إعداد
الدكتور أحمد رجائي الجندي
الأمين العام المساعد للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية
بسم الله الرحمن الرحيم
الطب من أنبل المهن العملية، ويقول الإمام الشافعي عنه: (إنه أشرف مهنة عرفتها بعد العلوم الشرعية) وقد أباحت الشريعة الإسلامية الطب والتطبب فأمرنا الرسول ﷺ بالتداوي والبحث عن العلاج، على ألا يكون بمحرم، مصداقًا لقوله: «يا عباد الله تداووا فإن الله لم يخلق داء إلا خلق له الدواء، علمه من علمه وجهله من جهله» وأيضًا يقول: «ما جعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها»، ولم يقصر ﷺ التداوي على الأطباء المسلمين، لكنه أمر بالاستعانة بغير المسلمين، فقد أمر بإحضار الحارث بن كلدة لمداواة سعد بن أبي وقاص ولم يكن الحارث قد دخل الإسلام بعد، وقال ﷺ عن الحارث: «إنه رجل يتطبب» أي: أنه خبير بالطب، ثم قال: «من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن» والركيزة الأولى في الوصول إلى تشخيص صحيح للمرض ليوصف العلاج، هو أن يثق المريض بطبيبه لكي يصارحه بما يشكو منه ويسر إليه بكل ما لديه من أسرار قد يخفيها عن أقرب الناس إليه حتى زوجته.
ومن هنا تأتي أهمية سر المهنة، والسر هو ما تعرفه وتخشى المجاهرة به، وفي قول آخر: (السر ما خفي على الناس وتكره أن يطلعوا عليه)، فقد يكون به من الأسرار الشخصية المتعلقة بسلوكه ولا يرغب في الإدلاء بها.
لذلك كانت السرية ركنًا أساسيًا في تقدم مهنة الطب، وإحراز نجاح في العلاج، وعلى الطبيب أن يحرص عليها، وتكون أساس علاقته مع مريضه لبناء ثقة متبادلة بين الطرفين، حتى يفضي المريض إليه بشكواه، واثقًا من أن كل كلمة، بل كل لفظة هي في قرار مكين.
[ ٨ / ١٢١٢ ]
ولقد تنبه إلى هذه الأهمية كل من اشتغل بالطبابة على مر العصور والأزمنة، فقد ظهر ذلك واضحًا في قسم الأطباء ابتداء من أمحوتب إله الطب المصري كما كانوا يطلقون عليه، حتى قَسَم المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية التي أصدرته عام ١٩٨١م. والذي ينص على أن يحافظ الطبيب على كل ما يصل إليه من أسرار مرضاه ولا يبوح بها.
ورغم هذه الأهمية التي يحتلها موضوع سرية المهنة إلا أن الممارسة العملية لقطاع كبير من الجسم الطبي أثبتت أن موضوع سر المهنة لا يحتل المكانة اللائقة به إضافة إلى عدم دراية العاملين به، ولعل الأسباب ترجع إلى ما يأتي:
١- إن هذا الموضوع لم يلق العناية الكافية من كليات الطب أثناء إعداد الطبيب لممارسة الحياة العملية، وكذلك النقابات المهنية ووزارات الصحة؛ إلا بعد أن يقع الطبيب في المحظور ويجد نفسه أمام القضاء بسبب جهله به.
٢- بسبب عدم الاهتمام والتوعية بهذا الموضوع من الجهات المسؤولة فإن الطبيب يقع في حيرة بين كتمان هذا السر وما يمليه عليه ضميره من اعتقاده، بأن الكتمان مخالف لتعاليم دينه الحنيف خاصة إذا كان هذا السر متعلقًا بجرائم أخلاقية وهنا يقع الطبيب في الخطأ إذا أفشى السر ويقع تحت طائلة القانون.
٣- إن بعضًا من العاملين في الإدارة الصحية ليسوا على إلمام كافٍ بأهمية (سر المهنة الطبية) وبأنها مقننة بصورة قانونية ولا يجوز إصدار ما يخالف القانون، لأن القانون يجب ما دون ذلك.
ونظرًا لأهمية هذا الموضوع فقد بادرت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بعقد ندوة تحت اسم (الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية) ودعت له العديد من الزملاء العاملين في مجال العلوم الطبية والقانونية والفقهية لتأصيل المبدأ من الناحية الشرعية والإسلامية.
[ ٨ / ١٢١٣ ]
ورغم أن المنظمة الإسلامية كانت إحدى المنظمات الإسلامية التي اهتمت بالموضوع وبحثته، إلا أن القوانين المدنية كانت مستشعرة أهمية هذا الموضوع فأدرجته ضمن قانون مزاولة المهن الطبية، ولم تترك الموضوع لمجرد نص يذكر في قسم الطبيب ولا لاجتهاده أو تقدير السلطات الصحية؛ بل حددت الحالات على سبيل الحصر لا المثال التي يجوز الإفشاء فيها، وهي كالآتي: (١)
أ- إذا كان الإفشاء لمصلحة الزوج أو الزوجة ويكون الإفشاء لهما شخصيًا.
ب- إذا كان الإفشاء بقصد منع حدوث جريمة ويكون الإفشاء مقصورًا على الجهة الرسمية المختصة.
جـ- إذا كان الإفشاء بقصد التبليغ عن مرض سار طبقًا للقوانين الصادرة بهذا الخصوص، ويكون الإفشاء في هذه الحالة مقصورًا على الجهات التي تعينها وزارة الصحة.
د- إذا وافق صاحب السر على إفشائه إلى أي جهة أخرى يحددها.
أي أن الإفشاء يقع تحت بندين: الأول لتوقي وقوع ضرر شخصي، والثاني تفادي حدوث ضرر على المجتمع. والقانون عرف السر بالآتي: هو ما وصل إلى علم المنوط بحفظ السر بطريق مباشر أو بطريق غير مباشر عند فحص أوراقه أو استشارته عن طريق أحد زملائه، أو أن يكون الطبيب عضوًا في لجنة لفحص المريض لتقرير حالته.
والقانون لم يفرق بين أي نوع من أنواع الإفشاء، سواء كان ذلك بسوء نية أو حسن نية، فالعقوبة واحدة، سواء كان ذلك الإفشاء بالسلب أو الإيجاب. (٢)
_________________
(١) القانون الكويتي رقم ٢٣ لسنة ١٩٦٠م. المادة ٢٢ والمعدلة بالقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٨١م.
(٢) نقضي فرنسي ١٧ يونيو (حزيران) – ١٩٢٧ (سيري ١٩٢٧ ص ٣٢٤) (بحث الدكتور عبد السلام الترمينيني- مجلة الحقوق والشريعة- العدد الثاني – السنة الخامسة يونيو ١٩٨١م. شعبان – ١٤٠١ هـ، ص ٤١. القانون الكويتي رقم ٢٢ لسنة ١٩٦٠م. الذي ألغي بالمرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٨١م.
[ ٨ / ١٢١٤ ]
ورغم أهمية هذا الموضوع إلا أن معظم العاملين في الجسم الطبي ليس لديهم الإلمام الكافي بهذا الجانب الخطير من المهنة الطبية، وقد ظهر ذلك في كثير من أسئلتهم التي أرسلوها إلى المنظمة والتي تصل يوميًا إليها، والتي تعكس حيرتهم الكبيرة بين استيعابهم لقدسية المهنة وما يخالج ضمائرهم ومحاولة تنصيب أنفسهم مسؤولين عن الأمن أو مصلحين في المجتمع.
إضافة إلى ذلك فإن تنوع الوظائف الطبية التي يقوم بها الطبيب، فرغم أنها كلها تندرج تحت مهنة الطب، إلا أنها تختلف من حيث الأداء والمهام الموكولة إلى كل وظيفة.
ويمكن أن تقسم المهام الطبية إلى الآتي:
١- طبيب معالج ومهمته واضحة في الحصول على الأسرار من مريضه مباشرة أو بإجراء التحاليل اللازمة للتعرف على الكثير من أسرار المريض.
٢- طبيب استشاري وهو مسؤول أعلى، وقد لا يرى المريض، وقد يستشار في الحالة، ولهذا فسيطلع على متعلقات المريض وسيتعرف على أسراره، ويمكن أن يكون هذا الاستشاري رئيسًا لمعامل التحاليل.
٣- طبيب عمل (القومسيونات الطبية أو المجالس الطبية) ومهامه فحص المرشحين للعمل للتأكد من صلاحيتهم للعمل واعتماد الإجازات المرضية، وعند فحصه قد يكتشف مرضًا آخر لا يشكو منه المريض قد لا يؤهله للعمل.
أيضًا في بعض الدول توكل إلى الأطباء العاملين في مثل هذه الوظائف الكشف على حاملي رخص القيادة لمعرفة مدى لياقتهم.
٤- طبيب شركات التأمين ووظيفته هي الكشف على المريض والتأكد من لياقته الصحية طوال فترة التأمين وإعطاء تقرير طبي شامل عن الشخص، هذا التقرير سيتداوله من ليسوا في المهنة، وقد يتعرف على مرض لدى الشخص القادم للتأمين بينما جهة عمله لم تكتشف هذا المرض.
٥- طبيب بحث علمي ووظيفته تقع تحت أمرين: إما أنه يجرب دواء جديدًا على مريض بمرض ما، وذلك حسب الأصول العلمية والمهنية المرعية في ذلك، وهنا مطلوب منه في نهاية البحث نشر ما قد توصل إليه من نتائج إيجابية وسلبية.
[ ٨ / ١٢١٥ ]
أيضًا مثل هؤلاء الأطباء قد تجري في بعض الأحيان أبحاث للتأكد من بعض المواصفات للأدوية، مثل الانطلاق الحيوي للمواد الفعالة من قواعدها، وتجري مثل هذه الأبحاث على أصحاء للتعرف على سير الدواء داخل الجسم وتوزيعه على الأعضاء المختلفة.
أيضًا إمكانية التعرف على خريطة الجسم الصحي من ناحية مستقبل الشخص المرضي نتيجة التعرف على صفات حامض النواويك معاود الالتحام، فسيتعرف الطبيب على المستقبل المرضي للأشخاص فهل يجوز له إخبار الجهات الرسمية بذلك؟.
٦- الطبيب الشرعي، ويقوم بالتعرف على أسباب الوفاة بناء على طلب السلطات المختصة باستخدام الوسائل التحليلية، ويطلب منه تقديم تقرير عن ذلك، وقد يرى في المتوفى عاهة ليست المسببة للوفاة ولكنها قد تؤدي إلى خيط الجريمة.
٧- الطبيب الإداري، ووظيفته العمل في الشؤون المكتبية التي تحتاجها مثل هذه الوظائف وتتدرج ابتداء من مدير المستشفى إلى مديري الإدارات إلى الوكلاء إلى الوزير وبطبيعة وضعهم فإنهم يطلعون على تقارير خاصة بالعاملين سواء أكانوا مرضى أم أصحاء.
والهدف من وضع هذا التصنيف من الوظائف هو تبيان طبيعة عمل كل وظيفة، فبعض هذه الوظائف مطلوب منها تقديم تقارير تفصيلية عن الحالة، مثل أطباء المجالس الطبية وأطباء شركات التأمين والأطباء الشرعيين؛ للتعرف على أسباب الوفاة. فحدود كل منهم مختلفة عن بعضها البعض، فإلى أي مدى يجوز لكل وظيفة إعطاء التفاصيل؟
ومثال على ذلك: شخص ما ذهب إلى إحدى شركات التأمين، فالإجراء المتبع أن يوقع الشخص على إقرار للفحص الطبي الشامل للتأكد من خلوه من الأمراض الخطيرة قبل إبرام وثيقة التأمين فهل يحق لطبيب الشركة أن يكتب تفاصيل عن حالته ويقدمها إلى الجهات المسؤولة؟ أم أنه يكتفي بكتابة: لائق؟
ولذلك فإن كل وظيفة من الوظائف السابقة تحتاج إلى وضع قواعد عامة وثابتة لتحدد المنهج الذي يسير عليه الجسم الطبي.
[ ٨ / ١٢١٦ ]
هذا وقد حدد القانون الفئات المنوطة بحفظ السرية، واعتبر كل العاملين الذين لهم علاقة بالمريض ابتداء بالسجلات الطبية ومرورًا بالهيئة التمريضية والأغذية والصيادلة والعاملين بالمختبرات والأشعة بجميع أنواعها مسؤولين الحفاظ على سرية المعلومات الطبية. (١)
إلا أن التقنية الحديثة وإدخال الحاسب الآلي سوف يؤدي بالتعرف على جميع أسرار المرض بكل سهولة.
أيضًا حدود المشكلة تحتاج إلى دراسة، فهناك الشؤون الإدارية والقانونية والمالية في وزارة الصحة والمستشفيات، فهل يلزمهم القانون بالسرية مثلهم في ذلك مثل بقية المهن الطبية؟ أيضًا موظفو شركات التأمين على الحياة، مشكلة أخرى هي قد يعرض دوسيه شخص ما على أحد مسؤولي الوزارة في مشكلة ما، ويكتشف هذا المسؤول أن صاحب العلاقة مريض بمرض خطير هل من حقه إبلاغ السلطات الأعلى لاتخاذ قرارات ضد هذا الشخص أم لا؟ (٢)
في الاستعراض السابق تحدثت عن موقف القانون المدني فما هو موقف الإسلام:
الإسلام أحرص من بقية التشريعات المدنية على كتم أسرار العباد (فالستار) هو أحد أسماء الله الحسنى، والرسول ﷺ نهى عن خيانة الأمانة فقال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان» بل إن الرسول ﷺ نهى أن يطلع الرجل أسرار بيته على أحد فقال: «إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر أمرهما» وفي السنة في قصة ماعز الذي اعترف بالزنا فأقام النبي ﷺ الحد عليه بالرجم، جاء هزال فقال: أنا أمرته أن يأتي فيعترف، فقال النبي ﷺ: «يا هزال لو سترته بردائك لكان خيرًا» . وروي عن أبي بكر ﵁ أنه قال: لو وجدت شاربًا لأحببت أن يستره الله، ولو وجدت سارقًا لأحببت أن يستره الله) .
في القانون المدني إذا طلب من طبيب الشهادة على سر اؤتمن عليه فإن واجبه ألا يستجيب لذلك إلا إذا حصل على موافقة صاحبه؛ لأن القانون كفل مبدأ سر المهنة، وما بني على خطأ فهو خطأ.
_________________
(١) قوانين مزاولة المهن الطبية (للأطباء والصيادلة والقابلات والممرضات)
(٢) بحث الدكتور عبد السلام الترمينيني –مجلة الحقوق والشريعة، العدد الثاني، السنة الخامسة يونيو ١٩٨١ شعبان ١٤٠١ هـ، ص ٤٤.
[ ٨ / ١٢١٧ ]
فما رأي الشريعة الإسلامية في ظل ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾؟ هل هناك حدود معينة للسرية أم أنها مطلقة؟.
وفي المبدأ الإسلامي درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهناك من يقول: إن الكذب الأبيض مباح خاصة في العلاقات الزوجية لضمان استمرارها. ولكن الإمام الغزالي قال: ليس كل مفسدة تترتب على الصدق يستباح بها الكذب، وليس كل مصلحة محمودة تتوقف على الكذب تبيحه؛ فإنه ما من كاذب إلا ويرى أن في كذبه مصلحة له أو درء مفسدة عنه أو عن غيره، والنبي ﷺ أخرج كلامه مخرج الحصر عندما قال: «إن الكذب لا يحل إلا في ثلاث» «المجالس أمانة إلا ثلاثة: مجلس سفك دم حرام أو فرج حرام أو اقتطاع مال بغير حق» فتح الباري بشرح صحيح البخاري.
أيضًا العلماء استثنوا من الغيبة أمورًا ستة، قالوا: إنها جائزة، أخذًا من نصوص أخرى أو من قواعد شرعية، فإذا جاء من يستنصحني في أن يزوج ابنته لفلان قد أقول له: لا تزوجه إذا لم يكن صالحًا، إذا جاء من يريد أن يتاجر مع فلان أقول له: لا تتاجر معه؛ لأنه غير صالح أو غير قادر على أن يتعامل في مجال التجارة، فالنصوص في الشريعة الإسلامية يجب أن تؤخذ ككل، فكما أن هناك نصوصًا قدسية للتحريم هناك نصوص قدسية للاستثناء. (١)
قال ابن حجر الهيتمي: الكذب قد يباح وقد يجب، والضابط كما في الإحياء أن كل مقصود محمود لا يمكن التوصل إليه إلا بالكذب فهو مباح وإن كان واجبًا وجب، كما لو رأى معصومًا اختفى من ظالم يريد قتله أو إيذاءه فالكذب هنا واجب، أو سأل ظالم عن وديعة يريد أخذها فيجب الإنكار، وإن كذب، بل إن استحلفه لزمه الحلف ويوري وإلا ضمن ولزمته الكفارة، ولو سأل سلطان عن فاحشة وقعت منه سرًا كزنى أو شرب خمر فله أن يكذب ويقول: ما فعلت، وله أن ينكر سر أخيه. ثم قال: ينبغي أن يقابل مفسدة الكذب بالمفسدة المترتبة على الصدق، فإن كانت مفسدة الصدق أشد فله الكذب، وإن كان العكس حرم الكذب. (٢)
_________________
(١) بحث الدكتور عمر سليمان الأشقر في ندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية عام ١٤٠٧ هـ الموافق ١٩٨٧م، ص ٦٣.
(٢) بحث الدكتور محمد سليمان الأشقر في ندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية عام ١٤٠٧ هـ الموافق ١٩٨٧م، ص ٩١
[ ٨ / ١٢١٨ ]
ثم استشهد لصحة ذلك بحديث الترخيص بالكذب في الحرب وفي الصلح بين الناس وفي حديث الرجل لزوجته ليرضيها. (١)
الحديث طويل وطويل في هذا المجال، والأبحاث الطبية والفقيهة والمناقشات التي دارت في الندوة بين أيدي حضراتكم للاطلاع عليها وإبداء ما ترونه من آراء إضافة إلى ما تحتويه من أفكار.
وعموما فإن الندوة خرجت بأن الأصل هو الكتمان وعدم الإفشاء، والبحث يجب أن يكون في الاستثناء.
أيضًا يجب توضيح مفهوم المصلحة العامة والمصلحة الخاصة وحدود كل منهما.
والله أسأل أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه.
الدكتور أحمد رجائي الجندي
_________________
(١) الزواجر لابن حجر الهيتمي ٢/١٨٦ – القاهرة – مصطفى الحلبي ١٣٧٠ هـ.
[ ٨ / ١٢١٩ ]
المبادئ الشرعية للتطبيب والعلاج
من فقه الطبيب وأخلاقيات الطب
مدى شرعية التحكم في معطيات الوراثة
إعداد
الدكتور عبد الستار أبو غدة
عضو المجمع
بسم الله الرحمن الرحيم
(١)
المبادئ الشرعية
للتطبيب والعلاج
تمهيد:
إن الغرض من الطب، كما دل عليه الاستقراء، أحد أمرين هما: حفظ الصحة، وإزالة المرض.. والعلاج الناجع في الحالين بسلوك الوسيلة المناسبة، وقديمًا قالوا: حفظ الصحة يكون بمثلها، وإزالة المرض يكون بعكسه. ومفاد هذه المقولة أن الصحة لا تدوم إلا بالاستمرار في سلوك المناهج القويمة الملائمة للطبيعة غير المنافرة للفطرة، والمرض لا يزول إلا بمقاومته بالأسباب المضادة له؛ لأنها يغلب فيها مخالفة ما يعتاده الإنسان حال الصحة والسلامة
والمراد مما تقدم أن هذين الأمرين (حفظ الصحة وإزالة المرض) يتطلبان الأخذ بكثير من الوسائل الطارئة على مألوف الإنسان، وتطبيق جملة من المبادئ التي يتحقق بمراعاتها استدامة الصحة واتقاء المرض أو درؤه بعد الوقوع.
على أن الصحة والمرض ليسا من خصائص الأجسام العضوية وحدها، بل هما مما يطرأ على النفوس والأرواح أيضًا، انطلاقًا من أن الإنسان ليس جثة ناطقة فحسب، بل هو نفس عاقلة. والتشريع الإلهي يربأ بالإنسان أن تنحصر همته في استدامة الحياة للحواس والأعضاء ولو كان صاحبها (ميت الأحياء) ذلك أن من وراء الضرر المادي: أضرارًا تلحق بالدين باعتباره وضعًا إلهيًا ينظم محتواها بالغايات الرفيعة، أو تعتري النفس العاقلة السوية التي يفلح من زكاها ويخيب من دساها، أو تخل بالتعايش الاجتماعي بين الإنسان وأخيه من بني آدم الذين كرمهم الله وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلًا.
[ ٨ / ١٢٢٠ ]
ورعاية هذه الأسس استوجبت إرساء الشريعة العديد من المبادئ التي تتناول بالإضافة إلى مشروعية التطبيب والعلاج، تنظيم إجراءاته وملابساته ورسم السبل المثلى لتصرفات الطبيب المداوي، والمريض الشاكي، لتحقيق الهدف من خلال الوسائل السليمة ضمن إطار التعاليم الإسلامية، وهذه أبرز معالم الطب الإسلامي، كيلا يكون دفع الضرر عشوائيًا، على نمط الاستجارة من الرمضاء اللافحة بالنار الحارقة.. ولا يخفى أن إضفاء المشروعية على أصل فكرة التطبيب والعلاج لا يستلزم إطلاق العنان لمتطلبات ذلك؛ لأن الشريعة الإسلامية كما اهتمت بالمقاصد والأهداف جاءت بتنظيم الوسائل والأسباب، فإن اختيار الوسيلة السليمة من شأنه تمام الغرض واكتمال الثمرة. وذلك للوصول إلى ما ترجح فيه المصالح على المضار، فإن المصالح المحضة نادرة جدًا كما قرر المعنيون بالاستنباط من علماء الشريعة، ولذا اكتفي برجحان المصالح في أمر على ما يكتنفه من مضار، كما روعي أثر الوسائل في زوال المصلحة، بأن يؤول إلى أن ما يستهدف بها من منافع يصير كالمضار الخالصة أو أشد.
ولا يختلف المراد بكلمة (مبادئ) هنا عن مقتضى الاستعمال في مختلف العلوم ولا سيما الاستعمال الحقوقي الأقرب في الطبيعة إلى الفقه واستعمالاته.. إلا أن كلمة (مبدأ Principal) يؤثر عليها علماء الشريعة كلمة (قاعدة) فهي المتداولة للدلالة على المعنى نفسه فيما يشمل معظم القضايا الجزئية في موضع ما، ويحمل الطابع الكلي في الصياغة، وهي ثمرة صياغة جماعية تعاقب عليها التطوير والصقل، واكتسبت مزايا التقعيد والدقة والإحكام. وهي لما تتسم به من الإيجاز والسعة تشبه جوامع الكلم، بالرغم من أسلوبها العلمي المفتقر إلى المقومات الأدبية.
على أن هذه المبادئ أو القواعد ليست دائمًا مطردة، بل هي في بعض الأحيان أغلبية، لا تنفك عن استثناء محدد من شأنه عصمة القاعدة من الاضطراب والتردد..
وينبئ عن أهمية هذه القواعد اعتبار العلامة القرافي إياها من قبيل أصول الشريعة، حيث قسم تلك الأصول إلى (أصول الفقه) أي العلم المعروف، وإلى (القواعد الكلية الفقهية)، وبين أن الإحاطة بهذه القواعد توضح مناهج التعرف إلى الأحكام وتغني عن حفظ جزئيات لا حصر لها.
[ ٨ / ١٢٢١ ]
وإذا كانت للمبادئ أو القواعد هذه الفائدة الفنية للمختصين في الفقه، فإن من فوائدها لغيرهم كالطبيب وأمثاله، تكوين الإلمام السريع بجوانب الموضوعات التي تنظمها تلك القواعد –أو المبادئ- وتيسير التعرف إلى الأحكام الشرعية التي يحتاجون إليها في مجال الممارسة من خلال منهج وسط، لا هو مسلك الاستنباط المستوعر على غير من له ملكة فقهية وأهلية اختصاصية تتيح له الاستقلال في النظر وبذل الجهد الفكري، ولا هو المنهج البدائي لتلقي الأحكام المنثورة من غير أن ينتظمها أصل تنضوي تحته، وهو منهج لا يغني سالكه عن دوام التلقي الحرفي واستمرار الحاجة للتلقين..
إن هذه المبادئ وإن كانت لها تطبيقاتها العامة في شتى المجالات، يعتبر التطبيق الدقيق والاستثمار الخطير لها متمثلًا في مجال التطبيب والعلاج، لخطورة آثار التسويغ أو المنع من حيث صلتها بمقصد من مقاصد التشريع هو (حفظ النفس البشرية وسلامتها)، وهو في عداد (الضروريات) المعتبرة من أهم مقاصد التشريع الإسلامية.
وإن كانت سلامة التطبيق لا تتاح في الميدان النظري، بل تفتقر إلى من يملأ ثغرات التصوير الصحيح، ويرجح أقوى الاحتمالات الدائرة في كل أمر من الأمور قبل اللجوء إلى عنصر التجربة أو مقتضى المقولات المحتكم إليها في كل اختصاص.
لذا فإن من أهداف هذا البحث –وأمثاله- زيادة الوشائج التي تصل بين الفقه والطب، وتسهل تناول الفقه المحتاج إليه للأطباء خاصة أو غالبًا، إذ لا بد أن توضع بين أيديهم –بالإضافة إلى البيانات المباشرة لبعض التصرفات- المبادئ (القواعد والضوابط) التي هي النبع الثري للتطبيقات، وبها يسهل لهم أيضًا أن يولوا الأهمية للعناصر المؤثرة في وضع التصورات الصحيحة التي لا يقدر طرف واحد على تولي الفصل فيها، وبمثل هذا التعاون يتحقق الوصول إلى معالم الطب الإسلامي ذي الخصائص المميزة له كعلاج للروح والبدن معًا، ومظهر من مظاهر العدل والإحسان والتعاون على البر والتقوى.
لقد اشتملت الشريعة الإسلامية (وما صدقته من سابق الشرائع السماوية) على مبادئ وقواعد تنبري أحيانًا للحض على اجتلاب المصالح، وتنهض أحيانًا لدرء المفسدة واجتناب المضار، فإذا كان الضرر عصيا عن الإزالة إلا مع أثر يخلفه أجريت الموازنة بين الضررين للركون إلى أخفهما.. وفي ثنايا هذا المبدأ جملة من القواعد الدقيقة التي تفرز الأضرار بحسب متعلقاتها من الضروريات والحاجيات وبحسب درجتها من الخصوص والعموم..
[ ٨ / ١٢٢٢ ]
هذا عن إزالة المرض، أما حفظ الصحة فإن أهم المبادئ المعول عليها لتحقيقه قاعدة تحريم المضار ووجوب التحرز منها قبل الوقوع في أخطارها، وسلوك الطرق الوقائية، وعدم الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة.. وإلى جانب هذين المبدأين هناك قواعد أخرى كثيرة، منها الحض على النفع، والتعاون، وبذل المعروف، وكرامة النفس الإنسانية، ورعاية المقاصد الأساسية من حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وهي أساس للتطبيب والعلاج بشتى أنواعه، كما هي أساس التكييف الشرعي لإجراءات الطب الاستعاضي الذي يقوم على هذه المبادئ، مضافًا إليها بعض المبادئ الأخلاقية كالإيثار، دون تجاوز حدود الله وحقوقه.
ولو ذهبنا نستعرض جميع المبادئ المتصلة بالموضوع مع الشرح المفصل والتطبيقات الموضحة، لخرجنا عن نطاق المجال المرسوم لمثل هذه الأبحاث. لكن الحرص على مطابقة المقال لمقتضى الحال هو الذي يحدونا للاجتزاء بالقدر المحقق للأغراض الخاصة المنوه بها فيما سبق من بيان. ولذلك كان المناسب استقطاب المبادئ الأساسية بالصورة التي يبرز فيها الموضوع والقصد منها، بدلًا من الألفاظ والعبارات، ويستتبع ذلك الإغضاء عن التغاير الذي مرده الترادف أو التشابه في صياغة المبدأ أحيانًا..
[ ٨ / ١٢٢٣ ]
مبادئ المصلحة
إن التيسير من خصائص التشريع الإسلامي العامة، وقد تواردت على إثبات هذه الخصيصة كثير من نصوص القرآن والسنة منها قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] .
ومن الأحاديث قوله ﷺ: «إن هذا الدين يسر» أخرجه البخاري: وقوله: «يسروا ولا تعسروا» .
والتيسير ليس شعارًا معنويًا، بل هو مرتكز لكثير من القضايا التي لم يرد نص بشأنها، ولا ورد بشأن ما هو قريب منها مشابه له ليقاس عليه؛ لذا ظهر هذا المبدأ بصورة تشريعية عامة.
(الأصل في المنافع الإباحة):
ومعنى هذا المبدأ أن الإباحة هي الأصل فيما فيه نفع للناس، مما لم يتناوله نص أو يكون مقيسًا على منصوص –إلا أن هذا فيما تمحض من الأشياء منفعة خالصة، والشأن في هذه الزمرة أنها تدرك من النصوص أو من سكوت الشارع، وهي مرتبة، سماها بعضهم (مرتبة العفو) اشتقاقًا من قوله ﷺ: «ما سكت عنه فهو مما عفا لكم» أخرجه البزار بسند صالح كما قال ابن حجر، وفي رواية: «وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها» . ومن الأدلة المشهورة لهذا المبدأ قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] . والهدف من هذا المبدأ: الإقدام على ما تحققت فيه صفة المنفعة ولم يرد بشأنه منع، واطمئنان القلب إلى إباحته وانتفاء الإثم عن الانتفاع به.
[ ٨ / ١٢٢٤ ]
(الأصل في المضار التحريم):
والمضرة بعمومها تشمل ما كان شدة في البدن، ويفيد هذا المبدأ أن المضار مما طلبت الشريعة طلبًا جازمًا الكف عن فعلها، ولم يرد فيها نص يخصها. وأن ما سلف من مستندات للمبدأ السابق تتناول من طرف خفي هذا المبدأ، فضلًا عن اقتضائه بالعقل السليم المجرد عن الشوائب.
على أن هذين المبدأين (أصالة إباحة المنافع – وأصالة تحريم المضار) رغم استمدادهما الشرعي لا يرقيان إلى معارضة الأدلة والقواعد الشرعية العامة؛ ما كان منها خاصًا في الموطن المخصوص، أو عامًا يتناول جميع أفراده.. وفضلًا عن ذلك لا بد من التزام التوصيف الدقيق للضرر والنفع بأن يتولى الشارع نفسه بيان ذلك، فيكون حكمه هو الفصل، أو تراعى قواعد المصالح والمفاسد القائمة على استهداف ما كان النفع أو الضر فيه خالصًا، أو هو الغالب الراجح، ولا عبرة بالنفع المغمور المغلوب في جنب الضرر الغالب، كما لا عبرة بالطارئ المؤقت في إزاء الثابت. وتأمل هذه الأشياء والنظائر ينمي مقدرة البت في المسكوت عنه مما المآل فيه إلى الاستنباط الدقيق، وسؤال أهل الذكر أهل الاختصاص كل منهم في مجال خبرته.
قال العلامة القرافي: إن الموجودات في هذا العالم قسمان: الأول حرام لصفته، وهو ما اشتمل على مفسدة تناسب التحريم (أو الكراهة) والثاني مباح لصفته، وهو ما اشتمل على مصلحة، أو كان ليس فيه مفسدة ولا مصلحة، وهو قليل، فلا يكاد يوجد شيء إلا فيه مصلحة أو مفسدة.
تجنب المضار وإزالتها
مقتضى المبدأ السابق أن المضار متناولة بالموقف العام للمنع، تحت طائلة الإثم والعقاب، سواء كان الضرر بالمبادرة أم على سبيل الانعكاس، وقد تجلى ذلك بإحدى جوامع كلمه ﷺ وهي قوله: «لا ضرر ولا ضرار»؛ و(الضرر) حصول الأذى أو المفسدة ابتداء، و(الضرار) حصوله على سبيل الجزاء ورد الفعل. وقد استمد من هذا الحديث، في ظل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أكثر من مبدأ شرعي، وهي إذا روعيت مجتمعة كانت نبراسًا في الممارسة الصحيحة لإجراءات التطبيب والعلاج لتوفير الطمأنينة من الإثم الذي يحيك في النفس، ولتحاشي المسؤولية وموجبات الضمان إذا لم تستخدم موازين العدل.
وتشتمل هذه القاعدة على جملة من المبادئ مكونة من نوعين: وقائي وعلاجي.
[ ٨ / ١٢٢٥ ]
الجانب الوقائي
الحفاظ على الفطرة السليمة
شرع الله ﷿ مبدأ الحفاظ على الفطرة الإنسانية باعتبارها ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وهي الحالة الأصلية المستحقة للبقاء بعيدًا عن التغيير المعنوي أو المادي (كل مولود يولد على الفطرة)، ووسيلة تحقيق هذا الهدف إرساء المبادئ وتعزيزها بالتطبيقات العديدة، ومما يكفي هنا الإشارة إلى أنها جاءت متنوعة:
(الضرر يدفع بقدر الإمكان):
والدفع هو الحيلولة دون الوقوع، باتخاذ الإجراءات والاحتياطات الكفيلة بالوقاية منه، سواء كانت سلبية بالامتناع من أفعال مؤدية للضرر، أو إيجابية بالأخذ بما يعصم منه، ومفاد هذا أن الضرر لا يتريث فيه حتى يقع؛ بل يبذل كل ما أمكن لدفعه.
كما أن دفع الضرر إن لم يمكن كلية يدفع المقدار الممكن منه، فليس هناك تلازم بين الدفع والاستئصال، بل إن التخفيف للمقدار الموشك وقوعه يحظى بالاهتمام الشرعي نفسه إذا تعذر تفادي جميعه. هذا المبدأ بشقيه (دفع الضرر – ولو الممكن منه) هو المظلة الفنية للمثلين المتداولين: (الوقاية خير من العلاج) و(ما لا يدرك كله لا يترك بعضه) .
[ ٨ / ١٢٢٦ ]
الجانب العلاجي
العودة إلى الفطرة الأصلية
إذا حل الضرر، في غيبة الضمانات المقامة سدودًا دون وقوعه، فإن الإجراء المطلوب حينئذ إيجابي فعال من شأنه تصحيح ما نزل من انحراف عن الطبيعة برفع الضرر وإزالته، وهو مفاد المبدأ القائل:
(الضرر يزال):
أي الشأن فيه أن ينحى عمن أصابه، ولا يعتبر حصوله وضعًا طبيعيًا وأمرًا واقعًا مهما تقادم أو تضاعف أثره، ولا ذريعة للمتواكلين المدعين الركون للمقادير، وهي كما تجري بما لا يعرفه الإنسان إلا بعد حصوله، فإن بقاءها كذلك لا يحكم له باللزوم والثبات إلا بعد المحاولة والأخذ بالأسباب، وإذا كان المرض (أو الضرر عامة) أمرا مقدورًا فإن الشفاء والمعاناة هو من قدر الله، وبذلك أجاب عمر ﵁ من تردد في تجنب البيئة الموبوءة: نفر من قدر الله إلى قدر الله.
وتعبيرًا عن بقاء (الضرر) دخيلًا جاء المبدأ القائل:
(الضرر لا يكون قديمًا) أي: لا يحظى بحصانة ولا يكتسب استيطانًا مهما تطاول زمانه؛ بل يظل مزلزل الأركان، مضطرب الجنان، يهدده نداء الرحيل؛ لأنه (لا تبديل لفطرة الله) .
وللمبدأ الأساسي (إزالة الضرر) هالة تحف به من المبادئ التي يتم بها تنظير كامل له يتناول في آن واحد رسم الوسائل وتحديد المقاصد، منها:
(الضرر لا يزال بمثله) وبعبارة أخرى تقدم البديل: (الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف) وأسلوب آخر:
(يختار أهون الشرين)، وتحديد الشرية والخيرية ليس بالهوى بل ضابطه:
(إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما) والتحديد:
(يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام)، وبكلمة جامعة: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) .
وهذه المبادئ الغنية عن التطويل بشرحها توحي بالخطوات التي ينبغي سلوكها في مجال التطبيب والعلاج؛ بأن لا يطغى خوف الخطر الماثل في الداء على استشعار الخطر الكامن في الدواء، إذا كانت كفة هذا راجحة على ذلك.
والمحظورات، على ما في بعضها من ملاذ أو أرباح موقوتة أو فردية، جديرة بالمنع، ولو أهدرت به المصالح الجزئية، ومن هنا نشأ حكم الشريعة (وما وافق منهجها) بالحجر على الطبيب الجاهل بأصول الصنعة، والحيلولة بينه وبين فوائد المزاولة النافعة له شخصيًا، لما في ذلك من حفظ المصالح العامة ودرء المفاسد المتوقعة.
وهو كذلك مناط الفصل في مسائل العلاج بوسائل هي في الأصل محرمة، أو التداوي ببعض المحرمات إذا تعين ذلك سبيلًا لإزالة الضرر.
[ ٨ / ١٢٢٧ ]
رفع الحرج ومراعاة الضرورة
: إن رفع الحرج عن المكلفين من المقاصد الأساسية للتشريع الإسلامي عامة، وله هنا مظاهره الخاصة الكثيرة التي يتعاقب أثرها لتحقيق سمو الشريعة عن أن يكون طابعها الجمود على نمط واحد من التكليف، تأسيسًا على أن تلك التكاليف نصبها الشارع الحكيم، بالنسبة للأفراد، لمقصد عام هو: (إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبد لله اضطرارًا)، وإن المقصد بالنسبة للمجموع هو (إقامة المصالح الدنيوية والأخروية على وجه كلي)، فهناك نظام كافل للسعادة في الدنيا والآخرة لمن تمسك به، ومطلوب من كل فرد أن ينضوي تحت هذا النظام وينقاد له، لا لهواه.
ولهذا جرت الشريعة الإسلامية في التكليف على الطريق الوسط الأعدل الداخل تحت طاقة الإنسان، من غير مشقة عليه، ولا انحلال لربقة عبوديته لله، وجاءت تكاليفها لتحقيق توازن ينشد غاية الاعتدال في جميع المكلفين.. فإن آل الأمر للميل إلى جهة التشديد بسبب واقع خاص، أو حال متوقعة، عالجت الشريعة ذلك بالرخص الشرعية الدائمة، أو مراعاة ظروف الضرورة الطارئة، ليظل المكلف في جميع أحواله ملتزمًا بما نصبه الله من معالم دينه التي لا تغادر صغيرة أو كبيرة من شؤون الحياة إلا وضعت لها أصلًا يرجع إليه، ومعقلًا يلجأ إليه. وهذا غاية الإحسان والإنعام من الله.
والضرورة التي اشتملت الشريعة على كثير من المبادئ لمراعاة ظروفها هي كل ما فيه مشقة بالغة وحرج، وهي الحالة التي تلجئ الإنسان إلى فعل الممنوع عنه شرعًا، أو هي الحالة التي يصير بها الإنسان معرضًا للتلف إن لم يقدم على الممنوع.
ولما كان من خصائص الشريعة الإسلامية رفع الحرج ودفع المشقة، سواء كانت المشقة من النوع غير المقصود للشارع أصلًا، وهي المشقة غير المعتادة، أم من النوع الذي لا يخلو عنه أصل التكليف، لأنها في بعض الظروف تتحول إلى منزلة المشقة غير المعتادة، وهذا التحول ليس واقعًا على طبيعتها، بل هو بحصول سبب اقتضاه. قال القرافي: كل ما حرم لصفته لا يباح إلا بسببه، وهو الاضطرار وفي التعليل الدقيق لإباحة المحظور هنا يقول العز بن عبد السلام: الضرورات مناسبة لإباحة المحظورات جلبًا لمصالحها أي للمصلحة المغلوبة بمفسدة راجحة، بناء على أن معظم الأمور تشتمل على مصالح ومفاسد، والعبرة بالراجح منها، ففي حال الضرورة يستفاد من تلك المصلحة النادرة التي أهدر أمرها في الأحوال الطبيعية.
[ ٨ / ١٢٢٨ ]
وقد صاغ علماء الشريعة هذا المبدأ بجملة من القواعد المشهورة المتداولة بين المختصين، بل بين غيرهم من طبقات الناس على حد سواء مع شيء من التحريف أو إغفال القيود الواجب مراعاتها.
وقطب الرحى لتلك القواعد هو قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقول الرسول ﷺ: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، وقوله فيما أجاب به قومًا سألوه عن أكل الميتة في المخمصة: «فشأنكم بها»، وها هي نبذة عن تلك القواعد بتوضيح يسهل استثمارها على الوجه السليم:
(المشقة تجلب التيسير):
في هذا المبدأ وصف للحال المعهودة من الشريعة الإسلامية السمحة مما تقدمت الإشارة إليه من استهداف التوازن وإعطاء كل ظرف ما يناسبه، وزيادة عما سبق عن الضرورة من بيان توضيح فإن المراد بالمشقة الجالبة لليسر: المشقة التي تجاوز حدود المعتاد، لأن التكليف لا يخلو عن المعتاد منها فهو إلزام ما فيه كلفة، ولو شمل التخفيف جميع التكاليف لكان –كما قال الإمام الشاطبي - نقضًا لما وضعت الشريعة له من إخراج المكلف عن داعية هواه. وضرب من الأمثلة على تسويغ ذلك طلب المعاش بالاحتراف وسائر الصنائع، فإنه مع اعتياده لا يزيل ما فيه من الكلفة.. وأحوال الإنسان كلها كلفة في هذه الدار في أكله وشربه وسائر تصرفاته، ولكن جعل الله له قدرة عليها بحيث تكون تلك التصرفات تحت قهره، لا أن يكون تحت قهرها.
وفي نحو هذا المبدأ الوصفي جاءت قاعدة أخرى مؤكدة هي:
(الأمر إذا ضاق اتسع):
على أن ثمرة الخاصة التشريعية المعبر عنها بالمبدأين السالفين جاءت في مبدأ مشهور متداول هو:
(الضرورات تبيح المحظورات):
وقد سبق بيان استمداد هذا المبدأ، وهو ذو غزارة في التطبيقات، وأبرزها يتصل بقضايا التطبيب والعلاج، فإن ممارسة أي من الإجراءات المندرجة فيهما هي في الأصل محظورة ومعتبرة جناية على النفس الإنسانية أو جزء منها، أو تسببًا في إتلافها ولحاق الضرر بها لولا عامل الضرورة الذي تسوغ معه تلك التصرفات وتغدو من باب أداء الواجب أو الفعل المأذون به. ولا مجال لسرد التطبيقات الخاصة بدءًا من إباحة النظر واللمس للعورة عند الاقتضاء، وانتهاء بأعمال المبضع في البدن دون أن ينشأ عنه قصاص أو ضمان.
[ ٨ / ١٢٢٩ ]
وإلى جانب المبدأ المراعي لحال الضرورة التي تستلزم التعرض للتلف أو وقوع الخطر، هناك مبدأ يعطي الأثر نفسه لحال (الحاجة) وهي ما ينشأ عنها عسر وصعوبة في الظروف الجماعية الشاملة للأمة أو الخاصة بطائفة أو مجموعة خاصة، لا للأفراد، فيكون (عموم الظرف) في (الحاجة) مدعاة لإحلالها منزلة الضرورة التي يطبق مبدؤها ولو كانت فردية. وهذا المبدأ هو:
(الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة):
والمبادئ المتناولة لأثر الضرورة والحاجة العامة للأمة، أو الخاصة بمجموعة من فئاتها، محاطة بالضمانات الكافية للحيلولة دون اتخاذ ذلك ذريعة للخروج عن دائرة التكليف، وإلغاء الالتزام بأحكام الشريعة على نطاق زائد عن مقتضى الضرورة أو الحاجة، وللتعبير عن أهم تلك الضمانات جاءت المبادئ التالية:
(الضرورات تقدر بقدرها):
فيباح بالضرورة القدر الذي يدفع الخطر، من غير بغي ولا عدوان، وتطبيق هذا المبدأ سار في تصرفات التطبيب، فلا يتجاوز المقادير المجزئة إلى غيرها، سواء من جهة أصل الفعل الاضطراري، أو من جهة توقيته واستمراره:
(ما جاز لعذر بطل بزواله):
أو بصياغة أخرى لفكرة المبدأ هي:
(إذا زال المانع عاد الممنوع):
وهو كما ينظم بقاء المسوغ الاضطراري من حيث الزمن يؤكد الربط بفقدان البديل السائغ ووجوده.
[ ٨ / ١٢٣٠ ]
هذا، وإن مبادئ مراعاة الضرورة هي المظلة الشرعية لكثير من قضايا التطبيب والعلاج، ليس للأفعال وحدها، بل للأشياء المحتاج إليها لإزالة الحالة المرضية التي تتحقق فيها شروط الاضطرار، كالتداوي ببعض المحرمات عند تعين الاستشفاء بها وعدم وجود دواء طاهر حلال يؤدي الغرض، حسب إخبار الطبيب المسلم الثقة في تدينه وخبرته، وذلك إذا لم يسعف تطبيق مبادئ المطهرات التي منها: انقلاب العين الأصلية واستحالة المادة إلى خصائص مادة أخرى. فحينئذ تسوق الضرورة إلى استعمال بعض المواد في العلاج والمداواة، ولو كان محكومًا –في الأحوال الطبيعية- بتحريمها للنجاسة أو لسبب آخر من أسباب الحظر، دون أن ينشأ عن ذلك المساس بمقصد أساسي من مقاصد التشريع. فيباح بالضرورة –عند الفقهاء- التداوي بالمقدار الذي لا يسكر؛ أما المقدار الذي يسكر فتحريمه موضع اتفاق ولو للدواء، لأنه كما يقول الإمام الشافعي، ومذهبه هو الأرحب في هذه المسألة: يمنع من أداء الفرائض ويؤدي إلى فعل المحرمات. ومستند اتفاق الفقهاء على تحريم التداوي بما يسكر هو قول النبي ﷺ عن الخمر مخاطبًا من كان يصفها للدواء: «إنها ليست بدواء» أما المشمول بحكم الضرورة فهو المقدار الذي لا يسكر، والمعروف أن ما يستعمل في الأدوية من المواد القابلة للإسكار هي مقادير قليلة وفي أوقات متباعدة، ومع هذا يحسن بالمسلم الخروج من مواطن الخلاف، والحرص على الالتزام بالجادة في أمور الدين، ومثل هذا الموقف إذا اتخذ طابعًا جماعيًا يجعل المعنيين بصناعة الدواء يذعنون لمراعاته تحت وطأة المصالح الاقتصادية، بعد أن أهدروا مصلحة الدين وحفظ العقل.
وقبل مغادرة الكلام عن هذا المبدأ الهام لا بد من الإشارة إلى إشكال قديم أثير بشأن اعتبار (المرض) حالة ضرورة مسوغة للمحظور على قدم المساواة مع حال (المخمصة) من حيث إن هذه إن لم يتناول فيها الغذاء المحظور أدى ذلك الامتناع إلى التلف يقينًا، لما سن الله من السنن الكونية بزوال الجوع عند تناول الغذاء، أما الدواء المتناول فقد يحصل معه الشفاء أو لا يحصل، فانتفى عنصر اليقين. وقد جاء جواب هذا الإشكال على لسان الإمام السرخسي بأن ما لا طريق إلى معرفته حقيقة ويقينًا يكتفى فيه بغالب الظن. ولا شك أن الظن يقوى بما بلغته طرق التشخيص والعلاج من شأن رفيع، بسبب التطور الزمني واكتشاف كثير من الوسائل الآخذة من اليقين بحظ كبير، بدءًا بالمجهر، ومرورًا بالتخطيط والأشعة، إلى ما يكشف عنه العلم من جديد كل يوم.
[ ٨ / ١٢٣١ ]
حق الغير وإذنه فيه
إن من المبادئ المنظمة مبدأ (الحق)، لا سيما إن كان للعباد أو في ملكهم، وهو شديد الصلة بمبدأ (الإذن)، وكل من الحق والإذن إما أن يرجع إلى الشارع (حق الله) و(الإذن الشرعي) أو إلى الإنسان (حق العبد) و(إذن المالك)، وإن للحقوق تقسيمات وأنواعًا ليس من المناسب التوسع فيها بمجال كهذا، لا سيما أنها موضوع مشترك بين المعاملات المالية والتصرفات الجنائية، وإن ذلك يجر إلى الكلام عن (المسؤولية)، وهو جانب عولج على حدة لاتصاله بأمور أخرى غير الحق والإذن، كالقصد وطبيعة الفعل والخبرة.
على أن من المفيد لتنويع المبادئ المنوه بها الإشارة إلى أن منها:
(لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذن):
وبدن الإنسان ملك لله ﷿، وفيه مع ذلك حق للعبد نفسه، فهو مما يجتمع فيه الحقان (حق الله وحق العبد)، وهذا من حكمة التشريع، فهذا الاجتماع للحقين مما يستظهر به على صيانة محل الحق، بدلًا من سهولة سقوطه أو إسقاطه ما لم يتوافر اجتماع إذن الشارع مع إذن المالك. وإذن الشارع منه المنصوص عليه في صورة أحكام شرعية، ومنه المنوط بالولاية العامة التي تقول قاعدتها:
(التصرف على الرعية منوط بالمصلحة):
على أن إذن الشارع سواء كان بالأحكام المنصوصة أو القواعد العامة هو المرجع في حال القصور أو العجز عن إصدار الإذن ممن كان الأصل أن يملكه، ولهذا كان إلى جانب الولاية العامة: الولاية الخاصة والوصاية والقوامة.
أما إذن المالك فهو بإطلاق التصرف ابتداء أو إجازته بعد وقوعه.
وما يتصل بهذا المبدأ ما أبداه العلامة القرافي من فرق في الأثر بين الإذن من صاحب الشرع (وهو في الغالب عام) وبين الإذن من قبل المالك (وهو من الإذن الخاص) بأن إذن المالك يسقط الضمان، أما إذن الشارع فالأصل فيه إسقاط التبعة الأخروية والعقوبة، دون الضمان (المسؤولية المدنية) وهذا تفضل من الله على عباده حيث جعل ما هو حق لهم لا يصح الإبراء فيه إلا برضاهم وإسقاطهم ضمانه. هذا الفرق تدل عليه القاعدة العامة:
[ ٨ / ١٢٣٢ ]
(الاضطرار لا يبطل حق الغير):
وهو مطرد حيث يكون هناك قيود للإذن الشرعي، أما إذا كان الإذن من صاحب الشرع –أي الجواز – مطلقًا عن أي قيد (ومثاله مما هنا الإجراء الطبي حسب المعتاد، إذا أدى لتلف غير مقدور على التحرز منه) فإن المبدأ المستحق التطبيق هنا أن:
الجواز الشرعي ينافي الضمان:
وهو كما حققه الشراح لهذه القاعدة: الجواز الشرعي المطلق عن أي قيد (عدا عدم التقصير والتعدي)، ومثاله: أن يكون التصرف الطبي لم تلحظ فيه القيود الشرعية العامة؛ كحفظ حق الغير (بحصول الإذن) أو التحرز من مضاعفات يمكن التوقي منها، لأن تجويز الشرع لهذه التصرفات مقيد بشرط السلامة فيما يمكن التحرز عنه.
ومن تمام القول في الحق والإذن تصريح العلماء كالعز بن عبد السلام والقرافي أن ما هو حق خالص لله تعالى، أو فيه حق له وحق للعباد، لا يتمكن العباد من إسقاط حق الله في الحالتين، بل ذلك يرجع إلى صاحب الشرع. وينوب عن إذن المالك إذن غيره من الأولياء، ومنهم أولو الأمر، في حال الاضطرار إذا ما فقد صاحب الحق مقدرة التصرف المعتبر.
[ ٨ / ١٢٣٣ ]
التعاون والنفع والإيثار
إن الحض على التعاون والإحسان وفعل الخير مما تواردت عليه آيات القرآن والأحاديث النبوية المعروفة، ونفع الناس من الرغائب المشروعة المحمودة إلا فيما نهى الشارع عنه، والنهي إما لمحظور يتصل بالفعل النافع لضرر ديني عام، أو لأن النفع يقابله ضرر أكبر لباذله، على ما سبق في مبادئ إزالة الضرر ومراعاة الضرورة. فإذا خلا الفعل النافع للغير من ذلك، وكان الضرر الذي يرفع عن الآخرين أشد من الضرر اللاحق بالمقدم على النفع، فهو من الإيثار على النفس ولو لحقها شيء من الخصاصة أو الضرر المحتمل، أو المتوهم.
وهذه المبادئ هي المسوغ الشرعي للتطبيب القائمة على تقديم الدم والأعضاء البديلة إلى المرضى التالفة أعضاؤهم مما يبذله المحسنون دون أن يؤدي ذلك إلى التهلكة المنهي عنها. ومستند ذلك مقتضى النصوص التي ألمحنا إلى كثرتها في هذا المجال، كقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة:٥]، وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقوله: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]؛ وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]؛ ومن الحديث الشريف قوله ﵊: «من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه» وفي رواية «فليفعل» أخرجه مسلم في صحيحه.
فهذه النصوص وغيرها كثير، ليست مبادئ أخلاقية فحسب، بل هي ذات أثر تشريعي في الإباحة والترغيب، إن لم يكن بالوجوب عند من يجعله أولى ما تقتضيه صيغ الأمر. فهذا العلم من الجائز شرعًا وهو من صنائع المعروف وأبلغ صور الإحسان و﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] .
[ ٨ / ١٢٣٤ ]
وهذا كله إذا كان على سبيل التبرع؛ لأن المبدأ أنه:
(يغتفر في التبرعات ما لا يغتفر في المعاوضات):
أما إن كان ذلك على سبيل المعاوضة نظير بدل، فإنه تصرف يثير كثيرًا من الحرج والشبهة بالحرام، جريًا على أن أجزاء الآدمي ليس لها مالك إلا الله تعالى، فليست مما يباع ويشترى. وقد بلغ التحرز ببعض الفقهاء أن يفسروا بيع لبن المراضع بأنه استئجار لشخص الظئر (المرضع) والانتفاع بلبنها أمر تبعي؛ مع أنه مما فصلت في شرعيته النصوص الصريحة رعاية لضرورة حفظ الأنفس، وما اللبن هنا إلا أجزاء مبانة بصورة طبيعية عن بدن المرضع، ولا نفع مقصودًا لجسدها منه، فكأنه مما استودعها الله إياه لنفع الرضعاء.
ولا يتنافى مع حظر المعاوضة عن هذا البذل أن يقبل الباذل ما يكافأ به من غير مشارطة ولا مواطأة، لقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وما روي عنه ﷺ: - بالرغم من ضعفه - «من أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له» فهو مما تشهد له قواعد الشريعة العامة.
كما يملك أولو الأمر تخصيص مكافآت تشجيعية لا مشارطة فيها ولا التزام، للترغيب في هذا اللون من الإحسان وفعل الخير، أو للمعونة على ترميم آثاره على الجسم، كتشجيعهم على أشباه ذلك من الأعمال المندوبة أو الواجبة لكونها من الطاعات المفروضة أو مما ينبغي احتساب الأجر فيه.
وأخيرًا ليست هذه المبادئ كل ما يتصل بموضوعنا، وهي أيضًا لا يقتصر تطبيقها عليه، بل هو أهم مجالات استثمارها والاستنارة بها في تكوين الإلمام بمنحى الشريعة في هذه الأمور عن طريق وسط بين تلقي الفروع المجردة، أو التوسع غير الميسور في غمار الأدلة ومقتضاها؛ و(كل ميسر لما خلق له) وإتقان العلوم والمعارف والحرف والصناعات كلها مما فرضه الله على جماعة المسلمين، بإزاء ما عم بفرضيته كل مسلم من طلب العلم بما تقتضيه حاله وتمس إليه حاجته في حياته ومهنته بعد الفرائض العينية المعروفة.
[ ٨ / ١٢٣٥ ]
المراجع
- تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) (٦٧١ هـ) ط. دار الكتاب العربي.
- نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، للشوكاني (١٢٥٠ هـ) .
- المستصفى في الأصول، للإمام الغزالي (٥٠٥ هـ) .
- إرشاد الفحول إلى علم الأصول، للشوكاني.
- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد الطبيب (الحفيد) ط. الخانجي.
- المبسوط، لشمس الأئمة السرخسي. ط. السعادة.
- التاج والإكليل للمواق المالكي (بهامش مواهب الجليل) ط. السعادة ١٣٢٨ هـ.
- أسنى المطالب شرح روض الطالب للقاضي زكريا الأنصاري الشافعي.
- المغني شرح مختصر الخرقي، لابن قدامة الحنبلي.
- المحلى، لابن حزم الأندلسي ط. المنيرية ١٣٥٠ هـ.
[ ٨ / ١٢٣٦ ]
- زاد المعاد (الجزء الثالث: الطب النبوي) لابن القيم.
- الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي (٧٩٠ هـ) ط. مصطفى محمد.
- قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للإمام عز الدين بن عبد السلام ط (١) ١٣٥٣ هـ.
- الفروق (أنوار البروق في أنواء الفروق) للإمام القرافي (٦٨٤ هـ) ط. دار إحياء الكتب العربية.
- الأشباه والنظائر في قواعد فروع فقه الشافعية، للسيوطي (٩١١ هـ) ط. عيسى الحلبي.
- الأشباه والنظائر، لزين الدين بن نجيم الحنفي ط. مؤسسة الحلبي وشركاه ١٣٨٧ هـ.
- القواعد، لابن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ) ط. الخانجي ١٣٥٢ هـ.
- القواعد والفوائد الأصولية، لابن اللحام البعلي الحنبلي س (٨٠٣ هـ) ط. السنة المحمدية.
- المنثور في القواعد، للإمام الزركشي (مطبوع بالكويت، الأوقاف) تحقيق د. تيسير أحمد فائق، مراجعة د. عبد الستار أبو غدة.
- المدخل الفقهي العام للأستاذ الشيخ مصطفى أحمد الزرقا، ط. الحياة.
ـ شرح القواعد الكلية للمجلة، للشيخ أحمد الزرقا، مراجعة د. عبد الستار أبو غدة، دار الغرب الإسلامي.
- رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، للدكتور يعقوب عبد الوهاب الباحسين (رسالة دكتوراه) ط. بغداد.
- مجموعة بحوث فقهية (بحث الضرورة) للدكتور عبد الكريم زيدان. ط. الرسالة ومكتبة القدس.
[ ٨ / ١٢٣٧ ]
(٢)
من فقه الطبيب
وأخلاقيات الطب
تمهيد:
الطب في الدراسات الإسلامية:
حين أردت أن أكتب هذا الموضوع تحت شعار الطب الإسلامي تساءلت عما يستحق أن يدعى (الطب الإسلامي)؛ لتكون الكتابة في الصميم، وكان الباعث على التساؤل هو أن الطب أحد العلوم التي لا يتضح فيها وجه هذا الوصف بعيدًا عن جعل العلم يتعدد تبعًا للأديان والملل.. ثم تأملت فرأيت أن المقصود من الوصف بهذه الصفة التنويه بما أسداه الإسلام لعلم الطب من اعتبار وتشجيع، وما أكسبه من عناية استتبعت استمراره ونموه على نحو لم يشهد له مثيل في ظل غيره، وقد يؤدي لإيضاح المراد تقليب هذين اللفظين بأن يقال: (إسلاميات الطب) أو (طبيات الإسلام) . فالغرض تصويب النظر إلى الموقع الذي اتخذه الطب في أرجاء الدراسات الإسلامية بأنواعها.
وقد تركت الحديث عن نمو الطب في ظل الإسلام وجهود الأطباء المسلمين في تحرير ما ورثوه وإبداع ما ابتكروه من نظريات بعضها ظل محرزًا لهم حق السبق إليه، وبعض منها استلبه الأدعياء في غفلة الانحطاط والاستضعاف، حتى قيض الله من يشهد بالحقيقة، بشهود من أهلها أو أعدائها (والفضل ما شهدت به الأعداء) وهذا يغلب عليه الطابع الاختصاصي الفني، والجدير بجلائه هم الأطباء دون غيرهم. كما أمسكت عن التوسع في مجالين آخرين يستهويان الباحث في ظل ما في عنوان (الطب الإسلامي) من شمول:
أحدهما: هو الاستعراض التاريخي للجهود التأليفية في الطب وعلومه من قبل المسلمين، وذلك له كتب عامة تعنى بتاريخ العلوم من طب وغيره وتهتم بتقويم الكتب (الببليوغرافيا) . والرجوع إليها أو الاقتباس منها –من خلال نظرات سريعة - كفيل بالمطلوب. والسبيل الأمثل لتخليد هذه الجهود تحقيق مخطوطاتها ونشرها وترجمتها إلى اللغات الحية ليكون من مراجع الدراسات الطبية العالمية أمثال كتاب (الحاوي) للرازي المتوفى (٣١١ هـ = ٩٢٣م) و(القانون) لابن سينا (٣٤٨ هـ = ٩٦١م) وكتب ابن رشد (٥٩٥ هـ = ١١٩٨م) وكتب ابن زهر الأندلسي (٥٥٧ هـ = ١١٦١م) و(الشامل) لابن النفيس (٦٨٧ هـ = ١٢٨٨م) .
[ ٨ / ١٢٣٨ ]
وغيرها مما تلاحق بعدها.. تمهيدًا لوصل حاضرنا العتيد بالماضي المجيد وانطلاقًا لرسم المستقبل المنشود.
والمجال الثاني: الربط والتوفيق بين النظريات الطبية الحديثة، وما ورد من نصوص فيها إشارات ذات صلة بها في القرآن والحديث. وهذا المجال أيضًا مما عني به القدامى والجدد بكتابات شاملة للنظريات العلمية مطلقًا أو خاصة بالطبي منها.
ومع ما يتطلب هذا المجال من ازدواجية لا بد منها للباحث فيه فقد كان حظ الأطباء للإسهام في بيانه أكثر من حظ غيرهم؛ لأنه يتطلب تمرسًا في الطب وتعمقًا في علومه في حين يكفي له الإلمام بالدراسات الدينية والعربية.
وبعد.. فإن وراء ما أشرت إليه مجالًا رحبًا لدراسة ما يمكن اعتباره أيضًا من مسمى (الطب الإسلامي) بدءًا من (الطب النبوي) المتضمن هدي النبي ﷺ في الطب الطبيعي، والعلاج الروحي والطب النفسي، والقواعد التي أرساها الإسلام لحفظ الصحة، ثم ما وراء ذلك من منارات منثورة في علوم الشريعة الغراء تفصل فقه الطبيب (الأحكام الخاصة به) وآدابه (أخلاقيات الطبيب)، ومعظم ذلك مذكور في غير مظانه، وقليل منه قد حظي بباب مفرد لدراسته في الكتب الشاملة أو بكتاب مستقل فيه.
وفيما يلي إشارات لأهم الجوانب التي كان لها حيز في الدراسات الإسلامية بعيدًا عن الاسترسال في الصعيدين التاريخي والتأويلي - المشار إليهما - لتكون هذه الدراسة تقريرًا لأصالة الطب الإسلامي، ومدخلًا لوضع مرتكزات للدراسات المفصلة فيه، وذلك يسهم في فتح المجال أمام من ينشط لتسليط أضواء البحث الكاشفة لما خفي منها، ولا يتسع المقام لتلمس دور الطب في الدراسات الإسلامية - تأثرًا وتأثيرًا - في جميع الزمر المستقرة لتلك الدراسات، بدءًا بالقرآن، ومرورًا بالسنة والسيرة، وانتهاء إلى الفقه وعلومه المساعدة لا سيما الحسبة والآداب الشرعية، لذا اقتصرت على لمحات في فقه الطبيب (الأحكام التي تتصل بمزاولته عمله من حل وحرمة) مع نبذ في الآداب التي ينبغي مراعاتها.
[ ٨ / ١٢٣٩ ]
النظرة الشرعية للطب:
لا بد من إلقاء هذه النظرة قبل الحديث عن فقه الطبيب وآدابه، ثم أنتقل لبيان الخصال التي أوجبت الشريعة الإسلامية على ممارس الطب المعرفة بها؛ لأنها من الأمور المتصلة بصميم عمله. وهي مما يختص بالقيام به غالبًا، كما يشمل آثار تصرفاته في الأحوال العادية أو الطارئة؛ إذ من المقرر أنه يجب على المسلم – بالإضافة إلى معرفة الأحكام العامة في حق الجميع كالعبادة- اكتساب المعرفة بما يخصه في عمله لتكون تصرفاته موافقة للشرع، وليكون كسبه حلالًا.
ولعل أول ما يتعرض له الفقهاء في هذا المجال حكم (التداوي)، ويستتبع ذلك تعرضهم لحكم (التطبيب) .. ولا يخفى أن الحديث عن هذين كان لهما قديمًا ما يبرره إزاء مواقف بعض المتصوفة أو الزهاد الذين توهموا أن الإقدام على التداوي يخالف التوكل.. وقد اعتبرت هذه المواقف من باب التنطع بعدما ثبت تداوي النبي ﷺ شخصيًا، والأمر لغيره بالتداوي والمداواة.
ويستوقف النظر في المراجع التي تناولت هذه القضية حرص الفقهاء على اعتبار (مهنة التطبيب) إحدى فروض الكفاية (١) بمعنى أنه إذا لم يوجد من ينهض بها أثم المسلمون كلهم، وإن القيام بها من البعض يسقط الإثم عن البقية، ويكون الأجر خاصًا بمن يقوم بذلك ويظهر أثر هذا الاتجاه حين الموازنة بمحاربة الطب من خلال شن الحملة عليه من قبل محتكري الوصاية على الأديان والعقول قبل الإسلام، بل بعده أيضًا في حقبة القرون الوسطى عند الغربيين.
_________________
(١) معالم القربة لابن الأخوة ص (١٦٥-١٦٦)
[ ٨ / ١٢٤٠ ]
الفقه والخبرة الطبية
تثور الحاجة إلى خبرة الطبيب في أكثر من موضوع في الفقه الإسلامي، وتلك المواطن إما أن تتصل بالمرض أو الأعذار المبيحة لبعض الرخص والتيسير في العبادة.. وإما أن تتصل بالفصل في المنازعات التي تنشأ من دعاوى محلها جسم الإنسان، سواء أكان النزاع في شأن السلامة والبقاء على الفطرة وعدمها أم من قبيل ادعاء العيوب والنشاز..
ونظرًا إلى أن الشريعة الإسلامية من منهجها العام في التشريع بناؤه على الأعم الأغلب، فقد ندر - في غير مجال الطب - ربط الأمور بالخبرة الفنية وحدها، بل أقيمت أكثر الأمور على حصول الأمارات الظاهرة الميسورة كما هو الحال في أوقات الصلاة ومطالع الأشهر وغيرها. أما في مجال الطب فلم يعدل عنه إلى غيره إلا في الأمور الميسور إدراكها بالتأمل أو بطول الأمد الكافي لظهور الأعراض واجتماع القرائن كما هو الحال في البلوغ وعلاماته الطبيعية.
وفي هذه الأحوال كان البديل ليس هو الشخص العادي، بل أصنافًا من ذوي الخبرة الآخذة من الطب بنصيب كالقابلة.. أو مجموعة من النساء الثقات.
ومن أهم أمثلة الحاجة إلى خبرة الطبيب في تحقيق شروط العبادة لوجود مزاولتها:
أ- التطهر لها بالوضوء والغسل - بحسب الحاجة - حيث ينتقل الواجب بحصول المرض من استعمال الماء، وهي الطهارة الحقيقية الأصلية، إلى طهارة بدلية اعتبارية هي التيمم، وقد يكون الانتقال في جزء من البدن لا في جميعه، ومثاله الإعفاء من مساس الماء للبدن، بسبب وضع جبائر حيث يستعاض عن ذلك بالمسح على الجبيرة.
ب- وصلاة المريض أحد الأبواب المعروفة في الفقه، حيث يصلي كما يطيق من قعود أو على جنب بحسب مقتضى مرضه.
جـ- والمرض أحد الأعذار التي يسقط بها وجوب الجمعة والجماعة، فيستعاض عن حضور المسجد بالصلاة في البيت. ومناط ذلك المرض تعذر الوصول إلى مكان المسجد، لما في الجسم من وهن أو في القدم من ألم.
[ ٨ / ١٢٤١ ]
د- والمرض يبيح الفطر في رمضان ليكون الصوم في أيام أخر هي أيام الشفاء والعافية.. إلا إذا كان المرض مما لا يرجى شفاؤه فينتقل الواجب من الصوم إلى (الفدية) التصدق بطعام مسكين.. ولا يخفى أن الحكم بالمرض أصلًا أو بكونه مزمنًا هو مهمة الطبيب دون غيره.
هـ- ومرض الموت له شأن آخر ليس ذاك المرض الميؤوس من شفائه فقط، بل هو الذي يزداد أثره حتى ينتهي بالوفاة، وله أحكام فقهية مفصلة بشأن التصرفات، ولا سيما الهبة والإقرار والطلاق.. والذي يقرر أن المرض من هذا القبيل هو الطبيب.. على أنه ليس من إعطاء الخبرة حقها في الدقة أن يطلق العنان للمرض مهما كان نوعه ومقداره لتستباح به الرخص ويعفى به عن الشروط؛ ولذا كان المرض عند الفقهاء أنواعًا لكل منها اعتباره.
وأكتفي بالإشارة إلى اختلاف الرأي في اكتفاء بعضهم بخوف زيادة المرض أو امتداد زمنه، واشتراط بعضهم خوف الهلاك أو فوات العضو، (١) على أن بعض الفقهاء اكتفى للاستفادة من الرخصة الشرعية بأن يكون في استعمالها (كالفطر في الصوم مثلًا) الظن بحصول الصحة وبعضهم اشترط اليقين. وفي هذه المعايير المختلفة دلالة واضحة على الدقة في تقدير الأمور والحاجة الماسة إلى الخبرة الفنية.. ويتأكد هذا المبدأ من استعراض نماذج من أشهر مجالات الرجوع للخبرة الطبية فيما يلي:
أ- ففي موضوع الزواج وثبوت المهر كاملًا بالدخول أو الخلوة لا يعتد بالخلوة؛ ما لم تكن الموانع زائلة، فالمرض أحد تلك الموانع لكنه (المرض الذي يمنع المعاشرة أو يلحقه به ضرر..) . (٢)
ب- والأمراض الجنسية التي تمنح بها المرأة حق الفرقة عن الزوج هي العنة والجب والخصاء، لكن المجبوب لا يتريث في اعتباره، أما العنين والخصي فيؤجل معهما الزوج سنة لتمر به الفصول الأربعة ويتبين هل ما به علة معترضة أم آفة أصلية.
جـ- وكذلك المرجع للخبرة الطبية في عيوب الزواج المستوجبة للخيار (وهي بالنسبة لما يوجد في الزوج مغتفرة عند بعض الفقهاء لوجود الطلاق الذي يتمكن به الزوج من مفارقة الزوجة المصابة.. ويمنحه بعضهم حق الخيار) وتنحصر تلك العيوب في ثلاثة عامة (الجذام، والبرص، والجنون) وقد عمم بعضهم أثرها ليشمل حالة إصابة الزوج بها.. وعيبين نسائيين هما الرتق: التصاق يمنع من المعاشرة الجنسية. والقرن: حائل عظمي أو لحمي يمنع من المعاشرة.
_________________
(١) الهداية ١/١٢٦
(٢) الهداية ١/٢٠٦
[ ٨ / ١٢٤٢ ]
ومن الواضح أن معرفة ذلك لا بد فيه من خبرة الطبيب، وإن كان يستعان في بعض الأحيان بالقابلة.. وهي صورة من صور الطب.. والأمثلة للتعويل على الخبرة الطبية كثيرة في شتى أبواب الفقه.
ولهذا وضع الفقهاء أساسًا لاعتبار المرض مرخصًا في التيمم –وأمثاله من المواطن التي يتغير بها الحكم من حال إلى حال أخف أو أشد- وهو أن يعتمد على معرفة نفسه إن كان عارفًا، أي المعرفة الفنية، وإلا فله الاعتماد على قول طبيب واحد حاذق مسلم بالغ عدل. فإن لم يكن بهذه الصفة لم يجز اعتماده. ومفاد هذا أنه لا يعتمد على من لم تتوافر فيه الصفات والقيود المشار إليها، على أن بعض الفقهاء رأى أنه يجوز اعتماد قول من كان فاسقًا، لعدم التهمة هنا؛ لذا اقتصر هؤلاء في وصف الطبيب بأنه (مسلم ثقة) مع تقييده بالحذق والفطنة.
كما صرحوا بقبول المرأة وحدها؛ لأنه من باب الإخبار وليس من قبيل الشهادة التي جاء تنظيمها في الآية الكريمة:
﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
ومما يدل على إحالة الأمر إلى خبرة الطبيب منع بعض الفقهاء من التيمم إن لم يجد طبيبًا على الصفة المشروطة. (١)
_________________
(١) المجموع شرح المهذب للنووي ٢/٣١٥، الفروع لابن مفلح ٢/٥٣
[ ٨ / ١٢٤٣ ]
مسؤولية الطبيب (الضمان) إن المسؤولية بالنسبة للطبيب وغيره نوعان: تعاقدية، وجنائية.
أ- المسؤولية التعاقدية:
تنطبق على التعامل بين المرضى والأطباء القواعد العامة للإجارة على الأعمال وهي السائدة في كل المهن التي يلتزم فيها صاحب المهنة بأداء منفعة للمتعاقد محدودة بإنجاز معين مع تمكنه من تلقي مهام أخرى.. وقد يكون التعامل على أساس الإجارة الخاصة التي يسمى مقدم المنفعة فيها (الأجير الخاص)، وذلك حين يرتبط خلال مدة معينة بأن لا يعمل لغير من تعاقد معه.. وهاتان الحالتان لا خصوصية فيهما للطبيب عن غيره. على أن هناك حالتين لا تتصوران إلا في ممارسة الطب: تسمى إحداهما المشارطة على البرء وتسمى الأخرى: اشتراط السلامة، وقد عني بمعالجتهما الفقهاء على النحو التالي:
الحالة الأولى – المشارطة على البرء:
الأصل في تقدير التعامل مع الطبيب أن يكون على مدة معينة، أو يكون على القيام بأعمال معينة، ويستحق الأجر بإنجاز ذلك ولو لم يبرأ. وهذا ما يدعى في الاصطلاح القانوني (بذل العناية) . وفي هذه الحالة احتمالات لها حلولها التي تختلف فيها أنظار الفقهاء، مثل حصول البرء أثناء المدة، أو حصول الوفاء.. أو امتناع المريض من مواصلة العلاج.. على أنه قد يشترط في هذا التعاقد بالإضافة إلى بذل العناية (تحقيق غاية) وهي الشفاء من المرض (البرء) والفقهاء مختلفون في الحكم على هذا التعاقد:
فبعضهم منعه؛ لما فيه من الجهالة، لأن البرء غير معلوم متى يحصل.. حتى لو أحاط الطبيب علمًا بأحوال مريضه ومرضه، لتدخل أسباب خارجية. وجمهور الفقهاء على جوازه، والدليل هو ما ورد من أن أبا سعيد الخدري عالج رجلًا وشارطه على البرء، وعلم بذلك رسول الله ﷺ فأقر تصرفه. ويرى ابن قدامة أن هذه المعاملة ليست من باب الإجارة التي يشترط فيها معلومية محل التعاقد بالمدة أو العمل. وإنما هي من قبيل (الجعالة)، وهي تجوز على عمل مجهول، كما هو الحال في رد اللقطة، ويكفي للجعالة تحديد مقدار الجعل وبيان الغاية المطلوب تحقيقها بقطع النظر عن مقدار العمل. ومن أحكام هذه المشارطة أنه لو ترك قبل البرء فلا شيء له إلا أن يتمم غيره، فله حساب نسبة من الاتفاق. (١)
وقد تناول الفقهاء هنا مسائل أخرى ثانوية مثل اشتراط الدواء على المريض أو الطبيب، وهي القضايا الملحوظ فيها أثر الأعراف والأوضاع الزمنية، والتي لا يوجد ما يلزم بمتابعتها مع تطور أصول التعامل في هذا المجال.
_________________
(١) المغني لابن قدامة ٥/٤٠٠، المحلى لابن حزم ٨/١٩٦، الشرح الصغير للدردير ٤/٧٥
[ ٨ / ١٢٤٤ ]
الحالة الثانية – اشتراط السلامة:
تناول الفقهاء ما لو تعاقد الطبيب مع مريضه واشترط أن يكون عمله مقترنًا بالسلامة من السراية (المضاعفات..) فالشرط باطل؛ إذ ليس في وسعه ذلك، وما دام ما ينتج عن الفعل المعهود المستوفي للشروط معفى من المسؤولية فلا تترتب بمجرد الاتفاق.. للقاعدة القائلة: ضمان الآدمي يجب بالجناية لا بالعقد (١) ويلحظ هنا أن الشارع قد تدخل لينقذ الطبيب الذي تورط بقبول هذه المغامرة، إما مدفوعًا بإقدامه على أكثر مما يطيق، وإما بدافع الحاجة لقطف ثمار عمله ولو كانت محاطة بمحاذير، والشريعة جاءت لإقرار العدل أو لتحقيقه حين يزهقه جموح أو طغيان الأطراف.
ب- المسؤولية الجنائية:
الكلام عن المسؤولية الجنائية المترتبة على الطبيب إنما هو في مجال ممارسته المهنة (لأن تصرفاته العمدية العدوانية خارج المهنة، لا تختلف عن غيره)، ولكن نظرًا إلى أن طبيعة مهنته قد يلتبس فيها التصرف المعتاد المقصود به العلاج، بالتصرف الجنائي الناشئ عن جهل أو تجاوز أو خطأ، فقد تناول الفقهاء بالدراسة هذه التصرفات بإسهاب وتفصيل يمكن إيجازه على النحو التالي:
إن اعتبار التطبيب واجبًا كفائيًا يقتضي أن لا يكون مسؤولًا عما يؤدي إليه عمله قيامًا بواجب التطبيب؛ لأن القاعدة أن الواجب لا يتقيد بشرط السلامة، لكن لما كانت طريقة أداء هذا الواجب متروكة لاختيار الطبيب وحده؛ لما له من السلطان الواسع في الطريقة وكيفية الأداء تبعًا لاجتهاده العلمي والعملي كان ذلك داعيًا للبحث عن مسؤوليته جنائيًا عن نتائج عمله إذا أدى إلى نتائج ضارة بالمريض، باعتباره أنه حين يؤدي واجب التطبيب أشبه بصاحب الحق فيه بمؤدي الواجب، ولا يخفى أن صاحب الحق يسأل في حال تجاوزه حقه. وبمناسبة الموازنة بين اعتبار الطبيب قائمًا بواجب أو اعتباره صاحب حق، يهتم الفقهاء بالتأكيد على ضرورة الاستعانة بخبرة الطبيب في تنفيذ القصاص الشرعي في حالة وجوبه بالجناية على النفس (القتل)، أو الجناية على ما دون النفس (الجراح وإتلاف الأطراف أو الحواس)، فلا شك عندهم أن قيامه بذلك هو من قبيل أداء الواجب.. وقد اتفق الفقهاء على أن مقتضى الإحسان في التنفيذ أن يعهد به إلى ذوي الخبرة بعد أن يوكلهم الأولياء المتمسكون بحق القصاص إذا لم تطب نفوسهم بالعفو، لما يتطلبه ذلك من دقة وحذر لعدم مجاوزة الواجب، قصاصًا كان أو حدًا، ولتحقيق البعد عن الظلم والتعذيب.. وقد تضمنت المراجع الفقهية القديمة بعض الأصول التي كانت تراعى قبل التنفيذ، والوسائل التي كانت تستخدم في القياس وتحديد محل الاستيفاء؛ ليتم على أعدل وجه وأرفقه وأسهله. (٢)
_________________
(١) الهداية ٢/١٩٤ و٣/١٧٩، مجمع الضمانات ص (٤٧-٤٨) وفيه تفصيلات طريفة.
(٢) المغني ٤/٣٥١، وهناك كتاب مطبوع باسم (مقاييس الجراحات) لبعض فقهاء الإباضية فيه مزج بين الرياضيات والطب كوسيلة لتحقيق عدالة التنفيذ.
[ ٨ / ١٢٤٥ ]
وهناك إجماع على عدم مسؤولية الطبيب إذا أدى عمله لنتائج ضارة فيما إذا توافرت الشروط الآتية: (١)
١- أن يكون طبيبًا عن معرفة ودراية، لا عن زعم وادعاء، ولا يفيد أن تكون له شهرة لا تستند إلى خبرة حقيقية.
٢- أن يأتي الفعل بقصد العلاج وبحسن نية (أو بقصد تنفيذ الواجب الشرعي) .
٣- أن يعمل طبقًا للأصول الفنية التي يقررها فن الطب وأهل العلم به، فما لم يكن كذلك فهو خطأ جسيم يستوجب المسؤولية.
٤- أن يأذن له المريض أو من يقوم مقامه كالوالي.
والطريف في هذه القضية أن الفقهاء حين أجمعوا على رفع المسؤولية عن نتائج فعل الطبيب حين توافر الشروط المشار إليها اختلفت وجهات نظرهم في تعليل نفي المسؤولية على نحو يدل على التقدير لشأن هذه المهنة وخطورتها في آن واحد، فبعضهم يرى أن العلة هي الحاجة إلى ممارسة المهنة في جو يشجع على أدائها.. لا سيما حين يقترن ذلك بالإذن.. وبعضهم يرى أن العلة بالإضافة للإذن أن الغرض من الفعل قصد العلاج لا الضرر، والقرينة على هذا لقصد وقوعه موافقًا للأصول الفنية..
ويرى البعض أن العلة هي الإذن في صورته المزدوجة المركبة من إذن الحاكم بممارسة المهنة وإذن المريض بأداء ما تقضي به من أعمال.
_________________
(١) المغني ٥/٢٩٨، بداية المجتهد لابن رشد ٢/٣٤٩، البدائع ٧/٣٠٥، الشرح الصغير ٤/٤٧، الحطاب ٦/٣٢١، نهاية المحتاج ٨/٢
[ ٨ / ١٢٤٦ ]
أحكام بعض الإجراءات الطبية
العلاج بالفعل المخوف:
لعله لا يخرج من دائرة ارتكاب أهون الضررين ما ذهب إليه بعض الفقهاء في قضية العلاج بالأفعال التي يخاف منها التلف أو السراية (المضاعفات)، بدلالة ما أردفوا به هذه المسألة من تفصيلات بأنه إذا خيف التلف من ترك الفعل كان القيام به جائزًا، بل واجبًا.. كما صرحوا بحل قطع عضو استقر فيه الداء وخشي انتشاره في سائر الجسم.
ولا يخفى أن المعيار المشار إليه هو المحكم، وما جاء على غير ذلك ربما من التأثر بالأوضاع الزمنية
وكان مما ثار الجدل فيه في غيبة مراعاة القاعدة: الكي. (١)
تشريح بدن الإنسان:
كان لهذا الموضوع صداه قديمًا باقتصار البعض على التمسك بمبدأ تكريم بني آدم وتحريم المثلة (وتحريم كسر عظم الميت في بعض الأحاديث) دون مراعاة المقاصد الأخرى من حفظ النفس بشتى الوسائل المؤدية لحفظها.. ومن تلك المقاصد التي تسعف نصوص التشريع وعبارات الفقهاء بمراعاتها:
شق بطن الأم الميتة لحفظ حياة الجنين، والتشريح لتعلم الطب، ولكشف جريمة.. ومما جاء في ترجمة ابن النفيس (وهو فقيه مشهور، فضلًا عن أنه طبيب) وغيره أنهم كانوا يذهبون إلى المقابر فيلاحظون بعض العظام التي تنكشف عنها القبور القديمة ويراقبون مفاصلها، فضلًا عن تشريحهم بعض الحيوانات، ولا يخفى أن حرمة بدن الإنسان الميت موفورة إذا كان تشريحه لمصلحة أكبر.
ومما يتبع هذا قضية الاستفادة من أعضاء الموتى لتعويض نقص أو تلف في الأحياء، وهي مسألة مركبة من نواح متعددة، ولا تخرج عن نصوص الأمر بالتعاون وقاعدة ارتكاب أهون الضررين المشار إليها.
العلاج بالمحرم أو النجس:
الأصل المنع من ذلك لنفس المقاصد والغايات التي يرمي إليها الشارع في المنع من بعض الأشياء (غذاء كانت أو دواء) واعتبارها محرمة بالنص على تحريمها أو الحكم بنجاستها.
وقد اتجه جمهور الفقهاء هذا الاتجاه المنسجم مع علل المنع ما ظهر منها وما بطن.. على أن بعضهم رأى فسحة في استعمال المحرم أو النجس فيما إذا تعين ذلك دواء للمريض، وأجرى هنا أحكام الضرورة التي يباح معها ارتكاب المحظور.. في حين أبدى الجمهور فرقًا بين الدواء الذي هو مظنون وله بدائل وبين الغذاء الذي به قوام البدن والغنى عنه مطلقًا، فإذا اضطر إليه الإنسان غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه.
_________________
(١) غذاء الألباب ٢/٢١-٢٣
[ ٨ / ١٢٤٧ ]
وقد استوفى ابن القيم وجوه الحكمة في المنع من التداوي بالمحرمات بعد أن أورد الأدلة الصحيحة على هذا الاتجاه المشهور لدى الفقهاء، وهو يشير إلى أن المعالجة بالمحرمات قبيحة عقلًا وشرعًا.. لأن تحريمها على الأمة ليس عقوبة، بل هو لخبثها، فحرمت صيانة عن تناولها وحفظها من أخطارها، فلا يناسب العودة إليها للاستشفاء.
وفي اتخاذها دواء ترغيب بها ينافي داعي التحريم إلى تجنبها.. والأخذ بها يكسب النفس من خبثها بالانفعال البين الحاصل بالدواء.. وإباحة التداوي بها يكون ذريعة لتناولها للشهوة واللذة، والشارع يسد ذرائع الفساد.. ولا يخلو الدواء المحرم من أضرار تزيد على ما يظن فيه من الشفاء. ثم أشار إلى سر لطيف في كون المحرمات لا يستشفى بها هو افتقارها إلى عنصر التلقي بالقبول واعتقاد المنفعة والبركة المجعولة للشفاء.. واعتقاد تحريمها يحول بين المسلم وبين تلك العوامل.
ومما يذكر عن ابن النفيس أنه في مرضه الأخير وصف له بعض الأطباء تناول شيء من الخمر، إذ كانت علته تناسب أن يتداوى بها على ما زعموا، فأبى أن يتناول شيئًا من ذلك وقال: لا ألقى الله تعالى وفي باطني شيء من الخمر.
ولعل في هذه العجالة غنى عن تفصيل الكلام في هذا الموضوع. (١)
النظر للعورة للعلاج:
في ظل القاعدة الشرعية المعروفة: الضرورات تبيح المحظورات والقاعدة الأخرى التي تقضي بارتكاب أهون الضررين اتقاء لأشدهما، اعتبر تحريم النظر إلى العورة قاعدة لها مستثنيات لا تختص بطبيب دون غيره.. لكن التطبيق العملي كشف أن العلاج أشهر التطبيقات التي خرجت عن القاعدة.. وليست كلها، فهناك النظر لأداء الشهادة مثلًا، وأمور أخرى قد آلت بالتطور إلى الطب نفسه كما سنرى.
ولا يخفى أن العورة من الرجل ما بين السرة إلى الركبة، ومن المرأة البدن كله عدا الوجه والكفين، والعورة المغلظة هي الفرج وما حوله. وعلى هذا فإن ما فوق السرة وما تحت الركبة هو القدر المباح للنظر إليه من الرجل بالنسبة للرجل، ومن الرجل لمحارمه، ومن المرأة للمرأة، ومن المرأة للرجل، أما نظر الرجل إلى المرأة فالقدر المباح منه هو الوجه والكفان.
_________________
(١) لابن تيمية كلام دقيق في التداوي بالمحرم ومناقشته من زعم تعين الدواء في بعض المحرمات. مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/٣٧٢ - ٣٧٦
[ ٨ / ١٢٤٨ ]
هذه هي القاعدة في الجملة، أما الاستثناءات التي نوهت بها فهي:
إباحة النظر إلى محل المعالجة، أو لمسه – وهو في الأصل أشد حرمة من النظر- وذلك بالقدر الذي تدعو إليه الحاجة، حتى لو كان ذلك المحل هو السوأتين. ودواعي النظر التي مثلوا بها متعددة، وهي قد آلت كما أشرت إلى الطبيب أو مساعديه والملحقين به في الحكم: القابلة، الخاتن، الممرض، ولمن يعهد إليه بتعرف البلوغ (التسنين)، ولمن يرجع إليه في معرفة العيوب الجنسية أو البكارة.
ومما حض عليه الفقهاء ستر ما لا يحتاج لنظره من العورة بثوب، والاقتصار على النظر للمحل المعالج. (١)
علاج المرأة للمرأة وعكسه:
من القواعد الشرعية أن نظر الجنس –ذكرًا أو أنثى- إلى الجنس نفسه أخف. ولهذا كان الأصل أن تعالج امرأة مثلها.. ومع هذا فقد نص الفقهاء على جواز الاستثناء، وهو معالجة الرجل للمرأة، وذلك حيث لم يوجد أحد من بني جنسها.. ولهم تفصيلات في تقدير الضرورة بين أن يكون (تعذر تأتي المقصود من المرأة) وهذا يتيح المجال لاعتبار الحال الحاضرة، فإذا لم يكن ساعة العلاج العاجل إلا رجل، أو كان الاختصاص المطلوب أو مقدار المهارة فيه لم يتوافر في امرأة، فذلك كله من الدواعي المشروعة.. وصرح بعضهم بأن الرجل يستعين بامرأة فيطلب إليها فعل ما يريد فعله.
الخلوة بالمرأة:
أحكام الخلوة عامة لا إعفاء من مراعاتها إلا في الحالات الطارئة النادرة، كما لو كانت المرأة مسافرة مع زوج أو محرم، ثم فارقها بالوفاة مثلًا.
والخلوة الممنوعة هي الانفراد بالمرأة من قبل رجل ليس زوجًا ولا محرمًا. أما انفراد الرجلين بالمرأة، أو انفراد الرجل بالمرأتين، فليس خلوة عند بعض الفقهاء؛ وهذا طبعًا إذا كان الغرض ليس سيئًا.
_________________
(١) غذاء الألباب شرح منظومة الآداب للسفاريني ٢/٢٠، حاشية ابن عابدين ٦/٣٧٠
[ ٨ / ١٢٤٩ ]
على أن في انفراد الرجلين بالمرأة، وعكسه، خلافًا لبعض الفقهاء ويتعين تفسيره وفقًا لما تدل عليه الوقائع الكثيرة من السنة وعمل السلف، بأنه نوع من الاحتياط الواجب إذا لم تؤمن الفتنة، وأما المتفق عليه فهو ما جاء به الحديث الصحيح: «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما» .
ولا شك أن الخلوة –على ما صرح به الإمام أحمد وغيره- لا تتحقق إلا في بيت أو نحوه مما يؤمن معه دخول ثالث إلا بإذنهما.
أما ما كان من الأماكن متاحًا دخوله لعامة الناس أو لصنف كالأطباء والممرضين مثلًا فلا تتحقق فيه الخلوة.
استطباب غير المسلم:
التطبيب مهمة خطيرة، فإذا لم تجر في جو من الأمان والاطمئنان كانت ذريعة لإلحاق الأذى بالخصوم، كما أن لذلك أثره نفسيًا في شعور المريض نفسه. (١)
من هذا المنطلق، ومما كان يقع من بعض غير المسلمين من مكايد أو غش، ذهب بعض الفقهاء إلى كراهة استطباب غير المسلم، إلا لضرورة. ويدل على مستندهم في الرأي ما أشاروا إليه بقولهم: لعدم الثقة وافتقاد النصيحة، فإذا لم تبق هذه العلة زال الحكم المنوط بها. ولذا يعارض ابن تيمية في القول بالكراهية قائلًا:
(إذا كان اليهودي أو النصراني خبيرًا بالطب ثقة عند الإنسان جاز له أن يستطبه، كما يجوز أن يودعه المال وأن يعامله.
وقد روي أن النبي ﷺ أمر أن يستطب الحارث بن كلدة - وكان كافرًا - وإذا أمكن أن يستطب مسلمًا فهو كما لو أمكنه أن يودعه أو يعامله فلا ينبغي أن يعدل عنه. وأما إذا احتاج إلى ائتمان الكتابي واستطبابه فله ذلك، ولم يكن من ولاية اليهود والنصارى المنهي عنها) .
كما نبهوا على التثبت مما يصفه من الأدوية المركبة لئلا يكون فيها محرم، كما صرحوا بأنه لو أشار عليه الطبيب غير المسلم بالفطر في الصوم، والصلاة جالسًا لا يرجع إلى قوله وحده؛ لأنه خبر متعلق بالدين فلا يقبل منه.
_________________
(١) يشير صاحب (معالم القربة في الحسبة) في معرض الحض على تعليم الطب بقوله: (هو من فرض الكفاية ولا قائم به من المسلمين، وكم من بلد ليس فيه طبيب إلا من أهل الذمة، ولا يجوز قبول شهادتهم فيما يتعلق بالأطباء من أحكام الطب) (ص ١٦٦)
[ ٨ / ١٢٥٠ ]
من آداب الطبيب
يشير السبكي في بيان ما ينبغي أن يتحلى به الطبيب من آداب بعبارة مستوعبة بالنسبة لقلة ما جاء عن هذا في غيره من كتب الحسبة التي توغلت في بيان ما يكتشف به أهلية الطبيب وما يزاح به الغطاء عن الجهل أو الغش إن وجد، كما أشارت إلى ما يجب علمهم به، وما يقسمون عليه، ولزوم مراعاة الإذن من ولي الأمر ومن المريض أو وليه (١) . يقول السبكي عن آداب الطبيب: (٢)
- من حقه: بذل النصح، والرفق بالمريض.
- وإذا رأى علامات الموت لم يكره أن ينبه على الوصية بلطيف من القول.
- وله النظر إلى العورة عند الحاجة بقدر الحاجة.
- وأكثر ما يؤتى الطبيب من عدم فهمه حقيقة المرض، واستعجاله في ذكر ما يصفه، وعدم فهمه مزاج المريض، وجلوسه لطب الناس قبل استكماله الأهلية.
- وعليه أن يعتقد أن طلبه لا يرد قضاء ولا قدرًا، وأنه إنما يفعل امتثالًا لأمر الشرع، وأن الله تعالى أنزل الداء والدواء، وما أحسن قول ابن الرومي:
غلط الطبيب علي غلطة مورد
عجزت موارده عن الإصدار
والناس يلحون الطبيب وإنما
غلط الطبيب إصابة الأقدار
وهناك آداب أخرى ليست الشريعة مصدرها الوحيد، بل هي من آداب هذه المهنة، مثل كتمان أسرار المرضى والالتزام بمقتضى القسم مما هو معروف. (٣)
على أن من الآداب أمرًا يخاطب به الجميع ويخص به الطبيب لاتصاله المباشر بالمريض، وهو آداب (عيادة المريض)، ولا يقلل من شأن هذه المطالبة الخاصة أن يكون بذلك مقتضى مهنته. فإنه إذا نوى –بالإضافة إلى باعث الواجب الوظيفي- الأخذ بهذه الآداب التي هي من تمام حق المسلم على المسلم، كان أداؤه أكمل، لصدور ذلك عن قناعة والتزام ديني ينمو معه الوازع الداخلي بعد رقابة الله ﷿.
_________________
(١) معيد النعم ومبيد النقم، للتاج السبكي (ص ١٣٣)
(٢) معالم القربة ص (١٥٩ – ١٦٩)، نهاية الرتبة ص (٨٩ – ١٠٢)، وغيرهما.
(٣) يرجع إلى كتاب (علم آداب الطب) للدكتور شوكت الشطي طبع جامعة دمشق. وكتاب (الطب العربي) للدكتور أمين أسعد خير الله، المطبعة الأميركانية – بيروت.
[ ٨ / ١٢٥١ ]
وقد جاء من التفصيلات لآداب عيادة المريض ما يجعل منها علاجًا نفسيًا للمريض، فضلًا عن تحقيق المؤانسة والرعاية له في حال ضعفه وقعوده. وأشير إلى أهم العناصر البارزة في عيادة المريض مما مصدره الشريعة قبل غيرها:
أ- عيادة المريض أدب ديني، للأمر بها والأجر والفضل عليها فيما يلي من الأحاديث:
- «أمرنا ﷺ بعيادة المريض..» أخرجه البخاري ومسلم. «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس» أخرجه البخاري ومسلم.
- «إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن فلانًا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟» أخرجه مسلم.
- «إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع (أي في جناها») أخرجه مسلم.
ب- الدعاء للمريض، بمثل الأدعية المأثورة التالية:
- «باسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربنا» أخرجه البخاري ومسلم.
- «اللهم رب الناس، أذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا» أخرجه البخاري ومسلم.
- «باسم الله (ثلاثًا) أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر (سبع مرات») أخرجه مسلم.
[ ٨ / ١٢٥٢ ]
- «أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك» .
- «لا بأس، طهور إن شاء الله» .
- «باسم الله أرقيك من كل شر يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد؛ الله يشفيك، باسم الله أرقيك» أخرجه مسلم.
- قراءة المعوذتين والإخلاص والفاتحة.
- «اللهم اشف عبدك ينكأ لك عدوًا، أو يمشي لك إلى الصلاة» .
جـ- السؤال عن حال المريض:
ويكون الجواب في جميع الأحوال: (أصبح بحمد الله بارئًا) إلا إن كان السائل معنيا بعلاج المريض وهو يسأل عن تطور حاله لمتابعة علاجه بما يناسب تلك الحال.
د- الإحسان للمريض واحتماله والصبر على ما يشق من أمره، وذلك من باب الامتثال لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] . وقوله ﷺ: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء..» .
هـ- كراهية تمني المريض الموت:
لقوله ﷺ: «لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي..» والمراد إيصاء الطبيب المريض بعدم الوقوع في هذا المحذور.
وتطبيب نفس المريض:
لقوله ﷺ: «إذا دخلتم على مريض فنفسوا له في أجله، فإن ذلك لا يرد شيئًا ويطيب نفسه» . ويؤيده قوله ﷺ لأحد من عادهم: «لا بأس» مع أنه فيه بأس؛ أي: مرض.
ز- الثناء على المريض بمحاسن أعماله إذا رأى منه خوفًا ليذهب خوفه ويحسن ظنه بربه، وفيه أخبار عن ابن عباس مع عمر، وعبد الله بن عمرو مع أبيه عمرو بن العاص، وابن عباس مع عائشة.. لا محل لسردها.
حـ- تشهية المريض: «دخل ﷺ على رجل يعوده فقال: هل تشتهي كعكًا؟ قال: نعم. فطلبه له..» ابن ماجه.
ط - طلب العواد الدعاء من المريض: «إذا دخلت على مريض فمره فليدع لك، فإن دعاءه كدعاء الملائكة» .
ولا شك أن طلب الدعاء منه يشعره بالراحة النفسية من حسن نظرة الناس إليه، وأن مرضه كفر عنه كثيرًا من ذنوبه، ويجعله يعيد النظر فيما سلف من أمره.
[ ٨ / ١٢٥٣ ]
ى- تذكير المريض بعد عافيته بالوفاء بما عاهد الله عليه:
ومما روي في ذلك حوار جرى بينه ﷺ وبين الصحابي (خوات) بعد أن عوفي من مرضه، حيث قال له النبي ﷺ: صح الجسم يا خوات، فأجابه: وجسمك يا رسول الله، فقال له النبي: فَفِ اللهَ بما وعدته، فقال خوات: وما وعدت الله شيئًا. قال: بلى، ما من عبد يمرض إلا وعد الله خيرًا، فف الله بما وعدته.
هذه لمحات في فقه الطبيب وأدبه، وهي للتنويه والتمثيل، لا للاستيعاب، فله مجال آخر.
ومن ذلك يتبين ما للطب من منزلة في الشريعة، وما له من موقع في فقهها وآدابها. ولا أجد للختام أروع من كلمة مأثورة عن: الإمام الشافعي عن التواؤم بين علاج الأبدان، وعلاج النفوس ومشكلات الحياة، حيث يقول: لا تسكن في بلد ليس في فقيه وطبيب.
[ ٨ / ١٢٥٤ ]
(٣)
مدى شرعية التحكم
في معطيات الوراثة
تمهيد – الوراثة في الطب والتراث الفقهي:
بالرغم من قلة الكتابات في الوراثة، فإن هذا العلم لم يغفله القدامى من الأطباء والفقهاء وغيرهم من العلماء ممن كتب في موضوعات ذات صلة بهذه الحقيقة. ولا سيما بعد أن أشار إليها الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وفيه قوله ﷺ: «لعل ابنك نزعه عرق» في شأن من استغرب أن يولد له من لم يشبهه تمامًا، بل أشبه أحد أجداده. على أن جهودهم اقتصرت على (التعرف) إلى خصائص الوراثة، ولم تبلغ آمالهم إمكانية (التصرف) والتحكم فيها، وهو مجال مضى الطب المعاصر فيه أشواطًا أمكن فيها الانتخاب والاستنجاب، والتعديل والتبديل. بعض ذلك آتى كل ثماره المرجوة، وبعض آخر شارف على تحصيل نتائجه أو اعتبرت في حيز الإمكان، على ما وصف المختصون.
ولا تخفى الحاجة إلى بيان الحكم الشرعي لما وقع من قضايا التحكم في الوراثة أو كاد يقع، بعدما قام الأطباء (أهل الذكر في هذا المجال) بالمهمة الضرورية التي لا بد أن تسبق إصدار الحكم، وهي تقديم التصور والبيانات الكاشفة لحقيقة كل قضية، ليسهل إدراكها وتكييف الإجراءات الواقعة فيها، فضلًا عن الأهداف، والفوائد والمحاذير.
وإذا كان لا بد من تقديم تعريف للوراثة قبل الخوض في التصرفات المتصلة بها والمعالجة أو الإلمام بشرعيتها، فإن الوراثة هي:
(انتقال الصفات من الأصول إلى الفروع، أو من السلف إلى الخلف، وهي تشمل –إلى جانب الخصائص- الأمراض القابلة للتوريث) . (١)
_________________
(١) تاريخ الطب، الدكتور شوكت الشطي (ص ١٠٩) طبع جامعة دمشق
[ ٨ / ١٢٥٥ ]
وقبل الانتهاء من هذه التوطئة إلى صميم الموضوع، لا بد من الإشارة إلى أن (التعرف) إلى هذا العلم في بعض معطياته، وسبر أغوار الإنسان في كنه تكوينه، وملاحظة انطواء العالم الأكبر في جرمه الصغير، لهو مما يدخل في تلبية دعوة الله الخالدة إلى التأمل في النفس وإبصار ما استكن فيها من عجيب الخلقة، ويستتبع ذلك الاعتبار والعظة ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] ويتلوه الانتقال من التدبر في الخلق إلى الإيمان بالخالق وازدياد اليقين بقدرته وحكمته واطمئنان القلب إلى وحدانيته في الألوهية والربوبية.
وإذا كان في بعض الدراسات المتصلة بالعلم من حيث هو التفرقة بين النافع وغيره، فإنها لم يقصد بها إلا إطراح فئة من العلوم قامت على الاستخفاف بعقل الإنسان أو تحدي عقدية الفطرة.. أما العلم الذي يصلح أن يكون –فضلًا عن نفعه المادي- مدرجة للنظر في الكون والتفكر في مالك الملك فإنه في دائرة التكليف والطلب.
حفظ النسل من مقاصد الشريعة:
تستمد قضايا الوراثة أهميتها من اتصالها الوثيق بمقصد من مقاصد التشريع، وهو حفظ النسل وصيانة النسب، باعتباره أحد الكليات الخمس التي جاءت الشريعة لصيانتها، وهي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال.. ولتوفير ما يناسبها من صون وكلاءة جاءت أنواع شتى من الأحكام الشرعية، بعضها لا مناص من مراعاته، لأنه يمثل (الضروريات) . وبعض آخر يتلوه في سلم الأهمية وهو (الحاجيات) . وإلى جانبهما يقوم خط آخر للدفاع يمثل (الكماليات أو التحسينيات)، وهذه الأحكام تحيط الكليات الخمس –وإحداها النسل- بسور منيع يتحقق به الإنذار المبكر، ودفع الأذى أو رفعه.
ولا يتسع المقام لأكثر من هذا التنويه الدال على عناية الشريعة بما يصون ذات الإنسان ومقوماته، ويعزز تكريم آدميته، وأنه مفضل على كثير من الخلق تفضيلًا.
والغرض من هذا تأكيد واجب الحفاظ على صحة الأنساب وتمايزها، والتبصر عند الإقدام على أي تصرف من شأنه المساس بهذه القضية الأساسية، وملازمة الطرق الطبيعية المرسومة بالفطرة لابتغاء ما كتب الله للإنسان من نسل صحيح صالح ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٨٩] .
[ ٨ / ١٢٥٦ ]
ومن هذه الآية وأمثالها يتبين أن الزواج هو السبيل الآمنة التي ألهمها الله خلقه لبقاء النوع الإنساني، وأن فيها وحدها يتحقق السكن والمودة والرحمة، وأن العزوف عن هذه الطريق والتنكب عن هذه الجادة يعرض الكلية الأساسية التي هي (بقاء النسل وحفظ النسب) إلى هزات عنيفة تجتثها من جذورها، فتزهق معها حقائق ذات شأن؛ لأنها يرتكز عليها بقاء المجتمع الإنساني وسعادته؛ كعلاقة الأبوة والأمومة وما يتصل بهما، وقواعد النفقة والميراث، وأصول التكافل الأسري، وهو ما تنظمه أحكام الأحوال الشخصية للإنسان (حقوق العائلة) .
أنواع التحكم في معطيات الوراثة:
إن الصور المطروحة على بساط البحث لا تعدو ثلاثة أنواع هي:
١- النسخ – (أو الاستنساخ) وهو الحصول على نسخ من الكائن بغير التزاوج.
٢- المزج بين صفات وخصائص معينة في المخلوق بالتصرف في مورثاته.
٣- استصفاء جنس معين باستبقاء عنصره في الطور الأول للجنين.
ولكن هذه الأنواع ليست آخر ما يمكن الوصول إليه من معطيات، لذا كان المفضل تناولها ضمن تقسيم آخر يلحظ فيه الغاية، هل هي وقائية أو علاجية أو سواهما من الأغراض؟.. وهذا كله بعد أن أخذت هذه المعطيات في الظهور مع تقدم علم الوراثة واكتشاف الراموز (الشفرة التي تحكمه) .
[ ٨ / ١٢٥٧ ]
الأسباب الوقائية والوراثة
سبقت الإشارة إلى أن من بين ما شرعه الله ﷿ قواعد خاصة لصيانة النسل من أن يلحق به ما يخل بسلامته أصلًا أو يحدث به ضررًا بليغًا أو أذى مهينًا، وقد ظهرت هذه التشريعات في صنفين من الرعاية:
أحدهما: وقائي يسبق وقوع الخطر فيوجد ما يدرؤه ويبعده أو يجعل أثره ضعيفًا مستهلكًا.
والآخر: علاجي تدعو إليه حاجة طروء السقم ودواعي التلف الذي يلحق به، وهو متناول بعموم النصوص في التداوي والعلاج لإصلاح ما يطرأ على الطبيعة وإزالة الأدواء والعلل بالوسائل التي لا يلابسها محرم.
فأما التصرفات الجارية مجرى الوقاية فهي باب مفتوح على مصراعيه، فللإنسان أن يسعى جهده لاتقاء ما يصيبه من سوء.. سواء كان الضرر المخوف لحوقه خلقيًا مصاحبًا لوجود الإنسان، أو طارئًا عليه مبدلًا ما هو عليه من فطرة سوية.
فالوقاية والاحتراس مأمور بهما بأي وسيلة صحيحة نقية من الشوائب، والنصوص الشرعية في هذا كثيرة، نقتصر منها على ثلاثة أمثلة شديدة الصلة بموضوع الإنجاب، ويتبين منها الدعوة الصريحة للأخذ بما يقي النشء منذ أول مظهر من مظاهر التأثير الوراثي وهو (الزواج) حيث يلتقي شطرا النشأة لوجود السلالة:
الأول- قيام كل من الزوجين بتخير الآخر، والأمر موجه للزوج؛ لأنه هو المتولي عادة للخطبة وإبداء الرغبة، ففي الحديث الذي روي من طرق عديدة لكنها ضعيفة: «تخيروا لنطفكم فانكحوا الأكفاء، وأنكحوا إليهم» رواه الحاكم والبيهقي وابن ماجه.
وفي رواية ابن عدي وابن عساكر: « فإن النساء يلدن أشباه إخوانهن وأخواتهن» رواه البيهقي بلفظ «الناس معادن، والعرق دساس، وأدب السوء كعرق السوء»، ورواه الديلمي بلفظ: «تزوجوا في الحجر الصالح؛ فإن العرق دساس»، وفي لفظ رواه أبو موسى المديني: «انظر في أي نصاب تضع ولدك؛ فإن العرق جساس» (١)
_________________
(١) تخريج أحاديث الإحياء، استخراج محمود الحداد، (٢/ ٩٧١)
[ ٨ / ١٢٥٨ ]
الثاني- تحاشي الزواج بالقريبات،؛ تفاديًا لضعف السلالة، وفي ذلك أثر عن عمر بن الخطاب –﵁- قال لآل السائب: قد أضويتم فانكحوا في النزائع. أي الغرائب، رواه إبراهيم الحربي في غريب الحديث، وأبو نعيم في فضل النفقة، وفي حديث مختلف في صحته: «الناكح في قومه كالمعشب في داره»، وفي أثر آخر: «اغتربوا لا تضووا» (١) وهذا المعنى مما عرفته العرب وكررته في أشعارها كقول أحدهم:
إن بلالًا لم تشنه أمه
لم يتناسب خاله وعمه
وقول الآخر:
تنجبتها للنسل وهي غريبة
فجاءت به كالبدر خرقًا معممًا
(٢)
وفي محاذيره يقول أحدهم:
ذاك (عبيد) قد أصاب (ميا)
يا ليته ألحقها صبيا
فحملت فولدت ضاويا
الثالث- تحاشي العدوى ونقل الأمراض المعدية أو الوراثية للأصحاء، ولاسيما عند الإقدام على الزواج، قبل الاستشفاء من تلك الأمراض التي يسهل انتقالها للسلالة، وفي ذلك ورد الحديث الصحيح: «ولا يوردن ممرض على مصح» أخرجه البخاري ومسلم، وكذلك حديث: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد» أخرجه البخاري وأحمد في المسند.
_________________
(١) شرح الإحياء للزبيدي ٥/ ٣٤٨
(٢) غريب الحديث للخطابي ٢/ ٥٤٩
[ ٨ / ١٢٥٩ ]
أثر الهدف في الأسباب العلاجية الوراثية
يختلف الحكم الشرعي على الإجراءات أو التصرفات الواقعة في مجال الوراثة تبعًا للهدف المبتغى من الفعل، وإن مراعاة الغاية هنا مبعثها الموازنة بين المفاسد والمصالح، أو المضار والمنافع، وهي موازنة مطلوبة شرعًا، انطلاقًا مما قرره علماء أصول الشريعة من أنه لا يوجد –إلا نادرًا- ما يتمحض للنفع والصلاح دون أن تشوبه شائبة من الضرر في الدين أو البدن أو المال، وإنما تكون العبرة بالأغلب، أي حيث تتحقق المصلحة الراجحة على ما يقع من ضرر بفعلها، ويعتبر هذا من ارتكاب أخف الضررين تفاديًا لأشدهما.
مراعاة سلامة الوسيلة:
فضلًا عن مشروعية الهدف لابد من مراعاة مشروعية الوسيلة أيضًا بأن تكون أمرًا حلالًا يمكن به تجنب الإنسان شيئًا من المخاطر الناتجة عن الوراثة من أبيه وأمه، وهذا السعي لتحصيل النفع مأمور به في نصوص شرعية كثيرة، منها الحديث الشريف: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز » .
ومن الواضح أن حرص الإسلام على الجمع بين نبل الهدف والوسيلة معًا نابع من اعتبار التكليف مستمرًا وشاملًا لأي تصرف معنوي أو مادي، وأن للوسائل والإجراءات حكم المقاصد والغايات، فليس في الإسلام فكرة الغاية الصالحة تبرر الوسيلة الفاسدة، فإن التعبد والامتثال شامل للنية والفعل.. ولا يعني هذا أن يخلو الإجراء من محاذير، بل المراد أن تكون المصلحة أساسية وأن يربو ما فيها من نفع على ما يستتبع حصولها من محاذير، وأن تكون الوسيلة لتحصيلها هي في ذاتها فعل مشروع بقطع النظر عن اقترانها بالهدف والغاية.
ومن هنا يتبين أنه لا يصلح بحال من الأحوال أن يكون هدفًا مشروعًا الرغبة في التكاثر أو التشهي أو العبث أو الإفساد، وهو ما يلحظ استحواذه على معظم التجارب والتصرفات في هذا المجال بسبب الحضانة في بيئات لا تقيم لمعيار الحلال والحرام أي اعتبار.
ونخلص مما سبق إلى أن هناك ضوابط ومنارات تحوط وتنظم أي تحكم يتطلع إليه في معطيات الوراثة، ولعل أهمها: البعد عما ينشأ عنه تغيير الخلقة كالتصرفات التي تزيد أو تنقص في الطبيعة الأصلية التي فطر عليها الإنسان بداعي التجميل أو الرغبة في الحسن، أو غير ذلك من أغراض غير مشروعة؛ ذلك أن هذا التغيير قد وسمته النصوص الشرعية بأنه استجابة لأوامر الشيطان ﴿وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] . ولا يدخل في هذا ما يقع لتلافي الضرر والأذى اللاحق بالإنسان، أو الناشئ معه بصورة مغايرة للمعتادة في جنسه، أي: لا يدخل فيه ما يستهدف به العلاج أو الوقاية.
كذلك يجب الحذر من تبديل الفطرة والسجية التي طبع الله الناس عليها من حيث الميول التي تخلق مع الإنسان قابلة للخير والشر، ومستعدة للتأثير الصالح أو التغيير المفسد، والمراد إدانة تلك التصرفات في السجايا بغير وسائل التقويم المشروعة، مما يخرج الإنسان عن إنسانيته المتكافئة في النوازع؛ ليتحول إلى الاستحذاء والطاعة العمياء، أو التمرد والجموح الشرس.
[ ٨ / ١٢٦٠ ]
الاستنساخ
بالرغم من أن التصور الوافي لهذه القضية تكفل به المختصون فيما قدم من بحوث علمية، فإنه لابد من إعادة التعريف بصورة موجزة ليمكن الربط بين الواقعة وحكمها.
فالاستنساخ أو النسخ يريد به المختصون محاولة تقديم كائن أو خلية أو جزيء يمكنه التكاثر عن غير التلقيح ومن غير نقص أو إضافة للمحتوى الوراثي.
هذا التصرف إن كان في مجال الحيوان، وبالأولى في النبات، فإنه لون من ألوان التنمية والتثمير لما سخره الله للإنسان وفسح له فيه سبل التصرف مما ليس فيه تعذيب ولا تبديل عابث للخلقة، ومن وجوه التحكم هذه صورة كانت في عهد التشريع الأول وشملها حكم التقرير والمشروعية؛ لأن التصرف في الحيوان والنبات هو تصرف في المال بما يزيده ويجوده، فقد امتن الله على الناس بوجود الخيل والبغال، مع أن هذه الأخيرة نتيجة تلاقح مستجلب فيه مخالفة النوع، كما ورد الحث على التمكين من عسب الفحل واستنجاب الأعراق، وليس هذا من الخلق أو الإبداع في شيء، فهو سلوك لأسباب مادية يحدث عنها من النتائج ما قدره الله، والكون كله مسخر للإنسان، وقد هداه الله لتدبير وجوه الانتفاع به وتوفير خيراته.
أما بالنسبة للإنسان فإن قضية النسب المعدودة إحدى الكليات الخمس الموصى بصيانتها فهي إحدى الضوابط الجوهرية التي تعصم من اقتحام المخاطر غير المحصورة والعصية عن السيطرة.
كما تخفى خطورة النظر إلى الإنسان كأنه مما يتخذ للتكاثر فيه بما يشبه التمول، كأنه من السلع الخاضعة للتنمية، وكذلك خطورة المساس بالعلاقة المتينة التي أوجدها الله في الزواج ليكون من آثاره حصول الأولاد وانتسابهم.
فالإقدام على تطبيق الاستنساخ في الإنسان لا ينفك عن الوقوع في تجهيل الأنساب وانقطاع التناسل الذي ناط الله به القرابة بأنواعها، وقد تناول الحظر صورًا عديدة تؤدي لجهالة النسب أو لإدخال التنازع فيه، فمما حرمه الله:
- نفي الأنساب الثابتة، سواء كان النفي من نفس المحمول عليه النسب إذا كان لا يعلم قادحًا في النسب، لكنه نفاه باطلًا وزورًا، وهو ما كان معروفًا في الجاهلية باسم (الخلع) بفتح الخاء.
وكذلك إذا كان النفي من غيره، وما هو يستوجب عقوبة القذف من الحدود الشرعية المنصوص عليها ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] .
[ ٨ / ١٢٦١ ]
- تضييع العائل من هم في عياله –ففي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: «كفى إثمًا أن تحبس عمن تملك قوته»، وفي رواية لأحمد: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» .
- تحريم التبني، وهو إخراج النسب من الربط بالحقائق الشرعية إلى محض الادعاء والهوى ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] .
- اختلاط الأنساب: سواء حصل بالزنى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] أو حصل بالزواج بمن لا تزال في عدة الغير، وفيه الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره» أي: إتيان الحبلى من غيره.
- كما تناول التحريم كل ما يؤدي إلى قطع التناسل أو إضعافه أو تغيير طرقه التي وقعت موقع الفطرة، كالاختصاء أو الرهبانية أو شتى أنواع الشذوذ عن التمتع الحلال.
أضف إلى ذلك ما تقتضيه مراعاة مبادئ تكريم البشر الذين سخر الله لهم الكون من أن يكونوا محلًا للتصرفات المهينة.
ومن هذا يظهر بوضوح أن الاستنساخ في مجال الإنسان هو من مواطن الحظر، وأن ما يبذل في سبيل ذلك من جهود هي كذلك إلا بالقدر الذي تتطلبه أغراض العلاج والتداوي.
[ ٨ / ١٢٦٢ ]
الاستبدال
لعل هذه الكلمة تصلح للتعبير عما تتطلع إليه المحاولات في مجال الوراثة بإيجاد ما يعتبر بدائل عن الوضع الأصلي من خصائص وخصال في الإنسان كانت ستظل معه لولا التدخل باستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير في الواقع، وإن كان الغرض متجهًا إلى عكس ذلك.
والاستبدال هو كما عرفه المختصون: التعويل على ما للحامض النووي من خصائص، لاسيما خاصة الالتحام عند قصه بحيث يمكن التحكم في إبدال المورثات من خلال عمليات معقدة يعود تحقق نتائجها إلى الخصائص في الحامض المذكور.
وبناء على ما سبق من تفصيل في اعتبار الهدف يختلف الحكم على هذه التصرفات تبعًا للقصد، فإن اتجه إلى العلاج من علة، سواء كانت مرضًا وراثيًا قائمًا بالجسم أو انحرافًا في الطبيعة الأصلية أو تقاصرًا عن القدر المألوف فيها فإنه مما يندرج في التصرفات المشروعة، إن لم يكن على سبيل الوجوب فعلى وجه الندب أو الإباحة، لأنه من جنس المأمور به في نصوص الشريعة الداعية إلى التداوي وإزالة الضرر ودرء المفسدة وتحصيل النفع والحرص عليه.
ولكن ما الحكم إن اتجه القصد أو أدت الوسيلة إلى تغيير الخلقة أو تبديل الفطرة على سبيل العبث والإفساد للانحطاط من الخلق السوي إلى أحد طرفي قصد الأمور من المبالغة في الطباع الحليمة الهادئة المغرقة في الجانب الخير كالملائكة، أو الانحراف بالسجايا عن الوضع الطبيعي المحايد المحقق للتوازن إلى صفة العجز والاستخذاء والانقياد اللاإرادي، أو التوغل في الميول الشريرة التي تنحدر بالإنسان إلى حضيض الشياطين والمردة، وهذا كله خلاف ما خلق الله عليه الإنسان في فطرته من القابلية للخير والشر على حد سواء، إلى أن يطرأ مؤثر ما ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] .
مما لا يساور معه الشك أن في ذلك تبديلًا للفطرة المنهي عن تبديلها، وقد حرم الله كل ما يؤثر على الطبيعة الأصلية للإنسان سواء كان بأسباب مادية منضبطة كالإسكار والتخدير والإكراه الملجئ، أو بأسباب أخرى خاصة كالذي يتعاطاه السحرة النافثون في العقد، أو الحسدة هواة الإصابة بالعين، أو المرجفون وأهل التحريض على الشر أو التثبيط عن الخير باستغلال الهوى الجامح، أو الطيش البين، أو الغفلة والسذاجة، وما إلى ذلك من المؤثرات المعنوية أو النفسية السلبية أو المفسدة فلا يقل عن هذه التصرفات في الخطورة ما يصل إليه الإنسان من نتائج بالوسائل المادية المختبرية والإجراءات الطبية، فكل من هذا وذاك استجابة لأمر الشيطان ومطاوعة لنزغاته بالقيام بالتصرف المعتبر سببًا ينشأ عنه مسببات منسجمة مع ذلك التغيير، فإن الله ربط الأسباب بالمسببات، والحكم كما يتعلق بالفعل المباشر يتعلق بالتسبب إذا ما توافرت صلة السببية.
[ ٨ / ١٢٦٣ ]
القواعد الشرعية في تغيير الخلقة:
جاء في ذلك آية وحديثان صرحا بأن تغيير خلق الله هو من استجابة الناس لما يأمرهم به الشيطان على سبيل الغواية لهم والإضلال:
أما الآية فهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)﴾ [النساء: ١١٧- ١١٩] .
حيث أشارت الآيات الكريمة إلى أن تبتيك الأنعام أي تقطيعها وتغيير خلق الله بمثل قطع الآذان وفقء الأعين هو من المحرمات، ومن فعل الشيطان وأثره.
أما الحديثان فهما ما رواه عياض المجاشعي ﵁، أن النبي ﷺ قال في الحديث القدسي فيما يرويه عن ربه: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإن الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم، فحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، وأمرتهم أن يغيروا خلقي» أخرجه مسلم.
وما رواه ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله» أخرجه مسلم. أيضًا وقد حمل جماعة من المفسرين هذا التغيير على أنه إشارة إلى الوشم وما جرى مجراه من التصنع للحسن وهو قول ابن مسعود والحسن البصري: والوشم غرز ظاهر الجسم بإبرة ثم حشوه بالكحل أو النئور (دخان الشحم) فيخضر، ومما يجري مجرى الوشم التنمص وهو قلع الشعر من الوجه، والتفلج وهو صنع تحزيزات في الأسنان تفعله المرأة الكبيرة للتشبه بالشابة.
والمعنى الذي حرمت لأجله هذه الأمور هو تغيير خلق الله تعالى كما قال ابن مسعود، وهو أصح الآراء كما قال القرطبي (١)، ورجحه على قول من تكلف تعليلًا لا يشير إليه النص، وجعل المعنى في النهي للتدليس وكذلك تظل هذه التصرفات مما تشمله الآية عند من حمل (التغيير) على ما حصل لبعض المخلوقات التي هي للاعتبار والانتفاع، حيث جعلوها معبودة لأمر الشيطان، وهذا النهي إنما هو فيما يكون باقيًا؛ لأنه هو الذي يتحقق فيه تغيير خلق الله، فأما ما لا يكون باقيًا كالكحل والزينة فلا شيء فيه ولا يدخل في هذا المنع.
_________________
(١) تفسير القرطبي ٥/ ٣٩١
[ ٨ / ١٢٦٤ ]
ومع أنه استثنى من النهي الوسم، وهو إحداث علامة في الحيوان بالكي، وهو جائز في غير الوجه، فقد اختلف في خصاء الحيوانات، أما الخصاء في الآدمي فلم يختلفوا في أنه لا يحل ولا يجوز؛ لأنه مثلة وتغيير لخلق الله تعالى، وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حد ولا قصاص؛ قاله أبو عمر بن عبد البر.
وقد بين الإمام الطبري أن في هذا الحديث دليلًا على أنه: (لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقها الذي خلقها الله عليه بزيادة أو نقصان التماس الحسن لزوج أو غيره، سواء فلجت أسنانها أو وشرتها أو كان لها سن زائدة فأزالتها أو أسنان طوال فقطعت أطرافها ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] وذلك يخرج الناس عن فطرة الله، فيشمل هذه المعاصي أيضًا لأن الشيطان يدعو إلى جميع المعاصي لأن كل ذلك تغيير خلق الله، قال عياض: ويأتي على ما ذكره (الطبري) أن من خلق بأصبع زائدة أو عضو زائد لا يجوز له قطعه ولا نزعه؛ لأنه من تغيير خلق الله، إلا أن تكون هذه الزوائد تؤلمه فلا بأس بنزعها عند (الطبري) وغيره (١)
* * *
الاستصفاء
لعل هذه التسمية تؤدي المراد من عبارة التحكم في جنس الجنين بعد تشخصيه.. فهو من باب الاصطفاء لأحد الجنسين على الآخر.
وإن هذا التحكم إذا ما تم بوسائل صحيحة فهو سائغ كما يسوغ الدعاء بطلب جنس معين، ومن المقرر أن ما يحرم فعله يحرم طلبه، وأن من شروط الدعاء ألا يسأل أمرًا محرمًا.
وقد سأل نبي الله زكريا ﵇ أن يرزقه الله ذكرًا ليصبح وليًا يرث من ميراث النبوة، وفضلًا عن ذلك فما كان يجري على مرأى ومسمع المفسرين والفقهاء وضمنوه بعض كتبهم ما كان يسلكه الناس من وسائل أخرى يظنون تأثيرها في الحصول على هذا المقصود بقطع النظر عن مدى صلتها بالحقيقة.
ومثل هذا المسعى إذا جاء على نطاق فردي شخصي لا غبار عليه، وهو بمنأى عن توهم منافاته لحصر العلم بالأرحام في جملة الأمور الخمسة التي استأثر الله بعلمها، فإن ذلك العلم ليس حاصلًا بوسيلة ولا هو مسبوق بجهل ولا هو محفوف بظن وتردد كعلم الناس، فضلًا عن أن الآية جاءت في مورد التحذير مما كان مادة خصبة للكهان والمنجمين، ورتب عليها خطورة الجزم بذلك على أنه علم موهوب، أما إن كان الإخبار ناشئًا عن عادة أو وسائل فإنه ليس في حيز النفي.
وكما يقول القرطبي المفسر: قد تختلف التجربة وتنكسر العادة ويبقى العلم لله تعالى وحده (٢)
_________________
(١) تفسير القرطبي ٥/ ٣٩٣
(٢) تفسير القرطبي ٧/ ٢ وفيه نماذج ١٤/ ٨٢
[ ٨ / ١٢٦٥ ]
وهنا يثور اشتباه آخر هو المنافاة لإرادة الله وإيجاد الموانع من نفاذ المشيئة كما قيل، وهو ادعاء عجيب؛ لأن مراد الله لا يعرف للإنسان إلا بعد وقوعه، وإرادته تمضي طبقًا لما يشاء سبحانه، ولا راد لأمره، وهذا مقتضى العقيدة الإيمانية الصحيحة في مسألة القضاء والقدر، فالعلم بالمقدور علمًا سابقًا لوقوعه هو مما اختص الله به ولا يتخلف عنه القضاء الواقع، وإن الذي يقع فعلًا مهما تخللت من أسباب شتى أو قامت من موانع وصوارف هو المقدور المغيب، سواء كان ظهوره إلى عالم الشهادة مباشرةً للأسباب الظاهرة أو عقب تدخل أسباب غريبة عن مجرى الأمور المعتادة، مما يستدفع به المكروه أو يستجلب به المرغوب، وما قواعد الوراثة إلا نظم وأسباب كونية أودعها الله في مخلوقاته يرفعها متى تعلقت بذلك إرادته، سواء كان ارتفاعها حلالًا أو حرامًا؛ ذلك أن الحرام وازعه هو ما في نفوس المؤمنين من منزلة الخطاب والقوى الرادعة عن عصيانه وليس هو الموانع القهرية في صورة المعجزة أو العقوبة المعجلة.
والإرادة الإلهية نوعان: إرادة كونية نافذة دون الحاجة إلى فعل يقدم عليه المخلوق، أو كف يصدر منه، بل يسخر الله من الأسباب ما يكفل نفاذ تلك الإرادة، وإرادة أخرى شرعية تقتضيها النصوص الآمرة أو الناهية، وهي نافذة بالالتزام والمراعاة، أو معطلة بالتمرد والعصيان أو الإهمال؛ لأنها مناط التكليف وموضوع الخطاب.
وابن تيمية ممن أشار إلى الفرق بين نوعي الإرادة، وأوضح اللبس الناشئ عن عدم التمييز بينهما، وكمثال شرعي متشابه؛ قضية التحكم في أصل الإنجاب نفسه بالعزل فقد جاء فيه الحديث عن جابر: «أن رجلًا أتى إلى رسول الله ﷺ فقال: إن لي جارية هي خادمنا وسانيتنا في النخل وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل، فقال: اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها» أخرجه مسلم في صحيحه.
والملحوظ أن أكثر هذه القضايا المطروحة في ظروف المسلمين الحاضرة ليس في الوسع سد ذرائعها بمعالجتها عن طريق الحكم التكليفي القاضي بالطلب أو الكف؛ بل إنها تمثل أمامهم من خلال الواقع بخيرة وشره، ولابد حينئذ من بحث ما يترتب على ذلك من آثار (وهو ما يسمى بالحكم الوضعي) بقطع النظر عن كون الفعل حلالًا أو حرامًا، ولا يخفى أنه لا تزال أحكام الشريعة هي المطبقة في هذه القضايا في العالم الإسلامي كله لأنها من قطاع الأحوال الشخصية.
[ ٨ / ١٢٦٦ ]
وإن التبعية للغرب الذي لا يقيم وزنًا للحل والحرمة هي العائق عن تناول هذه القضايا في بداياتها قبل أن تتفاقم للتعرف إلى الحلال البين والترحيب به، والتنبيه إلى الحرام البين واجتنابه، وتبقى بعض المشتبهات التي تتقى ويحتاط في البعد عنها استبراء للدين والعرض كما أشار إلى ذلك الحديث المعروف.
هذا وإن الذي يمدنا بالحلول والمعالجات للآثار والنتائج هو ما في الشريعة من غنى مصدره ما بنيت عليه من قواعد ومراعاة معاني النصوص وعللها، وهي لا تتناهى ولا تضيق بكل ما يجد من حوادث وقضايا؛ على سبيل التنويه؛ فإن من الصيغ الشرعية التي تتصل بهذه الموضوعات أحكام النسب إثباتًا ونفيًا وأحكام اللعان وأثر الولادة التي ينشأ عنها النسب بصورة طبيعية، مهما كانت ملابسات الحمل، حتى باستدخال النطفة بتعبير الفقهاء، وقاعدة «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، وهو نص حديث صحيح يعتبر على رأس النصوص المنظمة لهذه الزمرة الهامة من أحكام الشريعة.
الدكتور عبد الستار أبو غدة
[ ٨ / ١٢٦٧ ]