إعداد
الدكتور محمد عدنان صقال
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
إن علاقة المريض بالطبيب هي علاقة ثقة متبادلة وموقف الطبيب تجاه صحة المريض هو موقف شخصية ملتزمة تقدم النصح والدواء فالمطلوب من الطبيب ليس فقط معاينة العضو المصاب والاهتمام به حصرًا بل كذلك عليه أن يهتم ويعتني بكامل الحالة الصحية العامة لمريضه، أي أن المطلوب هو وجود شخصية إنسانية تقف أمام كلية المريض وليس أن يتصرف إزاء عضو المريض فقط ولا حتى إزاء الحالة كطبيب نفساني فقط.
إن ثمة سؤالًا يطرح نفسه دائمًا كيف يمكن للطبيب أن تكون مهمته عادلة ومنطقية أمام كثير من الأمراض وخاصة المستعصية منها، وذلك يقودنا بشكل منطقي إلى التساؤل ماذا تعني هذه الإنسانية الكاملة التي يجب على الطبيب أن يتعامل معها؟ ما هي الوسائل التي يمتلكها الطبيب لتمكنه من مساعدة هذا الإنسان المريض؟.
إن حياة الإنسان منذ بدايتها حتى نهايتها تكون مرتبطة بالأمل، الأمل في أن يأخذ مكانه تحت الشمس، الأمل الذي يجعله يكد ويعمل، الأمل الذي يجعله يؤمن بالشفاء، أما إذا فقد هذا الأمل فستكون الحياة عذابًا وشقاء.
إن الخطوة الأولى والتي تقود إلى اللقاء بين المريض والطبيب تحصل عادة بمبادرة من المريض عندما يذهب «بطلب» إلى الطبيب وأغلب المرضى يبحثون عن الطبيب الذي يساعدهم في العودة إلى صحتهم الجيدة ومضمون هذا «الطلب» رغم وضوح وعلنية صياغته فإنه يختلف من مريض إلى آخر وذلك حسب مفهوم كل مريض عن الصحة التي يبحث عنها.
لقد عرف ميثاق منظمة الصحة العالمية (WHO) الصحة بما يلي: «هي حالة الاستقرار الكامل والشعور بالرضى التام في الحالات الجسمية والنفسية والاجتماعية» .
وفي هذه الحالة فمن يستطيع منا أن يعتبر نفسه معافى. فحسب هذا التعريف فإن كل الناس دائمًا مرضى أي «الإنسانية مريضة» .
[ ٧ / ١٥٩٨ ]
إن أصعب الأمور على الطبيب عندما يقف حائرًا أمام مريضه هو يرى أن إمكانية إنقاذ هذا المريض تبدو وكأنها مستحيلة ولكنه رغم ذلك لا يستطيع أن يبوح بهذه المعلومة المدفونة بصدره، وما أكثر مثل هذه الحالات الميؤوس منها.
كان لي زميل أصيب بتشمع الكبد زرته في بيته وكان هو رئيس أطباء المستشفى الذي كنت أعمل فيه بألمانيا قلت له: كيف حالك؟ فأجابني بابتسامة ملؤها السخرية تعلو شفتيه أتسألني أنت عن حالتي، لو سألني غيرك لأجبته بالجواب المعهود إنني بصحة جيدة، أما أنت، أنت الذي تعرف مرضي وتعرف عاقبة دائي، أما سمعت بتشمع الكبد، شكرًا على مجاملتك. كانت يداه ترتجفان، لن أنسى منظره ولن أنسى صوته المرتجف المتقطع ولم أنس تمتمته الأخيرة «إنني أتمنى الموت» .
مسكين أيها الطبيب ومسكين أيها المريض، كم سيكون المشوار صعبًا وكم سيكون الحوار عقيمًا وما أصعب على الإنسان من أن يقول غير ما يعتقد وأن يمنع من إظهار ما يعتلج بصدره.. فالمريض ينظر إلى الطبيب أنه الملاذ الأخير لإنقاذه ويبني الآمال والمعنويات عليه، وفي حقيقة الأمر لا يستطيع الطبيب فعل أي شيء تجاهه.
مريض آخر شاب أصيب بما يعرف عن موت الدماغ وبقي فترة طويلة يعيش هذا الإنسان على الأجهزة الاصطناعية كان كل شيء ساكنًا لا حراك ولا منعكس فيه إلا ذلك القلب الذي كان يدق ويدق ويدق، ومرت الأيام، ولن أنسى تلك الأم المسكينة التي كانت تزرع في كل زاوية من زوايا المستشفى دمعة وآهة وحسرة، أما الوالد المفجوع فكان ثمة سؤال يتردد على شفتيه، إلام سيبقى ولدي هكذا، إلام سنبقى معذبين؟ إنني أشعر أننا نسير إلى الهلاك قبله، وفي يوم من الأيام حضر والد المصاب لعيادتي وأخبرني أنه أصبح مقتنعًا أن حالة ابنه ميؤوس منها ووافق على نزع الأجهزة حتى تنتهي هذه المأساة.
مرت لحظات وكأنني أصبت بوجوم عميق أجل ولكن من هذا الفارس الذي سيطلق ما يسمونه خطأ رصاصة الرحمة، ولا أكتمكم سرًّا أنني كنت جبانًا كلما تقدمت لاقتلاع الأجهزة، شعرت برهبة وخوف شديدين ولن أنسى ذلك الصباح الذي دخلت غرفة المريض لأجد أن كل الأجهزة قد انتزعت منه وأن قلب هذا الشاب قد توقف ولم أعرف من الذي قام بهذا العمل وأن الذي أراحني فيما بعد هو القرار رقم (٥) الذي صدر عن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الذي جاء فيه:
«إذا تعطلت جميع وظائع دماغه تعطلًا نهائيًّا وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا العطل لا رجعة فيه وأخذ دماغه في التحلل وفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص وإن كان بعض الأعضاء كالقلب مثلًا لا يزال يعمل آليًا بفعل الأجهزة المركبة والله أعلم» .
[ ٧ / ١٥٩٩ ]
أيها الأخوة الأفاضل:
هناك أمثلة كثيرة على حالات كثيرة ميؤوس علاجها وقد تضيق الصفحات إذا استرسلت بسرد كثير من الأوراق، فالسرطان المنتشر مثلًا مرض ميؤوس منه والإيدز (نقص المناعة المكتسبة) مرض ميؤوس منه أيضًا على الأقل حتى يومنا هذا.
ماذا سيفعل الطبيب، إن الأمر شائك وأن هناك تساؤلات عديدة قد يحار المرء في أن يجد الجواب وقلبه مطمئن كل الاطمئنان، ثم ما هو حكم الشرع، هل يجب الاستمرار بالعلاج رغم الحكم بانتهاء الأمل في الشفاء «تداووا عباد الله فإن الله ما أنزل داء إلا وأنزل له الدواء» صدق رسول الله أو كمال قال.
أليس التداوي واجبًا أمن أنه مباح يجوز تركه وبذلك نكون قد حكمنا عليه - أي الجسد - بالذبول والفناء، وتركنا شرطًا شرعيًّا، حيث إننا لم نحافظ على هذا الجسم الذي خلقه الله في أحسن تقويم.
ماذا يستطيع الطبيب أن يفعل أمام هذه الحالات التي تمر أمامه كل يوم ليس لديه إلا مجال واحد أن يترك المريض يعيش بقناعات يوحيها إليه على أن مرضه بسيط وأن الشفاء قادم لا محالة ومن ثم يضطر لإعطائه صنفًا من الدواء حتى تكتمل الناحية الطبية والنفسية معًا، كما أن هناك أمرًا يجب أن لا نغفل عنه وأن يؤخذ بعين الاعتبار ألا وهو الشروط المادية والمعنوية التي يجب أن تنسجم مع قرار المجتمع الذي نعيش فيه.
فمثلًا بالغرب وعلى الأخص بأمريكا عندما تلد المرأة طفلًا مشوهًا، فتراهم جميعًا متفقين حتى يتخلصوا من هذا الوليد وأن لا يكون عالة عليهم، أما المجتمع الإسلامي فهو مؤمن بقدره مع الله وهو يعلم أنه إن أقدم على ذلك فجزاؤه النار ومن هنا كانت الطمأنينة والرضا بقدر الله.
[ ٧ / ١٦٠٠ ]
ولن أنسى ذلك الأب لطفل أصيب بداء عضال حتى أوشك على الموت وأصبح ميؤوسًا منه، قلت له: إن ولدك يشرف على الهلاك فتبسم وقال: إنني على يقين أن الشافي هو الله وإنكم معشر الأطباء لن تستطيعوا أن تفعلوا شيئًا عندما تكون إرادة الله قد قضت وهو فعال لما يريد.
ومن هنا كانت نعمة الإيمان والتسليم لقضاء الله في المجتمع الإسلامي أمرًا يحل كثيرًا من الأمور التي يعاني منها كثير من المرضى والأطباء على سواء، في مجتمعات ثانية، إن التصرف في مثل هذه القضايا الحساسة يتطلب إلى جانب السند العلمي القاطع، الطمأنينة العاطفية والرضا الوجداني وقد كان هناك طبيب مرموق ومختص كان يرقد في مشفاه إنسان جَزَمَ هو وشلة من الأطباء بأنه قد مات موتًا دماغيًّا بالأدلة العلمية التي لا ريب فيها واتجه إلى أهله ينعاه لهم ويؤكد ذلك لهم بالأدلة العلمية المقنعة، ثم حاول أخذ موافقتهم للاستفادة من قلبه لإسعاف مريض آخر واقتنع الأهل ووافقوا، ولكن الأطباء ما أن باشروا بتهيئة الأسباب لاستخراج قلب قريبهم المتوفى دماغيًّا حتى ارتفع العويل والصراخ، وثار الأهل وهاجموا، ومن ثم حيل بين الأطباء وتنفيذ ما اتفقوا عليه. ذلك لأن هذه الدلائل العلمية للموت أقنعت عقول أقارب الميت ولكنها لم تهيمن على عواطفهم ووجدانهم. إن الناس كانوا ولا يزالون يعتدون بموت القلب دون أن يكتفوا بموت الدماغ الذي لا يدركه إلا أصحاب الاختصاص والشارع يؤيدهم في هذا الاحتياط والتأكد حتى لا تشيع أنها ميتة ظالمة بين الناس فتنبثق من ذلك الفتنة والظنون السيئة. وهذا كما هو واضح ليس تكذيبًا لقرار الأطباء كما أن القول بالموت الدماغي ليس تطورًا علميًّا لمعنى الموت بحيث تطور الأحكام الشرعية وفقًا لذلك ولكنه إيثار من الشارع لاتباع القناعات العامة إغلاقًا لباب الفتنة ودرءًا للظنون السيئة أن تشيع في الناس بعضهم البعض.
ويجب أن لا ننسى أن الأساس في كل ذلك هو مراقبة الله ﷿ في تنفيذ مثل هذه الأحكام والحرص على ممارستها وتطبيقها على الوجه الذي يتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية والحكمة التي يتوخاها الشارع من شرع لعباده، فإن لم يتحقق هذا الأساس التنفيذي، فإن جهود الباحثين والمجتهدين تظل على الغالب نظرية، هذا إن لم نقل إنها قد تصبح وسائل تحت سلطان الكثيرين لتحقيق المآرب الدنيوية والوصول إلى كثير من المبتغيات غير المشروعة.
[ ٧ / ١٦٠١ ]
لقد قالوا إن الموت هو مفارقة الروح للبدن مفارقة تامة وبكلمة أهم هو انقطاع الحياة عن البدن انقطاعًا تامًّا (١) .
ولا شك في أن محاولة تحديد اللحظة التي تنتهي فيها حياة الإنسان في الدنيا تحديدًا دقيقًا من الناحية الشرعية أصعب من البحث في معرفة الزمن الذي تبدأ منه تلك الحياة ومن هنا نرى أن قضيتنا هذه ليس فيها نص من قرآن أو سنة يمكن اتخاذه منطلقًا للبحث (٢) .
أيها الأخوة المحترمون:
هناك أمر آخر يجب أن يكون خاتمة بحثنا هذا وهو «مدى توقف العلاج مع إذن المريض» .
هل نحن الأطباء ملزمون بتحقيق رغبة المريض في إنهاء العلاج له أو الاستمرار فيه وبصورة أعم من ذلك هل يجب أن نحصل على إذن من المريض بتطبيق العلاج والكف عنه متى شاء؟ إن هناك أمورًا قد تكون خطيرة جدًّا فمثلًا طفل في السابعة من عمره تبين لنا بعد إجراء خزعة على ورم في ساقه بأنه مصاب بسرطان العظام ومن الناحية الطبية يجب استئصال الطرف قبل أن ينتشر الداء وعندها لا دواء له إن هذا المريض طفل لم يبلغ سن البلوغ وعليه فيتحتم علينا أخذ موافقة الأهل وعندما فوجئوا بالحقيقة تحكمت العاطفة على العقل ورفضوا بتر الطرف وبعد سنتين عم المرض وانتشر وتوفي هذا الطفل المسكين من هو المسؤول يا ترى؟ هل الطبيب الذي كان مقصرًا بإقناع الأهل، أو الأهل؟ كيف لنا أن نحدد المسؤول على التتابع عند اشتراك الجناة مع التتابع؟ إنني أرى أن المسؤول الأول والوحيد هو ذاك الأب الجاهل المسكين.
_________________
(١) قاضيا فقهية معاصرة: ص١٢٦ البوطي.
(٢) بداية الحياة الإنسانية - د. محمد نعيم ياسين: ص١٧٣.
[ ٧ / ١٦٠٢ ]
فعندما يكون الإنسان لا يتمتع بأهلية كاملة يستقل بها بإدارة شؤون نفسه كالطفل والمجنون، فمن الثابت أن هذا الصنف من الناس لا يملك أن يستقل بالتصرف في هذا الأمر الذي هو أخطر شؤونه الشخصية. ثم ما هو موقف الشرع من هذا الأب الذي كان سببًا في موت ابنه. وإنني هنا لست بموطن المدافع عن الأطباء، فقد يخطئون وقد تكون الشهوة المادية دافعًا خطيرًا لاستعجال القرار. ولكن عندما يكون هناك إجماع من قبل عدد من الأطباء المختصين وأصدروا حكمًا بالإجماع فيجب أن يكون ثمة قوانين تدين مثل هؤلاء الناس الذين لا ينصاعون لأوامر الأطباء ويتسببون في حدوث ما لا يحمد عقباه، بل وأمر من ذلك عندما يكون المريض بالغًا وليس مجنونًا وخرج من إجماع الأطباء ثم كانت الكارثة، هل هذا يختلف عن الذي يلقي بنفسه في أتون من النار قصد الانتحار مع الفارق في القصد والهدف والجريمة والوضع النفسي.
إننا بحاجة يا أخوتي إلى طبيب مسلم يخشى الله كما أننا بحاجة إلى مجتمع يرقى بتفكيره إلى الشعور بالمسؤولية وأن يتمتع بقوة روحية عالية تبعده عن الجهل وتجعل منه فردًا يميز الخبيث من الطيب عندها يبقى المجال مفتوحًا لأن يلتقي الإنسان بأخيه الإنسان وعندها يتم تبادل مثل هذه العلاقة الإنسانية بشكلها المتكافىء والالتزام والشعور بالمسؤولية من كلا الطرفين عندها يحق للمرء أن يتساءل فيما إذا كانت الشخصية الطبية في حد ذاتها تتطور بشكل بشري ومبرر لتصبح قوة مخلصة بدون أن تتقمص شخصية الساحر العجيب أو حتى دون أن تقوم بأية إيحاءات موجبة أو تقدم أي تضليل وتزييف للحقائق.
والله المستعان أن يوفقنا باحثين ومنفذين لرعاية هذه الأسس على خير وجه، إنه نعم المستعان ونعم النصير والحمد لله رب العالمين.
الدكتور محمد عدنان صقال
[ ٧ / ١٦٠٣ ]