إعداد
الدكتور محمد عطا السيد سيد أحمد
عضو مجمع الفقه الإسلامي بجده
بسم الله الرحمن الرحيم
قال صاحب لسان العرب في شرحه لما تفيده كلمة توثيق: وثق به: ائتمنه، والوثيقة في الأمر: أحكامه، واستوثقت من فلان: أخذت منه الوثيقة.
وعلى العموم يفهم من كلمة توثيق: كل ما تتوثق به المعاملة ويجعلها محكمة بأن تكون صحيحة مشتملة على الوثيقة التي تصونها من التلاعب وتكفل إنجازها على الوجه المشروع المتفق عليه، وشواهد القرآن الكريم تقرر أن التوثيق معناه كذلك، وأنه شرع لذاك.
قال الله تعالي: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ (١) . أي العهد الذي أخذه عليكم وثيقة منكم على الوفاء. والقرآن الكريم يحكي عن يعقوب ﵇ قوله لبنيه: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ (٢) .
ويقول: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٣)
﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ (٤) .
وهكذا جرى سنن القرآن الكريم على الأمر بالوفاء عند ذكر العهد والميثاق وعلى التنديد بالذين لا يوفون بالعهد والميثاق سواء كان بين الإنسان وربه أو بين الإنسان والإنسان.
_________________
(١) سورة المائدة: الآية ٧.
(٢) سورة يوسف: الآية ٦٦.
(٣) سورة الإسراء: الآية ٣٤.
(٤) سورة النحل: الآية ٩١.
[ ٧ / ٦٥١ ]
وتوثيق المعاملات وتنظيم هذا التوثيق قد سبقتنا إليه – على أي وجه من الوجوه – شرائع قديمة، ولكن الإسلام أقرّه وتوسع فيه ولعله أضاف إلي وسائله الأولى وسائل لم تكن من قبل.
وهذه الوسائل – بالنسبة لنا – مستمدّة من القرآن والسنة وإن اختلف ذكر بعضها عن البعض طولًا وقصرًا أو تفصيلًا وإجمالًا وتأكيدًا وغير تأكيد. وهذه آية الدين وما فيها من الأمر بالكتابة والاستشهاد على الدين أو الرهن به، والإشهاد على البيع، وآيات أخرى وأحاديث مستفيضة في كتب السُنة، جاءت كلها بما ورد في آية الدين على ما سيأتي تفصيله:
وقد ذكر القرطبي في تفسيره مما خرجه الترمذي ورواه أبو داود الطيالسي في سننه من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله ﷿: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١) .
أن أول من جحد آدم ﵇ إن الله أراه ذريته فرأى رجلًا أزهر ساطعًا نوره فقال: يا رب من هذا؟ قال: هذا ابنك داود، قال يا رب فما عمره؟ قال: ستون سنة. قال: يا رب زده في عمره، فقال: لا، إلَّا أن تزيده من عمرك قال: ما عمري؟ قال: ألف سنة، قال آدم: فقد وهبت له أربعين سنة، قال: فكتب الله عليه كتابًا وأشهد عليه ملائكته، فلما حضرته الوفاة جاءته الملائكة قال: إنه بقي من عمري أربعون سنة، قالوا: إنك قد وهبتها لابنك داود، قال: ما وهبت لأحد شيئًا، قال: فأخرج الله تعالي الكتاب وشهد عليه ملائكته وفي رواية: وأتم لداود مائة سنة ولآدم عمره ألف سنة (٢) .
وقد كان التوثيق ديدن النبي ﷺ في كل معاملة ذات خطر، وقد ذكرت كتب السير فيما يدل على عناية الرسول ﷺ بالتوثيق: أن الحصين بن نمير، والمغيرة بن شعبة كانا يقومان للنبي ﷺ بكتابة المداينات والمعاملات.
ومن أمثلة مكاتبة النبي ﷺ على سبيل التوثيق ما كتبه لتميم الداري وأصحابه حيث جاء في نسخته:
_________________
(١) سورة البقرة: الآية ٢٨٢.
(٢) تفسير القرطبي: ٣/٣٨٢.
[ ٧ / ٦٥٢ ]
(بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله لتميم الداري وأصحابه: إني أعطيتكم عينون، وجيرون، والرطوية، وبيت إبراهيم برمته وجميع ما فيه، عطية بتٍّ، وسلَّمت ذلك لهم ولأعقابهم من بعدهم أبد الآبد فمن أذاهم فيها آذاه الله. يشهد أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان وكتبه) .
ومثال آخر مما كتبه النبي ﷺ وثيقة عتقه لمولاه أبي رافع ونصها:
(بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب من محمد رسول الله لفتاه أسلم – وهو أبو رافع – إني أعتقك لله عتقًا مقبولًا، الله أعتقك وله المنُّ عليَّ وعليك، فأنت حر لا سبيل لأحد عليك إلا سبيل الإسلام وعصمة الإيمان، شهد بذلك أبو بكر، وشهد عثمان، وشهد علي، وكتب معاوية بن أبي سفيان) .
وكما وثق ﷺ بالكتابة وثق بالرهن وذلك عندما اشترى من يهودي طعامًا – عشرين صاعًا – بثمن مؤجل، ثم رهن عند اليهود درعه على ذلك الثمن وتوفي ﷺ ودرعه مرهونة. فهذا توثيق بالرهن كما كان التوثيق بالكتابة.
وكذلك روى ابن ماجه أنه ﵇ ضمن غيره في معاملات مالية، وحكى ما رواه عن ابن عباس ﵄: (أن رجلًا لزم غريمًا له بعشرة دنانير على عهد رسول الله عليه وسلم فقال الغريم: ما عندي شيء أعطيكه، فقال: والله لا أفارقك حتى تفضيني أو تأتيني بحميل ضامن – فجرَّه إلى النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ: كم ستنتظره؟ قال: شهرًا، قال رسول الله ﷺ: أنا أحمل- أي أضمن) .
وكذلك ما حكاه النعمان بن بشير من قصة أمه مع أبيه إذ رغبت أمه إلى أبيه بشير أن يخص ولدها النعمان بشيء من عقاره، فلما استجاب لرغبتها طلبت إليه توثيقها بإشهاد الرسول على هذا التخصيص، غير أن الرسول ﷺ سأل بشيرًا:
هل كل ولدك أعطيت؟ فقال بشير: لا، فامتنع النبيُّ ﷺ من الشهادة على ذلك لما فيه من الحيف على بقية أولاد بشير. ولم يكن الاستيثاق في ذاته موضع اعتراض من الرسول ﷺ.
تلك أنواع من التوثيق سقناها، ويبقى التوثيق بالحلف والتوثيق بالبينة وبالإقرار وبالقرائن. وفي التوثيق طمأنينة المتعاملين من الجحود والمماطلة ونزعات الشر أو حادثة النسيان وعندما تكون المعاملة المالية عارية عن الوثيقة تكون محفوفة بالخوف والقلق، وقد تنتهي إلى لقمة سائغة يستلذها الآخذ ويغص بالحسرة عليها المعطي، وهذه هي الحكمة في مشروعية التوثيق والحث عليه.
[ ٧ / ٦٥٣ ]
المعاملات التي شرع لها التوثيق:
لم يكن التوثيق في اعتبار الشارع مطلوبًا ولا سائغًا في كل ما يسمى عند الناس معاملة، وإنما هو في المعاملة التي اعترفت بها الشريعة، وسوقتها وسيلة لتبادل الأموال والمنافع، حتى يكون التوثيق مبنيًا على أصل صحيح، ومن القواعد المشهورة: أن المبني على الفاسد فاسد، أو أن الفاسد لا ينبني عليه صحيح.
وعلى ضوء ذلك تكون المعاملات الباطلة بمعزل عن رعايتها بطلب التوثيق فيها، بل الشارع يزجر عنها، ويدعو إلى التنصل منها، فلو أن مسلمًا باع خمرًا أو خنزيرًا لمسلم آخر فقد تعاملا في غير مال محترم وذلك غير مشروع بأصله، ومهما بلغ الثمن حالًّا أو مؤجلًا فلا موضع هنا للتوثيق، لأنها معاملة محظورة لا تكسب حقًّا، وقس على ذلك كل معاملة في محظور.
أما حينما تصح المعاملات باستيفائها للشروط الفقهية، وتكون سبيلًا إلى تملك العين وثمنها في المبيعات وسيرًا إلى استحقاق الأجرة والمنفعة في الإجارات تصبح محلًّا للتوثيق وتنبني عليه آثاره.
وسائل التوثيق:
وبالنظر في الوسائل المؤدية للغاية المنشودة من التوثيق، - نرى بعد الاستيعاب الممكن – أن وسائل التوثيق التي عرض لها القرآن الكريم أو ورد ذكرها في السنة، ودارت على ألسنة الفقهاء، نجد أن بعض هذه الوسائل تؤدي غايتها باعتبارها متينة للحق: كالكتابة والبينة، والإقرار، واليمين والقرائن، ونجد بعضها يؤدي غايته باعتباره تأمينًا للحق الثابت بإحدى تلك الوسائل: كالرهن والضمان والكفالة،ونجد بعضًا ثالثًا يؤدي غايته باعتباره تنفيذًا لاستيفاء الحق: كالحجر، والحبس والملازمة والغرض العام منها جميعها: هو ضبط المعاملات وصيانة الحقوق المالية من الضياع.
[ ٧ / ٦٥٤ ]
الوثيق الكتابي:
قال الله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١) الآية.
تعتبر هذه الآية الكريمة من أهم النصوص في شأن التوثيق، وقد عرضت للدين وتوثيقه من نواحٍ عده، فذكرت كتابة الدين، وعدالة الكاتب وعدالة المملي، وذكرت الاستشهاد على الدين وعدالة الشهود وما يتصل بذلك من الإشهاد على البيع.
وما يستثنى توثيقه إلخ ولنعرض جهد العلماء فيما يستفاد من هذه الآية الكريمة.
قال القرطبي في شرح هذه الآية: (ذهب بعض الناس إلى أن كتب الديون واجب على أربابها، فرض بهذه الآية، بيعًا كان أو قرضًا، لئلا يقع فيه نسيان أو جحود، وهو اختيار الطبري، وقال ابن جريج: من أدان فليكتب ومن باع فليشهد. وقال الشعبي: كانوا يرون أن قوله: (فإن أمن ) ناسخ لأمره بالكتب. وحكى نحوه ابن جريج، وقاله ابن زيد، وروي عن أبي سعيد الخدري، وذهب الربيع إلى أن ذلك واجب بهذه الألفاظ، ثم خففه الله تعالي بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ . قال الجمهور: الأمر بالكتب ندب إلى حفظ الأموال وإزالة الريب، وإذا كان الغريم تقيًّا فما يضره الكتاب، وإن كان غير ذلك فالكتاب ثقاف في دينه وحاجة صاحب الحق.
قال بعضهم: إن أشهدت فحزم، وإن ائتمنت ففي حل وسعة، قال ابن عطية: وهذا هو القول الصحيح. ولا يترتب نسخ في هذا لأن الله تعالى ندب إلى الكتاب فيما للمرء أن يهبه ويتركه بإجماع، فندبه إنما هو على جهة الحيطة للناس) (٢) .
ذكر الجصاص أن الأمر بالكتابة لم يرد إلا مقرونًا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ إلخ. وانتهى إلى نتيجة حتمية في اعتباره وهي أن الأمر بالكتابة والإشهاد ندب غير واجب.
وقد حذا حذو القرطبي والجصاص كثير من المفسرين كابن كثير، والآلوسي وكذلك جمهور الفقهاء من علماء المذاهب وأدلتهم تختلف وتتلخص فيما يأتي:
_________________
(١) سورة البقرة: الآية ٢٨٢.
(٢) تفسير القرطبي:٣/٣٨٣.
[ ٧ / ٦٥٥ ]
أولًا: ما تقدم نقله عن القرطبي والجصاص وموافقيهما من قوله تعالى ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (١) .
فإن معناه عندهم إن توفرت الطمأنينة بينكم وائتمن بعضكم بعضًا من غير توثيق، فعلى المؤتمن أن يؤدي أمانته التي في عهدته، وإلَّا يتحتم التوثيق الكتابي أو غيره، فإن فرضنا أن الآية نزلت مفرقة كما هو أحد الاحتمالين، فالوجوب المستفاد من أولها منسوخ بآخرها، فلا تفيد حينئذ أكثر. من الندب. ويؤيد هذا الفهم عندهم ما روي عن أبي سعيد الخدري ووافقه عليه آخرون أنه قال: " صار الأمر إلى الأمانة " ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الآية.
وإن فرضنا أن الآية نزلت دفعة واحدة فقد بين آخرها أولها من أول الأمر بأنه للندب (٢) .
ثانيًا: أن النبي ﷺ اشترى من أعرابي فرسًا فجحده الأعرابي حتى شهد له خزيمة ابن ثابت، وروي أنه ﷺ اشترى من رجل سراويل. ولم ينقل أنه أشهد في شيء من ذلك.
ثالثًا: أن الصحابة كانوا يتبايعون في الأسواق، فلم يأمرهم النبي ﷺ بالإشهاد، وأن التعامل بالدين مما يكثر، فلو كان الكتاب والإشهاد واجبًا لكان فيه أولًا حرج، والحرب منفي شرعًا بنص القرآن الكريم، يضاف إلى ذلك ما نقل إلينا من اتفاق كثير من السلف وفقهاء الأمصار أن ما أمرنا به في آية الدين من الكتاب والإشهاد والرهن، من قبيل الإرشاد إلى ما فيه الحظ والصلاح للدين والدنيا (٣) .
وذهب آخرون إلى القول بالوجوب ومنهم ابن جرير الطبري في تفسيره، والظاهرية، ومن الفقهاء المعاصرين الشيخ محمد عبده، واستدلوا بأربعة أدلة:
_________________
(١) سورة البقرة: الآية ٢٨٣.
(٢) انظر أحكام القرآن، للجصاص: ١/٤٨١.
(٣) انظر: أحكام القرآن، للجصاص: ١/٤٨٣؛ والمغني، لابن قدامة: ٤/٣١١.
[ ٧ / ٦٥٦ ]
الأول: أن الأمر ورد صريحًا بكتابة الدين والإشهاد عليه، والأصل في الأمر الوجوب ما لم يصرفه صارف إلى الندب، وحيث لم يرد صارف له هنا فالوجوب مقطوع به عندهم.
الثاني: أن السنة وردت بذلك، وذكر ابن حزم في المحلى حديثًا عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيهًا وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، ورجل له على رجل دين لم يشهد عليه) (١) .
ووجه الدلالة في هذا أن الحرمان من قبول الدعاء نقمة، والنقمة لا تكون إلا على معصية.
الثالث: ما روي من الآثار من أن ابن عمر – ﵄ – كان إذا باع بنقد أشهد، وإذا باع بنسيئة كتب وأشهد (٢) .
الرابع: أنكر ابن عباس – ﵄ – النسخ وأكد أن الآية محكمة وعلى هذا عطاء وجابر والنخعي والشعبي وأبو جرير من كبار المفسرين والأصل عدم النسخ والنسق القرآني يأتلف مع عدم النسخ أكثر مما يأتلف مع وجوده.
والذي نميل إليه أن طهر النفوس وظهور التقوى والورع بين الناس في زمن السلف مال بهم إلى الاجتهاد بعدم التزام التوثيق ولكن الواقع في عهدنا هذا من خراب ذمم الناس وبعدهم عن التقوى – إلَّا من هدى الله – لا يقضي القياس استحسانًا عند أولي العلم بوجوب التوثيق ولكن الواقع في عهدنا هذا من خراب ذمم الناس وبعدهم عن التقوى – إلا من الهدي الله – لا يقتضي القياس استحسانًا عند أولي العلم بوجوب التوثيق خاصة في الديون ويكون ذلك تطبيقًا حقًّا للنظم الإسلامية التي شرعت لمسايرة الحياة في أزمانها وأطوارها ولأولي الأمر الحق كاملًا في إصدار ما يرونه من تشريع ملزم للناس بالكتابة في العقود ذات الخطر والتي تؤثر على حياة الناس أو يكثر فيها النزاع والتجاحد ويكون في هذا مصلحة واحتياط للدين والدنيا خاصة وأن سهولة أدوات الكتابة من أقلام وورق وآلات حاسبة يرفع الحرج الذي حال بالأوائل إلى القول بعدم وجوب الوثيق وقد رخص الله لنا بمنه وكرمه في ترك كتابة التجارة الحاضرة.
_________________
(١) المحلى، لابن حزم: ٨/٣٤٤.
(٢) المحلى، لابن حزم: ٨/٣٤٤.
[ ٧ / ٦٥٧ ]
القدر الذي يتعلق به الوثيق:
ذهب فريق منهم ابن قدامة حيث يقول: (ويختص ذلك – أي التوثيق – بما له خطر، فأما الأشياء القليلة الخطر كحوائج البقال والعطار وشبهها فلا يستحبُّ فيها لأن العقود فيها تكثر فيشق الإشهاد عليه، وتقبح إقامة البينة عليها والترافع إلى الحاكم بخلاف الكثير) . ووجاهة هذا الرأي واضحة ظاهرة جدًّا في زماننا هذا من حيث ضيق وقت الناس وعدم تعارفهم وكثرة المشتريات والمبيعات ولأن التجارة مبنية على سرعة الإنجاز والانشغال بالتوثيق في كل شيء قد لا يسمح بإدارتها على الوجه الأكمل والمطلوب ولذلك خفف الله تعالى عن الناس باستثنائه التجارة الحاضرة.
وذهب فريق إلى وجوب الإشهاد في كل شيء. قال ابن جريج: سئل عطاء: أيشهد الرجل على أن بايع بنصف درهم؟ قال: نعم، هو تأويله قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ .
وذهب فريق إلى الندب في القليل والكثير وهو رأي الجمهور الذي بيناه سابقًا والواقع أن للعرف بين الناس حسبما تقتضي عوائدهم وأحوالهم أثرًا كبيرًا في تحديد القدر الذي يتعلق به التوثيق الواجب والمندوب والمباح ومما نراه أن خمسة وعشرة ريالات قد تعتبر دينًا تافهًا عند الناس وبعضهم يراه خطيرا بحسب أحوالهم ونفسياتهم وماديتهم وقد احتكمنا إلى العرف من قبل في تقدير المهر والنفقات وقيم المتلفات وبه نهتدي في تقدير ما يجب وما يباح وما يندب إليه في التوثيق وقد أقرت الشريعة العمل بالعرف الصحيح كأصل من أصولها تيسيرا على الناس وإفساحا لهم في مجال الحياة، فرجوعنا إليه وتحكيمه يعتبر عملًا بأصل مشروع.
ومع هذا فإني أرى أن الورع والتقوى وتعظيم قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ يقتضي كتابة كل دين صغيرًا أو كبيرًا ولعل تقديم ذكر "صغيرًا " في الآية يؤكد هذا الذي ذهبنا إليه.
[ ٧ / ٦٥٨ ]
خاتمة البحث
توثيق الدين والمعاملات المالية الأخرى
تناول البحث المراد بالتوثيق وأصوله في الشريعة الإسلامية والحكمة من تشريعه والوسائل التي يتحقق بها التوثيق، وقدمنا أمثلة من توثيقات النبي ﷺ من كتابة ورهن وإشهاد، وأنه كان يحرص على التوثيق في كل أمر هام.
والمعاملات التي شرع لها التوثيق هي المعاملات التي اعترفت بها الشريعة الإسلامية وسوقتها وسيلة لتبادل الأموال والمنافع حتى يكون التوثيق مبنيًّا على أصل صحيح، ولم يكن التوثيق في اعتبار الشارع مطلوبًا ولا سائغًا في كل ما يسمَّى عند الناس معاملة، ومن القواعد المشهورة: الفاسد لا ينبني عليه صحيح وأن المبني على الفاسد فاسد.
ومن أهم وسائل التوثيق الكتابة التي وردت في آية الدين، وقد ذهب العلماء مذاهب شتى فيما إذا كانت الكتابة واجبة أم مندوبة أم مباحة فمنهم من ذهب إلى أنها مندوبة وذكرنا أدلتهم، ومنهم من قال إنها واجبة وذكرنا أدلتهم، ومنهم من قال إنها مباحة وكذلك تناول الفقهاء القدر الذي يتعلق به التوثيق، فذهب فريق إلى وجوب كتابة الدين الكثير دون القليل، وذهب بعضهم إلى وجوب كتابته صغيرًا أو كبيرًا، كما ذهب فريق ثالث إلى وجوب الإشهاد في كل شيء، وقال آخرون بالندب في القليل والكثير.
والذي نميل إليه أن طهر النفوس وظهور التقوى والورع بين الناس في زمن السلف مال بهم إلى الاجتهاد بعدم التزام التوثيق، ولكن الواقع في عهدنا هذا من خراب ذمم الناس، وبعدهم عن التقوى – إلَّا من هدى الله – يقتضي التزام التوثيق خاصة في الديون صغيرها وكبيرها، وفي ذلك تعظيم وتوقير لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ . أما في المعاملات المالية الأخرى فإن للعرف بين الناس حسبما تقتضي عوائدهم وأحوالهم أثرًا كبيرًا في تحديد التوثيق الواجب والمندوب والمباح.
الدكتور محمد عطا السيد سيد أحمد
[ ٧ / ٦٥٩ ]