا نذكر (أولًا) – تعريف كل من المخدر والمفتر، فنقول: الخدر: هو الكسل والثقل، يقول: خدر خدرًا: عراه فتور واسترخاء. المخدر: هو المادة التي تحدث في الجسم ثقلًا وشعورًا بالكسل. والتخدير في الطب: تعطيل الإحساس موضعيًا. (١) .
والمفتر –بصفة الفاعل: الذي يرخي الأعصاب ويضعف الجفن ويكسر الطرف، والخدر في أطراف الأصابع، وهو مقدمة السكر، وقد عرف الإمام أبو سليمان الخطابي (المفتر) تعريفًا شرعيًا، فقال: (المفتر: كل شراب يورث الفتور والخدر في الأطراف) (٢)، وقد عرف الصاوي المخدر شرعًا بأنه: (الذي يغيث العقل دون الحواس لا مع نشوة وطرب) (٣) وقد جاء ذكر (المفتر) في حديث شهر بن حوشب، عن أم سلمة قالت: «نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر» (٤) والمواد المخدرة على أنواع كثيرة، وفصائل متنوعة؛ تحمل كل منها اسمًا علميًا خاصًا.
ومن المتعذر إيراد حصر كامل لها. وسنذكر في هذا المبحث بعضًا منها على سبيل الذكر، لا الحصر.
_________________
(١) المصباح المنير، ومختار الصحاح، والمعجم الوسيط (مادة خدر) ودائرة معارف القرن العشرين (٣/ ٦٨٩) الطبعة الثانية
(٢) المصادر السابقة، مادة (فتر)؛ ومختصر سنن أبي داود للمنذري؛ ومعالم السنن للخطابي (٥/ ٢٦٩)؛ وتفسير الفخر الرازي (٢/ ٢٣٠)
(٣) الشرح الصغير على أقرب المسالك (١/٤٧) طبع المعارف.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه رقم (٣٦٨٦): ٣/٤٤٩، في كتاب الأشربة: باب النهي عن السكر
[ ٨ / ١١٧١ ]
حكم تعاطي المخدرات بوجه عام:
عالج الفقهاء مسألة النباتات المخدرة أو المفترة مع الخمر وقاسوها عليها، وذلك في الحكم الشرعي لا في الإطلاق اللغوي، لأن اللغة لا تثبت بالقياس عند جمهور الأصوليين.
والمقصود هو: أنه كما يحرم شرب المسكرات، حتى من غير الخمر مهما كان نوعها كثيرها وقليلها، كما سبق بيانه، يحرم أيضًا تناول المخدرات التي تغشي العقل، ولكن لا تحدث الشدة المطربة التي هي من خصائص المسكر المائع.
وكما أن ما أسكر كثيره حرم قليله من المائعات، كذلك يحرم مطلقًا ما يفتر ويخدر من الأشياء الجامدة المضرة بالعقل، أو غيره من أعضاء الجسد؛ وذلك إذا تناول قدرًا مضرًا منها دون القليل النافع من أجل المداواة، لأن حرمتها ليست لعينها، بل لضررها.
وقد بدأ الفقهاء بقياس (الحشيشة على الخمر، ثم عددوا النباتات الأخرى) .
ومعظم الفقهاء تكلموا عليها في كتاب الأشربة. وقليل منهم ذكرها في كتاب حد الخمر أو حد السكر. وقد اعتبر الإمام الحطاب المالكي، الحشيشة والأفيون وأمثالهما من المخدرات. (١)، كما ذكر العلامة ابن عابدين، جوزة الطيب، والعنبر والزعفران، وقال: هذه كلها مسكرة.
ومرادهم من الإسكار هنا: تغطية العقل، لا مع الشدة المطربة، لأنها من خصوصيات المسكر المائع، فلا ينافي أنها مخدرة، فما جاء في الوعيد على الخمر، يصدق فيها، لاشتراكهما في إزالة العقل المقصود للشارع بقاؤه.
بدء ظهور المخدرات في الدولة الإسلامية:
يقول الفقيه الجليل، العلامة ابن تيمية: (إنما ظهر في الناس أكلها – يعني الحشيشة- قريبًا من نحو ظهور التتار، فإنها خرجت وخرج معها سيف التتار) (٢)
وقد عرف متعاطيها بالحشيشي، لا الحشاش. وتسمى الحشيشة بالقنب، وقد ألف العكبري صاحب إعراب القرآن كتابًا في أكل الحشيشة، سماه: كتاب السوانح الأدبية في مدائح القنبية (٣)
ويقول ابن عابدين: سئل شمس الأئمة عن حل البنج وحرمته، فقال: ما نقل عن أبي حنيفة فيه شيء إذ لم يشتهر في زمانه، ولم يرد عن السلف فيه أيضًا شيء إلى زمان المزني تلميذ الإمام الشافعي (٤)
وقال في موضع آخر: (وإنما لم يتكلم فيها –يعني الحشيشة- الأئمة الأربعة؛ لأنه لم تكن في زمنهم، وإنما ظهرت في آخر المئة السادسة، وأول المئة السابعة حين ظهرت دولة التتار (٥) وكان ذلك في القرن الثالث عشر الميلادي.
_________________
(١) شرح الحطاب على مختصر خليل (٣/٢٣٢)؛ وينظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/٣٥٢)
(٢) مجموعة فتاوى ابن تيمية (٤/٢٥٤)، وينظر السياسة الشرعية له (ص ١٠٨) طبع دار الكتاب العربي بالقاهرة.
(٣) راجع كشف الظنون (١/٩٦٠) من طبعة المعارف التركية؛ والمخلاة للعاملي (١٤٣) من طبعة الميمنة؛ النجوم الزاهرة (٧/٣٨٠)
(٤) حاشية ابن عابدين (٤/٣٢٦)
(٥) حاشية ابن عابدين (٥/٤٠٦)
[ ٨ / ١١٧٢ ]
أنواع النباتات المخدرة:
تحدث الفقهاء عن الكثير من النباتات المخدرة، وقد ذكر كل منهم ما عرف في بلده، ووجد في عصره منها، كما يتضح من سرد ما قالوه فيها.
أولًا- البنج:
في أصله نبات مخدر يسمى باللغة العربية (شيكران) وهو يصدع ويسبت – أي ينوم - ويخلط العقل، ويورث الخبال، وربما يسكر إذا شربه الإنسان بعد ذوبانه. وقد ذكر القرطبي _البنج- على أنه شراب. (١)
ثانيًا- الأفيون:
عصارة الخشخاش، تستعمل للتنويم والتخدير، وهو يكرب ويؤثر في شهوتي الطعام والجنس، ويتلف الأغشية ويخرقها، ويصعب تركه في مدة بسيطة عند الإدمان عليه. (٢)
ثالثًا- الحشيشة:
نوع من ورق القنب الهندي، يسكر جدًا إذا تناول الإنسان منه بقدر الدرهم (١٣/٣ غرامات) حتى إن من أكثر من الحشيشة، أصيب بالرعونة واختلال العقل.
وقد ذكر له ابن حجر (٣) مئة وعشرين مضرة دينية ودنيوية. والحشيشة من أعظم المنكر، وشر من الخمر في بعض الوجوه؛ لأنه يورث نشوة لذيذة وطربًا كالخمر، ويصعب الفطام عنه أكثر من الخمر. (٤) وذكر ابن تيمية الحشيشة مرارًا، وخصص مسألتين فيمن يأكل الحشيشة ما يجب عليه. (٥)
وقال ابن البيطار- وهو الذي إليه المنتهى في معرفة خواص النبات والأشجار-: (إن الحشيشة، وتسمى القنب، توجد في مصر، وهي مسكرة جدًا، إذا تناول الإنسان منها قدر درهم أو درهمين. (٦)
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (٥/٢٧٥ و٢٧٦) وحاشية الحطاب على مختصر خليل (٣/٣٣٢)، وتفسير القرطبي (٥/٢٠٣)، والمعجم الوسيط (١/٧٠)، والروض النضير (٤/١٦٣) .
(٢) المعجم الوسيط (١/٢١)
(٣) فتاوى ابن حجر المكي (٢٣٤ – ٢٢٤)
(٤) مغني المحتاج (٤/١٨٧)
(٥) فتاوى ابن تيمية (٢٥٥-٢٥٧) و(٥/٢٦٢ – ٢٦٤)
(٦) الجامع لمفردات الأدوية (مادة ح ش ي ش) وتاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه لعبد الحليم منتصر (ص ١٨٥) طبع المعارف بالقاهرة.
[ ٨ / ١١٧٣ ]
آثار تعاطي المخدرات:
أشرنا فيما سبق إلى أن الفقهاء، قد قاسوا النباتات المخدرة على الخمر في الحرمة؛ لأنها تغطي العقل مثلها، وإذا كانت الخمر أشد فتكًا في الجسم من مرض السل، فإن المواد المعروفة الآن بالمخدرات كالحشيش، والأفيون والكوكايين، لها من المضار الصحية والعقلية والروحية والاقتصادية والاجتماعية فوق ما للخمر.
قال ابن عابدين: قال ابن البيطار: (ومن القنب الهندي نوع يسمى الحشيشة يسكر جدًا إذا تناول منه قدر درهم أو درهمين، حتى إن من أكثر منه أخرجه إلى حد الرعونة، وقد استعمله قوم فاختلت عقولهم، وربما قتلت، بل نقل ابن حجر عن بعض العلماء أن في أكل الحشيشة مئة وعشرين مضرة دينية ودنيوية) .
كما قال عن الأفيون: إنه يكرب ويسقط الشهوتين إذا استمر عليه، ويقتل إذا تعاطى منه قدر درهمين، ومتى زاد أكله على أربعة أيام ولاء اعتاده، بحيث يفضي تركه إلى موته؛ لأنه يخرق الأغشية خروقًا لا يسدها غيره، كما ذكر داود الأنطاكي في تذكرته. (١)
ويقول الإمام ابن تيمية: هذه الحشيشة الملعونة تورث آكلها قلة الغيرة، وزوال الحمية، حتى يصير آكلها إما ديوثًا، وإما مأبونًا، وإما كلاهما.
وقد جعلت خلقًا كثيرا مجانين، وتجعل الكبد مثل السفنج، ومن لم يجن من تعاطيها، فقد أعطته نقص العقل، ولو صحا منها، فإنه لا بد أن يكون في عقله خبل، ثم إن كثيرها يسكر. (٢)
وهذه الآثار العقلية والخلقية والاجتماعية للمخدرات قد أثبتها الطب الحديث، مما دعا بالحكومات كلها إلى تحريم تعاطيها والاتجار فيها، وفرض العقوبات المشددة على من يخالف ذلك.
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (٥/٤٠٥)، وقد وردت عبارة ابن عابدين نفسها في الروض النضير (٤/١٦٣)
(٢) فتاوى ابن تيمية (٤/٢٧٥)
[ ٨ / ١١٧٤ ]
حكم المخدرات كحكم الخمر:
من الواضح أن قوله ﷺ: «كل مسكر حرام» لا يقصد منه مجرد التسمية فقط؛ ذلك لأن الرسول ﷺ ليس واضع أسماء ولغات، وإنما القصد منه، أنه يأخذ حكم الخمر في التحريم والعقوبة.
فكل ما كان في معنى الخمر من المواد المعروفة الآن بالمخدرات يأخذ حكمها، ويلزم ثبوت تلك الأحكام في كل مادة ظهرت بعد عهد التشريع، وكان لها من الآثار الضارة مثل آثار الخمر أو أشد، إن لم يكن بحرفية النص فبروحه ومعناه ومعقوله، وبالقاعدة العامة الضرورية، وهي دفع المضار، وسد الذرائع.
وبذلك أجمع على حرمة المخدرات فقهاء المسلمين الذين ظهرت في عهدهم وتبينوا آثارها السيئة في الإنسان وبيئته ونسله، وعرفوا أنها مثل الخمر وأشد. فقرروا حرمتها، كما قرروا عقوبة تناولها والاتجار بها، وقرروا أن استحلالها كاستحلال الخمر. فابن عابدين الفقيه الحنفي: (١) نقل عن كتاب الجامع وغيره، أن من قال بحل البنج والحشيشة فهو زنديق مبتدع، بل قال نجم الدين الزاهدي: إنه يكفر ويباح قتله.
وعلل الحنفية تحريم تناول البنج والحشيشة والأفيون، بأن ذلك مفسد للعقل، فيحدث عند الرجل خلاعة وفسادًا، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
لكن تحريم ذلك ليس لعينه، بل لنتائجه، فإن أكل الشخص شيئًا من ذلك لا يقام عليه حد الشرب أو السكر، وإن تخدر منه؛ لأن الشرع أوجب الحد بالسكر من المشروب المائع لا المأكول، وإنما يعاقب بالعقوبات التعزيرية الأخرى. (٢)
وبمثل قول الحنفية في حرمة الحشيشة ونحوه ومعاقبة متناولها بعقوبة تعزيرية رادعة دون الحد؛ قال فقهاء المالكية والشافعية والظاهرية، فإنهم حرموا تناول كل ما يؤثر في العقل، كالبنج والحشيشة والأفيون والقات المخدر المستعمل الآن في اليمن، لثبوت ضررها في البدن والعقل.
ولكن لا حد في تناول ذلك، وإنما يعزر متعاطيها بالعقاب الزاجر له ولأمثاله، وغير الحنفية قالوا: إذا وصل الحشيش المذاب إلى حد الشدة المطربة، فيجب فيه الحد كالخمر. (٣)
_________________
(١) حاشية ابن عابدين (٥/٣٩٩) و(٤/٣٢٦)
(٢) راجع المبسوط للسرخسي (٢٤/٩) الطبعة الأولى، وفتح القدير لابن الهمام (٤/١٨٤) طبعة مصطفى محمد، واللباب شرح الكتاب للميداني (٣/٣٥٢) طبعة صبيح.
(٣) راجع في هذا من المذهب المالكي: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/٣٥٢) . ومن المذهب الشافعي: مغني المحتاج (١/٧٧)، (٤/١٨٧)، وحاشيتي قليوبي وعميرة على المحلى للمنهاج (١/٦٩)، (٤/٢٠٣)؛ وفتاوى ابن حجر المكي (٤/٢٢٣ – ٢٢٤)، ومن المذهب الظاهري: المحلى لابن حزم (٧/٥٦٣) طبعة الإمام بالقاهرة.
[ ٨ / ١١٧٥ ]
وكذلك قال الحنابلة بحرمة تناول الحشيشة ونحوها من المخدرات.
وأما إقامة الحد على متعاطيها، فقد قال ابن تيمية: يجلد متعاطي الحشيشة كما يجلد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج حتى يصير في الرجل تخنث ودياثة، وغير ذلك من الفساد.
والخمر أخبث من جهة أنها تفضي إلى المخاصمة والمقاتلة، وكلاهما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
ثم قال: (وقد توقف بعض الفقهاء المتأخرين في حدها، ورأى أن آكلها يعزر بما دون الحد، حيث يظنها تغير العقل من غير طرب بمنزلة البنج، ولم يجد للعلماء المتقدمين فيها كلامًا) .
وليس كذلك، بل آكلوها ينشون عنها (يعني يعاودونها مرة بعد أخرى)، ويشتهونها، كشراب الخمر وأكثر. (١)
أدلة تحريم المخدرات:
لاحظنا مما سبق أن فقهاء المذاهب اتفقوا على حرمة المخدرات. وأضاف بعض الحنابلة (ابن تيمية) أنه يجب الحد على متعاطيها. والأصل في تحريمها ما رواه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه بسند صحيح، عن أم سلمة ﵂ قالت: «نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر» (٢)
قال العلماء: المفتر: كل ما يورث الفتور والخدر في الأطراف.
قال ابن حجر: وهذا الحديث فيه دليل على تحريم الحشيش بخصوصه؛ فإنها تسكر وتخدر وتفتر، ولذلك يكثر النوم لمتعاطيها.
وحكى القرافي وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة.
قال ابن تيمية: ومن استحلها فقد كفر، وإنما لم تتكلم فيها الأئمة الأربعة ﵃ لأنها لم تكن في زمانهم.
وقال بعض الحنفية: يكفر من استحل الحشيش والبنج ويباح قتله.
ورد الرملي ذلك بأن لا التفات لهذا القول، ولا تعويل عليه؛ إذ الكفر بإنكار القطعيات الثابتة يقينًا من الدين، وهذا ليس كذلك. (٣)
_________________
(١) السياسة الشرعية لابن تيمية (ص ١٠٨) طبع دار الكتاب العربي بمصر؛ وينظر مطالب أولي النهى (٦/٢١٧) طبع المكتب الإسلامي بدمشق.
(٢) الحديث مضى تخريجه، وأضيف هنا: قال السيوطي وأقره المناوي: حديث صحيح، راجع الجامع الصغير (٢/١٩٣)، وسنن أبي داود (٣/٤٤٩) .
(٣) راجع المصادر المشار إليها في الهوامش السابقة.
[ ٨ / ١١٧٦ ]
حكم التداوي بالمخدرات:
يقول العلامة (ابن عابدين): قدمنا في الحظر والإباحة عن (التتار خانية) أنه لا بأس بشرب ما يذهب بالعقل لقطع نحو آكلة مرض جلدي كالجرب.
أقول: ينبغي تقييده بغير الخمر، وظاهره أنه لا يتقيد نحو بنج، وقيده به الشافعية، والله سبحانه أعلم.
وبالجملة يحرم تناول البنج والحشيشة والأفيون في غير حالة التداوي؛ لأن حرمتها ليست لعينها، وإنما لضررها.
هذا والموقف الآن هو: أن الخمر لم تعد تستعمل الآن كدواء، ولكن المشروبات الكحولية تدخل في صناعة كثير من الأدوية، وكذلك المخدرات.
ومن الواضح أن تعاطي المخدرات في أية صورة كانت غير هذه التي تدخل في الأدوية، يأخذ بحكم الخمر. ذلك أن دخولها في الأدوية يخرجها عن طبيعتها المحرمة، كما يقول بعض الفقهاء الأجلاء: خرج بصرفها ما عجن بها، كالترياق، فيباح التداوي به لاستهلاكها فيه.
قال الشربيني الخطيب: (١)
تنبيه: محل الخلاف في التداوي بصرفها، أما الترياق المعجون بها ونحوه مما تستهلك فيه، فيجوز التداوي به عند فقد ما يقوم مقامه، مما يحصل به التداوي من الطاهرات، كالتداوي بنجس كلحم حية وبول.
ويجوز تناول ما يزيل العقل من غير الأشربة، لقطع عضو. اهـ. المقصود.
أقول: وكذلك الحال بالنسبة إلى استعمال المخدر، إذا وجدت الضرورة الملحة التي تدعو إلى ذلك، وما دام الطبيب الحاذق الأمين يرى أن ذلك هو الدواء الوحيد المفيد الناجع. وذلك إبقاء للحياة، وحفظًا للصحة، ودفعًا للضرر.
وهذا هو أصل من أصول التشريع في الإسلام، يبنى عليه، حينما يحرم ما يحرم، وحينما يبيح ما يبيح، والله سبحانه أعلم.
_________________
(١) في مغني المحتاج (٤/١٨٨) طبعة مصطفى الحلبي.
[ ٨ / ١١٧٧ ]
الفصل الرابع
واجبات الطبيب في السلم والحرب
الحق أنه لا فرق بين واجبات الطبيب في السلم، وواجباته في الحرب، وإن كانت في الحرب أوجب وألزم؛ لأن مهمة الطبيب مهمة إنسانية قبل كل شيء، فسيان عنده التطبيب للمرضى والجرحى، في وقت السلم والحرب، فيجب عليه المبادرة من فوره لمعالجة المريض أو المصاب، وكلما كان المرض أو الإصابة أخطر، كان الإسراع منه أوجب.
أولًا- وإن من أول الواجبات عليه وأولاها: أن يكون عالمًا بمهنة الطب، ماهرًا بها، متقنًا لها، ومشهودًا له بتفوقه فيها وانقطاعه إليها.
ومن لم يكن كذلك، فلا يحق له الإقدام على تطبيب يخاطر فيه، ولا ينبغي له التعرض لما لا علم له فيه، ولا التصدر لطب البشر قبل استكمال أهليته.
ومن هنا جاء الحجر على الطبيب الجاهل وتضمينه، عملًا بقول الرسول ﷺ: «من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن» .
ثانيًا- وكذلك من أوجب الواجبات عليه كتمان سر المريض؛ لأنه قد أمنه على نفسه وسره وعورته. وإفشاء سره غير جائز إلا برضاه وبإذنه، إلا إذا كانت هناك ضرورة قصوى.
ذلك لأن الطبيب ليس من مهمته التحقيق والتفتيش والمحاكمة، وإنما مهمته الأساسية هي العلاج والتطبيب فقط.
وقد جاء في الحديث الشريف: أن «من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة» .
وهذا الستر عام يشمل الصحيح والمريض، ما لم يكن هناك مجاهرة في المعاصي والتبجح بها والإعلان عنها، فإن ذلك من الجهر بالسوء من القول الذي لا يحبه الله ولا يرضاه، فيجب عندئذ كشف سره لكي يعرف الناس سلوكه السيئ فيهجرونه.
وكذلك يجب كشف بعض أسرار المريض، ولا سيما إذا كان مرضه خبيثًا، وداؤه عضالًا معديًا، وكان ينوي الزواج من فتاة بريئة لا علم لها بهذا المرض الخطير.
[ ٨ / ١١٧٨ ]
ثالثًا- وأيضًا من الواجب عليه استعمال الحكمة والسياسة والكياسة مع المريض، وعدم التهويل والتهويش بحجم المرض وخطورته وأنه ليس لدائه دواء.
فقد مدح أحد الحكماء الشعراء، طبيبًا حاذقًا لبقًا، فقال ما معناه: يكاد من رقة أفكاره، حتى أنه:
لو غضبت روح على جسمها
أصلح بين الروح والجسم
رابعًا- كذلك من الواجب عليه الرفق به، وأن يكون لين الجانب، واسع الصدر، رؤوفًا.
وإذا كان الرفق مطلوبًا في كل شيء، فهو بالمريض آكد وأليق.
خامسًا- كذلك من الحق عليه بذل النصح للمريض، وأن يظهر له الحقيقة في بعض الأحوال، حتى ولو كانت ضد رغبته ومزاجه.
وإذا رأى من المريض علامات الموت، لم يكره أن ينبه على الوصية بالقول اللين اللطيف.
سادسًا- التأني في فهم حقيقة المرض، ومزاج المريض، فإن أكثر ما يقع فيه الطبيب من الأخطاء، هو الإقدام على المعالجة، دون الفحص الدقيق ومعرفة الداء، وقد قال بعض الشعراء الحكماء في ذلك:
أفنى وأعمى ذا الطبيب بطبه
وبكحله الأحياء والبصراء
فإذا نظرت رأيت من عميانه
أممًا على أمواته قراء
سابعًا وأخيرًا: عليه أن يعتقد أن طبه لا يرد شيئًا من قدر الله تعالى. وأنه إنما يداوي المريض امتثالًا لأمر الشارع، الذي أنزل الداء والدواء. وما أحسن قول ابن الرومي:
غلط الطبيب علي غلطة مورد
عجزت موارده عن الإصدار
والناس يلحون الطبيب وإنما
غلط الطبيب إصابة الأقدار
وبالجملة: فإن الطبيب الذي يفقد هذه الواجبات والآداب، يكون قد فجع بأهم واجبات مهنته، وما عليه إلا أن يطلب العزاء على فقده إياها. (١)
_________________
(١) راجع في هذا: معيد النعم ومبيد النقم لتاج الدين السبكي (ص ١٢٣)؛ وعيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة؛ ومعالم القربة في أحكام الحسبة لابن الإخوة القرشي؛ وغيرها.
[ ٨ / ١١٧٩ ]
الفصل الخامس
استطباب الطبيب غير المسلم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، طب القلوب وشفائها، وعلى آله وصحابته أجمعين.
وبعد: فإن الكلام فيمن يجوز ويعتمد على خبره وطبه من الأطباء، وهل يجوز الاعتماد في ذلك على طبيب غير مسلم، أم لا يجوز، كلام طويل الذيل، عميق السيل، يمكننا أن نلخصه ونختصره فيما يلي:
أولًا: ظاهر مذاهب الأئمة: الحنفي، والشافعية، والحنابلة، أنهم يشترطون في الطبيب الذي يعول على خبره وطبه؛ أن يكون مسلمًا. فهو مقيد عندهم بقيد الإسلام.
ثانيًا: وذهب المالكية إلى أن الاعتماد على الطبيب غير المسلم، لا يجوز إلا في حالة فقدان الطبيب المسلم، فإذا لم يوجد طبيب مسلم يضاهي غير المسلم في الحذق والمهارة والاختصاص، فيجوز حينئذ التداوي عند غير المسلم.
ثالثًا: هناك فقيهان حنبليان جليلان، هما: شيخ الإسلام (ابن تيمية)، وتلميذه وناشر آرائه (ابن قيم الجوزية)، هذان الفقيهان لا يريان وجوب كون الطبيب مسلمًا، حتى في حالة وجود الطبيب المسلم. وقولهما هو الصحيح، وهو الذي نختاره ونميل إليه.
ذلك لأن المدار والمعول عليه في الطب، هو ما يوجب غلبة الظن.
وهذا كما يوجد ويتوافر في الطبيب المسلم، يوجد ويتوافر كثيرًا في غير المسلم، وذلك بالتجربة والممارسة.
هذا، وليس قول هذين الفقيهين الجليلين من الكلام الملقى على عواهنه، بل هو قول سديد، ورأي أصيل، مدعم بالأدلة التطبيقية، والبراهين العملية في الشريعة الإسلامية.
[ ٨ / ١١٨٠ ]
أ- قال (ابن مفلح) الحنبلي، في كتابه النفيس، (١) نقلًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية، ما نصه:
(إذا كان اليهودي، أو النصراني، خبيرًا بالطب، ثقة عند الإنسان، جاز له أن يستطب، كما يجوز له أن يودعه المال وأن يعامله. كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] .
وفي الصحيح: أن النبي ﷺ، لما هاجر استأجر رجلًا مشركًا هاديًا خريتًا (أي: ماهرًا حاذقًا يهتدي لمثل خرت الإبرة. كأنه ينظر في خرت الإبرة من دقة نظره)، وائتمنه على نفسه وماله.
وكانت (خزاعة) عيبة لرسول الله ﷺ: مسلمهم وكافرهم (والعيبة: موضع السر) .
وقد روي أن النبي ﷺ أمر أن يستطب (الحارث بن كلدة) وكان كافرًا.
وإذا أمكنه أن يستطب مسلمًا، فهو كما لو أمكنه أن يودعه أو يعامله، فلا ينبغي أن يعدل عنه، وأما إذا احتاج إلى ائتمان الكتابي، أو استطبابه، فله ذلك، ولم يكن من ولاية اليهود والنصارى المنهي عنها إلخ) انتهى.
ب- جاء في كتاب بدائع الفوائد، ما نصه:
(في استئجار النبي ﷺ عبد الله بن أريقط الديلي، هاديًا في وقت الهجرة، وهو كافر؛ دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والأدوية والحساب والعيوب، ونحوها. ما لم يكن ولاية تتضمن عدالة، ولا يلزم من كونه كافرًا، ألا يوثق به، في شيء أصلًا، فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق، ولا سيما في مثل طريق الهجرة) (٢) انتهى.
وأقول: إن المستند الذي استند إليه شيخ الإسلام (ابن تيمية) وتلميذه (ابن قيم الجوزية)، هو: ما رواه الإمام البخاري في صحيحه:
عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: «استأجر رسول الله ﷺ، وأبو بكر رجلًا من بني الديل، هاديًا خريتًا، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيها، صبح ثلاث» (٣)
_________________
(١) الآداب الشرعية والمنح المرعية: ٢/٤٦٢، من طبعة المنار بالقاهرة.
(٢) بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية: ٣/٢٠٨.
(٣) صحيح البخاري (٥/٧٦)
[ ٨ / ١١٨١ ]
وقال ابن إسحاق في السيرة: «استأجر عبد الله بن أرقط (أو أريقط) رجلًا من بني الدئل (أو الديل)، وكان مشركًا، يدلهما على الطريق ودفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما» . (١) انتهى.
ومعنى الدليل: الدال، وقد دله على الطريق دلالة، ودلالة؛ بفتح الدال وكسرها والفتح أعلى. والخريت: الدليل الحاذق بالدلالة.
والطب: علاج الجسم والنفس.
والطبيب: الحاذق من الرجال، الماهر بعلمه.
والمتطبب: الذي يتعاطى علم الطب، وليس بذلك.
ومعنى فلان يستطب لوجعه؛ أي: يستوصف الدواء بما يصلح لدائه ووجعه.
وأما البراهين العملية، والأدلة التطبيقية على جواز الاستطباب بغير المسلم من الأطباء، فهي الواقع العملي الذي جرى عليه الرسول ﷺ ومن بعده في العصور اللاحقة، ففي سنن الإمام أبي داود وغيره: أن سعد بن أبي وقاص ﵁ مرض، فأمره رسول الله ﷺ أن يأتي الحارث بن كلدة، فيستوصف في مرضه الذي نزل به، فأتاه فعالجه فكأنما أنشط من عقال. (٢)
ومعلوم أن الحارث بن كلدة كان طبيب العرب في وقته، وأصله من ثقيف، من أهل الطائف؛ رحل إلى أرض فارس، وأخذ الطب عن أهل تلك الديار وغيرها، في الجاهلية، ومهر في هذه المهنة.
وأدرك الإسلام، ومات في نأنأة الإسلام (أي في أول الإسلام)، ولم يصح إسلامه، كما ذكر ذلك حافظ أهل المغرب. ابن عبد البر الأندلسي القرطبي. (٣)
فيدل هذا على أنه يجوز مشاورة أهل الكفر واستطبابهم، إذا كانوا من أهله.
وقد عني الخلفاء المسلمون، في جميع العهود، عناية شديدة باختيار أطبائهم، وكان في بلاط الخلفاء والأمراء، أطباء من اليهود والنصارى والصابئة.
ويذكر التاريخ وكتب التراجم والطبقات، من الأطباء النصارى، الذين حازوا قصب السبق في بلاط الخلفاء العباسيين (ابن ماسويه) طبيب هارون الرشيد.
_________________
(١) السيرة لابن إسحاق (١/٤٨٥)
(٢) سنن الإمام أبي داود (٢/٣٣٥)
(٣) في كتابه: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (١/٢٨٣)
[ ٨ / ١١٨٢ ]
واشتهرت بالطب في ذلك العهد (أسرة بختيشوع)، وكان منهم على وجه التحديد:
أولًا- جورجيس بن بختيشوع: في صدر الدولة العباسية، رأى الخليفة المنصور وعالجه، وكان نصرانيًا.
ثانيًا- بختيشوع بن جورجيس: وهو مشهور مقدم عند الملوك، عالج هارون الرشيد، والأمين، والمأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل. وكانت الخلفاء تثق به على أمهات أولادهم.
ثالثًا- جبرائيل بن بختيشوع: وكان طبيبًا حاذقًا نبيلًا، خدم الرشيد ومن بعده، وحل محل أبيه بختيشوع عند الخلفاء. (١)
وقد لزم سنان الصابئ - وهو ابن ثابت بن قرة - الخليفة القاهر.
وكان هذا الطبيب يحمل إجازة طبية رسمية من أحد المعاهد.
ذلك أن الراغبين في الاشتغال بمهنة الطب، كان يفرض عليهم أن ينجحوا في الامتحان، وأن تمنح لهم الإجازات التي تحدد العمل الذي يسمح لهم بمزاولته.
وقد فاقت شهرة الأطباء المسلمين شهرة غيرهم ممن سبقوهم وممن وجد في عصرهم؛ أمثال الرازي، فقد كان طبيبًا وصيدليًا وجراحًا وكيميائيًا.
وكان ابن سينا يمارس مهنة الطب، وله فيها شهرة فائقة، وكتابه (القانون في الطب) أكبر مرجع في هذا الفن في عصره.
وهناك معلومات مستفيضة عن الأطباء موجودة في كثير من المؤلفات؛ منها: عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة، وتاريخ الحكماء لابن القفطي، ونفح الطيب لابن المقري، وغيرها كثير.
_________________
(١) راجع: أخبار العلماء بأخبار الأطباء. أو تاريخ الحكماء لابن القفطي ص ٧١، ٩٣، ١٠٩.
[ ٨ / ١١٨٣ ]
بقي أن نقول: إن ما جاء في النهي من الله تعالى والتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله؛ لا يدخل في باب المعاملات، وإنما يدخل في الديانات.
، فالله ﷿ نهى المؤمنين أن يتخذوا من الكفار واليهود والنصارى أخلاء يأنسون بهم في الباطن من أمورهم، ويفاوضونهم في الآراء، ويستنيمون إليهم، ويستعينون بهم، ويتحالفون بهم، ويتحالفون معهم في الحرب والنصرة والخلطة المؤدية إلى الامتزاج والتعاضد، والسكون والاطمئنان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١] .
وأما معاملة اليهود والنصارى، من غير مخالطة ومجالسة وملابسة، واستعانة في الحرب، فلا يدخل في النهي؛ فقد عامل رسول الله ﷺ يهوديًا في المدينة يقال له: (أبو الشحم) ورهن عنده درعه، ومات ﷺ وبقيت درعه مرهونة.
هذا وبالله تعالى التوفيق لأقوم طريق.
[ ٨ / ١١٨٤ ]
الباب الثاني
مسؤولية الطبيب
(٢) مسؤولية الطبيب
شروط انتفاء المسؤولية عن الطبيب في الشريعة الإسلامية
ضمان الطبيب، المقصود من ضمان الطبيب
ما يسأل عنه الطبيب من الأخطاء وما لا يسأل عنه في الشريعة الإسلامية
[ ٨ / ١١٨٥ ]
الفصل الأول
الكلام على معنى المسؤولية ومشروعيتها في الفقه الإسلامي
أولًا- معنى المسؤولية:
لعل كلمة (مأخوذية) الواردة في كلام الإمام الشافعي في كتابه (الأم) (١) أقرب ما تؤدي المعنى المراد من كلمة مسؤولية في التعبير القانوني الحديث، ذلك أن سؤال المرء قد يكون فيما لا تبعة فيه، فأما (المأخوذية) فإنما تكون فيما فيه مؤاخذة وتبعة معًا.
على أن الناظر في كتب الفقه الإسلامي، لا يجد لكلمة مسؤولية مكانًا فيها، لأنها لفظة محدثة، يجد أن الفقهاء قد عبروا عنها بلفظ (الضمان) .
ومع ذلك، فإننا مضطرون إلى استعمال كلمة (مسؤولية) مجاراة لأهل العصر، مع ما أشرنا إليه من أنها محدثة.
هذا ولعل من الواضح، أن تضمين الإنسان هو: الحكم عليه بتعويض الضرر الذي أصاب غيره من جهته.
والضرر نوعان:
الأول- ما يصيب الإنسان في نفسه.
الثاني- ما يصيبه في ماله.
فالأول- كإتلاف نفس أو عضو فيها.
والثاني- كإتلاف ماله أو جزء منه.
وكما أن الضرر يتنوع باعتبار محله إلى هذين النوعين، يتنوع باعتبار سببه إلى عدة أنواع:
منها- ما ينشأ عن مخالفة عقد بين المعتدي والمعتدى عليه.
ومنها- ما ينشأ بالاستيلاء على ملك الغير بطريق القهر، كالغصب.
ومنها- ما ينشأ عن إتلاف مال الغير.
ولك أن تقول بناء على ذلك: إن المسؤولية لا بد في تحققها من ضرر ترتب على إخلال بحق ثابت للغير. فلا مسؤولية حيث لا إخلال بحق الغير، ولا مسؤولية حيث لا ضرر.
_________________
(١) كتاب الأم للإمام الشافعي (٦/١٦٨)
[ ٨ / ١١٨٦ ]
الأصل الشرعي للمسؤولية:
قرر القرآن الكريم - وهو الأصل للتشريع الإسلامي –مبدأ المسؤولية المدنية فيما يتعلق بحق الله، بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] .
وقررها فيما يتعلق بحق الصيد وهو القتل الخطأ بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] .
وقررت السنة النبوية المطهرة –وهي الأصل الثاني من أصول التشريع –مبدأ المسؤولية فيما يتعلق في حق الإنسان من عدة أوجه.
وإن الذي يهمنا منها ههنا، ما قررته على الطبيب الذي يعالج الناس، وهو ليس أهلًا للعلاج، فيتلف ما يعالجه.
وذلك ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن» . (١)
قال الإمام الخطابي في معالم السنن (٢):
(لا أعلم خلافًا في المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامنًا، والمتعاطي علمًا أو عملًا لا يعرفه متعدي، فإذا تولد من فعله تلف، ضمن الدية، وسقط عنه القود؛ لأنه لا يستبد بذلك دون إذن المريض، وجناية الطبيب في قول عامة الفقهاء على عاقلته) اهـ.
وقال الإمام البغوي في شرح السنة: (٣)
إذا أخطأ الطبيب في المعالجة، فحصل منه التلف، تجب الدية على عاقلته.
قال الإمام البغوي: وكذلك من تطبب بغير علم. ثم روى حديث: «من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن» .
هذا ومن تتبع السنة وقضاء الرسول ﷺ، وأصحابه - رضوان الله عليهم - من بعده يجد كثيرًا من جزئيات المسؤولية المدنية.
ونحن نكتفي بهذا القدر الذي يخص مسؤولية الطبيب مع ما ثبت من روايات متعددة عنه ﷺ من قوله: «لا ضرر ولا ضرار» . (٤) فإنه قاعدة كلية يرجع إليها في تطبيق جزئيات المسؤولية والمؤاخذة بها، وقد كانت هذه الوقائع وغيرها أساسًا لقواعد عامة ثبتت عند الفقهاء كأصل من أصول الشريعة المسلم بها عند الجميع، ومن ذلك قولهم: (الضرر يزال) . (والضرر مرفوع بقدر الإمكان)، (والضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام)، وكان لهذه القواعد أثر كبير في تطبيق مبدأ المسؤولية عن الضرر، وكان لها في الوقت نفسه أثر بالغ في رفع المسؤولية كما قرروه في أكل الميتة للمضطر وإساغة اللقمة بالشراب المحرم، والتلفظ بكلمة الكفر للإكراه، وفي أخذ مال الممتنع عن أداء الدين بغير إذنه، وفي دفع الصائل أو المنتهب أو المتلصص أو الباغي. (٥)
_________________
(١) حديث حسن، أخرجه أبو داود في سننه، رقم (٤٥٨٦) في كتاب الديات: باب فيمن تطبب بغير علم. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. والنسائي في سننه (٨ / ٥٢، ٥٣) في القسامة في صفحة شبه العمد، وابن ماجه، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (٤/٢١٢)، وأقره الذهبي، وله شاهد مرسل في سنن أبي داود، حديث رقم (٤٥٨٧) بإسناد حسن فيتقوى به ويعتضد.
(٢) ٤/٣٩، ط حلب.
(٣) ١/٣٤١، ط المكتب الإسلامي بدمشق.
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٦/٦٩ – ٧٠)؛ والحاكم في المستدرك (٢/٥٨)؛ وابن ماجة رقم (٢٣٤٠ – ٢٣٤١)
(٥) المسؤولية المدنية والجنائية، للمرحوم محمود شلتوت، ص ٨.
[ ٨ / ١١٨٧ ]
سبب المسؤولية ودرجاتها:
السبب هو ما جعله الشارع علامة على مسببه، وربط وجود المسبب بوجوده وعدمه بعدمه، بحيث يلزم في وجود السبب وجود المسبب ومن عدمه عدمه. (١)
والشرط هو ما يتوقف وجود الحكم الشرعي على وجوده، ويلزم من عدمه عدم الحكم. (٢)
وسبب المسؤولية الجنائية ارتكاب المعاصي؛ أي: إتيان المحرمات التي حرمتها الشريعة، وترك الواجبات التي أوجبتها، وإذا كان الشارع قد جعل ارتكاب المعاصي سببًا للمسؤولية الجنائية، إلا أنه جعل الوجود الشرعي للمسؤولية موقوفًا على توفر شرطين لا يغني أحدهما عن الآخر وهما:
أ- الإدراك.
ب- الاختيار.
فإذا انعدم أحد هذين الشرطين، انعدمت المسؤولية الجنائية، وإذا وجد الشرطان معًا، وجدت المسؤولية.
فالسرقة معصية حرمها الشارع، وجعل القطع عقوبة لفاعلها، فمن سرق مالًا من آخر فقد جاء بفعل هو سبب للمسؤولية الجنائية، ولكنه لا يسأل شرعًا إلا إذا وجد فيه شرطا المسؤولية وهما: الإدراك والاختيار، فإن كان غير مدرك كمجنون مثلًا، فلا مسؤولية عليه، وإن كان مدركًا ولكنه غير مختار فلا مسؤولية عليه أيضًا.
والعصيان في الشريعة يقابل الخطأ والخطيئة La Faute في تعبير القوانين الوضعية، ولكن التعبير بالعصيان أدق في دلالته على المعنى المقصود، وهو مخالفة أمر الشارع من التعبير بالخطأ والخطيئة. (٣)
رأينا فيما سبق أن الوجود الشرعي للمسؤولية يتوقف على وجود العصيان، فمن الطبيعي إذن أن تكون درجات المسؤولية تابعة لدرجات العصيان.
_________________
(١) أصول الفقه للأستاذ عبد الوهاب خلاف، ص ٥١
(٢) أصول الفقه للأستاذ عبد الوهاب خلاف، ص ٩٠
(٣) التشريع الجنائي في الإسلام، عبد القادر عودة
[ ٨ / ١١٨٨ ]
والأصل في هذه المسألة أن الشريعة الإسلامية تقرر دائمًا الأعمال بالنيات، وتجعل لكل امرئ نصيبًا من نيته، وهذا يتمثل في قوله ﵊: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١)
والنية محلها القلب ومعناها القصد، وتطبيقًا لقاعدة اقتران الأعمال بالنيات، لا تنظر الشريعة للجناية وحدها عندما تقرر مسؤولية الجاني، وإنما تنظر إلى الجناية أولًا وإلى قصد الجاني ثانيًا، وعلى هذا الأساس ترتب مسؤولية الجاني، (٢) والمعاصي التي يمكن أن تنسب للإنسان المدرك المختار فيسأل عنها جنائيًا لا تخرج عن نوعين:
أولًا- نوع يأتيه الإنسان وهو ينوي إتيانه ويقصد عصيان الشارع.
ثانيًا- نوع يأتيه الإنسان وهو ينوي إتيانه ولا يقصد عصيان الشارع، أو لا ينوي إتيانه لا يقصد العصيان، ولكن الفعل يقع بتقصيره أو بتسببه.
فالنوع الأول: هو ما يتعمده قلب الإنسان.
والنوع الثاني: هو ما يخطئ به.
ولما كانت الشريعة الإسلامية تقرن الأعمال بالنيات كما قلنا، فقد فرقت في المسؤولية الجنائية بين ما يتعمد الجاني إتيانه وبين ما يقع من الجاني نتيجة خطئه؛ إذ جعلت مسؤولية الجاني العامد مغلظة ومسؤولية الجانب المخطئ مخففة، وعلة التغليظ على العامد أنه يتعمد العصيان بفعله وقلبه، فجريمته متكاملة.
وعلة التخفيف على المخطئ أن العصيان لا يخطر بقلبه وإن تلبس بفعله فجريمته غير متكاملة.
_________________
(١) حديث متفق على صحته، أخرجه البخاري في أول صحيحه (١/٢) في باب كيف بدأ الوحي إلى رسول الله ﷺ، طبع دار الشعب. وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه (٣/١٥١٥) في كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: (إنما الأعمال بالنية) . وأخرجه الإمام أحمد في المسند (١/٢٢٧ و٢٨٥) طبع دار المعارف بالقاهرة. وأخرجه أبو داود في سننه كتاب الطلاق (٢/٣٥٢) مطبعة السعادة ١٣٦٩ هـ. وابن ماجة في سننه: كتاب الزهد، باب النية (٢/١٤١٢) طبع عيسى البابي الحلبي ١٣٧٢ هـ. والترمذي في سننه (١/٣١٠) طبع بولاق ١٢٩٢هـ. والنسائي (١/٢٤) الطبعة الميمنية ١٣١٢هـ ومالك في الموطأ (ص ٤٠٣) رواية محمد بن الحسن الشيباني، طبع الهندسة ١٣٢٨ هـ. والبغوي في مصابيح السنة (١/٣) طبع بولاق ١٢٩٤هـ. وجامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي، وهو شرح على الأربعين النووية (١/١٠) طبع الأهرام بالقاهرة.
(٢) إعلام الموقعين (٣/١٠١ - ١٠٤
[ ٨ / ١١٨٩ ]
وقد فرق القرآن بين العامل والمخطئ بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] .
وهكذا تتنوع المسؤولية الجنائية وتتعدد درجاتها بحسب تنوع العصيان وتعدد درجاته.
علة ارتفاع المسؤولية الجنائية:
بينا فيما سبق أن المسؤولية الجنائية تقوم على أسس ثلاثة وهي:
١- إتيان فعل محرم.
٢- أن يكون الفاعل مختارًا.
٣- أن يكون الفاعل مدركًا.
فإذا توفرت هذه الأسس الثلاثة توفرت المسؤولية الجنائية، وإذا انعدم أحدها لم يعاقب الجانب على فعله، على أن عدم العقاب لا يرجع في كل الحالات إلى سبب واحد بعينه، فإذا لم يكن الفعل محرمًا فلا مسؤولية إطلاقًا؛ لأن الفعل غير محرم، والمسؤولية لا تكون قبل كل شيء إلا عن فعل محرم، وإذا كان الفعل محرمًا، ولكن الفاعل فاقد الإدراك أو الاختيار، فالمسؤولية الجنائية قائمة، ولكن العقاب يرتفع عن الفاعل لفقدانه الإدراك أو الاختيار.
أسباب الإباحة:
الأصل في الشريعة الإسلامية أن الأفعال المحرمة محظورة على الكافة بصفة عامة، لكن الشارع رأى استثناء من هذا الأصل أن يبيح بعض الأفعال المحرمة لمن توفرت فيهم صفات خاصة؛ لأن ظروف الأفراد أو ظروف الجماعة تقتضي هذه الإباحة، ولأن هؤلاء الذين تباح لهم الأفعال المحرمة يأتونها في الواقع لتحقيق غرض أو أكثر من أغراض الشارع.
فالجرح محرم على الكافة، ولكن لما كانت حياة الإنسان أو راحته قد تتوقف على عملية جراحية، فقد أبيح للطبيب بصفة خاصة جرح المريض لإنقاذه من آلامه أو لإنقاذ حياته، لأن الضرورات تبيح المحظورات، ولأن الشريعة تحض على التداوي من الأمراض وتوجب على المرء أن لا يلقي بنفسه إلى التهلكة، فإحداث الجرح يحقق من أغراض الشارع دفع الضرر والتداوي من المرض، وإنقاذ النفس من الهلكة.
وإذا كان الفعل المحرم قد أبيح لتحقيق مصلحة معينة، فقد وجب منطقيًا أن لا يؤتى الفعل المحرم إلا لتحقيق المصلحة التي أبيح من أجلها، فإن ارتكب الفعل بغرض آخر فهو جريمة، فالطبيب الذي يجرح مريضًا بقصد علاجه يؤدي واجبًا كلف به، فعمله مباح، ولكنه إذا جرح المريض بقصد قتله فهو قاتل وعمله جريمة. (١)
_________________
(١) التشريع الجنائي في الإسلام، عبد القادر عودة، القانون الجنائي، علي بدوي، ص ٤٠٠. شرح قانون العقوبات، للدكتورين: كامل موسى والسعيد مصطفى ص ١٣٢.
[ ٨ / ١١٩٠ ]
الفصل الثاني
الكلام على أسباب المسؤولية، وطرق رفعها، وتضمين الطبيب الجاهل
تنوع أسباب المسؤولية:
أشرت فيما سبق، وأنا أتكلم على معنى المسؤولية في الفقه الإسلامي، إلى أن المسؤولية تتنوع باعتبار سببها إلى عدة أنواع:
المسؤولية الناشئة عن مباشرة الإتلاف:
معلوم في الاصطلاح الفقهي أن الأضرار تكون مباشرة أو تسببًا.
فالأولى: تحصل دون أن يتخلل بينها وبين الفاعل فعل آخر، أو علة أخرى.
والثانية: تحصل كنتيجة منتظرة لحدوث سبب يفضي إليها غالبًا.
وقد أوضحت ذلك مجلة الأحكام العدلية العثمانية، المبنية على المصادر الحنفية في باب الإتلاف بقولها:
أ- الإتلاف مباشرة هو: إتلاف الشيء بالذات من غير أن يتخلل بين فعل المباشر والتلف فعل آخر.
ب- الإتلاف تسببًا هو: السبب في تلف شيء. يعني أن يحدث أمر في شيء ما يفضي عادة إلى تلف شيء آخر. ويقال لفاعله: متسبب. فإن من قطع حبل قنديل معلق، يكون سببًا مفضيًا لسقوطه على الأرض وانكساره، ويكون حينئذ قد أتلف الحبل مباشرة وكسر القنديل تسببًا. (١)
_________________
(١) المادة رقم (٨٨٧) .
[ ٨ / ١١٩١ ]
وكذا إذا شق واحد ظرفًا فيه سمن وتلف ذلك السمن، يكون قد أتلف الظرف مباشرة، والسمن تسببًا.
المادة رقم ٨٨٨:
ومن القواعد المقررة في هذه المسألة أيضًا، أنه: (إذا اجتمع المباشر والمتسبب، يضاف الحكم إلى المباشر) .
مثلًا: لو حفر رجل بئرًا في الطريق العام، فألقى أحد حيوان شخص في تلك البئر، ضمن الذي ألقى الحيوان، ولا شيء على حافر البئر. (١)
وبمعناه ورد في قواعد ابن رجب الحنبلي أنه: (إذا استند إتلاف أموال الآدميين ونفوسهم إلى مباشر وسبب، تعلق الضمان بالمباشر دون السبب، إلا أن تكون المباشرة مبنية على السبب) . (٢)
هذا هو الأصل، ولكن الفقهاء استثنوا منه بعض الأحوال، حيث كان المتسبب ضامنًا بالاشتراك مع المباشر، أو حيث كان ضامنًا وحده.
وقد أضربنا صفحًا عن ذكر ذلك، لأنه خارج عن دائرة بحثنا وما نحن بسبيله.
والمهم هنا هو أن الفقهاء قد اتفقوا على أن من أتلف مالًا أو نفسًا أو عضوًا من نفس، بغير حق شرعي، فعليه مسؤولية ما أتلف.
وأن من فروع مسؤولية الإتلاف: مسؤولية الطبيب إذا أخطأ، وجاوز الحد المعتاد، أو أهمل في العلاج، أو لم يكن من أهل الطب.
وفي تقرير هذه المسؤولية، حفظ للأرواح البشرية، من تلاعب بعض الأطباء بها، وحفظ لهم على التنبه إلى واجبهم، واتخاذ الحيطة اللازمة في صناعتهم المتعلقة بحياة الناس.
_________________
(١) المادة رقم (٩٠) من مجلة الأحكام العدلية، وانظر الأشباه والنظائر للسيوطي (١٠٩) . ولابن نجيم (٦٤)
(٢) كتاب القواعد لابن رجب، القاعدة رقم (١٢٧)، ص ٢٨٥.
[ ٨ / ١١٩٢ ]
طريق رفع المسؤولية:
قد يحصل الضرر بفعل أو تسبب، ولكن ترتفع المسؤولية عن الفاعل أو المتسبب فلا يحكم عليه بضمان التلف، فإذا لم يحكم عليه بالضمان، فذلك هو المقصود من رفع المسؤولية.
ونستطيع أخذًا من الفروع الفقهية أن نعد من طريق رفع المسؤولية التلف الحاصل بسريان العملية الجراحية، التي وقعت معتادة، ولم يهمل الطبيب علاجها.
ويعلل الفقهاء ذلك بأن الهلاك ليس بمقارن للعمل، وإنما هو بالسراية بعد تسلم العمل، والتحرز عنها غير ممكن، لأن السراية تبنى على قوة الطباع وضعفها في تحمل الألم، وما هو كذلك مجهول، والاحتراز عن المجهول غير متصور، فلم يمكن التقييد بالمصلح من العمل، لئلا يتقاعد الناس عنه مع مسيس الحاجة إليه. (١)
كذلك نستطيع أن نعد من طرق رفع المسؤولية: رضاء المجني عليه، أو وليه إن كان قاصرًا، ذلك أن الصلة بين الطبيب والمريض تحكمها أحكام عقد الإيجار. ومعلوم أن قيام العقد، يستلزم توافق إرادتين: إرادة الطبيب، وإرادة المريض أو وليه.
هذا مع التنبيه إلى أن الفقهاء، لم يقصروا عدم المسؤولية على الرضا فحسب، بل نصوا على أن عدم المسؤولية منوط بالإذن إذا كان العمل معتادًا، ولم يجاوز الطبيب الرسم المتبع في أعماله. أي أن تكون أعماله موافقة للقواعد الطبية التي تتبع في كل حادثة على حدتها. (٢)
وإذا قد قطعنا هذه المرحلة من الفصل، فلنشرع بالكلام في التفصيل على مسؤولية الطبيب في الفقه الإسلامي، فنقول:
اعلم –علمت الخير- أن الطب ذلك العمل الإنساني الخطير، قد ينتحله بعض من لا يحسنه، وقد يقوم به من لا يرقب في الله خشية ولا ذمة، ومن لا خلاق له من دين أو خلق.
ومن أجل ذلك بين الفقه الإسلامي الأحكام الصارمة الرادعة لمن يزاوله وهو لا يتقنه، ومن لا يرعى فيه الحقوق الإنسانية حق رعايتها.
_________________
(١) الهداية والعناية (٧/٢٠٦)؛ وشرح الزهار في فقه الزيدية (٣/٢٨٣) .
(٢) المغني لابن قدامة (٦/١٢٠ – ١٢١)؛ والشرح الكبير (٦/١٢٤)؛ والمهذب (٢/٣٠٦)؛ وبداية المجتهد (٢/١٩٤)، وبدائع الصنائع (٧/٣٠٥)؛ ونهاية المحتاج (٨/٢) ومواهب الجليل (٦/٣٢١)
[ ٨ / ١١٩٣ ]
تضمين الطبيب الجاهل بالطب:
روى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، أن رسول الله ﷺ قال: «من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك، فهو ضامن» . (١)
أي أن من تعاطى علم الطب وأعماله، وهو لا يعرفه معرفة جيدة، فهو ضامن لما أتلفه، فإن أتلف عضوًا كانت عليه ديته، وإن أتلف الجسم كله ضمن دية النفس.
وهذا محل اتفاق بين العلماء.
قال الإمام الخطابي: لا أعلم خلافًا في أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض، كان ضامنًا، والمتعاطي علمًا أو عملًا لا يعرفه متعد، فإذا تولد من فعله التلف، ضمن الدية.
وجناية المتطبب على عاقلته في قول عامة الفقهاء. (٢)
مسؤولية الطبيب الحاذق:
بينا في الفقرة السابقة، مسؤولية الطبيب الجاهل، وذكرنا اتفاق أهل العلم على تضمينه الضرر المترتب على فعله.
ونتكلم الآن في هذه الفقرة على مسؤولية الطبيب الحاذق، بيد أننا قبل أن نأخذ فيما نحن بسبيله، نذكر الضوابط التي وضعها الفقهاء فيمن يباح له مباشرة الطب ونوجزها فيما يلي:
١- أن يكون المعالج من ذوي الحذق في صناعته، وله بها بصارة ومعرفة.
٢- أن يكون الباعث على عمله، علاج المريض وشفاءه، فإذا حدث أن طلب شخص منه أن يقطع له جزءًا سليمًا من جسمه، حتى يعفى من الخدمة العسكرية حقت عليه المؤاخذة.
٣- يجب أن تكون أعماله على وفق الرسم المعتاد، أي موافقة للقواعد الطبية التي تتبع في كل حادثة على حدتها.
٤- إذن المريض، فإنه يشترط أن تكون المعالجة بناء على إذن المريض أو وليه، ولا بد أن يكون حرًا بالغًا عاقلًا، فإن لم يأذن له وعالجه دون إذن ضمن ما جنت يداه، لخروج عمله من دائرة الإباحة إلى دائرة التعدي. (٣)
هذا فضلًا عن أن من حق المريض، أن يختار الطبيب الذي يعالجه؛ لأن الثقة بين المريض والطبيب لها تأثيرها في الشفاء، ذلك إذا كان المريض في حالة صحية تسمح له بذلك.
_________________
(١) مضى تخريج هذا الحديث قريبًا
(٢) انظر شرح السنة للبغوي (١٠/٣٤١)؛ والمغني لابن قدامة (١٠/٣٤٩)، والطب النبوي لابن قيم الجوزية ص (١٣٥) طبع دار الحياة في بيروت، وزاد المعاد (٤/١٣٩) طبع مؤسسة الرسالة في بلاد الشام.
(٣) المغني لابن قدامة (٦/١٢٠)؛ وشرح الزهار (٣/٢٨٣)؛ وكشاف القناع (٣/٤٧٣)؛ وحاشية الطحاوي (٤/٢٧٥)؛ وجامع الفصولين (١/٨٣)؛ والمحلى (١٠/٤٤٤) .
[ ٨ / ١١٩٤ ]
تقييد الإذن بالسلامة:
من القواعد الفقهية المقررة في الفقه الإسلامي، أن المتولد من فعل مأذون فيه لا يكون مضمونًا، ويستثنى من ذلك ما كان مشروطًا بسلامة العاقبة. (١) وقد قسم السادة الحنفية الحقوق التي تثبت للمأذون قسمين:
أ- حقوق واجبة:
ولا فرق بين أن تكون بإيجاب الشارع، كحق الإمام في إقامة الحد وفي القصاص والتعزير، وبين أن تكون واجبة بإيجاب العقد، كعمل الفصاد، (٢) والحجام، (٣) والختان، (٤) وغيرها.
وهذه الحقوق جميعها، لا يشترط فيها سلامة العاقبة، لأنه لا ضمان فيها إلا بالتجاوز عن الموضع المعتاد.
وعليه، فلا ضمان على حجام وبزاغ (٥) أو فصاد، لم يجاوز الموضع المعتاد، فإن جاوز ضمن الزيادة كلها إذا لم يهلك، وإن هلك ضمن نصف دية النفس، فلو قطع الختان الحشفة، وبرئ المقطوع، تجب عليه دية كاملة، وإن مات فالواجب عليه نصفها، هذه عبارة (الدر المختار) .
وقد علق صاحب رد المحتار على هذه العبارة بقوله: (لم يجاوز الموضع المعتاد) أي وكان بالإذن.
قال في (الكافي): عبارة المختصر ناطقة بعدم التجاوز وساكتة عن الإذن،، وعبارة الجامع الصغير ناطقة بالإذن ساكتة عن التجاوز.
ويستفاد من مجموع الروايتين، اشتراط عدم التجاوز والإذن، لعدم الضمان؛ حتى إذا عدم أحدهما أو كلاهما يجب الضمان. (٦)
ب- حقوق مباحة:
كحق الولي في التأديب عند أبي حنيفة، وحق الزوج في التعزير فيما يباح له ونحوهما. وهذه الحقوق تتقيد بوصف السلامة. (٧)
وبالنظر في ذلك عند بقية المذاهب، يتبين أنهم كالحنفية في هذا المعنى مع شيء من الخلاف الطفيف ففي تحديد الحقوق التي تتقيد لوصف السلامة، والتي لا تتقيد بها، تبعًا لاختلاف أنظارهم في تعليل الفعل.
_________________
(١) بدائع الصنائع (٧/٣٠٥)؛ والأشباه والنظائر للسيوطي ص (١١١) .
(٢) يقال: فصد الفاصد العرق فصدًا: شقه. وفصد الفاصد المريض: أخرج مقدارًا من دم وريده بقصد العلاج –المصباح المنير، والمعجم الوسيط مادة (فصد) .
(٣) الحجام: محترف الحجامة، يقال: حجم المريض: عالجه بالحجامة، وهي امتصاص الدم بالمحجم. المصدران السابقان مادة (حجم)
(٤) الختان: متعاطي الختان، والختان يطلق على موضع القطع من الفرج.
(٥) البزاغ: متعاطي البزغ، والبزغ من باب القتل: الشرط للجلد وغيره، والفصد في الآدمي والبزغ في الحيوان.
(٦) رد المحتار على الدر المختار (٥/٤٤)، وتبيين الحقائق للزيلعي (٥/١٣٧) .
(٧) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص (١١٦)
[ ٨ / ١١٩٥ ]
وإليك ما جاء في كل مذهب على حدة:
١- ذكر الدردير في شرحه الصغير في باب الإجارة: (وكذا الختان وقلع الضرس والطب، فلا ضمان إلا بالتفريط)
قال الصاوي في حاشيته عليه: قوله: (إلا بالتفريط)، هذا إذا كان الخاتن والطبيب من أهل المعرفة، ولم يخطئ في فعله، فإن أخطأ فالدية على عاقلته، فإن لم يكن من أهل المعرفة عوقب.
وفي كون الدية على عاقلته أو في ماله قولان: الأول لابن القاسم، والثاني لمالك، وهو الراجح، لأن فعله عمد والعاقلة لا تحمل عمدًا. (١) اهـ.
٢- وقد نص في مذهب الشافعي على أنه: إذا كان على رأس بالغ عاقل سلعة (٢) لم يجز قطعها بغير إذنه، فإن قطعها قاطع بإذنه فمات، لم يضمن لأنه قطع بإذنه، وإن قطعها بغير إذنه فمات، وجب عليه القصاص؛ لأنه تعدى بالقطع، وإن كانت على رأس صبي أو مجنون، لم يجز قطعها؛ لأنه جرح لا يؤمن معه الهلاك، فإن قطعت فمات منه، نظر، فإن كان القاطع لا ولاية له عليه، وجب عليه القود، لأنها جناية تعدى بها، وإن كان أبًا أو جدًا وجبت عليه الدية، وإن كان وليًا غيرهما: ففيه قولان:
(أحدهما): أنه يجب عليه القود، لأنه قطع منه ما لا يجوز قطعه. (والثاني): أنه لا يجب عليه القود، لأنه لم يقصد القتل، وإنما قصد المصلحة. فعلى هذا يجب عليه دية مغلظة، لأنها عمد خطأ وبالله التوفيق. (٣)
وقال الإمام الشافعي: (٤) (وإذا أمر الرجل أن يحجمه أو يختن غلامه أو يبيطر دابته فتلفوا من فعله، فإن كان فعل ما يفعل مثله مما فيه الصلاح للمفعول به عند أهل العلم بتلك الصناعة، فلا ضمان عليه، وإن كان فعل ما لا يفعل مثله من أراد الصلاح، وكان عالمًا به، فهو ضامن) .
_________________
(١) الشرح الصغير المسمى أقرب المسالك (٤/٤٧) طبع المعارف بمصر. وينظر نفس المرجع (٤/٣٥١)، وبداية المجتهد (٢/١٩٤) .
(٢) السلعة: خراج كهيئة الغدة تتحرك بالتحريك. قال الأطباء: هي ورم غليظ ملتزق باللحم يتحرك عند تحريكه وله غلاف، وتقبل التزايد، لأنها خارجة عن اللحم، ولهذا قال الفقهاء: يجوز قطعها عند الأمن. راجع المصباح المنير للفيومي، مادة (سلع) .
(٣) المهذب للشيرازي (٢/٣٠٦) طبع الحلبي.
(٤) في كتابه الأم (٦/١٦٦) طبع بولاق.
[ ٨ / ١١٩٦ ]
وقال في موضع آخر: (١) والوجه الثاني الذي يسقط فيه العقل (يعني: الدية) أن يأمر الرجل به الداء الطبيب أن يبط (يشق) جرحه، أو الأكلة (الحكة) أن يقطع عضوًا يخاف مشيها إليه، أو يفجر له عرقًا، أو الحجام أن يحجمه، أو الكاوي أن يكويه، أو يأمر أبو الصبي وسيد المملوك الحجام أن يختنه، فيموت في شيء من هذا، فلا عقل ولا مأخوذية (مسؤولية) إن حسنت نيته –إن شاء الله تعالى- وذلك أن الطبيب والحجام، إنما فعلاه للصلاح بأمر المفعول به. اهـ.
٣- والحنابلة قد ذكروا هذا أو قريبًا منه، فقد ذكر ابن قدامة (٢) –عند قول الخرقي: (ولا ضمان على حجام ولا ختان، ولا متطبب إذا عرف منهم حذق الصنعة، ولم تجن أيديهم) .
وجملته: أن هؤلاء إذا فعلوا ما أمروا به، لم يضمنوا لشرطين:
(أحدهما) أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم، ولهم بصارة ومعرفة، لأنه إذا لم يكن كذلك، لم يحل له مباشرة القطع، وإذا قطع مع هذا، كان فعلًا محرمًا، فيضمن سرايته، كالقطع ابتداء.
إلى أن قال:
(فصل): وإن ختن صبيًا بغير إذن وليه أو قطع سلعة من إنسان بغير إذنه،، أو من صبي بغير إذن وليه، فسرت جنايته، ضمن لأنه قطع غير مأذون فيه، وإن فعل ذلك الحاكم، أو من له ولاية عليه، أو فعله من أذن له، لم يضمن؛ لأنه مأذون فيه شرعًا. اهـ.
على أن بعض الفقهاء ذهب إلى أن الطبيب لا يسأل إلا إذا ارتكب خطأ فاحشًا في عمله، وهو الخطأ الذي لا يمكن أن يقع فيه طبيب آخر. (٣)
وبالجملة: فإن الطبيب إذا راعى حقه في عمله، ثم نتج عن فعله ضرر لحق المريض، ولا يمكن الاحتراز عنه، فلا ضمان عليه، لأن الطبيب إذا كان يستعمل حقه في حدوده المشروعة، فهو يقوم بواجبه في الوقت نفسه، والأصل أن الواجب لا يتقيد بوصف السلامة، وعلله بعض الفقهاء بما عرف في الفقه من أن شرط الضمان على الأمين باطل (٤)
_________________
(١) في الأم (٦/١٦٨)
(٢) المغني لابن قدامة (٦/١٢٠، ١٢١)
(٣) حاشية الطحاوي (٤/٢٧٦)
(٤) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ٢٥ - ٢٧)؛ وبداية المجتهد (٢/ ١٩٤)؛ وبدائع الصنائع (٧/ ٣٠٥)؛ وحاشية الطحاوي (٤/ ٢٧٦)؛ وزاد المعاد (٤/ ١٣٩)؛ والطب النبوي (ص ٣٥) كلاهما لابن القيم، وطبع بلاد الشام
[ ٨ / ١١٩٧ ]
والآن وقد جاوزنا بك هاتين المرحلتين: إذن الشارع، وإذن المريض، وأريناك أن الطبيب الحاذق، لا يسأل عن الضرر الذي يصيب المريض، ولو مات المريض بسبب العلاج، ما دام المريض قد أذن له بعلاجه، ولم يقع من الطبيب خطأ في هذا العلاج، بل كان الضرر نتيجة لأمر لم يكن في الحسبان.
وأريناك أيضًا أن عمل الطبيب عند الإذن بالعلاج أو عند طلبه يعد واجبًا، والواجب لا يتقيد بشرط السلامة، والضمان على الأمين باطل، فقد وجب علينا أن ننتقل بك إلى المرحلة الثالثة، لنبحث عن ذلك في أفق خارج عن هذا الأفق، والله الموفق.
الحالات العاجلة التي لا يمكن فيها انتظار الحصول على إذن المريض:
إن الفقه الإسلامي العظيم، لم يهمل ذلك، فقد عرض له العلامة ابن قيم الجوزية في كتابه القيم (إعلام الموقعين عن رب العالمين) في مبحث: (جريان العرف مجرى النطق) حيث قال بعد كلام طويل فيما جرى فيه العرف مجرى النطق:
(ومنها لو رأى شاة غيره تموت، فذبحها حفظًا لماليتها عليه، كان ذلك أولى من تركها تذهب ضياعًا، وإن كان من جامدي الفقهاء من يمنع ذلك ويقول: هذا تصرف في ملك الغير، ولم يعلم هذا اليابس أن التصرف في ملك الغير إنما حرمه الله تعالى لما فيه من الإضرار به، وترك التصرف هاهنا هو الإضرار.
ومنها لو استأجر غلامًا فوقعت الأكلة في طرفه، فتيقن أنه إن لم يقطعه سرت إلى نفسه فمات، جاز له قطعه ولا ضمان) (١)
إلى آخر ما ذكره في الفروع في هذا البحث القيم، وكان قد عرض لمثله من قبل الإمام الحافظ الألمعي (أبو محمد) علي بن حزم الظاهري في كتابه القيم (المحلى) فقال ما نصه:
(من قطع يدًا فيها أكلة، أو قلع ضرسًا وجعة أو متآكلة بغير إذن صاحبها أو بغير إرادته.
_________________
(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين (٢/ ٢٢) من الطبعة المنيرية
[ ٨ / ١١٩٨ ]
قال أبو محمد: قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] .
وقال سبحانه: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
فالواجب استعمال هذين النصين من كلام الله تعالى، فينظر، فإن قامت بينة أو علم الحاكم أن تلك اليد لا يرجى لها براء ولا توقف، وأنها مهلكة ولابد، ولا دواء لها إلا القطع، فلا شيء على القاطع، وقد أحسن، لأنه دواء، وقد أمر رسول الله ﷺ بالمداواة.
وهكذا القول في الضرس إذا كان شديد الألم، قاطعًا به عن صلاته ومصالح أموره، فهذا تعاون على البر والتقوى.
قال أبو محمد: فمن داوى أخاه المسلم، كما أمره الله تعالى على لسان نبيه ﷺ، فقد أحسن، قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] .
وأما إذا كان يرجى للأكلة برء أو توقف، وكان الضرس يتوقف أحيانًا، ولا يقطع شغله عن صلاته ومصالح أموره، فعلى القاطع والقالع القود، لأنه حينئذ متعد، وقد أمر الله تعالى بالقصاص في القود) (١)
ومثل هذا أو أصرح منه، كلمة ذكرها شراح مختصر خليل عند قوله: (وترك مواساة وجبت بخيط ونحوه لجائفة) .
يعني: إذا جرح الإنسان جرحًا يخشى منه الموت، سواء أكان جائفة أفضت لجوفه، أم غير جائفة، واقتضى الحال خياطته بفتلة خيط أو حرير، وجب على من كان معه ذلك، إذا كان مستغنيًا عنه حالًا أو مآلًا، أو كان معه الإبرة، وكان مواساة المجروح بذلك، فإن ترك مواساته بما ذكر ومات، فإنه يضمن، ومحل الضمان ما لم يكن المجروح منفوذ المقاتل، وإلا فلا ضمان بترك المواساة، وإنما يلزم الأدب بتركها.
ويضمن دية الخطأ، إن تأول في المنع، وتكون على عاقلته، والمانع واحد منهم، وإن لم يتأول في المنع، بل منع عمدًا قاصدًا قتله، اقتص منه، وهذه هي الطريقة المعتمدة.
_________________
(١) المحلى لابن حزم (١٠/ ٤٤٤)
[ ٨ / ١١٩٩ ]
وقال اللخمي: (لا فرق بين التأويل وعدمه، وإن على المانع الدية في الحالين) . اهـ.
هذه هي عبارة المالكية، وهي تدل على المقصود للدلالة، التي لا يبقى بعدها مجال لسائل في أمثال هذه المسائل.
فالطبيب بحكم مهنته قادر على المواساة، وقادر على إنقاذ المريض بالعملية الجراحية، التي لا يحتمل المقام فيها انتظار ولي الأمر، ليؤخذ منه الإذن، فيجب عليه المواساة بما يقدر عليه من جبر كسر، أو وصل جرح بخيط أو غيره.
موازنة بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية:
تكاد تتفق القوانين الوضعية مع الشريعة الإسلامية في اعتبار التطبيب عملًا مباحًا كما تتفق معها في الشروط التي تمنع من المسؤولية، فتستلزم أن يكون الفاعل طبيبًا، وأن يأتي الفعل بقصد العلاج وبحسن نية، وأن يعمل طبقًا للأصول الفنية، وأن يأذن له المريض في الفعل، ذلك بأن التعرض لأجسام المرضى ولو بإجراء عمليات جراحية مهما بلغت جسامتها من الأفعال التي تدخل تحت أحكام قانون العقوبات الخاصة بالضرب وإحداث الجروح.
فهي في أصلها أفعال محظورة، لكن المشرع قد خول للأطباء بالقوانين التي وضعها، حق التعرض لأجسام الغير، ولو بإجراء عمليات جراحية، لأن الأعمال الطبية والجراحية وإن مست بمادة الجسم، إلا أنها لم تحقق الاعتداء على الحق الذي يحميه القانون بالعقاب، بل هي تؤدي لصيانة الجسم والمحافظة عليه.
وقد قيد المشرع حق إباحة ذلك بقيود يمكن حصرها فيما يلي:
١- أن يكون القائم بإجراء ذلك الفعل قد رخص له القانون بفعله، فإذا لم يكن مرخصًا له في الفعل كان مسؤولًا، سواء تحقق الغرض الذي قصده بشفاء المجني عليه أم لم يتحقق.
٢- رضاء المريض، أو وليه إذا كان المريض غير أهل أو غير قادر على التعبير عن إرادته.
والذهاب إلى الدكتور بقصد العلاج يعتبر إذنًا ضمنيًا بإجراء العلاج في رأي البعض، ويرى آخرون أنه لابد من الحصول على الرضا الصريح.
٣- قصد العلاج بالفعل، ولا يتحقق إلا بحسن النية الذي هو شرط لازم لكل حالات استعمال الحق، فإذا قصد الطبيب مجرد تجربة لإشباع شهوة علمية، أو بقصد منع النسل لمصلحة يتوخاها، فإن العمل يكون غير مشروع، ولو كان برضاء المجني عليه؛ لأن سلامة جسم الإنسان لا يباح المساس بها إلا بفائدة الإنسان نفسه.
[ ٨ / ١٢٠٠ ]
فللطبيب عند توافر هذه الشروط، أن يباشر الفعل على أن يبذل الجهود الصادقة التي تتفق مع الأصول العلمية.
هذا وإن الشريعة الإسلامية تعتبر التطبيب واجبًا، في حين تعتبره القوانين حقًا.
وقد اختلف شراح القوانين ورجال القضاء في تعليل ارتفاع المسؤولية عن الطبيب.
فذهب الفقه والقضاء في إنكلترا إلى أن سبب عدم المسؤولية هو رضاء المريض بالفعل، وأخذ بهذا الرأي بعض الشراح في ألمانيا وفرنسا.
وذهب كثير من الشراح الفرنسيين إلى أن سبب ارتفاع المسؤولية، هو انعدام القصد الجنائي، لأن الطبيب يفعل الفعل بقصد شفاء المريض، وقد أخذ القضاء المصري حينًا بهذا الرأي، والذي استقر عليه الرأي اليوم هو أن التطبيب عمل مشروع تبيحه الدولة، وتنظمه وتشجع عليه؛ لأن الحياة الاجتماعية تقتضي ذلك.
فالتطبيب بإحداث جراحة ونحوها، مباح في كل من الشريعة والقانون؛ لأنه مبني على إذن المريض أو وليه ما دام مباشر التطبيب عالمًا بالطب (١)
_________________
(١) راجع للأستاذ الدكتور محمود مصطفى بحثه في مسؤولية الأطباء والجراحين، المنشور بمجلة القانون والاقتصاد، العدد الثالث سنة ١٩٤٨م، والقانون الجنائي لعلي بدوي (٤٠٠)، وأخطاء الأطباء للدكتور فائق الجوهري (من سلسلة اقرأ) طبع دار المعارف ص (٥٥- ٦٢) ففيه كلام مهم عن الأخطاء الطبية في التطبيق العملي
[ ٨ / ١٢٠١ ]
الفصل الثالث
هل يمكن أن تقوم نقابة الأطباء أو شركة التأمين
بدور العاقلة
العاقلة: هي الدية، وتسمى عقلًا لأنها تعقل الدماء من أن تسفك أي تمسكها ومنه العقل؛ لأنه يمنع القبائح (١) والعاقلة مشتقة من العقل، وهو المنع، وسميت الدية عقلًا تسمية بالمصدر، لأن الإبل كانت تعقل بفناء ولي القتيل، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية، سواء أكانت إبلًا أم نقدًا (٢) وبأداء الدية تعقل ألسنة أولياء القتيل، كما يعقل فيهم القاتل.
وعاقلة الرجل قرابته من جهة أبيه، هم عصبته الذين يمنعونه، وينتصرون له، ويعقلون الإبل، ويدفعون المال تغطية لجنايته، وقد تثبت بالسنة في كثير من الأحاديث، ويمكن القول –خلافًا للأصم من الفقهاء-: إن تحميل العاقلة للدية، مخصص بالأحاديث الثابتة عمومات الكتاب، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] ونحوهما؛ والإجماع منعقد على ذلك، فلا يعتبر شذوذًا.
وإن الحاجة والمصلحة تدعو إلى تشريع نظام العاقلة، لأن القاتل لو أخذ بالدية وحده، لأوشكت أن تأتي على ماله كله، إن كان لديه منه ما يقوم بها، ولو ترك بغير تغريم لأهدر دم المقتول، فكان في ذلك رعاية مصلحة الجانبين (٣)
أ- ويرى الشافعية أن العاقلة عصبة الجاني من النسب باستثناء الأصل والفروع لورود النصوص باستثنائها في حديث الخشخاش العنبري، قال: «أتيت النبي ﷺ ومعي ابن لي، فقال: ابنك هذا؟ فقلت: نعم، قال: لا يجني عليك، ولا تجني عليه» (٤)
ب- ويرى الحنفية أن العاقلة هم أهل الديوان، من الرجال البالغين المقاتلين، ويدخل فيهم الآباء والأبناء، ويستدلون لهذا بفعل عمر بحضور الصحابة، وهو أنه جعلها على أهل الدواوين والسجلات التي أنشأها.
_________________
(١) رد المحتار على الدر المختار حاشية ابن عابدين (٥/ ١٤٠)
(٢) انظر المصباح المنير مادة (عقل)
(٣) انظر نيل الأوطار (٧/ ٦٦- ٦٨)؛ وبدائع الصنائع (٧/ ٢٥٥)
(٤) رواه الإمام أحمد وابن ماجه، انظر منتقى الأخبار بشرح نيل الأوطار (٧/ ٧٠) ورد المحتار على الدر المختار حاشية ابن عابدين (٥/ ٤١٠)
[ ٨ / ١٢٠٢ ]
ويرون أن نظام العاقلة من قبيل التناصر، لا التغريم، وبهذا يجمع بين عمومات العواقل، والحديث الذي استدل به الشافعية؛ فلا منافاة بينهما.
وقد قرر الفقهاء بناء على هذا، أن الصغار والمجانين والنساء ليسوا من العاقلة؛ لأنهم ليسوا من أهل التناصر بالمعنى المذكور، وهو في العقل، كما أن الفقراء (١) ليسوا منها؛ لأن العقل مواساة، والفقير ليس من أهلها.
ولاشك في أن نظام العواقل غير موجود في أيامنا، لانقطاع سلسلة النسب وأواصر القرابة.
ويرى بعض المحدثين (٢) من الفقهاء أن بيت مال المسلمين –ممثلًا في وزارة المالية في أيامنا- هو الذي يتولى دفع الدية والعقل في أحوال الوجوب، وتستطيع الحكومة أن تفرض ضرائب خاصة لهذه المصارف، وقد وجدت في الغرب صناديق خاصة لهذا الغرض، وإذا كانت الحكومة تلزم نفسها بإعانة الفقراء والعاطلين، فأولى أن تلزم نفسها بتعويض ورثة القتيل المنكوبين.
وأرى أنه ما دامت العلة في العقل هي التناصر، وقد أطلق في لسان الفقه على العاقلة أنها الناصرة للقاتل (٣) فإن التناصر تقلب في التاريخ، وتعددت صوره وألوانه فقد كان قبل عمر –﵁- بالقبيلة، ثم جعله عمر كما تبين آنفًا بالديوان، والتناصر في أيامنا بالحرف والنقابات، وقد ذاعت وشاعت واتخذت لها قوانين، وأنظمة مالية خاصة، وبنود مقررة لجباية مواردها، واعترفت الحكومات في غالب الدول بأنظمتها وحصانتها، فليكن العقل في أيامنا منوطًا بهذه النقابات، فنرى أنه يمكن أن تقوم نقابة الأطباء الواردة ببحثنا هذا بدور العاقلة.
بل أرى نوط الديات، وبدل الجراحات وضمان المتلفات المالية غير المعتمدة، بهذه النقابات؛ وبهذا التصميم يستغنى عن كثير من أنظمة التأمين الدخيلة، التي تستثمر بها أموالنا أصابع أجنبية عابثة، ولا تلتئم مع خلقنا الإسلامي العربي الأصيل، القائم على التناصر والإيثار، لا على الاستثمار والاستئثار.
_________________
(١) انظر تحديد الفقير في شرح المحلى على المنهاج (٤/ ١٦٥)، وانظر في الموضوع نفسه المصدر المذكور؛ بدائع الصنائع (٧/ ٢٥٦)؛ والمغني، والشرح الكبير (٩/ ٥١٤)؛ والتاج والإكليل (٦/ ٢٦٧)
(٢) الأستاذ الفقيه القانوني الكبير عبد القادر عودة ﵀: التشريع الجنائي في الإسلام ٢/ ٢٣٠
(٣) انظر رد المحتار (٥/ ٣٤١) أوائل الجنايات
[ ٨ / ١٢٠٣ ]
خاتمة
في الآداب التي يجب على الطبيب أن يتحلى بها
أ- الأدب نوعان: أدب خبرة، وأدب عشرة.
قال الشاعر:
يا سائلي عن أدب الخبرة
أحسن منه أدب العشرة
وقال الإمام الكبير عبد الله بن المبارك:
(إذا وصف لي رجل له علم الأولين والآخرين، لا أتأسف على فوات لقائه، وإذا سمعت رجلًا له أدب النفس، أتمنى لقاءه وأتأسف على فوته) .
وقال الأديب المتفقه ابن قتيبة:
(ونحن نستحب لمن قبل عنا وأتم بكتبنا، أن يؤدب نفسه قبل أن يؤدب لسانه، ويهذب أخلاقه قبل أن يهذب ألفاظه) .
فالطبيب والعالم المتأدب، أحوج إلى تأديب أخلاقه من تأديب لسانه.
ب- ومن الحق علينا أن نذكر، أن فقهاء المسلمين اعتبروا الخبرة بالنفوس وأحوالها، أساسًا في علم الطب.
ويقول في ذلك العلامة ابن قيم الجوزية (١):
(إن الطبيب الحاذق هو الذي يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها، وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان، فإن انفعال البدن وطبيعته عن النفس والقلب أمر مشهود، والطبيب إذا كان عارفًا بأمراض القلب والروح وعلاجهما، كان هو الطبيب الكامل، والذي لا خبرة له بذلك – وإن كان حاذقًا في علاج الطبيعة وأحوال البدن- نصف طبيب.
وكل طبيب لا يداوي العليل، بتفقد قلبه وصلاحه، وتقوية روحه.. فليس بطبيب، بل متطبب قاصر) .
_________________
(١) في كتابه: الطب النبوي (ص ٣٩٩) طبع دار الحياة في لبنان سنة ١٤٠٣ هـ، وكتابه: زاد المعاد (٤/ ١٤٤) طبع مؤسسة الرسالة في الشام، سنة ١٤٠٢هـ
[ ٨ / ١٢٠٤ ]
ج- ولو طبقنا كلام (ابن القيم) على بعض أطباء زماننا، لأخرجناهم من زمرة الأطباء الكاملين، ووضعناهم في أنصاف الأطباء على حد تعبيره (﵀ وغفر له) .
فإن أطباء هذا الزمان يطرحون جانب الأحوال النفسية لمرضاهم ولا يعملون على تقويتها.
د- ومن أجل ذلك، رأيت في هذه الخاتمة أن أجمع بعض ما ورد في تعاليم الإسلام وآدابه، إضافة إلى ما ورد عن الأطباء في عصور الحضارة والازدهار مما يتعلق بقواعد مزاولة مهنة الطب وآدابها، راجيًا أن تكون تلك الخاتمة مسكًا وتبصرة لكل من يتبصر فيها إن شاء الله تعالى.
هـ- وأول هذه القواعد والآداب، هو (قسم أبقراط)، ولقد روجع هذا القسم على مر العصور بقصد تنقيحه وتهذيبه وإدخال بعض التحسينات عليه، وكان ممن راجعوه وعلقوا عليه (ابن رضوان) عميد أطباء القاهرة في القرن الثالث عشر، فكان مما قال: إن الطبيب –على رأي أبقراط- هو الذي اجتمعت فيه سبع خصال:
الأولى- أن يكون تام الخلق، صحيح الأعضاء، حسن الذكاء، جيد الروية، عاقلًا ذكورًا، خير الطبع.
الثانية- أن يكون حسن الملبس، طيب الرائحة، نظيف البدن والثوب.
الثالثة- أن يكون كتومًا لأسرار المرضى، ولا يبوح بشيء من أمراضهم.
الرابعة- أن تكون رغبته في إبراء المرضى، أكثر من رغبته فيما يلتمسه من الأجرة، ورغبته في علاج الفقراء، أكثر من رغبته في علاج الأغنياء.
الخامسة- أن يكون حريصًا على التعليم والمبالغة في منافع الناس.
السادسة- أن يكون سليم القلب، عفيف النظر، صادق اللهجة، لا يخطر بباله شيء من أمور النساء والأموال التي شاهدها في منازل الأعلاء، فضلًا عن أن يتعرض إلى شيء منها.
السابعة- أن يكون مأمونًا ثقة على الأرواح والأموال، ولا يصف دواء قتالًا ولا يعلمه، ولا دواء يسقط الأجنة، ويعالج عدوه بنية صادقة كما يعالج حبيبه (١)
_________________
(١) عيون الأنباء في طبقات الأطباء (ص ٥٦٤- ٥٦٥) لابن أبي أصيبعة، ترجمة ابن رضوان، نشر دار مكتبة الحياة في بيروت سنة ١٩٦٥ م
[ ٨ / ١٢٠٥ ]
وإن المتأمل لهذه الخصال، يرى أنها – فيما عدا كونه تام الخلق صحيح الأعضاء- خصال إنسانية، وردت في تعاليم الإسلام أيضًا، منها ما هو على سبيل الاستحباب، ومنها ما هو على سبيل الفرض، ليتصف بها كل مؤمن، ولا يتسع المجال لذكر النصوص الإسلامية في ذلك.
ومن الآداب الإسلامية التي يحتاج إليها الطبيب بصرف النظر عن ديانته، إضافة للخصال السابقة أذكر ما يلي:
١- القيام بالإسعاف نهارًا وليلًا على قدر الإمكان تفريجًا للكربة.
٢- التلطيف بالمريض والحلم في استجوابه وتفهيمه، مراعاة لحالته النفسية ووضعه الثقافي.
٣- اللباقة في تعريف المريض بمرضه، ومحاولة تطمينه ورفع معنوياته، وكتم الإنذار بالخطر عنه وإعلامه إلى ذويه الأقربين.
٤- الدعاء للمريض، وهو نوع من مواساة المريض بالكلمة الطيبة.
٥- إحالة المريض إلى الأخصائي، إذا كان الأمر يتطلب ذلك قيامًا بالأمانة والنصيحة.
٦- إذا كان التقى عدة أطباء عند مريض، فليقدم أحدهم من هو أعلى مرتبة في الطب إن علم، وإذا تقاربوا في المرتبة، فيقدم أكبرهم سنًا.
٧- الابتعاد عن الغيبة، وخاصة غيبة الزملاء وتجريحهم، فالغيبة مذمومة إنسانيًا ومحرمة في الإسلام.
[ ٨ / ١٢٠٦ ]
تطبيق واحترام آداب الشريعة الإسلامية في المزاولة:
ز- إن الآداب الطبية الآنفة الذكر، تشمل كل الأطباء على اختلاف أديانهم وعقائدهم.
وهناك آداب للشريعة الإسلامية ينبغي على الطبيب المسلم أن يحترمها ويطبقها في أثناء مزاولته لمهنته، عند فحص المسلمين والمسلمات والكشف عليهم، منها:
١- أن يبدأ المعاينة والتشخيص المخبري بقول: (بسم الله الرحمن الرحيم) .
٢- أن لا يكشف عن العورة إلا بقدر ما تستدعيه المعاينة، لأن الضرورة تقدر بقدرها.
٣- ألا يصف دواء من المحرمات لغير ضرورة ملحة.
٤- ألا ينهي حياة مريض ميؤوس من شفائه متعذب من آلامه بأي واسطة، بل يساعده في تخفيف آلامه وتهدئة نفسه، حتى يأتي أجله المحتوم.
٥- أن لا يقوم بإجراء عملية تعقيم نهائي لغير ضرورة صحية ميؤوس من زوالها.
٦- أن تراعى أحكام الإسلام في فحص الجنس للجنس الآخر.
ذلك أن الأصل في تعاليم الإسلام، هو عدم جواز معاينة ومداواة الرجل للمرأة غير المحرم أو العكس، لوجود النظر والجنس فيهما.
ويستثنى من ذلك حالات الضرورة، كعدم توفر طبيبة تثق المريضة بمهارتها الطبية أو طبيبة اختصاصها كاختصاص الطبيب المعالج لها، إذا كان مرضها يتطلب اختصاصًا.
فالضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها، ومن الواجب وجود شخص ثالث عند فحص الطبيب للنساء، وبالعكس، تجنبًا للخلوة بهن.
على أنه في الحالات الإسعافية المستعجلة، يجوز للجنس معالجة الجنس الآخر بغض النظر عن وجود شخص ثالث، فإن الضرورات تبيح المحظورات (١) .
٧- وملاك أمر الطبيب، هو أن يجعل علاجه وتدبيره دائرًا على ستة أركان، حفظ الصحة الموجودة، ورد الصحة المفقودة بحسب الإمكان، وإزالة العلة أو تقليلها بحسب الإمكان، واحتمال أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما.
_________________
(١) راجع مستندات هذه الأحكام فيما تقدم في بحث كشف العورات
[ ٨ / ١٢٠٧ ]
فعلى هذه الأصول الستة، مدار العلاج، وكل طبيب لا تكون هذه أخيته (ذمته) التي يرجع إليها، فليس بطبيب، والله سبحانه أعلم (١)
٨- وعليه (أعني الطبيب) أن يعتقد أن طبه لا يرد قضاء ولا قدرًا، وأنه إنما يفعل امتثالًا لأمر الشرع، وأن الله تعالى أنزل الداء والدواء، وما أحسن قول ابن الرومي:
غلط الطبيب علي غلطة مورد
عجزت موارده عن الإصدار
والناس يلحون الطبيب وإنما
غلط الطبيب إصابة الأقدار
(٢)
٩- وأختم أو أختتم هذه الأحكام والآداب بقول جامع مفيد –إن شاء الله تعالى-.
قال العلامة محمد بن محمد بن أحمد القرشي المعروف بابن الأخوة القرشي الشافعي، المتوفى سنة (٧٢٩هـ) في كتابه (معالم القربة) بعد كلام طويل في الطب ولزومه، والأسى على قلة القائمين به من المسلمين:
(والطبيب هو العارف بتركيب البدن ومزاج الأعضاء والأمراض الحادثة فيها، وأسبابها وأعراضها وعلاماتها، والأدوية النافعة فيها، والاعتياض عما لم يوجد منها، والوجه في استخراجها، وطريق مداواتها بالتساوي بين الأمراض والأدوية في كمياتها، ويخالف بينها وبين كيفياتها، فمن لم يكن كذلك، فلا يجعل له مداواة المرضى، ولا يجوز له الإقدام على علاج يخاطر فيه، ولا يتعرض لما لا علم له فيه.
وينبغي أن يكون لهم مقدم من أهل صناعتهم.
وينبغي إذا دخل الطبيب على المريض، أن يسأله عن سبب مرضه وعما يجد من الألم، ثم يرتب له قانونًا من الأشربة وغيره من العقاقير، ثم يكتب نسخة لأولياء المريض بشهادة من حضر معه عند المريض، وإذا كان من الغد، حضر ونظر إلى دائه وسأل المريض: هل تناقص به المرضى أم لا؟ ثم يرتب له ما ينبغي على حسب مقتضى الحال، ويكتب له نسخة ويسلمها لأهله.
_________________
(١) زاد المعاد (٤/ ص ١٤٤- ١٤٥)، والطب النبوي لابن قيم الجوزية (ص ١٤٠)
(٢) معيد النعم ومبيد النقم لتاج الدين السبكي (ص ١٣٣) طبع دار الكتاب العربي بمصر سنة ١٣٦٧هـ
[ ٨ / ١٢٠٨ ]
وفي اليوم الثالث كذلك، وفي اليوم الرابع كذلك، إلى أن يبرأ المريض أو يموت، فإن برئ مرضه أخذ الطبيب أجرته وكرامته، وإن مات حضر أولياؤه عند الحكيم المشهور، وعرضوا عليه النسخ التي كتبها لهم الطبيب، فإن رآها على مقتضى الحكم، وصناعة الطب، من غير تفريط ولا تقصير من الطبيب قال: هذا قضاء بفروغ أجله، وإن رأى الأمر بخلاف ذلك قال لهم: خذوا دية صاحبكم من الطبيب، فإنه هو الذي قتله بسوء صناعته وتفريطه.
فكانوا يحتاطون على هذه الصورة الشريفة إلى هذا الحد، حتى لا يتعاطى الطب من ليس من أهله، ولا يتهاون الطبيب في شيء منه.
وينبغي للمحتسب أن يأخذ عليهم عهد أبقراط، الذي أخذه على سائر الأطباء، ويحلفهم أن لا يعطوا أحدًا دواء مضرًا، ولا يركبوا له سمًا، ولا يذكروا للنساء الدواء الذي يسقط الأجنة، ولا للرجال الذي يقطع النسل، وليغضوا أبصارهم عن المحارم عند دخولهم على المرضى، ولا يفشوا الأسرار، ولا يهتكوا الأستار، ولا يتعرضوا لما ينكر عليهم فيه.
وينبغي للطبيب أن يكون عنده جميع آلات الطب على الكمال (١) إلخ وصلى الله على سيدنا محمد، والحمد لله رب العالمين) ..
هذا وقد قدمت لمؤتمر الطب الإسلامي الذي عقد في الكويت مسودة قسم الطبيب المسلم أحببت أن أوردها في رسالتي هذه:
_________________
(١) معالم القربة في أحكام الحسبة لابن الأخوة القرشي (ص ٢٥٤- ٢٥٦) الباب الخامس والأربعون، المطبوع في الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة ١٩٧٦ م
[ ٨ / ١٢٠٩ ]
أقسم بالله العظيم، أن أراقب الله في مهنتي، وأن أصون حياة الإنسان في كافة أدوارها، في كل الظروف والأحوال، باذلًا وسعي في استنقاذها من الهلاك والمرض والألم والقلق، وأن أحفظ للناس كرامتهم، وأستر عورتهم، وأكتم سرهم، وأن أكون على الدوام من وسائل رحمة الله، باذلًا رعايتي الطبية للقريب والبعيد، والصالح والخاطئ، والصديق والعدو، وأن أثابر على طلب العلم، أسخره لنفع الإنسان لا لأذاه، وأن أوقر من علمني، وأعلم من يصغرني، وأكون أخًا لكل زميل في المهنة الطبية، متعاونين على البر والتقوى، وأن تكون حياتي مصداق إيماني في سري وعلانيتي، نقية مما يشينها تجاه الله ورسوله والمؤمنين.
والله على ما أقول شهيد.
وفي الختام، أود أن أشير إلى وصف الطبيب المسلم الذي تبنته الجمعية الطبية الإسلامية بأمريكا الشمالية سنة ألف وتسعمئة وسبع وسبعين للميلاد، والذي يعكس الفلسفة والروح المتمثلتين في الدستور الإسلامي لآداب مهنة الطب، وخلاصة القول أن الطبيب المسلم:
يجب أن يؤمن بالله وبتعاليم الإسلام وسلوكياته في حياته الخاصة والعامة، وأن يكون عارفًا لجميل والديه ومعلميه ومن هم أكبر منه، وأن يكون بسيطًا متواضعًا رفيقًا رحيمًا صبورًا متحملًا، وأن يسلك الطريق المستقيم ويطلب من الله دوام التوفيق، وأن يظل دائمًا على دراية بالعلوم الطبية الحديثة، وينمي مهارته باستمرار، طالبًا العون عندما يلزمه ذلك، وأن يستشعر أن الله هو الذي يخلق ويملك جسد المريض وعقله، فيعامل المريض في إطار تعاليم الله، متذكرًا أن الحياة هي هبة الله للإنسان، وأن الحياة الآدمية تبدأ من لحظة الإخصاب ولا يمكن سلبها إلا بيد الله أو برخصة منه، ويتذكر أن الله يراقب كل فكر أو عمل، وأن يلتزم بالقوانين التي تنظم مهنته، وأن تتبع أوامر الله كمنهج وحيد، حتى لو اختلفت مع متطلبات الناس أو رغبات المريض، وألا يصف أو يعطي أي شيء ضار، وأن يقدم المساعدة اللازمة دون اعتبار للقدرة المادية أو أصل المريض أو عمله، وأن يقدم النصيحة اللازمة للجسم والعقل، وأن يحفظ سر المريض، وأن يتوخى الأسلوب المناسب في التخاطب، وأن يفحص المريض من الجنس الآخر في وجود شخص ثالث ما تيسر ذلك، وألا ينتقد زملاءه الأطباء أمام المرضى أو العاملين في الحقل الطبي، وأن يسعى دائمًا إلى تبني الحكمة في كل قراراته.
[ ٨ / ١٢١٠ ]
قسم الطبيب المسلم
الحمد لله رب العالمين، العلي العظيم الواحد العليم، خالق الكون ومعلم الناس أجمعين، له الدوام أبد الآبدين، لا نعبد إلا إياه إن الشرك لظلم عظيم.
اللهم ارزقني القوة لأكون صادقًا أمينًا، متواضعًا، مخلصًا، رحيمًا. وهب لي الشجاعة لأقر بذنبي وأصلح خطئي وأعفو عن هفوات غيري، وأعطني الحكمة لأريح غيري وأقدم النصح الداعي للسلام والوئام، وامنحني الإدراك بأن مهنتي مقدسة، تمس أعز ما وهبته للإنسان وهو العقل والحياة، واجعلني يا رب جديرًا بهذا الموقف المتميز بالشرف والكرامة والتقوى؛ حتى أهب حياتي لخدمة البشر، فقراء وأغنياء، حكماء وجهلاء، مسلمين وغير مسلمين، بيضًا وملونين، متحليًا بالصبر والتسامح، بالفضيلة والوقار والعلم ومراقبة النفس، واملأ قلبي بالحب والرحمة لعبادك، فهم أعز مخلوقاتك، وها أنا ذا أقسم باسمك الكريم يا خالق السماوات والأرض، أن ألتزم بما أنزلته على رسولك الكريم محمد ﷺ: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] .
الدكتور علي داود الجفال
[ ٨ / ١٢١١ ]