ضوابطها ونماذج منها
إعداد
د. محمد بن علي القري
مركز أبحاث الاقتصاد الاسلامي
جامعة الملك عبد العزيز- جدة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الهادي إلى سواء السبيل، والصلاة والسلام على نبي الرحمة محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
١ - مقدمة:
لا تزال حياة الناس تتبدل وتتغير، وظروف عيشهم تتنوع وتختلف،
وتنوع حاجتهم إلى أنواع متجددة من المعاملات قائم على الدوام، وشريعة الإسلام صالحة لكل مكان وزمان، ولأن الدين عند الله الإسلام، ورسالة محمد ﵊، هي للبشر كافة، جاءت هذه الشريعة مجهزة بقدرات فريدة على الوفاء بحاجات الناس المتجددة، ولذلك فاقت نظرية العقد في الشريعة الإسلامية كل نظرية عرفها الإنسان، مما أهَّلها - بحمد الله - لأن تكون أساسًا صالحًا على الدوام لتحقيق العدل بين المتعاقدين واستقرار المعاملات في المجتمع، وأول معالم ذلك موقف الشريعة الإسلامية من مبدأ سلطان الإرادة العقدية.
لم يكن مبدأ سلطان الإرادة العقدية معترفًا به في القانون الروماني ولا في غيره من الشرائع البائدة، إذ كان لابد لكل عمل قانوني من إجراءات ومراسم وألفاظ تتم طبقًا لأوضاع معينة، ومتى تمت وجد العمل القانوني ثم ترتبت عليه آثار يحددها القانون، أما الإرادة المجردة فليست في ذاتها كافية لتكوين العمل القانوني، وليس دور، حتى لو اقترنت بالإجراءات المقننة،
في تحديد آثار ذلك التصرف، ولذلك سارت القوانين القديمة على أن الأعمال التعاقدية شكلية في تكوينها محددة في آثارها، فلم يعترف
القانون الروماني إلا بالعقود المسماة التي خصصها ذلك القانون بأسماء معينة، وتولى تنظيمها وتحديد الآثار المترتبة عليها.
وفي الجهة المقابلة فقد غالت القوانين الوضعية المعاصرة، متأثرة بالمذهب الفردي، في إطلاق سلطان الإرادة، فقررت أن إرادة الإنسان هي التي تلزمه وهي التي تحدد مدى التزامه، وأن تدخل القانون في حرية الإرادة يجب أن يكون عند الحد الأدنى، كما أن كافة الحقوق والالتزامات إنما تستند في الأصل إلى سلطان الإرادة، فأضحى للفرد حرية التعاقد فيلتزم بما يبرم من عقود أو يمتنع عن إبرام عقد معين، والأهم من ذلك أن لطرفي العقد حرية تحديد الآثار القانونية التي تترتب على تعاقدهما وشروط ذلك التعاقد، فيجوز لهما أن يتفقا على أحكام تغاير نصوص القانون (غير الآمرة)، فلا يحدث اتفاقهما عندئذ إلا الآثار التي اتجهت إليها إرادتهما، فالعقد عندهم شريعة المتعاقدين، ومجرد اتجاه الإرادة لإحداث أثر قانوني كافي لإحداث ذلك الأثر.
[ ١٠ / ٩٥٦ ]
أما الشريعة الإسلامية فقد جاءت وسطًا، بعيدة عن الغلو وعن التطرف، فهي لم تقتصر على عقود محصورة العدد لا يجوز للمكلفين الاتفاق خارج نطاقها، كما لم تشترط إجراءات شكلية أو مراسيم أو إشارات معينة لإتمام العقود، إذ أن أنواع العلاقات التعاقدية بين أفراد المجتمع يمكن أن تكون بصيغ مستجدة لا تندرج تحت أي من العقود المسماة في كتب الفقه، ذلك لأن العقود التي وردت في كتب الفقه إنما هي العقود التي غلب وقوع التعامل بها في زمن أولئك الفقهاء، ومن ثم سجلت تلك الكتب آراءهم واجتهاداتهم فيها، ولم تكن على سبيل الحصر من جهة التشريع، كما كان الحال في القانون الروماني. يقول ابن تيمية - ﵀ - في القواعد النورانية:
" ومعلوم أن البيع والإجارة والهبة ونحوها لم يحد الشارع لها حدًا لا في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا نقل عن أحد من أصحابه والتابعين أنه عين للعقود صفة معينة الألفاظ أو غيرها أو قال ما يدل على ذلك من أنها لا تنعقد إلا بالصيغ الخاصة، بل قد قيل: إن هذا القول مما يخالف الإجماع القديم وأنه من البدع فإذا لم يكن (للبيع) حد في الشرع ولا في اللغة كان المرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم، فما سقوه بيعًا فهو بيع، وما سقوه هبة فهو هبة ". (١)
وجعل التشريع الإسلامي لسلطان الإرادة العقدية المكانة المناسبة بلا إفراط ولا تفريط، ويظهر ذلك جلي في عناية الفقه الإسلامي بجانبين مهمين من جوانب سلطان الإرادة:
الأول: هو الرضا وما له من أهمية بالغة في العلاقات التعاقدية، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وما أخرج ابن حبان وابن ماجه والبيهقي عنه ﷺ: «إنما البيع عن تراض» .
يقول ابن تيمية ﵀ في فتاواه: " والأصل في العقود رضا المتعاقدين ونتيجتها هو ما أوجباه على أنفسهما بالتعاقد ".
علق عليها الأستاذ مصطفى الزرقا في المدخل الفقهي بقوله: " فهذه العبارة الجليلة هي التي يجب أن تعتبر بحق دستور الفقه الإسلامي في مبدأ سلطان الإرادة العقدية ". (٢)، بل استخدام كلمة (الرضا) هو بحد ذاته بالغ التعبير في مسألة سلطان الإرادة العقدية لأنها أدل من أي كلمة أخرى على كمال الإرادة وبلوغ الاختيار نهايته. (٣)
_________________
(١) القواعد النورانية الفقهية، شيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق محمد حامد الفقي، ص ١٣٣- ١٣٤
(٢) بل أن الشيخ محمد زكي عبد البر بعد استعراض كلام المفسرين في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ﴾ والآيات التي وردت فيها كلمة (تراض)، يصل إلى اجتهاد مفاده أن التراضي هو العلة، وليس مجرد شرط وصفة. ويترتب على ذلك أن يقاس على التجارة، كما قال: " كل أخذ وعطاء للمال بتراض فيحل، وأن يخرج من حكم التجارة هنا - وهو الحل - كل أخذ وعطاء للمال من غير تراض، وإلحاق كل تعامل مالي فيه تراض بالتجارة في الحل، ص ٩٨، الربا وأكل المال بالباطل، الكويت، دار القلم ١٩٨٦
(٣) نشأت الدريني، الرضا، ص ٥٧
[ ١٠ / ٩٥٧ ]
والثاني: هو مسألة الشروط، وما صح عنه ﷺ: «المسلمون عند شروطهم»، قال في بدائع الصنائع: " فظاهره يقتضي لزوم الوفاء بكل شرط إلا ما خُصَّ بدليل، لأنه يقتضي أن يكون كل مسلم عند شرطه وإنما يكون كذلك إذا لزمه الوفاء به.. وهذا لأن الأصل أن تصرف الإنسان يقع على الوجه الذي أوقعه إذا كان أهلًا للتصرف والمحل قابلًا، وله ولاية عليه ". (١)
فسلطان الإرادة العقدية موجود وله مكانته السامية في الفقه الإسلامي
إلا أنه منضبط بالنظام العام الذي يمثل أحكام الشريعة الإسلامية بجملتها، إذ لا يجوز لسلطان الإرادة العقدية أن يخترق هذا النطاق، بحيث ينافي المقاصد العامة أو يناقضها، يقول الشاطبي في (الموافقات) بعد الكلام عن مقاصد الشريعة: " لو فرض اختيار العبد خلاف هذه الأمور لحجر عليه ولحيل بينه وبين اختياره، ومن هنا صار فيها مسلوب الحظ محكومًا عليه في نفسه ". (٢)
ولذلك فإن للمسلمين أن ينشئوا من العقود ما يحقق لهم مصالحهم في
مجال المعاملات، غير مقيدين بصيغ بذاتها أو ألفاظ بعينها، ومن ثم فمنهاج النظر في العقود المستجدة والعقود المركبة والعقود المجمعة إلخ هو انضباطها داخل حدود ذلك النظام العام، أي خلوها من الربا والغرر وبيع ما ليس عند الإنسان، وأكل أموال الناس بالباطل، وغير ذلك من مفسدات العقود، فإن كانت خالية مما ذكر فلا يؤثر في الحكم عليها كون أنها مستحدثة لم تكن معروفة عند القدماء.
_________________
(١) بدائع الصنائع: ٥/ ٢٥٩
(٢) الموافقات، للشاطبي: ٢/ ١٣٧
[ ١٠ / ٩٥٨ ]
٢ - العقود المستحدثة:
يقصد بالعقود المستحدثة (أو المحدثة) تلك التي تنظم أنواعًا من العلاقات المستجدة بين الناس، والتي لا أصل لها تقاس عليه؛ لأن محلها لم يكن أمرا معهودًا في القديم، أو لأنها جاءت وليدة التطورات في التقنية والاتصالات والمعلومات التي هي من سمات هذا العصر الحديث، مثال ذلك عقد الاشتراك في المجلات والجرائد، فهو عقد يتقدم فيه دفع الثمن ويتأجل قبض المبيع، ولكنه ليسر سلما لأنه غير موصوف في الذمة ولا سلعة مثلية، إذ العقد يتعلق بمجلة بعينها، كما أنه ليس استصناعًا لأن الصفات في هذا المصنوع (المجلة) يحددها الصانع لا المستصنع، فهو الذي يتولى التحرير وإعداد المحتويات لكل عدد، فعقد الاشتراك في المجلات من العقود المستجدة التي لم يعرفها القدماء، لأنها محلها (الصحف السيارة) هو أمر محدث.
وليست العقود المستجدة وليدة العصر الحديث فحسب، بل هي
تظهر في كل عصر استجابة للتغيرات التي تحدث في حياة الناس، فتولد أنواعًا جديدة من العلاقات والمعاملات بينهم، كما تستجد في كل عصر ظروف وأوضاع للناس لم تكن معروفة عند سابقيهم، فتظهر لهذا السبب أنواع من العلاقات والعقود التي تنهض بحاجاتهم إلى تلك المعاملات المختلفة.
من ذلك ما ذكر صاحب المغني في السفينة أو الدابة يعطيها مالكها لآخر يعمل عليها بجزء من الدخل المتولد منها، وهي معاملة احتاج الناس إليها في ذلك الوقت، فإذا قيست على الإجارة، كانت النتيجة عدم الجواز؛ لأن الأجر فيها مجهول، وإذا قيست على المضاربة لم تجز أيضًا؛ لأن رأس المال فيها ليس نقودًا وهو شرط صحة المضاربة، فهي إذن عقد مستجد للناس فيه مصلحة، وليس فيه الربا ولا الغرر، ولا أكل أموال الناس بالباطل.. كما أن له ما يشبهه من العقود الجائزة وهي المزارعة والمساقاة، لذلك قال فيه ابن قدامة: " إنها عين تنمّى بالعمل عليها، فصح العقد عليها ببعض نمائها ". (١)
_________________
(١) المغني: ١١٧/٥
[ ١٠ / ٩٥٩ ]
٣ - العقود المجتمعة:
يقصد بالعقود المجتمعة تلك الاتفاقيات التي تولد حقوقًا والتزامات مستمدة من أكثر من علاقة تعاقدية مستمدة، كأن يجتمع فيها البيع والإجارة والوكالة إلخ، ولكل واحد من هذه العقود معالمه الواضحة وأركانه وشروطه المكتملة، لكنها تقع جميعًا في داخل تلك الاتفاقية، وقد اتجهت إرادة العاقدين إلى جمع تلك العقود في اتفاقية واحدة لمصلحة تتحقق لكليهما، بحيث إنها لو انفصلت عن بعضها البعض أو استقلت، لم تتحقق تلك المصلحة، أو ربما لم تتحقق بالصورة التي يرغبان فيها.
مثال ذلك الاتفاقية المتعلقة بسكن المسافر في أحد الفنادق، إذ يجتمع فيها عدة عقود، منها عقد إجارة الغرفة التي يسكن فيها، وعقد بيع الطعام الذي يحصل عليه في غرفته أو في مطعم الفندق، وعقد وديعة للأموال التي يضعها في صندوق حفظ الأمانات إلخ، وقد جعلت تلك العقود جميعًا في عقد واحد لمصلحة يراها الطرفان، فالنزيل سيفضل أن يحل في سفره على فندق يتوفر على كافة الخدمات، فلا يحتاج إلى الخروج منه لطلب الطعام وغسل الملابس إلخ، وصاحب الفندق له مصلحة في جعل كل تلك الخدمات في اتفاقية واحدة، لأنه عندئذ ربما قبل الربح القليل في الطعام في سبيل أن يزيد من ربحه في تأجير الغرف إلخ، كما أن جميع تلك العقود في اتفاقية واحدة يقلل تكاليف التعاقد، وهو أمر مهم في حياة الناس المعاصرة.
ولا تثير العقود المجتمعة مشكلة كبيرة من الناحية التعاقدية، إذ أن تلك العقود وإن اجتمعت في اتفاقية واحدة إلا أنها تحتفظ باستقلالها العقدي فلا تمتزج مع بعضها البعض، ففي المثال السابق ليس النزيل في الفندق ملزمًا بأكل طعام ذلك الفندق، ولذلك يستطيع إذا رغب أن يقصر الاتفاقية المذكورة على السكن فحسب، فتصبح عقد إجارة عادي، لكن وجوده ساكنًا في الفندق يمكنه من طلب الطعام في الغرفة، ويكون له عندئذ ثمنه الخاص وإن كان جزءًا من الاتفاقية، والعوض في كل عقد من هذه العقود معلوم ومحسوب بطريقة واضحة مستقلة عما سواه، فثمن الطعام مستقل عن أجرة السكن أو رسوم الهاتف إلخ.
وربما تكون العقود المجتمعة هي تكرار لعقد واحد فيلتزم الطرفان أو أحدهما في اتفاقية بإمضاء عقد من العقود بصفة متكررة خلال فترة معينة. مثال ذلك الاتفاقية التي يوقعها تاجر مع المصرف الإسلامي، يكون له خلال مدتها أن يشتري سلعًا بالمرابحة إلى حد معين يذكر في تلك الاتفاقية (٥ ملايين أو أكثر أو أقل)، ويلتزم المصرف خلال مدة الاتفاقية أن يقدم له التمويل متى طلب، وأن لا يزيد ربحه (الزيادة من أجل الأجل) في كل بيع عن نسبة كذا المتفق عليها، عندئذ فقد اجتمعت في تلك الاتفاقية عدة عقود للمرابحة وجد الطرفان مصلحة في جمعها، فالمصرف يستفيد منها في تقليل الإجراءات وتخفيض تكاليف دراسة الطلب ومتطلبات الموافقة عليه، والتاجر يطمئن إلى أن المصرف قد ألزم نفسه بتقديم تلك الخدمات خلال الفترة المتفق عليها.
[ ١٠ / ٩٦٠ ]
٣ – ١ هل يكون التجميع بحد ذاته عقدًا؟
هذا التجميع الذي يتفق عليه الطرفان لمصلحة يريانها هل يكون هو
في حد ذاته عقدًا من نوع ما؟ وما طبيعة الالتزام الذي يتولد عن مثل هذه الاتفاقيات؟ وهل يجوز فيه المعاوضة؟
لا ريب أن هذه الاتفاقية التي تم من خلالها تجميع تلك العقود يمكن
النظر إليها كعقد، إذ هي تولد التزامًا على الطرفين (وأحيانًا على طرف واحد فقط)، فإذا نظرنا إلى اتفاقية المرابحة آنفة الذكر وجدنا أنه قد ترتب عليها التزام من المصرف بتقديم المرابحة بربح محدد في خلال فترة الاتفاقية، وقد حدث ذلك كقبول لإيجاب من عميل المصرف، طلب فيه الشراء بالمرابحة، وهي اتفاقية مستقلة عن عقود المرابحة اللاحقة، إذ أن كل بيع بالمرابحة سينعقد في حينه بإجراءات متفق عليها، بل أن الاتفاقية قائمة خلال مدتها وهي موجودة ويتولد عنها الالتزام المذكور، حتى لو مر جميع وقتها ولم يشتر العميل بالمرابحة؛ فهي مواعدة ملزمة يمكن أن تكون بحد ذاتها نوعًا من أنواع العقود المستجدة، لأنها عقد يلتزم فيه طرف (أو طرفان) بالدخول في عقود معينة في المستقبل، فإذا أخذنا بعين النظر إمكانية أن يكون لهذه الاتفاقية ثمن (على صفة رسوم مدفوعة ما) رجح عندنا أنها هي بذاتها عقد مستجد، فيه إيجاب وقبول وصيغة ومحل، والثمن فيه يسمى (رسوم الارتباط)، ففي الحالة المذكورة أعلاه من بيع المرابحة يحصل على تلك الرسوم لمجرد أنه يقف مستعدًا خلال فترة الاتفاقية على إمضاء العقود المتفق عليها، وهذا هو الالتزام الذي يولده ذلك العقد.
[ ١٠ / ٩٦١ ]
٤ - العقود المركبة:
يقصد بالعقود المركبة تلك الاتفاقيات التي تجتمع فيها عناصر
مستمدة من أكثر من عقد من العقود المسماة، مع ترابط في تلك العناصر بطريقة لا يتحقق مقصود الطرفين من الاتفاقية المذكورة إلا بوجودها جميعًا. ولعل أهم اختلاف بين العقود المجمعة والعقود المركبة أن عناصر العقود في العقد المركب لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، بل إن أي محاولة لفصل بعضها عن بعض ربما أدى إلى انتفاء المقصود منها، وهي (أي تلك العناصر) ربما حدثت في نفس الوقت، وبطريقة لا يكاد يظهر أي واحد منها هو المقصود بعينه في تلك اللحظة.
مثال ذلك الاعتمادات المستندية لغرض الاستيراد، فإن فيها عنصر الوكالة وعنصر الكفالة (أو الضمان) وعنصر القرض، وليس أي واحد منهما مقصودًا بصفة مستقلة عن الآخر، ولا يكفي لتحقق الغرض توفر واحد منهما فحسب، كما أن العوض المدفوع مرتبط بالاتفاقية بكل عناصرها بحيث لا يعرف ما هو الثمن المقابل لكل عنصر فيها.
ولذلك يمكن القول أن الحكم على العقود المركبة معتمد على العناصر المكونة لها، فإذا جمعت بين عقود معاوضة فحسب، فالنظر إليها مختلف عن الجمع فيها بين عقود المعاوضة وعقود التبرع، فمثلًا قد ورد النهي عن بيع وسلف؛ لأن الزيادة المشروطة في القرض والزيادة فيه ربا من الربا المحرم، فإذا جمع البيع والزيادة فيه هي ربح مباح مع القرض في عقد واحد لم يعرف ما إذا كانت الزيادة هي في حقيقتها ربح أو ربا؟ فوقع المحظور، أو الجمع بين عقد معاوضة وضمان، فالإجماع على أن الأجر على الضمان لا يجوز، أما الجمع بين البيع والإجارة فهو أقل إشكالًا؛ لأن كليهما عقد معاوضة فلا يكون الجمع بينهما مظنة الذريعة إلى المحظور من جهة الربا، وربما قيل: أن العقود المركبة بهذا التعريف إنما هي عقود مستحدثة ليس لها أصل تقاس عليه وحتى اشتمالها على عناصر من عقود ليس مبرِّرًا كافيًا لربط الحكم عليها بالحكم على تلك العقود لسبب مهم، هو أن الجمع بين العقود كمثل بيع وسلف ليس فيه إنشاء عقد جديد، وإنما هو إدخال عقد في آخر، بيد أن العقود المركبة بالوصف المذكور لا تستغني عناصرها عن بعضها البعض ولا تفي بحاجة المتعاقدين لو حدثت، ومن ثَمّ لزم القول أن العقود المركبة هي معاملات جديدة يُرجع فيها إلى أصل الشريعة في الإباحة فيما سكت عنه الشارع.
[ ١٠ / ٩٦٢ ]
٤ - ١ الباعث على ظهور العقود المركبة والعقود المجمَّعة واستحداث العقود الجديدة في النشاط الاقتصادي:
قامت حياة المسلمين الاقتصادية على أنواع من المعاملات التي نظمتها عقود مشهورة في فقه المعاملات، مثل البيع والسلم والشركة والمضاربة إلخ، وكانت تلك العقود كافية للوفاء بحاجات الناس وتنظيم المعاملات بينهم وضبط الحقوق والالتزامات المترتبة في النشاط الاقتصادي بصيغها المعروفة، إلا أن هذه الصيغ وتلك الصور لم تعد كافية فاحتاج الناس إلى أنواع جديدة من المعاملات التي تتضمن عقودًا مركبة وصيغًا مطورة، فما الباعث على مثل ذلك؟ وما هي المستجدات في حياة المسلمين التي ولدت مثل تلك الحاجة؟
إن تطور الحياة المعاصرة هو بلا شك أساس تلك الحاجة ومبعثها،
لكن النظر إلى هذه المسألة في إطار العلاقات التعاقدية تحديدًا يكشف لنا عناصر مهمة في الإجابة عن السؤال.
الأول: انفصال وظيفة التمويل عن وظيفة البيع في المعاملات المعاصرة وظهور ما يسمى بالائتمان:
يعد استقلال عملية التمويل من البيع وغيره من عقود المعاوضات وتميزها بعقود خاصة بها ومؤسسات يقتصر عملها عليها يعد بلا ريب أحد سمات الحياة المعاصرة لمجتمعات الإسلام.
لم يعرف المسلمون قديمًا وظيفة تسمى التمويل، بل عرفوا أنواع البياعات التي تحدث حاضرة (مثل المساومة والمرابحة) ومستقبلية (مثل السلم والاستصناع)، وعقود المعاوضات الأخرى كالإجارة، وعرفوا الشركة المضاربة إلخ، وإلا يعني ذلك أن لم تكن للناس حاجة إلى التمويل، لكن المسألة أن وظيفة التمويل لم تكن منفصلة عن تلك المعاملات.
خذ على سبيل المثال عقد السلم، فهو عقد يعجل فيه الثمن ويؤجل فيه قبض المبيع، فهو في ظاهره بيع، إلا أن ذلك لا يخفي حقيقة أن الباعث عليه عند البائع هو الحاجة إلى تمويل نشاطه الزراعي أو التجاري فهو يستعجل قبض الثمن فيشتري به البذور وحاجات الزرع إلخ، فيزرع ثم يحصد ثم يسلم ما باع إلى المشتري، وبدون ذلك لم يكن ممكنًا له أن ينهض بالعملية الزراعية التي تنتج القمح والشعير إلخ.
وكذا حال المضاربة فهي عقد شركة في الربح، لكنها تنهض ببعض حاجات التمويل أيضًا، فهذا التاجر ذو الخبرة في شؤون الأسواق يحتاج إلى مال لتوسيع عملياته التجارية فيحصل على مدخرات رب المال ويوجهها نحو شراء السلع ثم بيعها إلخ.
[ ١٠ / ٩٦٣ ]
لكن الجديد في عالم اليوم هو استقلال عمليات التمويل بمؤسسات متخصصة، مما احتاج إلى تجلية العناصر التمويلية في بعض العقود، وتركيب عقود جديدة تسلخ منها العناصر التي هي من صميم عمل التجار وأمثالهم، ويقتصر على ما كان متعلقًا بوظيفة التمويل. من ذلك بيع المرابحة (مع تأجيل الثمن)، فيه جوانب تمويلية منها تمكين غير القادر على الشراء نقدًا من الحصول على السلعة ودفع ثمنها منجمًا، وفيه جوانب تجارية (تبادلية) مثل " نطح الأسواق " والتربص بالسلع لتعظيم الربح، وإنشاء المستودعات والمعارض والترويج للمبيعات وما إلى ذلك. عندئذ اقتصرت المؤسسة المصرفية على الجانب الأول فقط لرغبتها التخصص في التمويل، وتركت الجانب الثاني إلى التجار، فاحتاجت لهذا السبب إلى تطوير واستنباط صور جديدة للشروط في العقود التي هي في أصلها جائزة كالبيع والإجارة وغيرها. والائتمان من المصطلحات الجديدة التي تصف أمرًا قديمًا معهودًا عند كل المجتمعات في القديم والحديث.
والائتمان يختلف في مفهومهم من القرض فهو يشير إلى " تمكين مقدم الائتمان المستفيد منه من استخدام القوة الشرائية التي يتوفر عليها الأول للحصول على السلم والخدمات والنقود بمقابل نقدي مرتبط بالزمن " فجاءت المرابحة للآمر بالشراء مع الوعد الملزم إلخ، والذي يظهر لنا أن الجزء الأكبر من الباعث على العقود المركبة والمجمعة إنما مرده هذه الظاهرة التي ما كانت معروفة في القديم، وهي انفصال وظيفة التمويل عن التجارة والنشاطات الاقتصادية الأخرى وظهور ما ليس بالائتمان.
[ ١٠ / ٩٦٤ ]
الثاني: اكتشاف قانون الأعداد الكبيرة:
يعد قانون الأعداد الكبيرة، والذي يسمى أحيانًا قانون الاحتمالات، واحدًا من أهم الاكتشافات في علم الإحصاء، ويمكن تلخيص الفكرة الأساسية في هذا القانون كما يلي: " كلما زاد عدد الملاحظات الإحصائية كلما اقتربت النتائج الحقيقية (أي التي ستقع في المستقبل) مع تلك المتوقعة نظريًّا (أي المحتملة الآن) بحيث يتطابقان في اللانهاية ".
ويعود اكتشاف هذا القانون إلى القرن السابع عشر الميلادي عندما قام مجموعة من علماء الرياضيات بدراسة أرقام الوفيات في أوروبا، إذ اكتشفوا أنه بقدر ما يزيد عدد الوفيات والمواليد التي يدخلونها في تلك الإحصاءات بقدر ما يتجه عدد الإناث والذكور إلى التساوي، ثم جاء عالم الإحصاء المشهور (سيمون بواسان) الذي طور هذه الفكرة في القرن التاسع عشر وأسماها قانون الأعداد الكبيرة. ويعتمد هذا القانون في فكرته الأساسية على اتجاه الاستنتاجات إلى الاستقرار كلما زاد عدد الملاحظات الإحصائية، فما يبدو وكأنه عشوائي من الحوادث الفردية، يظهر متصفًا بالاستقرار قابلًا للتوقع الدقيق إذا كبر حجم العينة، فمثلًا عندما أقذف قطعة نقدية بيدي لمرة واحدة فإنه من المستحيل تقريبًا أن أعرف نتيجة ذلك، أي هل ستستقر القطعة النقدية على وجهها أم على قفاها، ولكني لو فعلت ذلك عددًا كبير كافيًا من المرات فالنتيجة ستكون، بشكل شبه يقيني، نصف عدد المرات على الوجه ونصفها على القفا، ولذلك سيكون نوعًا من الخطر أو المقامرة أن أراهن على أن القطعة النقدية ستستقر على قفاها في رمية واحدة، ولكنه سيكون معلومًا وأبعد ما يكون عن الخطر أن أراهن أن ٥٠ % من المرات ستستقر القطعة النقدية على قفاها عندما ترمى ١٠٠٠ مرة.
وهكذا فإن كثيرا من الحوادث التي تبدو عشوائية بصفة فردية تُظهر
قدرًا كبيرًا من الانتظام إذا زاد عددها في مجموعة واحدة، فنحن لا نستطيع أن نعرف ما إذا كانت سيارة عمرو ستتعرض لحادث اليوم، ولكننا نستطيع أن نعرف بشكل يكاد لا يخطئ عدد السيارات التي ستتعرض للحوادث اليوم في مدينة كبيرة كجدة. لا يوجد طريقة يمكن أن نعرف بها ما إذا كان زيد سيموت هذه السنة، لكنا نستطيع أن نعرف أنه من كل ١٠٠.٠٠٠ شخص هناك مثلًا ٥٠-٦٠ شخصًا سيموتون هذه السنة، وليس لذلك علاقة البتة بعلم الغيب، بل كل ذلك مستمد من قانون الأعداد الكبيرة. وهكذا صار بأيدينا أداة نستطيع أن نتوقع من خلالها ما سوف يحدث في المستقبل بشكل دقيق، الذي يهمنا هنا هو تأثير اكتشاف قانون الأعداد الكبيرة على العلاقات التعاقدية بين الناس.
[ ١٠ / ٩٦٥ ]
إن المؤسستين الماليتين الأكثر أهمية في حياة الناس المعاصرة، وهي:
البنوك وشركات التأمين هما (هبة) قانون الأعداد الكبيرة، فلقد أصبح ممكنًا بعد اكتشاف الإمكانيات التي يتيحها هذا القانون تصميم مؤسسة الوساطة المالية بطريقة مكنتها من أن تقوم بجمع مدخرات الأفراد وتقف أمامهم مستعدة - على الدوام - لردِّها إليهم بمجرد الطلب أو في وقت قصير جدًّا، حتى يكاد يبدو أن نقودهم محفوظة لديها في صناديق، ولكنها في نفس الوقت تستخدم نفس تلك المدخرات لتمويل عمليات متوسطة وطويلة الأجل كالتجارة والصناعة والإنشاءات العمرانية إلخ.
لقد أصبح ذلك ممكنا لإعمال قانون الأعداد الكبيرة على المدخرين،
لأنهم يعدون بالآلاف، فأصبح ممكنًا أن نعرف، بشكل شبه يقيني، كم منهم سوف يسحب نقوده، وكم منهم سيبقيها، ولأي مدة، فإذا عرفنا مثلًا أن ثلثي هذه المدخرات سيبقى في المصرف لمدة تزيد عن سنتين، أمكننا الدخول في عقود تمويلية مدتها سنتين بتلك المبالغ وهكذا، وكذا في عمل شركات التأمين، فإن فكرة التأمين بكافة صورها وأنماطها سواء منها ما كان تجاريًّا أو تعاونيًّا إنما هي معتمدة على قانون الأعداد الكبيرة، إذ أمكن من خلال الإمكانيات التي يوفرها هذا القانون توقع ما سوف يقع في المستقبل؛ أضرار من نوع من الحوادث، ثم معرفة حجم الأموال الذي سنحتاج إليه لتعويض المتضررين من ذلك النوع من الحوادث مثل حوادث السيارات، ثم بناء على ذلك تحديد رسوم الاشتراك بطريقة تغطي تلك التعويضات وتكاليف إدارة المشروع التأميني.
إن ما يهمنا في هذه المسألة هو أن ظهور هاتين المؤسستين بنشاطهما المعتمد على فكرة قانون الأعداد الكبيرة اقتضى ترتيبات تعاقدية جديدة لم تكن معروفة من قبل، وولد أنواعًا من الالتزامات والحقوق ليس لها سوابق تقاس عليها، فلم يكن ممكنًا ممارستها لأنشطتها إلا بعقود جديدة بعضها مستجد وبعضها مركب.
فمثلًا قام نشاط شركة التأمين على نوع عقد معاوضة، إذا نظر إليه من منظار العلاقة الفردية بين المستأمن وشركة التأمين فإن فيه غررًا فاحشَا لا يشبهه إلا عقود الحظ والقمار، لكنه على خلاف الأخيرة يحقق منافع واضحة وفوائد محببة إلى النفوس لطرفي العقد، بحيث لا يشعر أي منهما بالغبن كما هو الحال بالعقود ذات الغرر الفاحش، وإذا نظر إليه من منظور قانون الأعداد الكبيرة وجد أنه أبعد ما يكون عن الخطر والقمار، ولا يكاد يوجد فيه الغرر، وكذلك الحال في البنوك فقد قام جمعها للمدخرات في الودائع الجارية المعتمدة على عقد القرض (في البنوك الربوية والإسلامية) ولكنه قرض ذو طبيعة مختلفة، فظاهر أن غرضه ليس الإرفاق ولا القربة ولا تتجه إرادة طرفيه إلى ذلك أبدًا، وهو قرض يجر منافع واضحة للدائن فيه على صفة معاملات متميزة ودفتر شيكات إلخ، فهذا بلا شك وإن كان ينطبق عليه تعريف القرض إلا أن له جوانب مستجدة ليس لها أصل تقاس عليه، ومرد هذا الاختلاف هو قانون الأعداد الكبيرة، وغير ذلك كثير.
[ ١٠ / ٩٦٦ ]
الثالث: انتشار العمل بصيغة الشخصية الاعتبارية ذات المسؤولية المحدودة:
الشخصية الاعتبارية اختراع قانوني يتولد عنه إضفاء بعض صفات الآدمي على كيان اعتباري، ولاسيما ما يتعلق بالذمة المالية، فأضحى لتلك الشخصية القانونية المستقلة عن أصحابها القدرة على التعاقد مع غيرها من الشخصيات الطبيعية والاعتبارية، وأن تكون وعاء للحقوق والالتزامات وأن تنشغل ذمتها بالديون إلخ، وليست فكرة الشخصية الاعتبارية بجديدة إذ قد عرفت في القديم، وتضمنها التشريع الإسلامي ممثلة في الوقف وبيت المال، إذ لكل واحد منها شخصية اعتبارية بها أوصاف معتبرة، إلا أن المهم في المسألة ليس فكرة الشخصية الاعتبارية بذاتها بل فكرة المسؤولية المحدودة.
ذلك أن فكرة المسؤولية المحدودة لم يعرفها المسلمون قديمًا،
وإنما هي مستوردة في عند غير المسلمين. (١)
ويقوم النشاط الاقتصادي في الوقت الحاضر على العمل (المؤسسي)، إذ لم يعد لأفراد التجار أثر يذكر أو حضور مهم إلا من خلال مؤسساتهم التجارية وشركاتهم المسجلة والتي تتمتع بشخصيات اعتبارية، كما أن النشاط المالي والمصرفي والمشاريع الاقتصادية ذات الحجم الكبير في الصناعة والزراعة وغيرها إنما تنهض به شركات مساهمة، وهي المثال الحي في يوم الناس هذا على (محدودية المسؤولية) .
لقد أدى ذلك كله إلى بروز الحاجة إلى أنواع جديدة من العلاقات التعاقدية التي تأخذ باعتبارها الطبيعة الخاصة لهذه الشركات، لا سيما عندما ترتبط تلك الشخصيات الاعتبارية مع بعضها البعض بعلاقات تعاقدية، فمعلوم أن الشركة ذات المسؤولية المحدودة مستقلة عن ملاكها وعن العاملين فيها، فإذا كانت طرفًا في عقد فإن مديرها يوقع عنها بالنيابة ولا يتحمل بنفسه - ولو كان مالكا لها - الالتزامات التي يولدها ذلك العقد. ولكن الشخصية الاعتبارية تختلف عن الإنسان، فهي لا تموت ولا تمرض ولا يمكن الحكم عليها بكفر أو إسلام، كما لا معنى لوصفها بالأمانة أو الخيانة، وفوق ذلك لا يمكن أن تكون عرضة للعقوبات الجنائية أو التعزير بالحبس أو الجلد إلخ؛ فاحتاج الأمر إلى أنواع متميزة من العلاقات التعاقدية وإلى شروط في العقود، الغرض منها أن تأخذ بالاعتبار هذه الفروق المهمة، فالمماطلة في تسديد الديون مع الملاءة عقابها في الشريعة التعزير بالجلد أو الحبس دون المال، ولكن إذا حصلت المماطلة من الشخصية الاعتبارية ذات المسؤولية المحدودة، كيف يكون علاج ذلك؟
_________________
(١) وليس صحيحًا أن شركة المضاربة ذات مسؤولية محدودة، أو أن العبد غير المأذون بالتجارة يمثل سابقة للفقه الإسلامي في مسألة محدودية المسؤولية؛ انظر التفصيل في بحثنا في الشخصية الاعتبارية ذات المسؤولية المحدودة.
[ ١٠ / ٩٦٧ ]
الرابع: هيمنة حضارة الغرب على العالم:
لا خلاف بأن حضارة الغرب قد هيمنت على عالم اليوم، وأثرت
بشكل قوي على ثقافات الشعوب وقيم المجتمعات وطرائق التعامل بين الأفراد في كل مجالات الحياة، ومن ذلك بلاد المسلمين لعظم اتصالها بالغرب وتشابك مصالحها - ولا سيما الاقتصادية - مع دوله ومجتمعاته، والحضارة الغربية حضارة مادية علمانية، وهي مع رقي أنظمتها القانونية وانضباطها إلا أنها تفتقد أمرًا أساسيًّا يعد أحد أهم أركان التشريع الإسلامي، وهي المقاصد المتعلقة بحقوق الخالق وعلاقة العبد بربه، فجاءت عقودهم وأنظمتهم القانونية منفلتة أي ضابط (أخروي) واقتصرت على الجوانب المادية والمصالح الدنيوية، فانتشرت هذه الروح في العالم أجمع.
ولقد شكل ذلك ضغطًا نفسيًّا وماديًّا على المسلمين الذين يتنافسون
مع الغرب ومن لف لفه من أمم الأرض في مضمار النشاط الاقتصادي والتجارة والمال، فتولدت لدى المسلمين الحاجة إلى أنواع جديدة من العقود. فمثلًا معلوم أن المضاربة عقد أمانة؛ لأن المضارب مؤتمن على رأس المال وعلى حسن الأداء والعمل وعلى الإفصاح عن الربح الحقيقي المتولد من النشاط التجاري، والأمانة صفة من صفات المؤمن، إذ يقول رسولنا الكريم: «لا إيمان لمن لا أمانة له»، فهي مرتبطة بعلاقة العبد بربه.
فإذا قامت العلاقات التعاقدية بين الناس على استيعاب العلاقات المادية بين الأفراد فحسب، دون العناية بالجوانب الخاصة بعلاقة العبد بربه رأينا أن المضاربة لا تصلح كصيغة شركة، ولم تعد تنهض بحاجات الناس؛ لأن العلاقات التعاقدية في مجال المال والأعمال قامت على أساس أن الإنسان لا يخون لأنه لا يستطيع أن يخون وليس لأنه يتعفف عن الخيانة، وهذا ما عليه أمر الناس اليوم، ولذلك وجدنا شعور الكثيرين بالحاجة إلى تصميم صيغ مطورة للمضاربة، وإدخال شروط جديدة، الغرض منها إبعاد عنصر الأمانة عن دائرة التأثير في العقد.. وهكذا.
[ ١٠ / ٩٦٨ ]
٥ - ضوابط العقود المستجدة:
لقد ذكرنا آنفًا حاجة الناس إلى عقود جديدة، ورأينا أن الشريعة الإسلامية قادرة على النهوض بتلك الحاجة ضمن حدود المباح من قواعد المعاملات، ولذلك فللمسلمين أن يستحدثوا العقود التي يحتاجون إليها ما دامت منضبطة بالاعتبارات التالية:
١ - أن يكون العقد المستجد غرضه سد حاجة مشروعة وتحقيق مصلحة معتبرة لأطرافه.
٢ - أن يخلو العقد المستجد من الربا وشبهته، ومن الغرر الفاحش، ومن الغش والتدليس، ومن أكل أموال الناس بالباطل، وأن لا يؤدي إلى ضرر بالآخرين، أو إلى حرمان ذي حق من حقه المشروع.
٣ - أن لا يخالف هذا العقد نصًّا أو إجماعًا صريحًا في موضوعه.
٤ - والعقود المستجدة إما أن تكون:
أ - عقودًا جديدة مستحدثة بحيث لا تشبه في أركانها وغرض العاقدين منها عقدا من العقود المعروفة في الشريعة، وكانت سالمة مما ذكر أعلاه، عندئذ فإن الحكم عليها مرده إلى أصل أن ما سكت عنه الشارع وهو الإباحة.
ب - عقودًا جديدة مستحدثة لكنها شبيهة في أركانها وغرضها ومقصود عاقديها لعقد من العقود المعروفة في الفقه، ولكنها تختلف عنها في بعض الشروط، فعندئذ ينظر هل افتقد شروطًا أم زاد شروطًا جديدة.
١ - فإن كان مفتقرًا لشرط وكان شرطًا منصوصًا فالحكم هو الحرمة؛ مثال ذلك البيوع الآجلة في أسواق السلع الدولية فإنها تشبه السلم تمامًا، وإنما تختلف في افتقادها لشرط تسليم رأس المال في مجلس العقد، وهو شرط منصوص في قوله في: " من أسلم فليسلم في شيء معلوم "إلخ الحديث.
٢ - وإن كان الشرط أو الشروط التي افتقدها العقد المستحدث اجتهادية قال بها الفقهاء قديمًا فينظر أن كان لذلك الاجتهاد علة، فالحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا (فمن اشترط إسلام المضارب إنما قال بذلك لأن غير المسلم لا يتورع عن أكل الربا والعمل في المحرمات، أما وقد انضبطت النشاطات التجارية بمحاسبات ودفاتر ومراجعات حسابية، لم يعد لهذا التخوف وجه، فإذا افتقد العقد المستحدث هنا لشرط لم يؤثر عليه)، أو أن يكون مرجعه إلى عرف كان في زمانهم (مثل كون الشعير والقمح والملح مكيلات بينما هي اليوم موزونات)، أو بسبب تغير الظروف والأحوال المعيشية والاقتصادية (فمن أخرج الفلوس من أحكام الصرف وأجاز فيها السلم إنما فعل ذلك يوم كانت نقود الناس الدرهم والدينار، وليس للفلوس أهمية تذكر فلم تكن أثمانًا) .
[ ١٠ / ٩٦٩ ]
٣ - وإن كان الاختلاف مرده شروط جديدة لم تعرف في الصيغة القديمة، فالشروط بعضها جائز وهو ما كان فيه مصلحة للعاقدين أو أحدهما ولا ينافي مقتضى العقد، وبعضها فاسد ومفسد للعقد وهو كل ما كان منافيًا لمقتضاه أو أدى إلى الحرام.
ب - وإما أن تكون عقودًا مستحدثة ولكنها على صفة اتفاقيات جُمعت فيها عدة عقود، فهذا مرده إلى ما تقرر في الشريعة من الجمع بين العقود، فقد روى الترمذي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، وروى أحمد في مسنده عن ابن مسعود ﵁ نهى رسول الله ﷺ صفقتين في صفقة، وروى أبو داود مرفوعًا عن أبي هريرة ﵁: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا» . (١) ونهى رسول الله ﷺ عن بيع وسلف، ولذلك فاجتماع العقود هو مظنة الحظر، فيجب أن يعرف أن كانت تجمع بين معاوضة وتبرع كالبيع الذي غرضه الربح وطريقه المساومة، والسلف الذي غرضه الإرفاق والقربة، فهي غير جائزة، فلزم أن تستقل عن بعضها البعض استقلالًا يعلم منه أن القرض غير جارٍّ نفعا مشروطًا للدائن، وإن جمعت بين عقود معاوضة كالبيع والإجارة لم يؤثر الاجتماع على صحتها (مثل الإيجار المنتهي بالتمليك الذي يتعاقد فيه الطرفان على البيع المضاف بسعر محدد، فإنه عقد مستحدث جمع بين البيع والرهن وسمي إيجارًا تجاوزًا) .
د - وإما أن تكون عقودًا مستحدثة وكذا مركبة، عندئذ أن كان التركيب فيها حيلة للتوصل إلى ما لا يجوز فالأمور بمآلاتها، وإن كان الغرض من التركيب فيه مصلحة معتبرة وسداد حاجة للمتعاملين، وقد سلم من المحظورات المذكورة أعلاه؛ فلا مناص من النظر إليه كعقد جديد ليس له أصل يقاس عليه، فيرجع في الحكم عليه إلى الأصل وهو الإباحة. ذكر ابن تيمية ﵀: " أن الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة، ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصًّا أو قياسًا " (٢)
_________________
(١) وقد اختلف الفقهاء في معنى بيعتين في بيعة، إلا أن أشهر صور هذه المعاملة هي: أن يقول الرجل: أبيعك هذا الثوب نقدًا بعشرة ونسيئة بعشرين، ولا يفارقه على إحدى البيعتين، أو يقول: بعتك هذين الثوبين بعشرة على أن البيع قد لزم في أحدهما، أو يقول: أبيعك داري هذه بكذا على أن تبيعني غلامك هذا بكذا، فإذا وجب لي غلامك وجبت لك داري.
(٢) ابن تيمية، مجموع الفتاوى: ٢٦/ ١٢٣
[ ١٠ / ٩٧٠ ]
٦ - أمثلة ونماذج للعقود المستجدة:
٦ - الإيجار المنتهي بالتمليك:
تعد صيغة الإيجار المنتهي بالتمليك إحدى صيغ التمويل التي انتشر العمل بها لدى البنوك الإسلامية في السنوات الأخيرة؛ لما تقدمه من مرونة تفوقت بها في حالات محددة على الصيغ الأخرى المتاحة للعمل المصرفي الإسلامي، وبخلاف المرابحة التي جاءت تطويرًا لعقد البيع المعروف في كتب الفقه، فإن صيغة الإيجار المنتهي بالتمليك إنما هي صيغة معروفة عند الغربيين، ولا سيما في الولايات المتحدة، وقد جرى تهذيبها بعض الشيء لتكون ملائمة لظروف ومتطلبات العمل المصرفي الإسلامي والقيود الشرعية عليه، وإن كانت الصيغة نفسها التي تعمل بها البنوك الإسلامية (أي تلك التي يفترض انضباطها شرعيًّا) معروفة ومستخدمة في بلاد الغرب. وليس لصيغة الإيجار المنتهي بالتمليك نموذج واحد فحسب، بل تختلف تطبيقات البنوك الإسلامية له اختلافًا مؤثرا من الناحية الشرعية، وإن كان يسيرًا من الناحية العملية، وشأن هذا العقد شأن عقد المرابحة للآمر بالشراء، ذلك أن تلك الصيغة تطبق أحيانًا مع الإلزام بالشراء، وتطبق تارة أخرى بدون الإلزام، وهو أمر ربما بدا يسيرًا من الناحية التطبيقية، لكن له أبعاده الشرعية التي لا تخفى.
ولا تتوقف الاختلافات عند الإجراءات وصفة العقد، بل تصل إلى التسمية، فربما سمي هذا العقد " الإجارة والاقتناء " وربما سمي " البيع الإيجاري " ويسميه آخرون " البيع المستور بالإيجار " أو " الإيجار مع الوعد بالبيع " أو " الإيجار الذي ينتهي بالبيع " أو " الإيجار المنتهي بالتمليك " كما هي التسمية الأكثر شيوعًا وهكذا، ونحن سنعنى بالمعنى لا بالمبنى، إذ لا مشاحة في الاصطلاح، مع عدم إنكارنا أن التسمية تكشف طرفًا من تصور المتعاملين لحقيقة العقد.
[ ١٠ / ٩٧١ ]
٦ - ١ - ١ الباعث على استخدام هذا العقد:
الباعث على استخدام الإيجار المنتهي بالتمليك عند الغربيين هو الميزات التي يقدمها النظام الضريبي في بعض الدول الغربية لمن يستثمر في الأصول الحقيقية، إذ يمكن له أن يخصم ذلك من الوعاء الضريبي فتصبح أموال الشركة الخاضعة للضريبة أقل، فيدفع مبلغًا أدنى من الضرائب للحكومة، عندئذ وجدت الشركات التي تتوقع أن يتحقق لها فائض مرتفع من عملياتها أن من الأفضل لها استثمار جزء منه في شراء الأصول (كالمعدات والطائرات والآلات الصناعية إلخ) ثم تأجيرها للآخرين، بدلًا من الإفصاح لمصلحة الضرائب عن معدل ربح عال في نهاية العام، ولما كانت تلك الأصول مملوكة للشركة فإنها سوف تدرج في ميزانيتها فتستفيد منها ضريبيًّا، وهي لأنها قد حققت المنفعة من هذا الإجراء في تخفيض نسبة ما تدفعه على شكل ضريبة، تكون مستعدة - في الغالب - لتوفير الأصول المؤجرة بسعر مناسب لا يزيد عن تكلفة شرائها بالأجل، ولا يزيد عن تكلفة الاقتراض من المصرف بالفائدة، فولد ذلك طلبًا على عمليات التأجير في البلاد الغربية ولا سيما في الولايات المتحدة.
أما الباعث على استخدامه عندنا (وإن كان أمر الضريبة لا يستبعد) فهو على الأرجح:
أ - تميز عقد الإيجار المنتهي بالتمليك على عقد المرابحة الذي يعد الصيغة الرئيسة للتمويل في المصارف الإسلامية، ويتميز التأجير على المرابحة من أوجه:
١ - أن ملكية الأصل المؤجر تبقى لدى البنك، فلا حاجة به عند مماطلة العميل إلى استصدار حكم من المحكمة للتنفيذ على الضمانات كما في المرابحة، بل يستطيع مباشرة أن يسترد ذلك الأصل.
٢ - لا يحتاج العميل في عقد الإيجار المنتهي بالتمليك إلى تقديم ضمانات ورهون تساوي كامل (أو ما يزيد عن) قيمة الأصل، بل يكتفي البنك بضمان يقابل قسطًا واحدًا، أو يقابل تكاليف الصيانة أو ما إلى ذلك مما يسهل على العملاء الحصول على التمويل اللازم، إذ من المعلوم أن كثيرًا منهم يحجم عن طلب التمويل لعجزه عن تقديم الضمانات.
٣ - إمكانية تغير الثمن على صفة مراجعة الأقساط الإيجارية (مما سيأتي بيانه) وتعذر - مثل ذلك في بيع المرابحة لأن الثمن فيها يصبح دينًا ثابتًا مستحق الأداء بمبلغه بلا زيادة.
[ ١٠ / ٩٧٢ ]
ب - استخدامه بديلًا عن البيع بالتقسيط عند تعذر الرهن، ففي بعض البلدان التي لا يوجد فيها إجراءات معتمدة لتسجيل الرهون وضبطها من قبل جهات رسمية، يعمد التجار الذين يبيعون بالأجل إلى استخدام سجل الملكية كوسيلة للاحتفاظ بالأصل حتى يكمل المشتري سداد جميع الأقساط، عندئذ لا يمكن تسمية العقد بيعًا؛ لأن البيع يقتضي انتقال الملك إلى المشتري، فيسمونه إيجارًا ويسمون ما يدفعه المشتري أقساطًا إيجارية، إلا أن شروطه والالتزامات المترتبة على أطرافه تدل على أنه بيع، فلو توقف العميل (المشتري) عن الدفع يقوم المؤجر باسترداد الأصل، ثم بيعه واقتطاع ما بقي من ثمنه في ذمة العميل (أي الأقساط التي لم تسدد بعد) .
وردُّ ما زاد عن ذلك إلى المستأجر، وإذا لم يف ذلك الثمن بما بقي من دَين (أي الأقساط التي لم تسدد) رجع على المستأجر ببقية الثمن، كما يتحمل المستأجر كافة تكاليف الصيانة بأنواعها وتبعات هلاك الأصل، وكل ذلك دليل على أن حقيقة العقد هي البيع والرهن، وليس الإيجار.
[ ١٠ / ٩٧٣ ]
٦ - ١ - ٢ صيغة هذا العقد وإجراءاته المعتادة:
سوف نعرض أدناه الصورة الأكثر انتشارًا في مجال العمل المصرفي الإسلامي لعقد الإيجار المنتهي بالتمليك، ثم ننتقل إلى صور أخرى موجودة وذلك لاستكمال جوانب الموضوع.
صيغة عقد الإيجار المنتهي بالتمليك (والذي سنسميه من الآن فصاعدًا " عقد الإيجار " لغرض الاختصار) هي صيغة تمويل، ذلك أنه ينهض بحاجة المستثمرين وأرباب الأعمال إلى الحصول على الأموال التي يشترون بها الآلات والمعدات والأصول الرأسمالية المختلفة، أو التي يستخدمونها لأغراض غير إنتاجية كما سيأتي بيانه فيما بعد.
يتقدم هذا العميل المصرفي بطلبه إلى البنك، وبعد الموافقة على
طلبه من الناحية الائتمانية (أي التأكد من ملاءة العميل وحسن وفائه بالتزاماته إلخ) يطلب إليه أن يوقع على وعد بأنه سوف يستأجر هذا الأصل من المصرف عندما يصبح الأصل المطلوب في ملك الأخير وحوزته، بالشروط المتفق عليها، هذه الشروط تتضمن عادة:
أ - تحديد الأقساط الإيجارية، أي مدفوعات الإيجار الشهرية أو الفصلية، وعدد هذه الأقساط.
ب - تحديد سعر البيع في نهاية عقد الإيجار، ذلك أن الأصل يباع على ذلك العميل إذا أكمل تسديد جميع تلك الأقساط في أوقاتها، ويكون البيع بثمن متفق عليه عند التعاقد.
تحديد مقدار ربح المصرف، والذي يتمثل في الفرق بين الثمن
الذي دفعه المصرف لشراء الأصل ومجموع مبالغ الأقساط وثمن البيع.
وجلي أن الأقساط وثمن البيع تحسب جميعًا بحيث يحقق المصرف
ربحًا صافيًا من هذه العملية، أي أن يحقق المصرف إيرادًا يزيد على ثمن شراء الأصل بنسبة متفق عليها تحسب مقابل الزمن وبناء على طول المدة. ومن الواضح أيضًا أن الأقساط الإيجارية لا يكون لها علاقة - إلا فيما ندر وفي حالات خاصة - بالمعدل السوقي للإيجار (أي إيجار المثل) فهي تكون أعلى من ذلك بكثير، ذلك لأن المبالغ المدفوعة كإيجار وتلك المدفوعة كثمن للبيع في نهاية العقد يجب أن تغطي كامل ثمن شراء الأصل وربح البنك خلال مدة تقل ربما كثيرا، عن العمر الافتراضي للأصل الذي هو محل المعاملة؛ لأن العميل يرغب في إكمال دفع الأقساط وامتلاك الأصل، ولما يزل له منافع استعمالية.
[ ١٠ / ٩٧٤ ]
وإذا كانت مدة الإيجار طويلة (كخمس أو عشر سنوات)، خشيت
البنوك أن تتغير معدلات الربح في القطاع المصرفي أو يرتفع سعر الفائدة في السوق المالية خلال هذه المدة، فيضحي العائد من هذا التمويل (الإيجار) أقل من العوائد في العمليات المماثلة، فاتجهوا لمعالجة هذه المشكلة إلى جعل العقد يتضمن شرطًا ينص على أن الأقساط الإيجارية قابلة للمراجعة كل ستة أشهر (مثلًا) ويشار إلى ذلك بأنه تجديد للعقد (مع ملاحظة أن التزام العميل بالاستئجار هو لكامل المدة، ولا خيار له في الفسخ عند مراجعة تلك الأقساط) فتكون تلك طريقة لتغير سعر الإيجار، وتحسب هذه الزيادة على مبلغ الأقساط الباقية ليتحقق منها العائد المناسب مع الظروف الجديدة، فمثلًا حسبت الأقساط الإيجارية بحيث تحقق عائدًا سنويًا للمصرف قدره (٩ %) وهو سعر الفائدة السائد عند التوقيع على العقد، ثم عند المراجعة الأولى (بعد ستة أشهر) وجد أن سعر الفائدة قد زاد فأصبح (١١ %)، عندئذ سيحسب مبلغ الأقساط الباقية التي لم تسدد بعد بحيث يحقق دخلًا سنويا قدره (١١ %)، وتعدل مبالغ تلك الأقساط الإيجارية تبعًا لذلك.
وقد يجد بعض العملاء في مثل تلك المراجعة مصلحة، إذ ربما انخفضت أسعار الفائدة (وهي المقياس المعتمد لعدم وجود البديل) خلال مدة العقد، بدون تلك المراجعة سيكون مضطرًا لأن السعر ثابت والأقساط تحددت في وقت كان سعر الفائدة فيه أعلى من الآن) إلى دفع أقساط أعلى من اللازم، ولو حصلت المراجعة لانخفضت تلك الأقساط فأصبحت مماثلة للسعر السائد في السوق لعمليات التمويل الممائلة، ويشيرون إلى ذلك في العقود بأنه إجارة المثل.
[ ١٠ / ٩٧٥ ]
وإذا واظب هذا العميل في دفع كامل الأقساط حتى نهاية المدة، فما
عليه عندئذ إلا أن يدفع المبلغ المتفق عليه كثمن للأصل فيمتلكه، أي تنتقل ملكيته إليه، وهذا سبب تسمية العقد بأنه ينتهي بالتمليك، ونظرًا إلى أن رغبة العميل هي " تمويل امتلاكه لذلك الأصل " وليس شراء المنافع كما هو مقصود عقد الإيجار، فإن توزيع المدفوعات بين أقساط إيجارية وثمن للأصل في نهاية العقد لا يحكمه - في غالب الحالات - إلا الوضع المالي لذلك العميل، فيمكن أن تكون هذه الأقساط الإيجارية كبيرة متسارعة حتى إذا انتهى عقد الإيجار لم يبق إلا مبلغ بسيط يعد عندئذ ثمن للبيع، وقد يصل الأمر إلى جعل ثمن البيع لطائرة في نهاية العقد دولارًا واحدًا، وقد تصمم المدفوعات الإيجارية بحيث تكون كبيرة في بداية العقد ثم صغيرة في الفترات اللاحقة أو العكس من ذلك إلخ ذلك.
وقد أدركت بعض البنوك الإسلامية التي تطبق عقود الإيجار أن على
هذه الصيغة عددًا من الملاحظات الشرعية، فسعت إلى تعديلها بطريقة تتفادى تلك النواقص وتحقق قدرًا أكبر من الانضباط الشرعي فيه، من ذلك:
أ- أنها وجدت أن بيع الأصل عند التعاقد على الإيجار بحيث يقع البيع في المستقبل غير جائز لأنه من البيوع المضافة حيث يتأجل فيه البدلان، ولذلك استبدلته بوعد من المؤجر - أي المصرف - بالبيع بثمن محدد لا يقابله التزام من المستأجر بأنه سوف يشتري، وإنما يكون مخيرًا في هذه المسألة إن شاء أمضى البيع ودفع الثمن وإن شاء أرجع الأصل إلى المؤجر، عندئذ يكون ذلك شرط في عقد الإيجار لا عقد بيع في عقد إيجار فيصير إلى بيعته أو إلى بيع مضاف، وإذا أخذنا برأي الموسعين في مسألة الشروط قبلنا ذلك كشرط، على أن هذا التغيير وإن كان جوهريًّا من الناحية التعاقدية، إلا أن تأثيره محدود من الناحية العملية، ذلك أن المستأجر الذي يدفع أقساطًا إيجارية تزيد كثيرًا على إيجار المثل فإنه يعلم أن تلك الزيادة هي مدفوعات تقابل ثمن ذلك الأصل، أي أن الأقساط التي يدفعها مقسومة إلى جزءين: جزء هو ثمن للمنافع، وجزء ثمن للرقبة، ومن ثم فإنه عندما يصل إلى نهاية عقد الإيجار يكون قد دفع من ثمنه ما يجعل اختياره للشراء أمرا مسلّمًا حتى لو لم يرغب في امتلاكه، إذ يمكن له شراؤه بالثمن الضئيل وبيعه بثمن المثل في السوق، والذي سيكون أعلى من ذلك قطعًا.
[ ١٠ / ٩٧٦ ]
ب - ثم إنها وجدت أن تغير المدفوعات الإيجارية بصفة دورية في عقد يغلب على طبيعته البيع لا الإيجار يترتب عليه وجود جهالة في الثمن، وعقود الإيجار المنتهي بالتمليك هي في طبيعتها عقود متوسطة إلى طويلة الأجل (خمس سنوات وأكثر) لا تصلح لعمل البنوك إلا أن تكون متغيرة، ولذلك فالبنوك تواجه في مثل تلك العقود مخاطرة تقلب أسعار الفائدة.
ورب قائل: ما علاقة سعر الفائدة وهو ربا بعمل البنوك الإسلامية؟
من المعلوم أن مؤسسات الوساطة المالية بشكل عام وفيها البنوك الإسلامية تعتمد على موارد مالية قصيرة الأجل (فالودائع الجارية والاستثمارية يسمح لأصحابها سحبها خلال مدة قصيرة) لتمويل استخدامات طويلة الأجل (مثل عقد الإيجار الذي يمتد لسبع سنوات مثلًا)، فإذا ارتفعت أسعار الفائدة في السنة الثانية مثلًا، فسوف يجد المصرف أن عددًا (ربما يكون كبيرًا) من المودعين سوف يسحبون أموالهم إذا لم يحصلوا على عائد مساو للعائد من الفرص الأخرى المتاحة، فيقع المصرف في أزمة سيولة، لذلك هو يضطر إلى إدخال عنصر التغير في عائدات تمويلية حتى تتغير العائدات التي يدفعها للمستثمرين لديه.
وقد اعتادت البنوك التقليدية على معالجة هذه المشكلة بربط المدفوعات الإيجارية بسعر الفائدة، ذلك أنها تعتبر عقد الإيجار هذا نوعًا من أنواع الائتمان، ولذلك لا بد لهذا العميل من دفع الفائدة على المبالغ المتعلقة في ذمته والتي تعد دينًا عليه، هذه المبالغ هي عبارة عن مدفوعات الإيجار إلى نهاية العقد وثمن البيع إلى ذلك العميل.
فإذا كان القسط الشهري الذي يدفعه هو ١٠٠٠ ريال، فإن هذا المبلغ سيزيد في كل شهر بمقدار الفائدة السنوية على الأقساط الباقية وثمن البيع في نهاية العقد، وهذه الفائدة السنوية متغيرة ومربوطة بأحد مؤشرات سعر الفائدة المشهورة (مثل ليبور)، وحتى لو كانت رسوم الإيجار في العقد ثابتة غير متغيرة فإنه بإمكان المصرف التقليدي بيع تلك العقود أو لوجود أسواق منظمة لتبادل الديون وتصكيكها، فيظهر أثر تغير سعر الفائدة على صفة تقلب في سعر بيع تلك الديون.
[ ١٠ / ٩٧٧ ]
وترى البنوك الإسلامية مشكلة مماثلة في عقود الإيجار ذات الأجل الطويل، ولذلك فهي للتوصل إلى حل لهذه المشكلة، أدخلت في عقودها شرط (تجديد) العقد كل ستة أشهر، وعندئذ تتم مراجعة القسط الإيجاري آخذة في الاعتبار زيادته بمقدار التغير في المؤشر المعتمد، إلا أن هذا التجديد المذكور ليس إلا مراجعة لمبلغ القسط، إذ لا يسمح العقد لأي من الطرفين بالفسخ، كما أن مدة العقد تبقى كما هي (أي خمس سنوات، لا ستة أشهر)، وظاهر أن هذا وإن حقق غرض إدخال عنصر التغير في عائدات المصرف إلا أن النواحي الشرعية فيه غير منضبطة.
وقد حاولت بعض البنوك الإسلامية معالجة هذه المشكلة بطريقة أخرى، إذ لا مناص عندها من مراجعة القسط الإيجاري كل ستة أشهر، ولكنها لتفادي الحرج الشرعي جعلت هذه المراجعة حقيقية، بأن أعطت الطرفين حق الفسخ إذا لم يتفقا على المبلغ الجديد للقسط، وهذا حسن إلا أن ذلك عسير التطبيق من الناحية العملية، إذ لا يقبل البنك ولا العميل مثل ذلك الخيار لو كان حقيقيًّا؛ لأنه يدخل في العملية مخاطرة لا طاقة لهم بها، فأدخلت في العقد شروطًا جزائية صارمة تجعل ذلك العميل لا يجرؤ على الفسخ.
وقد تصل تلك الشروط الجزائية إلى حد الإلزام بالتعويض عن الفرق بين ذلك المبلغ الذي رفضه الفاسخ ومبلغ القسط الإيجاري الذي يتفق عليه عندما تتم إعادة التأجير لطرف ثالث بعد الفسخ، مما يجعل الفسخ خيارًا مكلّفًا للغاية بل يكاد يكون لا معنى له، فمثلًا إذا كان الإيجار ١٠٠، ثم عند المراجعة قال البنك: أريد أن أرفع الإيجار إلى ١٢٠، فقال العميل: لا يعجبني وأريد أن أفسخ العقد، كان له ذلك، عندئذ يقوم البنك بتأجير الأصل إلى طرف ثالث، فإذا لم يحصل على الإيجار المطلوب بل أقل منه مثل أن يؤجره بـ ١١٠ عندئذ التزم ذلك العميل بحكم الشرط الجزائي بدفع ١٠ وهي الفرق في السعرين إلى البنك تعويضًا له عن الخسارة.
[ ١٠ / ٩٧٨ ]
ج- وليس عسيرًا على أرباب البنوك الإسلامية التي تعمل بالإيجار
ملاحظة أن دفع هذا العميل لقسط إيجاري يساوي أضعاف أجرة المثل هو علامة تدل على أن العقد في حقيقته ليس عقد إيجار بل هو بيع، ومن ثم كان على أطرافه الالتزام بشروط البيع لا الإيجار، ومنها أن الثمن يضحي دينًا متعلقًا في ذمة العميل منذ تاريخ التعاقد، وأن الأصل المؤجر هو ملك لذلك العميل منذ لحظة قبضه إياه من البنك، ومثل ذلك يلغي الميزات الأساسية لعقد الإيجار المنتهي بالتمليك، وهي قدرة المصرف على استرداد ذلك الأصل إذا ماطل العميل أو تأخر في السداد، ولذلك حاولت مواجهة هذه المشكلة بجعل الأقساط الإيجارية مساوية لأجرة المثل، إلا أن تأجيره بأجرة المثل يترتب عليه نتيجتان:
الأولى: أن البنك لا يضحي ملتزما ببيع هذا الأصل إلى العميل (الذي ما دخل في هذا العقد إلا لرغبته في التملك) لأن ما دفع في هذه الحالة لا يتعدى أن يكون ثمنًا للمنافع التي حصل عليها، وهذا أمر لا يقبله عملاء البنوك، وكذلك في الجهة المقابلة فإن دفع العميل لثمن المنافع فقط لا يولد الحافز المناسب عنده للتمليك والرغبة في الشراء، فعندئذ ربما قرر العميل في نهاية العقد أو قبل ذلك عدم رغبته في الشراء بعد مرور وقت وتغير الظروف وتحول الأسواق، بحيث تضحي قيمة الأصل لو باعه البنك بعد رد العميل له أقل كثيرًا من المبلغ المطلوب الذي يحقق الربح له، إن مجرد وجود مثل ذلك الاحتمال يترتب عليه خطر لا يقبله المصرف ابتداء.
[ ١٠ / ٩٧٩ ]
الثانية: أنه حتى لو التزم العميل بالشراء في نهاية العقد، فإن التأجير بأجرة المثل يجعل مبلغ الثمن المتبقي كبيرًا جدًّا لا يستطيع ذلك العميل دفعه، فالأصل في العمر الافتراضي الذي يصل إلى ٢٠ سنة (مثل الطائرة) والذي يريد المصرف تمويل امتلاك العميل له في خمس سنوات، إذا وقع تأجيره بأجرة المثل بقي من ثمنه في نهاية الفترة المذكورة قريبًا من ٨٠ % وهذا يجعل شراءه أمرًا عسيرًا على المستأجر، عندئذ، وكحل لهذه المشكلة حاولت البنوك إيجاد طريقة يجمع فيها بين أجر المثل ودفع ثمن الشراء، فطلبت تلك البنوك من ذلك العميل المستأجر أن يدفع أجر المثل وأن يودع شهريًّا (أو بحسب دورية الأقساط) مبلغًا إضافيًّا في حساب استثماري (يحجزه البنك بحيث لا يستطيع هذا العميل السحب منه، والأرباح المتولدة منه تكون لذلك العميل)، والمدفوعات في هذا الحساب مساوية للفرق بين أجرة المثل والمبلغ المطلوب أصلًا كمدفوعات شهرية في عقد الإيجار المنتهي بالتمليك، وفي نهاية العقد يكون المبلغ المودع في الحساب الاستثماري (قريبًا من ٨٠ % في مثالنا السابق) كافيًا لدفع ثمن الأصل إلى المصرف، فيستلمه ويبيع الأصل إليه بالثمن المنصوص في أصل الاتفاق.
[ ١٠ / ٩٨٠ ]
د - وكذلك فقد أدركت بعض البنوك الإسلامية أن جعل ثمن البيع في نهاية العقد مبلغًا ضئيلًا جدًّا - مثل دولار واحد - لا يوحي بقدر كبير من الثقة في حقيقة هذا العقد ولا يظهر معنى الإيجار فيه، فاتجهت في ذلك عدة اتجاهات لتفادي هذا الوضع:
* فمنها من تبنى طريقة " الهبة " فيذكر في العقد أن العميل المستأجر إذا دفع كامل الأقساط الإيجارية وواظب على ذلك بدون تأخير أو مماطلة، فإن المصرف (المالك) سوف يهب هذا الأصل المؤجر إليه بدون ثمن، ولا بأس من اقتران الإيجار بالهبة؛ لأن الهبة ليست من عقود المعاوضات فخرجت عن بيعتين في بيعة (إذا وافقنا على أن حقيقتها الهبة لا المعاوضة) . ولا تتبنى هذه الطريقة إلا العدد القليل من الشركات والبنوك المشتغلة
في التأجير، وفي الولايات المتحدة يثير هذا الترتيب مشكلة قانونية، ذلك أن الهبة عقد غير لازم عندهم، والمالك حتى لو ألزم نفسه به فإن الموهوب له (أي المستأجر) غير ملزم بالقبول، فيتولد عن ذلك مخاطرة للمصرف، فإذا رفض العميل قبول الهبة في نهاية العقد (وهو ربما فعل ذلك إذا تحولت الأسواق وتغيرت الأسعار، وصار الأصل المؤجر عالي الكلفة في التشغيل)، وقع المصرف في ورطة لا سيما إذا كان الأصل المؤجر طائرة أو سفينة، أو آلة معقدة مركبة في داخل مصنع العميل، مثل هذه الأصول تحتاج إلى تكاليف باهظة في تشغيلها وإلى مصاريف عالية حتى لمجرد إيقافها في المطارات أو الموانئ وضرائب مرتفعة ورسوم تأمين إلخ مما لا ترغب المصارف في التعرض له حتى ليوم واحد، وإن مجرد مثل هذه النتيجة كاحتمال يعني مخاطرة في العقد لا ترغب البنوك في ركوبها.
*ومنها من تبنى البيع بثمن المثل في السوق عند نهاية العقد، فإن شاء المستأجر شراءه اشتراه بذلك الثمن وإلا بيع إلى طرف ثالث، وهي طريقة غير محببة إلى المتعاملين في هذه العقود، لأنها تدخل في العقود مخاطرة تغير الظروف وتبدل الأثمان، ومن ثم لا تأتي نتائج العملية كما خطط لها.
[ ١٠ / ٩٨١ ]
٦ - ا - ٣ هل الإيجار المنتهي بالتمليك بالتمليك من العقود المستجدة؟
هل يكون هذا العقد من العقود المجمعة، أم العقود المركبة أم العقود المستجدة؟ الذي يظهر لنا أنه عقد من العقود المستجدة، لكن له أصلًا يقاس عليه، ذلك أن مقصود العاقدين فيه هو البيع الآجل، وإن أركانه تشبه عقد البيع، وشروطه وقع الاختلاف فيها عن عقود البيع المعتادة في جانبين، الأول: هو تغير مبلغ الأقساط، والثاني: هو دخول الرهن كجزء من العقد، وتغير مبلغ الأقساط الإيجارية يولد جهالة في الثمن، أما تعاقب عقد البيع والرهن على محل واحد في أن واحد فربما يتسامح فيه إذا افترضنا أن الرهن معلق بانعقاد الإيجار (البيع) وأنه وسيلة توثيق من نوع ما، وليس رهنًا مقبوضة، وعلى ذلك يمكن القول أن عقود الإيجار المنتهي بالتمليك ذات الأقساط المتغيرة غير جائزة نسبب جهالة الثمن.
٦ - ٢ المشاركة المصرفية:
المشاركة لفظ غلب استعماله لوصف صيغ تمويل تجريها البنوك الإسلامية مستمدة من عقد الشركة المعروف في الفقه الإسلامي، والشركة مشروعة في الكتاب والسنة، وقد أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على جواز الشركة، سواء تلك التي يجد الناس أنفسهم أطرافًا فيها وتسمى شركة الملك أو المال (مثل اشتراك الورثة في تركة الميت أو في الغنية أو الوصية)، أو تلك التي يتفقون على إنشائها وتسمى شركة العقد.
وقد تكون الشركة بالأموال كأن يتفق مجموعة من الأفراد على المساهمة في مال لتأسيس شركة، والربح بينهم بحسب حصة كل منهم في رأس المال، وتسمى شركة العنان، وربما اجتمعوا للاشتراك في العمل كمجموعة من الصناع أو التجار، وما تحقق لهم من أجرة فهي بينهم، وتسمى شركة الأبدان أو شركة العمل، أو ربما اشتركوا بوجاهتهم وسمعتهم بدون رأس مال ولا صنعة، فيشترون السلع بالثمن الآجل ويبيعون والربح بينهم وتسمى شركة الوجوه.
[ ١٠ / ٩٨٢ ]
وقد تختلف أسماء الشركات بين المذاهب، وقد تتباين بعض أحكامها وأقسامها، ولكن صيغتها الأصلية مجمع على جوازها، والشركة عقد ولذلك لزم لصحتها ما يشترط لصحة العقود ويضاف إليها مسائل لها خصوصية في عقد الشركة، مثل اشتراط أن تكون الخسارة بقدر حصة كل من الشركاء في المال، وأجاز بعض الفقهاء التفاوت في الربح إذا كان لبعض الشركاء تميز أو أثر يفيد الشركة، وأن يكون رأسمالها نقودًا أو مقوّمًا بالنقود، والمشاركة التي تجريها البنوك تشبه عقد الشركة في أن رأس المال الذي يتولد منه الربح يكون مملوكًا لطرفي العقد (أو أطرافه) أي البنك والعميل، وتستخدم بعض القوانين الوضعية لفظ المشاركة ليشير إلى أنواع الشركة التي لا تنشئ عملًا ذا شخصية اعتبارية، إذ أنه يكون مؤقتا لمدة معينة فهي أشبه بالصفقات التجارية، وقد جرى إدخال عدد من الشروط في هذا العقد لكي يتناسب مع عمل البنوك، وطبيعة النشاط الاستثماري المعاصر والضوابط المحاسبية والقيود على العمل المصرفي التي تفرضها الأنظمة الحكومية والدولية.
ولعقد المشاركة المذكور أشكال، بعضها يكون مماثلًا لعقد شركة العنان المعروف، لا حاجة لنا في الحديث عنه هنا، وبعضها لا يكاد يحمل من صيغة الشركة إلا جانب الاشتراك في رأس المال أو في الربح، ولذلك فإنه يعد من العقود المستجدة، وأحيانًا من العقود المركبة، وسوف نعرض في هذه الورقة لبعض أشكال هذا النوع من المشاركة، وأهم صوره.
[ ١٠ / ٩٨٣ ]
٦ - ٢ - االمشاركة المتناقصة:
المشاركة المتناقصة صيغة تمويل تعتمد على اشتراك المصرف مع
أحد عملائه في شراء أصل من الأصول المنتجة كطائرة أو عقار أو شركة قائمة.. إلخ، والغرض من صيغة المشاركة المتناقصة هو أن تكون بديلًا عن القرض الربوي، حيث يقدم المصرف الائتمان لعملائه على غير أساس الفائدة، ومن المعلوم أنه عندما يحتاج أحد عملاء المصرف إلى التمويل لشراء أصل من الأصول الكبيرة (مثل العقار أو الطائرة أو السفينة أو البضائع إلخ)، فإنه يمكن له أن يقترض الثمن من البنك التقليدي الذي يعمل بالفائدة ثم يشتري ما يريد بذلك المبلغ نقدًا، ويسدد إلى المصرف الدائن القرض وفوائده، كما يمكنه أن يحصل على التمويل من المصرف الإسلامي للغرض ذاته، ولكن على أساس المشاركة المتناقصة وليس القرض، وصفة ذلك أن ينشئ المصرف والعميل شركة ذات طبيعة خاصة وغرض محدد هو شراء ذلك الأصل المطلوب وتسمى (مشاركة)، ويشتركان في رأس مالها فيدفع العميل نسبة ضئيلة لأنه لا يتوفر على السيولة الكافية) مثل ٥ % أو أكثر أو أقل، ويدفع المصرف النسبة الباقية، عندئذ يصبح هذا الأصل بعد الشراء، مِلكًا للطرفين بنسبة مساهمة كل منهما في رأس المال، ولما كان غرض العملية هو امتلاك ذلك العميل للأصل، وليس للمصرف رغبة في الإبقاء عليه في ملكه، يتفق الطرفان على قيامه (أي العميل) بشراء نصيب المصرف في المشاركة المذكورة (والمتمثلة في حصة مشاعة في ذلك الأصل) بصفة متدرجة، فإذا كان العميل يرغب في دفع الثمن على مدى عشر سنين مثلًا جعلت حصة المصرف عشر شرائح كل شريحة تمثل ١٠ %، ويتفق الطرفان على شراء ذلك العميل لعُشر حصة المصرف، أي لشريحة واحدة، في كل سنة، واستئجار النسبة الباقية المملوكة للمصرف إذا كان العميل يقطن في العقار وإذا لم يكن جرى تأجيره واقتسم إيجاره بين الطرفين.
وقد تباينت التطبيقات لهذه الصيغة بين المصارف الإسلامية، فمنها
من يجعل رسوم الإيجار السنوي لحصة البنك معلومة محددة ومتفق عليها عند توقيع العقد، وكذلك ثمن البيع لكل شريحة من حصة البنك، ومنها من يعمد إلى تقويم سنوي لقيمة الأصل في السوق في تاريخ محدد من كل سنة، ثم يحدد بناء عليه ثمن الشريحة من حصة المصرف التي التزم العميل بشرائها كجزء من تلك القيمة. كذلك يتحدد الإيجار السنوي لما بقي من حصة البنك بنفس الطريقة، ولعل الاتجاه الثاني مرده إلى التوجيه في أن البيوع المضافة إلى المستقبل لا تجوز.
إلا أن التطبيق العملي له لم يكن ناجحًا، ذلك أن الأثمان ربما تغيرت بالارتفاع أو الانخفاض خلال مدة التسديد، عندئذ ربما وجد العميل نفسه بعد دفع مبلغ كبير لازال عاجزًا عن امتلاك الأصل؛ لأن قيمة حصة البنك ترتفع باستمرار تزايد الأسعار في الأسواق، وفي الجهة المقابلة ربما وجد المصرف نفسه يحقق خسارة لانخفاض سعر ذلك الأصل عند التثمين السنوي عما كان متوقعا عند التعاقد.
[ ١٠ / ٩٨٤ ]
٦ - ٢ - ا - اهل المشاركة المتناقصة من العقود المستجدة؟
لا شك أن عقد المشاركة المتناقصة هو من العقود المستجدة، وهو
عقد مركب من شركة وبيع، وقلنا: إنه مركب لعدم إمكانية فصل العقدين واستقلالهما عن بعضهما البعض، إذ لا تحقق المصلحة المستهدفة من التعاقد بين الطرفين، ولا شك أن الجمع بين الشركة والبيع جائز، إلا أن مشكلة هذا العقد أن عقد البيع فيه مضاف يتأجل فيه البدلان، وهو ليس على سبيل الوعد، بل هو مولد للالتزام بالبيع والشراء، ولذلك فالصيغة التي تترك تحديد الثمن إلى وقت إجراء البيع جيدة، لأنها تخرج الصيغة من حرج البيع المضاف إلى المستقبل.
٦ - ٢ - ٢ المشاركة المتتالية:
يقصد بالمشاركة المتتالية (وربما سميت بغير ذلك أحيانًا) استبدال المصرف مستثمرًا مكان آخر في تمويل يعتمد صيغة الدَين، وربما يجد القارئ بعد التفصيل أن ليس لهذه المشاركة من اسمها نصيب، وهي على أية حال صيغة معقدة نبسطها بقدر ما يسمح مطلب عدم الإخلال.
صفتها أن يقوم المصرف مثلًا بتمويل زيد لشراء طائرة بالمرابحة بمبلغ ١٠٠ مليون دولار مثلًا، ثم يصبح ذلك الثمن (وربح البنك) دينًا يسدده العميل، على أقساط خلال سبع سنوات، ولأن المصرف وسيط مالي فإن مبلغ المائة مليون المذكور إنما جمعه من المستثمرين الذين يودعون أموالهم لديه في الحسابات الاستثمارية، لنفترض أن هذه الأموال جاءت من عشرين مستثمرًا، عندئذ هم شركاء في هذه العملية، والربح لهم (وللمصرف نصيبه
من الربح كمضارب أو له الحصول على رسوم إدارة إذا كان وكيلًا بأجر إلخ) ومن هنا جاء وصفها بالمشاركة، ولكن نحن نعلم أن هؤلاء المستثمرين لا يرغبون في بقاء أموالهم لدى المصرف سبع سنين، لا سيما أن الحسابات الاستثمارية التي تحظى بتفضيل المدخرين هي تلك التي يكون أجلها قصيرًا (ستة أشهر)، فكيف السبيل إلى تمويل عملية طويلة الأجل باستخدام ودائع استثمارية قصيرة الأجل؟
[ ١٠ / ٩٨٥ ]
لا تثير هذه المسألة إشكالًا كبيرا عند المصارف التقليدية؛ لأن العائد من القرض الذي سيدفعه زيد للمصرف محسوب على شكل فائدة مرتبطة بالزمن، وكذلك الحال في الجهة المقابلة للأموال التي يدفعها البنك لأصحاب الودائع، فإذا أراد مودع قديم أن يسحب أمواله تم إحلال مودع جديد مكانه فقبض الأول وديعته وهي المبلغ الذي قدمه الثاني، وصار الثاني يقبض الفوائد حتى ينتهي الأجل، فيقبض المال المسترد من المقترض والذي كان في أصله وديعة من المدخر الأول وحل هو محله وهكذا، فتتحقق عندئذ للمصرف القدرة على المواءمة بين مصادر قصيرة الأجل للأموال واستخدامات طويلة الأجل، ذلك أن الودائع قروض بالفائدة على المصرف فليست مرتبطة بعملياته التجارية، فالمودع ليس شريكًا في شراء الطائرة ولا يرتبط مع الجهة التي اشترت الطائرة بأي علاقة كانت، وحتى لو خسرت عملية تمويل الطائرة فإن ودائعه مضمونة بأموال البنك.
هل يمكن أن تنهض صيغة للمشاركة بنفس الغرض؟ هذا ما تقوم به المشاركة المتتالية، وصفة ذلك تحديد أجل قصير لذلك المستثمر الذي استخدمت مدخراته في تمويل العملية ابتداء (ستة أشهر مثلًا)، وعندما يأتي وقت استرداده لماله يكون له أن يقبض الربح الذي يغطي الفترة المذكورة (ستة أشهر) لاستحقاقه ذلك بحكم مشاركته، وله أن يسترد وديعته، ولكن من أين يأتي المصرف بالأموال، والمدين لم يسدد بعدُ دَينَه؟ يمكن للمصرف أن يرد إليه أمواله بالسماح لمستثمر جديد أن يحل محله، أو يقوم المصرف بدفع مبالغ الأقساط التي سددها المدين (والتي هي حق على سبيل الشيوع لجميع المشاركين في التمويل من المستثمرين) دفعها لأولئك الذين يريدون استرداد أموالهم، وتأجيل الباقين حتى يتم التسديد النهائي، ولا فرق بين الطريقتين؛ لأن الأخيرة تؤول أيضًا إلى حلول بعض الشركاء (الباقين) محل الآخرين (الذين خرجوا) .
[ ١٠ / ٩٨٦ ]
وفي كلا الحالين فإن في العملية معنى الحوالة، ذلك أن الخارج المسترد لأمواله قبل الأجل يحيل المشاركين الجدد (أو شركاءه الذين لم يخرجوا كما في الحالة الثانية) بالدين الذي له على عميل المصرف ويستعجل هو قبض دينه منهم، لكن المشكلة أنه يحيل بكامل الدين ويقبض مبلغا يقل عن قيمته الاسمية، فإذا كانت حصته ١٢٠٠ دولار تستحق بعد ثلاث سنوات، وتتكون من أصل وديعته وهي ١٠٠٠ دولار، نصيبه من ربح المرابحة للفترة الباقية وهي ٢٠٠ دولار فإنه سيحيل هذا الداخل الجديد بمبلغ ١٢٠٠ دولار، ويقبض هو أصل وديعته فحسب (وهو أصل وديعة الداخل الجديد) وهي ١٠٠٠ دولار، على افتراض أن الربح لن يتحقق إلا في نهاية العقد.
ولا يتصور قبول الداخل الجديد دفع ١٢٠٠ دولار اليوم والانتظار
ثلاث سنوات لقبض نفس المبلغ، وهنا مكمن الإشكال فيما يسمى بالمشاركة المتتالية، فهي حوالة تتضمن زيادة من أجل الأجل في دين، فهي مماثلة لحسم (خصم) الأوراق التجارية (الكمبيالات)، فحقيقتها والحال هذه بيع الدين على غير من هو عليه بأقل من قيمته الاسمية، والعمل بهذه الطريقة واسع منتشر في نشاط المصارف الإسلامية، وهي صيغة معقدة كما أسلفنا لاختلاف المبالغ والمدد بين المستثمرين والمتمولين، وما ذكرنا من مثال أعلاه هو صورة مبسطة، الغرض منها التوضيح، فلا ندعي أنها بصفتها المذكورة موجودة.
[ ١٠ / ٩٨٧ ]
٦ - ٢ - ٢ - اهل المشاركة المتتالية من العقود المستجدة؟
لا ريب أن المشاركة المتتالية هي عقد من العقود المستجدة، ووجه
الجدة فيه تطبيقاته وعرضه ومقصود أطرافه منه، إلا أنه كثير الشبه بأمر معروف معهود في القديم هو بيع الدين لغير من هو عليه بأقل من مبلغه، وهو من العقود غير الجائزة التي تعد من الربا.
٦ - ٢ - ٣ المشاركة بنظام النقاط:
يعد التمويل بكشف الحساب (وهو ما يسمى أحيانًا الحساب الجاري المدين) أحد أهم صيغ الائتمان في البنوك التقليدية.
ولا يكاد يسلم من الحاجة إليه أحد من التجار أو أرباب الأعمال،
وهي حاجة حقيقية؛ لأن الشركات وأمثالها يكون لها إيرادات ومصروفات مالية يومية وهي قلما تتساوى في كل يوم، فتزيد الإيرادات من النفقات في يوم ثم ربما حصل عكس ذلك في يوم آخر، فكيف تفعل عندما تحتاج اليوم إلى دفع مبالغ تقل عن إيراداتها اليوم؟
لما كان للشركة حساب مع المصرف فما عليها إذن إلا أن تتفق مع ذلك المصرف بأنه إذا كانت السحوبات من حساب الشركة في المصرف أكثر مما أودع فيه من أموال في ذلك اليوم سمح بانكشافه، وذلك بإقراض المصرف الشركة ما يحقق التساوي بين السحب والإيداع بفائدة تقوم بالحساب اليومي، وهو معاملة تتضمن الربا، لذلك احتاجت المصارف الإسلامية إلى بديل ينهض بالحاجة المذكورة ويكون خاليًا من المحرم، ومن الصيغ التي استخدمت لهذا الغرض في بعض البلدان ما يسمى بالمشاركة بنظام النقاط. وتبدأ العملية بتقويم المركز المالي للشركة ودراسة ميزانياتها وتحديد قيمة صافية لها توافق عليها إدارة الشركة ويوافق عليها البنك المعني، ولنفترض أنها خمسون مليونًا من الريالات، تقوم المعاملة على افتراض أن هذه القيمة الصافية ثابتة لا تتغير خلال فترة العقد، وهي سنة، لارتباطها بميزانية الشركة، ويتضمن الاتفاق شروطًا محددة تتعلق بإعلان الأرباح وتوزيعها، الهدف منها حفظ حقوق البنك، وكذلك قيودًا على قدرة الإدارة على الاقتراض حتى لا تتحمل المؤسسة الديون، فلا تصبح قادرة على تحقيق الأرباح، وعلى محددات تضبط أي إجراء يمكن أن يؤدي إلى زيادة النفقات مثل تغير سلم الرواتب والأجور إلخ.
يقوم المصرف بفتح حساب جار معتاد، يمكن تلك الشركة من أن
تودع فيه وأن تسحب منه على المكشوف (أي بمبلغ يزيد على ما أودع فيه)، وعندما تسحب منه على المكشوف (مبلغ مليون ريال مثلًا) يصبح البنك عندئذ شريكًا في المؤسسة المذكورة بمقدار ما يمثل هذا المليون إلى جملة القيمة الصافية لها (أي ٥/١ في هذه الحالة) ويستمر شريكًا حتى يقوم البنك بإيداع مبلغ في الحساب يغطي ما انكشف منه. لنفترض لغرض التسهيل أن الحساب استمر مكشوفًا لمدة خمسة أيام فقط، ولم ينكشف بعد ذلك لنهاية العام، عندئذ سيشارك البنك في أرباح المؤسسة مقابل هذه المدة فقط، فعند إعلان الأرباح في نهاية العام سوف تقسم تلك الأرباح على عدد أيام السنة فتحدد ربح اليوم الواحد، ثم تقسم الأرباح على رأس المال لتحديد ربح كل ريال، فيكون نصيب البنك من الربح الكلي للمؤسسة هوجزء يمثل حصته في رأس المال لمدة خمسة أيام [أي (الربح / ٥٠) ×٥]، ولذلك سمي بنظام النقاط. إن التطبيق العملي لهذا النوع من المشاركات أكثر تعقيدًا؛ لأن الحساب ينكشف ثم يغطى مرات كثيرة خلال العام.
[ ١٠ / ٩٨٨ ]
٦ - ٢ - ٣ - اهل المشاركة بنظام النقاط من العقود المستجدة؟
لا شك أن هذا العقد هو نوع شركة، ولكنه عقد مستجد يختلف
اختلافًا كبيرًا عن عقود الشركة المعروفة، فهو يقوم على فرضية التصفية الحكمية اليومية، كما يقوم على افتراض أن ما تحقق من ربح في آخر العام كان في واقع الأمر يتحقق بصفة يومية متدرجة طوال السنة، يظهر حصة كل يوم من الربح، ويعتمد على افتراض أن القيمة التي تحددت لموجودات الشركة في أول عقد باقية لا تتغير طوال مدته، ولذلك فإذا اشترى المصرف حصة تساوي قيمتها مبلغ مليون ريال، فإن دفع مبلغ مليون ريال بعد عدة أيام أو عدة شهور سيساوي قيمتها، إذ لا يحدث التغير في تلك القيمة، وهو أمر غير معتاد في طبيعة عمل الشركات، وقد يبدو أن في الصيغة بيع العينة، لكن ذلك غير صحيح لأن شراء الحصة ثم بيعها لا يكون إلا نقدا وليس بالأجل ولا زيادة فيه تخرج من بيع العينة، وظاهر أن هذه صيغة معقدة وجديدة.
[ ١٠ / ٩٨٩ ]
٦ - ٣ اتفاقيات التمويل:
لعل من أهم سمات عمليات التمويل في العمل المصرفي المعاصر
حاجة البنك إلى إنجاز سلسلة من الإجراءات المطولة قبل منح العميل الموافقة على التمويل، من تلك الإجراءات دراسة الوضع المالي للعميل المتقدم بطلب التمويل، والتدقيق في سجله لدى البنك والبنوك الأخرى، والتحليل الائتماني للطلب الذي تقدم به إلخ، كل ذلك يستغرق وقتا ويحتاج إلى جهود مختصين في المحاسبة والائتمان والاقتصاد إلخ. ولما وجدت المصارف أن مجموعة من الحاجات التمويلية للتجار والمؤسسات هي حاجات متكررة ومتشابهة لا تختلف إلا من حيث حجم التمويل وتوقيته، اتجهت إلى عقد ما يسمى باتفاقيات التمويل مع ذلك العميل، والتي تخوله للحصول على التمويل بصفة متكررة خلال فترة محددة وبحجم حدد له سقف (حد أعلى) دون الحاجة إلى المرور في كل مرة بسلسلة الإجراءات المذكورة.
على سبيل المثال، تاجر يستورد من خارج البلاد شحنات من البضائع بصفة دورية (كل شهر مثلًا) وفي كل مرة هو يحتاج إلى تمويل من المصرف، يمكنه عندئذ توقيع اتفاقية تمكنه من الحصول في كل مرة على تمويل ضمن السقف المتفق عليه بطريقة ميسرة لا تحتاج إلا إلى الحد الأدنى من الإجراءات، وكل عملية يدخل فيها العميل مع المصرف ضمن هذه الاتفاقية تكون عقدًا منفصلًا.
وهذا العميل عندما يحصل على موافقة المصرف على هذه الاتفاقية
لا يلزمه بالضرورة أن يستخدمها (أي يستفيد من فرص التمويل المتاحة) ولكنها تكون جاهزة للتنفيذ حينما يرغب في ذلك، وتشترط أكثر البنوك دفع ذلك العميل الرسوم في هذه الاتفاقية، إذ يفرض بعضها رسمًا لمجرد الموافقة على طلبه، وأخرى في حالة عدم استفادته من الاتفاقية، واتفاقيات التمويل يعمل بها في البنوك الإسلامية، إذ تخول العميل الحصول على التمويل بطريقة المرابحة بصفة متكررة خلال مدة معينة، يلتزم خلالها البنك بالبيع مرابحة على ذلك العميل بضائع لا تزيد قيمتها عن مبلغ متفق عليه. ربما نظرنا إلى هذه الاتفاقية أنها نوع مواعدة بين الطرفين، أي أنهما يتواعدان على الدخول في عقد في المستقبل، لكن وجود الرسوم المذكورة تدخل فيها عنصر المعاوضة.
[ ١٠ / ٩٩٠ ]
٦ - ٣ - اهل تكون اتفاقيات التمويل من العقود المستجدة؟
يمكن أن تصور اتفاقيات تمويل على أساس أنها التزام من المصرف بأن يبيع إلى عميل بضائع لا تزيد قيمتها عن مبلغ معين متى رغب العميل ذلك، فلا يكون للمصرف في ظل هذه الاتفاقية الامتناع عن البيع إذا التزم العميل بشروط الاتفاقية، وهي عقد معاوضة لأن ذلك العميل يدفع رسمًا لمجرد الموافقة على قيد الاتفاقية، وهو من العقود المستجدة التي ليس لها شبه تقاس عليه من العقود المألوفة، هي بلا شك عقد معاوضة، لكن الثمن المدفوع لا يقابله إلا التزام بالبيع؛ لأن عقد البيع والثمن فيه يأتي لاحقًا ويكون مستقلًا من الثمن المدفوع للاتفاقية، ورب قائل: إن هذا من أكل أموال الناس بالباطل؛ لأن البنك لا يقدم شيئًا مقابل ذلك الثمن، وهو في النهاية بائع، فلماذا يفرض رسمًا على من أراد الشراء منه؟ والواقع أن الأمر ليس كذلك؟ لأنه يعني ضرورة تأكيده من توفر الأموال لديه بطريقة تمكنه من الوفاء بالتزامه، والمصرف محتاج إلى فرز العملاء واستبعاد أولئك الذين يحبون إلزام البنك وعدم الالتزام من جانبهم، وليس أنجع من دفع ثمن يجعل غير ذوي الجدية لا يقدمون على توقيع مثل تلك الاتفاقيات.
د. محمد علي القري
[ ١٠ / ٩٩١ ]