إعداد الدكتور عبد الله محمد عبد الله
المستشار بوزارة العدل – الكويت
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم أجمعين، وبعد
فإن موضوع التحكيم في الفقه الإسلامي موضوع جدير بالدراسة إن الكتابة فيه قليلة وإن الباحثين من الفقهاء الشرعيين لم يولوه الاهتمام الذي يستحقه مع شدة الحاجة إليه، فقد صار التحكيم اليوم هو السبيل الفعال والقوي الذي يلجأ إليه المتعاقدون كلما حزبهم أمر في شأن تفسير نصوص العقود التي يعقدونها بينهم أو في تنفيذ هذه العقود، بحيث لا يكاد يخلو عقد من اتفاق ينص عليه، ولم يقف الأمر عند الاتفاقات التي يعقدها مواطنون من بلد واحد، بل أخذ الاهتمام به يتزايد في مجال العلاقات التجارية الدولية، فقد تشابكت المصالح وبات العالم يشكل كيانًا واحدًا متصلًا بعضه ببعض، وأمام التقدم الكبير في عناصر الإنتاج ووسائل النقل والاتصال وارتباط المصالح والمعاملات، فقد اهتمت المنظمات الدولية بشأن التجارة الدولية ورأوا وضع قانون شامل أو ميثاق لأصول التجارة الدولية يحقق احترام مبدأ الحرية التجارية.
ويقود العلاقات الاقتصادية الدولية الآن تيار قوي يدعو إلى جعل التحكيم الوسيلة المثلى في حل المنازعات التي تنجم عن روابطها وعقودها، خاصة تلك التي تتعلق ببيع البضائع وتسليمها، وعقود الترخيص بصنع منتجات واستغلال براءات الاختراع ومقاولات وإنشاء المصانع في بلاد أخرى، ومقاولات الأشغال الكبرى كإقامة الموانئ والمطارات والطرق وغيرها – ولهذا نادرًا ما يخلو عقد من هذه العقود على شرط التحكيم – ولهذا يقولون: إن التحكيم أضحى الطريق المعتاد لنظر منازعات التجارة الدولية (١)
ولا أدل على أهمية التحكيم من هذه القضايا التي رفعتها بعض الدول العربية والإسلامية التي ارتبطت بعقود مع بعض الدول الأجنبية ولجوئها إلى التحكيم في حل نزاعاتها معها وهذا غيض من فيض من هذه النزاعات:
١- قضية الهيئة العربية للتصنيع، وأطرافها: بريطانيا – مصر، السعودية، الإمارات، قطر.
٢ – قضية بين فرنسا وتونس وموضوعها: اتفقت شركة تونسية مع شركة فرنسية على إقامة مصنع للطوب في تونس بمعدات توردها الشركة الفرنسية وقد أدخلت عدة تعديلات إلى أن اتفق على شرط التحكيم ينص على تسوية ودية في المنازعات بين الطرفين.
_________________
(١) دراسة في قانون التجارة الدولية د. ثروت حبيب؛ منصة التحكيم التجارية الدولية د. محيي الدين؛ علم الدين أحكام المحكمين وتنفيذها. يعقوب صرخوة.
[ ٩ / ١٧٨١ ]
٣- صفقات من السجاد الشرقي بين بلجيكا وباكستان.
٤- عقد تشييد وإدارة مصنع بين إنجلترا وسلطنة عمان.
٥- قضية بين نيجيريا وسويسرا بشأن أسس تحديد أتعاب المحاماة.
٦- توقيع عقد بين فرنسا والمملكة العربية السعودية بشأن وكيل لتوزيع منتجات الشركات الفرنسية في السعودية.
٧- إنشاء محطة أرضية للأقمار الصناعية بين الكاميرون والولايات المتحدة الأمريكية.
٨- تحكيم بين ألمانيا واليمن حول تحريم الفوائد في الشريعة الإسلامية وقد تم اتفاق في صنعاء بين إحدى الجهات الحكومية في اليمن وبين شركة ألمانية غربية لإدارة وتقديم خدمات مشروع لتربية الماشية.
٩- إنشاء مستشفى تعليمي للطب بين ألمانيا وبلجيكا ودولة خليجية (١) .
هذا قليل من كثير من الروابط والعلاقات التجارية وعقود المعاملات التي تم عرضها على التحكيم والتي أحد أطراف النزاع فيها دولة عربية أو إسلامية مع دولة أو دول أجنبية غير إسلامية.
ولعلنا ندرك من ذلك أهمية موضوع التحكيم، وقد أحسن المجمع الفقهي صنعًا بطرحه هذا الموضوع للكتابة والمناقشة توصلًا إلى قرار بشأنه.
ولا شك أن الموضوع المطروح من القائمين على أمر المجمع أوسع من هذا الذي تكلمنا عنه، بل يعتبر هذا جزءًا من الموضوع يتعلق بشقه الخاص بالمعاملات، أما الشق الآخر والذي يمس جوهر العلاقات الدولية على مستوى السلم والحرب فإن بحثه من أهم ما ينبغي أن توجه نحوه الجهود والبحوث.
وقد حاولت استيفاء الكلام على العناصر التي طلب الكلام عليها، وبذلت جهدي في استنباط الحل من الوقائع والحوادث التي قد تعين على استجلاء حكم منها يمكن تطبيقه على مستجدات العصر، حيث تتشابه عناصرها ولا تتباين إلا فيما لا يمس جوهر المسألة، والله ﷾ هو الموفق للصواب وتلك محاولتي فإذا كنت قد أصبت فذلك الفضل من الله وإن كانت الأخرى فإنما هي نفسي القاصرة وأستغفر الله.
_________________
(١) منصة التحكيم التجاري الدولي
[ ٩ / ١٧٨٢ ]
أولًا – معنى التحكيم
التعريف:
مادة حكم وردت في القرآن الحكيم بمعنى: يقضي ويفصل في الأمر قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١] ضمنت معنى يفعل (١) .
وقد تكررت هذه اللفظة بصيغ مختلفة ووردت بصيغة يحكموك في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] .
وجاء في سبب نزولها ما ذكره القرطبي عن مجاهد وغيره أن المراد من هذه الآية من تقدم ذكره ممن أراد التحاكم إلى الطاغوت وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، قال القرطبي:روي يزيد بن زريع عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة فدعا اليهودي المنافق إلى النبي ﷺ؛ لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة ودعا المنافق اليهودي إلى حاكمهم؛ لأنه علم أنهم يأخذون الرشوة في أحكامهم، فلما اختلفا اجتمعا على أن يحكما كاهنًا في جهينة فأنزل الله الآية، وذهبت جماعة إلى أنها نزلت في الزبير مع الأنصاري وكانت الخصومة في سقي بستان والقصة ذكرها القرطبي بطولها وسندها حديث ثابت صحيح رواه البخاري (٢) كما وردت بصيغة يحكمونك في قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣] .
وجاء في أساس البلاغة: حكموه جعلوه حكمًا، وفي الحديث (إن الجنة للمحكمين) وهم الذين حكموا في القتل والإسلام فاختاروا الثبات على الإسلام (٣) .
وحاكمته إلى القاضي رافعته، وتحاكمتا إليه واحتكمتا.
وهو يتولى الحكومات والخصومات.
_________________
(١) معجم ألفاظ القرآن الكريم المجلد الأول مادة حكم، مجمع اللغة العربية بالقاهرة ط ٢ ١٣٩٠ هـ ١٩٧٠ م.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ج ٥ / ٢٦٢.
(٣) الحديث في النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ج ١ / ٤١٨، ٤١٩
[ ٩ / ١٧٨٣ ]
والحكم والحكيم هما بمعنى الحاكم وهو القاضي، والحكيم فعيل بمعنى فاعل أو هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها فهو بمعنى مفعل.
ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم (١) .
ومن المجاز: حكمت السفيه تحكيمًا وأحكمته إحكامًا إذا أخذت على يده، وبه سمى الحاكم؛ لأنه يمنع الظالم.
وعن النخعي: حكم اليتيم كما تحكم ولدك أي: امنعه من الفساد كما تمنع ولدك، أو بمعنى: حكمه في ماله إذا صلح كما تحكم ولدك (٢) .
قال الماوردي: وفيما أخذ منه الحكم وجهان: أحدهما أنه مأخوذ من الحكمة التي توجب وضع الشيء في موضعه. والثاني: أنه مأخوذ من إحكام الشيء لما فيه من الإلزام (٣) .
وأما في الاصطلاح: فهو لا يخرج عن المعنى اللغوي.
قال ابن نجيم الحنفي: التحكيم له معنيان لغوي واصطلاحي.
أما الأول يقال: حكمت الرجل تحكيمًا إذا منعته مما أراد. ويقال أيضًا: حكمته في مالي إذا جعلت إليه الحكم فيه فاحتكم على ذلك.
واحتكموا إلى الحاكم وتحاكموا بمعنى والمحاكمة المخاصمة إلى الحاكم والمراد الثاني.
فهو في اللغة جعل الحكم في مالك إلى غيرك، وفي المحيط تخير التحكيم تصير غيره حاكمًا.
وعرفه غيره بأنه تولية الخصمين حاكمًا يحكم بينهما (٤) .
وقال ابن فرحون: التحكيم ومعناه: أن الخصمين إذا حكما رجلًا وارتضياه لأن يحكم بينهما فإن ذلك جائز (٥) .
وعرفته مجلة الأحكام العدلية في المادة / ١٧٩٠ ونصها: (التحكيم هو عبارة عن اتخاذ الخصمين آخر حاكمًا برضاهما لفصل خصومتهما ودعواهما) .
_________________
(١) الحديث في النهاية في غريب الحدث والأثر لابن الأثير ج ١ / ٤١٨، ٤١٩
(٢) الحديث في النهاية في غريب الحدث والأثر لابن الأثير ج ١ / ٤١٨، ٤١٩
(٣) أدب القاضي للماوردي ج - ١ / ١١٨.
(٤) البحر الرائق شرح كنز الدقائق ج ٧ / ٢٤؛ حاشية رد المحتار ج ٤ / ٤٢٨
(٥) تبصرة الحكام بحاشية فتح العلي المالك ج ١ / ٥٥
[ ٩ / ١٧٨٤ ]
الفرق بين التحكيم والقضاء والإفتاء
أولًا – الفرق بين القضاء والتحكيم:
يشترك الاثنان في أن كلا منهما وسيلة لفض النزاع بين الناس وتحقيق العدل ورفع الحيف والظلم ولهذا كانت الشروط المطلوبة في المحكم هي ذات الشروط المطلوبة تحققها في القاضي. قال في معين الحكام: وأما ولاية التحكيم بين الخصمين فهي ولاية مستفادة من آحاد الناس وهي شعبة من القضاء متعلقة بالأموال دون الحدود والقصاص (١) . إلا أن ذلك لا يمنع أن تكون ثمة فروقًا بينهما وقد وصلها ابن نجيم إلى سبعة عشر فرقًا (٢)، ومعظم ما ذكره من مسائل الخلاف ولهذا نقتصر على أهم هذه الفروق التي يقول بها جمهور الفقهاء أيضًا؛ لأن مسائل الخلاف سيأتي الكلام عليها في ثنايا البحث.
وأهم هذه الفروق:
إن القاضي صاحب ولاية عامة بمعنى أن حكم القاضي يتعدى إلى غير المتخاصمين كما في صورة القتل الخطأ وليس كذلك المحكم فإن حكمه لا يتعدى إلى العاقلة؛ لأن العاقلة لأن العاقلة لم ترض بحكمه (٣) .
كذلك لا يتعدى حكمه على وارث إلى الباقي فإن حكم بدين على ميت في مواجهة أحد الورثة لم يتعد حكمه إلى بقية الورثة ولا على الميت لعدم رضاهم بحكمه وانطلاقًا من هذا المبدأ قالوا: إن المحكم لا يقيم حدًا ولا يلاعن بين الزوجين ولا يحكم في قصاص أو قذف أو طلاق أو نسب أو ولاء وإنما استثنيت هذه المسائل لاستلزامها إثبات حكم أو نفيه من غير المتحاكمين فاللعان يتعلق به حق الولد في نفي نسبه من أبيه وكذلك النسب والولاء يسري ذلك إلى غير المحكمين ومن يسري ذلك إليه لم يرض بحكم المحكم وكذلك الطلاق فإن فيه حق الله تعالى إذ لا يجوز أن تبقى المطلقة البائن في العصمة (٤) .
_________________
(١) معين الحكام للنابلسي ص ١١
(٢) البحر الرائق جـ ٧ / ٢٧؛ شرح مجلة الأحكام للشيخ خالد الأتاسي جـ ٦ / ٢٤
(٣) شرح أدب القاضي للخصاف جـ ٤ / ٦٤؛ البحر الرائق جـ ٧ / ٢٧ وأدب القضاء لابن أبي الدم ص ١٧٩. واختلف فقهاء الشافعية في وجوب الدية على العاقلة الراجح لا تجب الدية على العاقلة بحكمه لعدم رضاها بحكمه والثاني تجب ومبنى الخلاف عندهم هو أن الدية تجب ابتداء على القاتل ثم تتحملها العاقلة أو تجب على العاقلة ابتداء وعلى الاحتمال الأول تجب على العاقلة هنا، وعلى الثاني لا يتعدى حكم المحكم لعدم رضا العاقلة بحكمه
(٤) تبصرة الحاكم لابن فرحون جـ ٢/ ٥٥
[ ٩ / ١٧٨٥ ]
وهذه المسائل هي محل خلاف بين الفقهاء فقد قال الحنفية: إنه وإن جاز التحكيم في هذه الأمور إلا أنه لا يفتى به دفعًا لتجاسر العوام (١)
واختلفت أقوال الشافعية في هذه المسائل والراجح عدم جواز التحكيم فيها (٢) .
وأنه لا بد من تراضي المحكمين على تعيين المحكم لفض النزاع بينهما بخلاف القاضي ولا تجوز كتابة المحكمة إلى القاضي ولا العكس وإن المحكم إذا رد شهادة الشاهد بتهمة ثم اختصما إلى آخر أو إلى قاض فزكيت البينة يقضي لها؛ لأن المحكم لم يكن قاضيًا في حق غير الخصمين ولم يتصل بهذه الشهادة رد قاض.
ثانيًا – الفرق بين المحكم والمفتي:
بينا في الفرق بين التحكيم والقضاء أن كلًّا من المحكم والقاضي فيما يتعلق بالنظر في المنازعات المالية يقتربان من بعضهما حتى تكاد تتلاشى الفروق بينهما إلا ما كان متصلًا بطبيعة الولاية فإن القاضي يتلقى ولايته من السلطان أما المحكم فإنه يتلقى ولايته من المتخاصمين، ولما كانت ثمة فروق جوهرية بين طبيعة عمل القاضي والمفتي فإننا نستطيع القول بأن التحكيم وإن كان ذا طبيعة قضائية فهو يتفق مع مهمة الإفتاء في جوانب ولهذا من المناسب أن نذكر الفروق التي ذكرها القرافي بين القاضي والمفتي؛ لأن هذه الفروق تنسحب أيضًا على عمل المحكم.
فقد ذكر القرافي في الفرق الرابع والعشرين والمائتين من كتاب الفروق الفرق بين قاعدة الفتوى وقاعدة الحكم، فقال: إن العبادات كلها على الإطلاق لا يدخلها الحكم بل الفتيا فقط إلى أن قال: إن الأحكام الشرعية قسمان:
منها ما يقبل حكم الحاكم من الفتاوى فيجتمع الحكمان، ومنها ما لا يقبل إلا الفتوى. وذكر جملة مسائل قال: إنها من قبيل الفتوى وبعضها من قبيل الحكم والفتوى فمن الأول إخبار الحاكم عن نصاب اختلف فيه إنه يوجب الزكاة ومن الثاني أخذه الزكاة في مواطن الخلاف (٣)
_________________
(١) شرح فتح القدير ج ٧ / ٣١٨.
(٢) أدب القاضي للماوردي ج ١ / ٣٨١
(٣) الفروق جـ ٤ / ٥٢.
[ ٩ / ١٧٨٦ ]
وقال: إن حكمه بنجاسة ماء أو طعام أو تحريم بيع أو نكاح أو إجارة فهو فتوى. وليس حكمًا ومع هذه الفوارق بين الفتوى والحكم إلا أن الجامع بينهما أن الحكم والفتوى كلاهما إخبار عن حكم الله تعالى ويجب على السامع اعتقادهما وكلاهما يلزم المكلف من حيث الجملة لكن الفتوى إخبار عن الله تعالى فيه إلزام أو إباحة والحكم معناه الإنشاء والإلزام من قبل الله تعالى (١) .
وقال ابن فرحون: لا فرق بين المفتي والحاكم إلا أن المفتي مخبر والحاكم ملزم (٢) . وقال في مغني المحتاج: الحكم الذي يستفيده القاضي بالولاية هو إظهار حكم الشرع في الواقعة فيمن يجب عليه إمضاؤه فيه بخلاف المفتي فإنه لا يجب عليه إمضاؤه (٣) . ويتفق المحكم مع المفتي في هذا فالمحكم لا يقوم بتنفيذ ما يحكم به وليس له أن يحبس بل غايته الإثبات والحكم ونقل عن الرافعي نقلًا عن الغزالي وإذا حكم بشيء من العقوبات كالقصاص وحد القذف لم يستوفه؛ لأن ذلك يحرم أبهة الولاية. وإذا ثبت الحق عنده وحكم به أو لم يحكم فله أن يشهد على نفسه في المجلس خاصة إذ لا يقبل قوله بعد الافتراق كالقاضي بعد العزل (٤) .
وقال الخطيب البغدادي إن المفتي كالحاكم لا يأخذه أجرة من أعيان من يفتيه كما أن الحاكم لا يجوز له أن يأخذ الرزق من أعيان من يحكم له وعليه وعلى الإمام أن يفرض لمن نصب نفسه لتدريس الفقه والفتوى في الأحكام ما يغنيه عن الاحتراف والتكسب ويجعل ذلك في بيت مال المسلمين فإن لم يكن هناك بيت مال أو لم يفرض الإمام للمفتي شيئًا واجتمع أهل محلة على أن يجعلوا له من أموالهم رزقًا ليتفرغ لفتاويهم وكتابات نوازلهم ساغ ذلك. وذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى والي حمص: انظر إلى القوم الذين نصبوا أنفسهم للفقه وحبسوها في المسجد عن طلب الدنيا فأعط كل رجل منهم مائة دينار يستعينون بها على ما هم عليه من بيت مال المسلمين حين يأتيك كتابي فإن الخير أعجله والسلام عليك. قال: فكان عمرو بن قيس وأسد بن وداعة فيمن أخذها.
_________________
(١) الفروق جـ ٤ / ٥٢.
(٢) التبصرة جـ ١ / ٦٥
(٣) مغني المحتاج ج ٤ / ٣٧٢
(٤) مغني المحتاج جـ ٤ / ٣٧٢
[ ٩ / ١٧٨٧ ]
ونقل عن ابن أبي غيلان: قال بعث عمر بن عبد العزيز يزيد بن أبي مالك الدمشقي والحارث بن يمجد الأشعري يفقهان الناس من البدو وأجرى عليهما رزقًا فأما يزيد فقبل وأما الحارث فأبى أن يقبل فكتب إلى عمر بن عبد العزيز بذلك فكتب عمر: أنا لا نعلم بما صنع يزيد بأسًا وأكثر الله فينا مثل الحارث بن يمجد (١) ومنع الحاكم في أخذ الأجرة من المتخاصمين محله إذا كان له رزق من بيت المال أما إذا لم يكن له رزق من بيت المال وكان ذلك الحكم مما يصح الاستئجار عليه كان له طلب أجرة مثل عمله (٢) .
وإنه بتطبيق تلك القواعد على المحكم فإن المحكم لا يشغل وظيفة عامة حتى يكون له رزق من بيت المال وليس لحكمه إلزام فيجوز له أخذ الأجرة على عمله ويكون حكمه حكم القاضي، والمفتي إذا لم يكن لهما رزق من بيت المال (٣) فيجوز للمحكم أن يأخذ أجرًا على عمله من المتخاصمين.
ثالثًا – قواعد وشروط التحكيم في الخلاف:
يمكن استخلاص مجموعة من القواعد والضوابط من خلال ما كتبه الفقهاء في مباحث التحكيم وهذه طائفة منها:
القاعدة الأولى: يشترط اتفاق الطرفين المتخاصمين على التحكيم بلفظ يدل على التحكيم فليس المراد خصوص لفظ التحكيم فلو قال: احكم بيننا أو جعلناك حكمًا أو حكمناك في كذا انعقد (٤)
_________________
(١) كتاب الفقيه والمتفقه جـ ٢ / ١٦٤، ١٦٥، دار بيروت، دار الكتب العلمية.
(٢) نهاية المحتاج جـ ٨ / ٢٤٣
(٣) ذات المصدر
(٤) حاشية رد المحتار جـ ٥ / ٤٢٨.
[ ٩ / ١٧٨٨ ]
القاعدة الثانية: لا يحكم لأبويه وولده وزوجته ولا على عدوه للتهمة كالقاضي (١)، قال الماوردي: وإن كان التحكيم من المتنازعين لمن لا يجوز أن يشهد لهما ولا عليهما والذي لا يجوز له أن يشهد لهما هو والد وولد والذي لا يجوز أن يشهد عليه عدو فينظر فإن حكم على من لا يجوز أن يشهد له من والد أو ولد ولمن يجوز أن يشهد له من الأجانب جاز، وإن حكم لمن لا يجوز أن يشهد له من والد أو ولد وعلى من يجوز أن يشهد له من الأجانب ففي جوازه وجهان:
أحدهما: لا يجوز حكمه له كما لا يجوز أن يحكم له بولاية القضاء.
الثاني: يجوز أن يحكم له بولاية التحكيم وإن لم يجز أن يحكم له بولاية القضاء؛ لأن ولاية التحكيم منعقدة باختيارهما فصار المحكوم عليه راضيًا بحكمه.
وإن حكم لعدوه نفذ حكمه وإن حكم على عدوه ففي نفوذ حكمه عليه ثلاثة أوجه:
أحدهما: لا يجوز أن يحكم عليه بولاية القضاء ولا بولاية التحكيم كما لا يجوز أن يشهد عليه.
والوجه الثاني: يجوز أن يحكم عليه بولاية القضاء وولاية التحكيم بخلاف الشهادة لوقوع الفرق بينهما، بأن أسباب الشهادة خافية وأسباب الحكم ظاهرة.
والوجه الثالث: أنه يجوز أن يحكم عليه بولاية التحكيم لانعقادها عن اختياره ولا يجوز أن يحكم عليه بولاية القضاء لانعقادها بغير اختياره (٢) .
وقال ابن فرحون: فإذا حكم أحد الخصمين صاحبه فحكم لنفسه أو عليها جاز ومضى ما لم يكن جورًا بينًا وليس تحكيم الخصم خصيمه كتحكيم خصم القاضي. قال أصبغ: لا أحب ذلك فإن وقع مضى وليذكر في حكمه رضاه بالتحاكم إليه، وقيل: لا يجوز حكم القاضي لنفسه وقيل: يجوز (٣) .
_________________
(١) كشف الحقائق ج ٢ / ٦٩.
(٢) أدب القاضي ج ٢ / ٣٨٥، ٣٨٦
(٣) تبصرة الحكام ج ١ / ٥٦
[ ٩ / ١٧٨٩ ]
القاعدة الثالثة: لو حكم بين متخاصمين قبل أن يحكماه ثم رضيا بحكمه فإنه جائز؛ لأن الإجازة اللاحقة هي في حكم الوكالة السابقة (١) .
وذهب الشافعية إلى ضرورة تحقق الرضا قبل الحكم؛ لأن رضا الخصمين هو المثبت للولاية فلا بد من تقدمه (٢) .
القاعدة الرابعة: إذا حكم المحكم بغير القانون أو المذهب المتبع في البلد ولم يكن فيه مخالفة لأحكام الشريعة فهو لازم لهما (٣) .
وقال الأحناف: إذا لم يوافق حكم المحكم مذهب المجتهد الذي يقلده قاضي البلد ينقضه القاضي (٤) .
القاعدة الخامسة: إذا حكم المحكم في مسائل منع من التحكيم فيها استحق التأديب لافتياته على الإمام (٥) .
القاعدة السادسة: إذا كان المحكمون مأذونين بالتحكيم جاز لهم تحكيم آخر أما إذا لم يكونوا مأذونين فليس لهم أن يحكموا غيرهم (٦) .
القاعدة السابعة: يجوز نصب حكمين أو ثلاثة أو أكثر بحسب الحاجة، ولكن يتعين في هذه الحالة اتفاق رأيهم كلهم. (٧) .
وقال الأتاسي: إلا يكون المحكمون مأذونين من قبل من حكمهم أن يحكموا بكثرة الآراء فالظاهر أنه يجوز (٨) .
_________________
(١) المادة ١٨٥١ من مجلة الأحكام العدلية؛ وحاشية رد المحتار جـ ٥ / ٤٢٩
(٢) مغنى المحتاج جـ ٤ / ٣٧٩.
(٣) مواهب الجليل جـ ٦ / ١١٣
(٤) حاشية رد المحتار جـ ٥ / ٤٣١
(٥) مواهب الجليل جـ ٦ / ١١٣.
(٦) المادة ١٨٤٥ من مجلة الأحكام العدلية
(٧) المادة ١٨٤٤ من مجلة الأحكام العدلية.
(٨) شرح الأتاسي على المجلة جـ ٦ / ١٧٨
[ ٩ / ١٧٩٠ ]
ثانيًا – شروط التحكيم
تتنوع شروط التحكيم إلى عدة أنواع، الأول: شروط من جهة المحكم بكسر الكاف، والثاني: شروط من جهة المحكم بفتح الكاف، والثالث: شروط من جهة المحكوم به، الرابع: شروط من جهة الحكم.
أولًا – شروط المحكم:
أن يكون لهما ولاية على أنفسهم وذلك يتحقق بالبلوغ والعمل فلا يجوز تحكيم الصبي أو المجنون (١) ولا يشترط في المحكم غير ذلك، فلا يشترط إسلام المحكم ولا كونه حرًّا فيجوز من كل من تحققت فيه أهلية الخصومة.
ثانيًا – شروط المحكم:
أما شروط المحكم فقد ذهب جمهور الفقهاء على أنه يشترط فيه صلاحيته للقضاء ويشترط هذه الصلاحية وقت التحكيم ووقت الحكم (٢) لأن المحكم بمنزلة القاضي فيما بين الطرفين (٣) لكن خفف بعض الحنابلة من بعض تلك الشروط، جاء في كشاف القناع: العشر صفات التي ذكرها في المحرر في القاضي لا تشترط فيمن يحكمه الخصمان (٤) ونقل الباجي عن أشهب في كتاب ابن إسحاق إن حكما بينهما امرأة فحكمها ماض أما إذا كان مما يختلف الناس فيه وكذلك العبد والمسخوط.
كما نقل أيضًا عن عدد من أئمة المالكية جواز تحكيم بعض من لا يصلح للقضاء فنقل ابن الماجشون من رواية ابن حبيب إن كان العبد والمرأة بصيرين عارفين مأمونين فإن تحكيمهما وحكمهما جائز إلا في خطأ بين وقاله أصبغ وأشهب. قال ابن حبيب: وبه آخذ وقد ولى عمر الشفاء وهي أم سليمان ابن أبي حثمة سوق المدينة، ولابد لوالي السوق من الحكم بين الناس ولو في صغار الأمور ونقل عن أصبغ قوله: إن حكما مسخوطًا فحكم فأصاب جاز وكذلك المحدود والصبي إذا كان عقل وعرف وعلم، فرب غلام لم يبلغ له علم بالسنة والقضاء، ثم عقب الباجي بعد ذلك على تلك الأقوال فقال: وأصلها على أن من جعل التحكيم من باب الوكالة لم يراع شيئًا من ذلك إذا لم يكن ذاهب العقل ومن جعله من باب الولاية في حكم خاص لم يجز فيه إلا من قدمنا وصفه ممن اجتمعت فيه صفات الحكم (٥)، وقال الخرشي: إن الصبي المميز والعبد والمرأة والفاسق إذا حكموا في المال والجرح ففي ذلك أربعة أقوال: الصحة مطلقًا لأصبغ وعدم الصحة مطلقا لمطرف والثالث الصحة إلا في تحكيم الصبي؛ لأنه غير مكلف ولا إثم عليه إن جار وهو لأشهب والرابع الصحة إلا في تحكيم الصبي والفاسق وهو لعبد الملك (٦) .
_________________
(١) شرح فتح القدير جـ ٧ / ٣١٦؛ شرح مجلة الأحكام العدلية للأتاسي جـ ٦ / ١٧٢؛ وشرح مجلة الأحكام المسمى درر الحكام لعلي حيدر جـ ٤ / ٦٤٠.
(٢) حاشية رد المحتار جـ ٥ / ٤٢٨.
(٣) شرح فتح القدير جـ ٧ / ٣١٦؛ مواهب الجليل ج - ٦ / ١١٢؛ مغنى المحتاج جـ ٤ / ٣٧٨؛ المغنى لابن قدامة جـ ١٠ / ١٩٠
(٤) كشاف القناع جـ ٦ / ٣٠٩
(٥) المنتقى للباجي ج ٥ / ٢٢٨
(٦) شرح الخرشي على خليل ج ٧ / ١٤٦
[ ٩ / ١٧٩١ ]
ولما كان بعض شروط القضاء محل خلاف بين الأئمة ككون من يولى القضاء ذكرًا فقد انسحب هذا الخلاف على المحكم؛ لأن المحكم فرع عن القضاء كما أسلفنا فنخص هذه الشروط التي ورد فيها الخلاف بموجز من القول، وأول هذه الشروط اختلافهم في كون من يولى القضاء ذكرًا فقد اشترط الجمهور هذا الشرط.
وقال ابن جرير: إنه لا يشترط الذكورية؛ لأن المرأة يجوز أن تكون فقيهة فيجوز أن تكون قاضية.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون قاضية في غير الحدود؛ لأنه يجوز أن تكون شاهدة فيه (١) ولهذا أجاز الأحناف تحكيم المرأة لصلاحيتها للقضاء (٢) .
وثاني هذه الشروط العدالة فقد أجاز الحنفية تولي الفاسق القضاء وبالتالي قالوا بجواز كونه حكمًا (٣) ومع تولية الفاسق القضاء والحنابلة (٤) .
وقد بينا موقف المالكية فلا نعيده.
وثالث هذه الشروط الاجتهاد وقال صاحب المغني: الشرط الثالث أن يكون من أهل الاجتهاد، وبهذا قال مالك والشافعية وبعض الحنفية، وقال بعضهم: يجوز أن يكون عامِّيًّا فيحكم بالتقليد؛ لأن الغرض منه فصل الخصائم؛ فإذا أمكنه بالتقليد جاز كما يحكم بقول المقدمين (٥) .
_________________
(١) المغني لابن قدامة جـ ١٠ / ١٢٧
(٢) حاشية رد المحتار جـ ٥ / ٤٠٨
(٣) حاشية رد المحتار جـ ٥ / ٤٠٨
(٤) كتاب أدب القضاء لابن أبي الدم ص ٧٨؛ المغني لابن قدامة ج ١٠ / ١٢٧
(٥) المغني جـ ٧ / ١٢٨
[ ٩ / ١٧٩٢ ]
النوع الثالث في الشروط من جهة المحكوم به
المحكوم به لا يخلو الأمر إما أن يكون في مسائل الأحوال الشخصية أو في مسائل المعاملات المالية أو في مسائل الحدود والقصاص أو في مسائل أحكام السياسات الشرعية.
أ- التحكيم في مسائل الشقاق بين الزوجين
أما عن الأمر الأول وهو التحكيم في مسائل الأحوال الشخصية فقد جاء في كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] .
قال ابن العربي في أحكامه: هي من الآيات الأصول في الشريعة (١)، وقال: هذا نص من الله ﷾ في إنهما قاضيان لا وكيلان وينظران فيما عند الزوجين بالتثبت فإن رأيا للجمع وجها جمعا وإن وجداهما قد أثابا تركاهما وهذا مذهب مالك، وقال أبو حنيفة وأحمد: إنهما وكيلان عنهما فلا يفرقان بينهما إلا برضاهما وهو الأصح من قولي الشافعي (٢) والقول الثاني يتفق وقول مالك.
وعلى هذا فالتحكيم في هذه الشعبة من شعب الفقه متفق عليه وإن كان ثمة خلاف فإنما هو في مدى اختصاص الحكمين بالتفريق وهل تشترط موافقة الزوجين أم ينفردان دونهما بالتفريق، كما اختلفوا في المخاطبين بهذا الخطاب (فابعثوا)، قال سعيد بن جبير: إنه السلطان الذي يترافعان إليه. السدي: الرجل والمرأة، وقال مالك: قد يكون السلطان وقد يكون الوليين إذا كان الزوجان محجورين (٣) .
اختلف في بعض مسائل الأحوال الشخصية هل يجوز فيها التحكيم أم لا؟ ومن هذه المسائل: اللعان والنسب والطلاق وفسخ النكاح والرشد والسفه وكذلك بالنسبة للغائب مما يتعلق بماله وزوجته وحياته وموته، فقد نص المالكية على عدم جواز التحكيم في هذه المسائل؛ لأن هذه الأمور إنما يحكم فيها القضاة، ولأن الحق فيها يتعلق بغير الخصمين إما لله كالطلاق وإما لآدمي كاللعان والولاء والنسب، ففي اللعان حق الولد بقطع نسبه وفي الولاء والنسب ترتيب أحكامها من نكاح وعدمه وإرث وعدمه وغير ذلك على الذرية التي ستوجد (٤) . وقال الشافعية لا يجوز التحكيم في الولاية على الأيتام وإيقاع الحجر على مستحقيه (٥) وهناك مسائل هي محل خلاف بين الفقهاء كمسألة اللعان فقد نقل الماوردي فيها وجهين (٦) وقال الحنابلة يجوز التحكيم في اللعان.
بل الحنابلة أطلقوا الجواز جاء في كشاف القناع: نفذ حكمه في المال والقصاص والحد والنكاح واللعان وغيرها حتى مع وجود قاض فهو كحاكم الإمام (٧) .
_________________
(١) أحكام القرآن جـ ١ / ٤٢١
(٢) أحكام القرآن للكيا الهراسي جـ ٢ / ٣٦٨؛ وأحكام القرآن للجصاص جـ ٣ / ١٥٢
(٣) أحكام القرآن للكيا الهراسي جـ ٢ / ٣٦٨؛ وأحكام القرآن الجصاص جـ ٣ / ١٥٢
(٤) الشرح الصغير جـ ٤ / ١٩٩
(٥) أدب القاضي للماوردي جـ ٢ / ٣٨١
(٦) أدب القاضي للماوردي جـ ٢ / ٣٨١
(٧) كشاف القناع جـ ٦ / ٣٠٨
[ ٩ / ١٧٩٣ ]
ب- التحكيم في المعاملات المالية
التحكيم في المنازعات المالية هو الأصل (١) ولهذا كان أول تقنين لمسائل التحكيم طبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية النصوص التي اشتملت عليها مجلة الأحكام العدلية مأخوذة من المذهب الحنفي.
فقد نصت المادة ١٨٤١: (يجوز التحكيم في دعاوى المال المتعلقة بحقوق الناس) وجاءت بقية المواد لتنظيم أحكامه التفصيلية ثم أخذت التشريعات الوضعية تخصص للتحكيم نصوصًا خاصة في قوانين المرافعات وبات التحكيم يأخذ مكانة مرموقة على مستوى دول العالم ومختلف نظمه وهيئاته فالتحكيم في مسائل المعاملات كالكفالة بالنفس والمال والشفعة والديون والبيوع صحيحة وجائزة (٢) وقال في التبصرة: إن الخصمين إذا حكما بينهما رجلًا وارتضياه لأن يحكم بينهما فإن ذلك جائز في الأموال وما في معناها (٣) وجاء في الشرح الصغير: وجاز تحكيم في مال من دين وبيع وشراء فله الحكم بثبوت ما ذكر أو عدم ثبوته ولزومه وعدم لزومه وجوازه وعدمه (٤) .
وقد ورد قول ضعيف لبعض الفقهاء أنه لا يجوز لما فيه من الافتيات على الإمام ونوابه وقد رد هذا القول على قائله بأنه ليس للمحاكم حبس ولا استيفاء عقوبته فلا افتيات ولا خرق لهيبة السلطان (٥) وشرط بعضهم لجواز التحكيم أن لا يكون قاض بالبلد وهذا القول أيضًا مردود (٦) بأن الحكم بين الناس إنما هو حق للناس لا حق الحاكم ولكن لما كان الاسترسال على التحكيم خرقًا لقاعدة الولاية ومؤديا إلى تهارج الناس فأمر الشارع بنصب الوالي ليحسم قاعدة الهرج وأذن في التحكيم تخفيفًا عنه وعنهم في مشقة الترافع؛ لتتم المصلحتان، وتحصل الفائدتان (٧) .
_________________
(١) أدب القاضي للماوردي جـ ٢ / ٣٨١؛ مغني المحتاج جـ ٤ / ٣٧٨
(٢) حاشية رد المحتار جـ ٥ / ٤٣٠؛ وشرح فتح القدير جـ ٧ / ٣١٨
(٣) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ ٢ / ٥٥
(٤) الشرح الصغير جـ ٤ / ١٩٨.
(٥) نهاية المحتاج جـ ٨ / ٢٢٠
(٦) مغني المحتاج جـ ٤ / ٣٠٩
(٧) أحكام القرآن لابن العربي جـ ٢ / ٦١٩.
[ ٩ / ١٧٩٤ ]
ج. التحكيم في مسائل الحدود والقصاص:
اختلف الفقهاء في جواز التحكيم في الحدود والقصاص فذهب الحنابلة وطائفة من الشافعية إلى جواز التحكيم في الحدود والقصاص بل إن الحنابلة توسعوا في الأخذ بالتحكيم فلم يقيدوه بشيء مما قيده به غيرهم فينفذ عندهم التحكيم في المال والقصاص والحد والنكاح واللعان وغيرها (١)، وقال في المهذب: واختلف أصحابنا فيما يجوز فيه التحكيم فمنهم من قال: يجوز في كل ما تحاكم فيه الخصمان كما يجوز حكم من ولاه الإمام (٢) .
وذهب فريق إلى أنه لا يجوز التحكيم في الحدود التي لله تعالى حق فيها هو قول الحنفية والشافعية (٣) جاء في بداية المبتدي: ولا يجوز التحكيم في الحدود والقصاص، قال البابرتي في شرحه على الهداية: لا يجوز التحكيم في الحدود الواجبة حقًّا لله تعالى باتفاق الروايات؛ لأن الإمام هو المتعين لاستيفائها وأما في حد القذف والقصاص فقد اختلف المشايخ، قال شمس الأئمة من أصحابنا من قال بالتحكيم في حد القذف والقصاص جائز (٤) .
وقال الخصاف: ولو أن رجلين حكما بينهما رجلًا في حد أو قصاص فحكم بينهما لم يجز ذلك، ومن أصحابنا من قال: إنما لا يجوز هذا في الحدود الواجبة لله تعالى أما في القذف والقصاص فإنه يجوز (٥) .
وقال الماوردي: والأحكام تنقسم في التحكيم إلى ثلاثة أقسام: قسم يجوز فيه التحكيم وهو حقوق الأموال وعقود المعاوضات وما يصح فيه العقد والإبراء.
وقسم لا يجوز فيه التحكيم وهو ما اختص القضاة بالإجبار عليه من حقوق الله تعالى والولايات على الأيتام وإيقاع الحجر على مستحقيه، وقسم مختلف فيه وهو أربعة أحكام: النكاح، واللعان، والقذف، والقصاص (٦) وكذلك منع المالكية جريان التحكيم في الحدود والقصاص.
قال الصاوي في حاشيته على أقرب المسالك: والحاصل أنه يحكم في الأموال والجراحات عمدها وخطئها لا في الحدود ومنها قطع اليد في السرقة ولا في النفوس؛ لأن الحدود المقصود منها الزجر وهو حق الله وكذلك القتل؛ لأنه إما لردة أو حرابة، وكله حق لله لتعدي حرماته (٧) .
_________________
(١) كشاف القناع جـ ٦ / ٣٠٨.
(٢) المهذب جـ ٢ / ٢٩١
(٣) المهذب جـ ٢ / ٢٩١
(٤) شرح العناية على الهداية – فتح القدير جـ ٧ / ٣٨.
(٥) شرح أدب القاضي للخصاف جـ ٤ / ٦٢.
(٦) أدب القاضي جـ ٢ / ٣٨٠، ٣٨١.
(٧) الشرح الصغير جـ ٤ / ١٩٩
[ ٩ / ١٧٩٥ ]
د- التحكيم في مسائل السياسة الشرعية:
١- التحكيم في وقف الحرب:
توصلت دول العالم أخيرًا إلى فكرة فض المنازعات بالطرق الودية كوسيلة لمنع الحروب فقررت عرض كل نزاع يقوم بين الدول على التحكيم أو القضاء وحظرت الالتجاء إلى الحرب قبل استنفاذ هذه الوسائل العلمية هذا ما نص عليه قانون عصبة الأمم ثم ميثاق الأمم المتحدة (١)، وقد عالج الفقه الإسلامي هذا الجانب فنص على أنه لا يقاتل المسلمون غيرهم إلا بعد، يدعوهم إلى الله ورسوله ويبينوا لهم أحكام الإسلام وشرائعه (٢) .
قال الماوردي: والقسم الثاني من أحكام هذه الإمارة في تدبير الحرب. والمشركون في دار الحرب صنفان: الصنف الثاني: لم تبلغهم دعوة الإسلام فيحرم علينا الإقدام على قتالهم غرة وبياتًا أو أن نبدأهم بالقتل قبل إظهار دعوة الإسلام لهم وإعلامهم من معجزات النبوة وإظهار الحجة بما يقودهم إلى الإجابة (٣) مستدلًا بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .
وإذا عرضوا الصلح أو التحكيم أجيبوا إليه.
وقال أبو يوسف: وإذا حاصر المسلمون حصنًا لأهل الحرب فصالحوهم على أن ينزلوا على حكم سموه فحكم فقد يكون الحكم بالقتل أو بوضع الجزية أو بغير ذلك فكل ذلك جائز.
وكان أول تحكيم في الإسلام هو التحكيم الذي جرى في عهد رسول الله ﷺ: قال أبو يوسف: حدثني محمد بن إسحاق أن رسول الله ﷺ حاصر بني قريظة فنزلوا على أن يحكم فيهم سعد بن معاذ، وكان جريحًا من سهم أصابه يوم الخندق وكان في خيمة رفيدة، فأتاه قومه فحملوه على حماره ثم قالوا: إن رسول الله ﷺ قد ولاك الحكم في بني قريظة وهم حلفاؤك.
_________________
(١) القانون الدولي العام لعلي أبي هيف ص ٦٢٥، ٦٥٠
(٢) مفتاح الرتاج المرصد على خزانة كتاب الخراج، أو فقه الملوك جـ ٢ / ٤٧٢
(٣) الأحكام السلطانية ص ٣٧
[ ٩ / ١٧٩٦ ]
فقال: قد آن لسعد أن لا يخاف في الله لومة لائم، فخرج ومن كان معه ممن سمع مقالته إلى دار قومه يبغي رجال بني قريظة، فلما وقف على رسول الله ﷺ قباله من ذلك المكان قال: (عليكم العهد والميثاق: أن الحكم فيهم ما حكمت؟) . . . . وهو غاض طرفه عن موضع رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ والمسلمون: نعم: فقال: حكمت فيهم أن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية. فقال النبي ﷺ: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات» (١) .
ومن المسائل التي تناولها الفقهاء في هذا الجانب لو نزل العدو على حكم رجل ثم تبين بعد الحكم أنه لم يكن مستجمعًا لشروط الحكم نص المالكية على أن الإمام ينظر في حكمه؛ فما كان صوابًا أمضاه، وما كان غير صواب رده، وتولى الحكم بنفسه فيما يراه مصلحة (٢) .
وذهب آخرون إلى أن لا يعمل بهذا الحكم ويبقون على ما كانوا عليه قبل الحكم فإن كانوا في حصن ونزلوا منه ردوا إليه. (٣) .
٢- التحكيم في المسائل الدستورية:
يذكر الماوردي في معرض الاستدلال على جواز التحكيم تحكيم الإمام علي بن أبي طالب ﵁ في الإمامة، وتحكيم أهل الشورى عبد الرحمن بن عوف ﵁ في اختيار الخليفة من بين أهل الشورى الذين اختارهم عمر ﵁ قبل موته (٤) .
_________________
(١) المصدر السابق وينظر فتح الباري جـ ٧ / ٤١١ كتاب المغازي باب يرجع النبي ﷺ من الأحزاب؛ وصحيح مسلم كتاب الجهاد والسير باب جواز قتال من نقض العهد شرح النووي جـ ١٢ / ٩٢؛ والخرشي على خليل وحاشية العدوي عليه جـ ٣ / ١٢٢.
(٢) شرح الخرشي وحاشية العدوي عليه جـ ٣ / ١٢٢.
(٣) الرتاج شرح أحكام الخراج جـ ٢ / ٤٨٥؛ المذهب جـ ٢ / ٢٣٨، ٢٣٩
(٤) أدب القاضي جـ ٢ / ٣٧٩، ٣٨٠.
[ ٩ / ١٧٩٧ ]
والتحكيم في المسألة الأولى تغني شهرتها في كتب السير والتاريخ عن ذكرها، أما تحكيم أهل الشورى عبد الرحمن بن عوف فقد أخرجه العلامة علاء الدين البرهان فوري من حديث عمرو بن ميمون وغيره (١) .
وأورد الخبر بطوله ابن سعد في الطبقات عند الكلام على ترجمة عمر ﵁ وخبر مقتله واستخلافه عليًّا وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن: وسعدًا، قال: فلما اجتمعوا قال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة نفر منكم فجعل الزبير أمره إلى علي، وجعل طلحة أمره إلى عثمان وجعل سعد أمره إلى عبد الرحمن فاتمروا أولئك الثلاثة حين جعل الأمر إليهم، فقال عبد الرحمن: أيكم يبرأ من الأمر ويجعل الأمر إلي على ألا آلوكم عن أفضلكم وخيركم للمسلمين فسكت الشيخان علي وعثمان، فقال عبد الرحمن: تجعلانه إلي وأنا أخرج منها، فوالله لا آلوكم عن أفضلكم وخيركم للمسلمين قالوا: نعم إلى آخر القصة (٢) .
ومن المسائل المتعلقة بالإمامة والتي تصدى لها فريق من الباحثين المعاصرين الاختلاف بين الإمام ومجلس الشورى.
وهذا الموضوع يحتاج إلى تأصيل وبيان هل مجلس الشورى هذا هو عين المجالس النيابية أو غيرها؟ فإذا كان مجلس الشورى هو المجلس النيابي أو السلطة التشريعية كما يقولون فإن الحلول المطروحة طبقًا للدساتير المتعارف عليها، وهي قيام رئيس الدولة بحل المجلس التشريعي وإجراء انتخابات جديدة أو قيام السلطة التشريعية بنزع ثقتها من الوزارة وإرغامها على الاستقالة (٣)
هي الحلول العملية لمثل هذا النزاع.
_________________
(١) كنز العمال جـ ٥ / ٧٢٧، ٧٣١
(٢) الطبقات الكبرى لابن سعد جـ ٣ / ٢٤٥.
(٣) الدولة والسيادة في الفقه الإسلامي رسالة دكتوراه في الحقوق جامعة القاهرة للدكتور فتحي عبد الكريم ص ٣٨٥.
[ ٩ / ١٧٩٨ ]
ويرى الدكتور محمد عبد الله العربي إنشاء محكمة عليا تختص بالفصل في قضايا النزاع بين رئيس الدولة والسلطة التشريعية والتي تحال إليها من أي من الطرفين لتفصل فيها ويكون لحكم هذه المحكمة السلطة في إبطال أي قانون وضعي أقره المجلس أو أي قرار إداري أصدره رئيس الدولة إذا رأت في أي منهما مخالفة صريحة لنصوص الكتاب والسنة (١) .
ويرى الدكتور فتحي عبد الكريم أنه مجلس الشورى هذا غير المجلس النيابي المتعارف عليه فإن المجالس النيابية تختص بوضع التشريعات والقوانين أما مجلس الشورى فيتعلق بالمجال التنفيذي فالخليفة أو رئيس الدولة له اختصاصات تنفيذية وفي نطاق هذه الاختصاصات التنفيذية فإنه يتعين عليه إذا عرضت مسألة هامة تتعلق بمصلحة عامة للأمة أن يستشير الأمة فيها مثل إعلان الحرب ويستدل على هذا الفرق بين المجلسين بأن الرسول ﵊ أمر بالاستشارة وكان يستشير فعلًا ولا يمكن أن يكون ذلك بقصد التشريع؛ لأن في عهده كان هو المشرع وإن الفقهاء يختلفون في نطاق الشورى كما اختلفوا في حكم الشورى هل الأمر به للوجوب أو الندب (٢) .
ويتساءل الدكتور قحطان الدوري في كتابه التحكيم إذا بقي الاختلاف بين مجلس الشورى والإمام هل يؤخذ برأي الأغلبية أو يؤخذ بالتحكيم أو يؤخذ برأي الإمام ويلتقى مع الرأي السابق وهو إنشاء محكمة عليا تكون مهمتها الفصل في الخلاف بين الإمام ومجلس الشورى ويكون رأيها ملزمًا (٣) .
ونرى أن مجال التحكيم واسع في الفقه الإسلامي فهو يتسع لكل المسائل والوقائع سواء ما كان متعلقًا منها بفروع القانون الداخلي أو الدولي وبعبارة أخرى بأحكام السياسة الشرعية أو فروع الفقه الأخرى إلا ما اتفق على عدم خضوعه للتحكيم.
_________________
(١) الدولة والسيادة في الفقه الإسلامي رسالة دكتوراه في الحقوق جامعة القاهرة للدكتور فتحي عبد الكريم ص ٣٥٨
(٢) المرجع السابق ص ٣٦٦ – ٣٦٨.
(٣) عقد التحكيم ص ٥٨٨، ٥٨٩
[ ٩ / ١٧٩٩ ]
الرابع: شروط الحكم وهل يملك الحكم
أو من حكمه الرجوع عن الحكم؟
إذا تحققت الشروط المعتبرة في التحكيم وهي التي سبق بيانها فإن الحكم الصادر فيه يكون لازمًا لطرفيه واجب النفاذ.
قال الماوردي: وإذا جاز التحكيم في الأحكام فنفاذ حكمه مقيد بأربعة شروط (١)، وقال: فيما يصير الحكم به لازمًا لها وفيه قولان للشافعي:
أحدهما: أنه لا يلزمهما الحكم إلا بالتزامه بعد الحكم كالفتيا؛ لأنه لما وقف على خيارهما في الابتداء وجب أني يقف على خيارهما في الانتهاء وهو قول المزني.
والقول الثاني: وهو قول الكوفيين وأكثر أصحابنا أنه يكون بحكم المحكم لازمًا لهما ولا يقف بعد الحكم على خيارهما لما روي عن النبي ﷺ إنه قال: «من حكم بين اثنين تراضيًا به فلم يعدل بينهما فعليه لعنة الله» (٢) فكان الوعيد دليلًا على لزوم حكمه كما قال في الشهادة: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ولحديث: «إذا كنتم ثلاثة فأمروا عليكم واحدًا» (٣) فصار بتأميرهم له نافذ الحكم عليهم كنفوذه لو كان واليًا عليهم، وذلك انعقدت الإمامة للإمام باختيار أهل الاختيار (٤) .
وذكر في تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار: فإن حكم لزمهما ولا يبطل حكمه بعزلهما لصدوره عن ولاية شرعية (٥) وكذلك نص المالكية فقد جاء في التبصرة: ولا يشترط دوام الرضا إلى حين نفوذ الحكم بل لو أقاما البينة عنده ثم بدا لأحدهما قبل أن يحكم فليقض بينهما ويجوز حكمه، وقال أصبغ: لكل واحد منهما الرجوع ما لم ينشبا في الخصومة عنده فيلزمهما التمادي فيها كما ليس لأحدهما إذا ترافعا الخصومة عند القاضي أن يوكل وكيلًا أو بعزله.
وقال سحنون في كتاب ابنه: لكل واحد منهما الرجوع ما لم يفصل الحكم بينهما وقال ابن الماجشون: ليس لأحدهما الرجوع كان ذلك قبل أن يتقاعد صاحبه أو بعده ما ناشبه الخصومة وحكم لازم لهما (٦) .
_________________
(١) أدب القاضي جـ ٢ / ٣٨٠
(٢) الحديث
(٣) كشف الخفاء ومزيل الإلباس جـ ١ / والحديث برقم ٢٦٧
(٤) أدب القاضي جـ ٢ / ٣٨٢، ٣٨٣
(٥) حاشية رد المحتار جـ ٥ / ٤٢٩.
(٦) تبصرة الحكام لابن فرحون جـ ٢ / ٥٥، ٥٦.
[ ٩ / ١٨٠٠ ]
ليس للمحكم كذلك أن يرجع عن الحكم:
وليس للحكم أن يرجع عن حكمه، وليس له بعد أن حكم لأحدهما أن يرجع ويقضي للآخر؛ لأن الحكومة قد تمت بالقضاء الأول فكان القضاء الثاني باطلًا (١) .
عزل المحكمين:
التحكيم من العقود الجائزة فلكل واحد من المحكمين الرجوع عنه، ولكن هذا الرجوع مقيد بأن يتم قبل الحكم قال في البحر الرائق: ولكل واحد من المحكمين، أن يرجع قبل حكمه؛ لأنه تقلد من جهتهما فكان لكل منهما عزله وهو من الأمور الجائزة فينفرد أحدهما بنقضه كالمضاربة والشركة الوكالة (٢) .
وقال ابن أبي الدم: ومهما رضيا به ثم رجع أحدهما قبل أن يحكم لم ينفذ حكمه وفاقًا، وإنما الخلاف فيه إذا استمر على الرضا حتى حكم ولم يجددا رضا (٣) وذكر وجها بعيدًا أن رجوع أحدهما بعد الخوض في التحكيم لم يؤثر الرجوع وينفذ الحكم (٤) وقد سبق بيان أقوال المالكية في الرجوع عن التحكيم بعد شروع الحكم في نظر النزاع فلا نعيده.
انتهاء مهمة الحكم:
ونص الفقهاء على أن مهمة الحكم تنتهي بأحد أمور ثلاثة:
بالعزل أو بانتهاء الحكومة نهائيًّا بأن كان مؤقتًا فمضى الوقت أو بخروجه من أن يكون صالحًا لنظرها وبفقده شرطًا من الشروط المؤثرة على سلامة الحكم أو سيره في نظر التحكيم وكذلك بالفصل في الدعوى موضوع التحكيم. (٥) .
_________________
(١) البحر الرائق جـ ٧ / ٢٧
(٢) المصدر السابق ص ٢٦
(٣) أدب القضاء ص ١٧٧
(٤) أدب القضاء ص ١٧٧
(٥) البحر الرائق جـ ٧ / ٢٨؛ مجلة الأحكام العدلية المواد ١٨٤٦ – ١٨٤٧ – الموسوعة الفقهية مادة التحكيم
[ ٩ / ١٨٠١ ]
تنفيذ حكم المحكمين أو باتصاله بالقضاء:
الأصل أن يتم تنفيذ حكم المحكمين طواعية واختيارًا؛ لأن التحكيم كان بإرادة المحكمين واختيارهم وطوعهم، ولكن لما كان حكم المحكم عرضة للخطأ والصواب وقد يبدو للطرفين فيه أو لأحدهما التأكد والاستيثاق منه من حيث صدوره موافقة لأحكام الشريعة ونظم البلاد أو ربما يتم تنفيذه في بلد آخر أو لدى قاض قد يختلف نظره في هذا الحكم لاختلاف مذهبه أو نظم البلد الذي يحكم فيه فقد عالجت مجلة الأحكام العدلية ذلك في مادتين متتاليتين نصت المادة ١٨٤٨ من مجلة الأحكام العدلية على أنه (كما أن حكم القضاة لازم الإجراء في حق جميع الأهالي الذين في داخل قضائهم كذلك حكم المحكمين لازم الإجراء على الوجه المذكور في حق من حكمهم وفي الخصوص الذي حكموا به، فلذلك ليس لأي واحد من الطرفين الامتناع عن قبول حكم المحكمين بعد حكم المحكمين حكمًا موافقًا لأصوله المشروعة) .
ونصت المادة ١٨٤٩ منها على أنه (إذا عرض حكم للمحكم على القاضي المنصوب من قبل السلطان فإذا كان موافقًا للأصول صدقه وإلا نقضه) .
وجاء في شرح هذه المادة أن فائدة تصديق حكم المحكم من قبل القاضي هو أنه لو عرض هذا الحكم على أنه قاض آخر يخالف رأيه واجتهاده رأى المحكم فليس له نقضه؛ لأن إمضاءه وقبول القاضي لحكم المحكم هو بمنزلة الحكم ابتداء من القاضي، أما إذا لم يصدق القاضي على حكم المحكم فيكون من الممكن للقاضي الآخر أن ينقض حكم المحكم، فإذا حكم المحكم حكمًا غير موافق للأصول بنقضه القاضي والمحكم الثاني (١)
وقالوا: إن عدم موافقة حكم المحكم للأصول يكون لوجهين.
الأول: أن يكون حكم المحكم خطأ لا يوافق أي مذهب من المذاهب، وبما أن الحكم على هذا الوجه خطأ بين واجب رفعه ويقضي القاضي في النزاع على وجه الحق.
الثاني: أن يكون حكم المحكم موافقًا لمذهب أحد المجتهدين إلا أن يكون غير موافق لمذهب المجتهد الذي يقلده القاضي الذي عرض عليه حكم المحكم. قالوا: لأن حكم المحكم لا يرفع المسائل الخلافية فالحكم لازم لطرفي التحكيم، ولكن لا يلزم القاضي بخلاف الحكم الصادر عن القضاء (٢) .
ونصوص المالكية تتفق على ما سبق فقد قال الباجي: ولو حكم رجلان بينهما رجلًا فقضى بينهما فقضاؤه جائز قاله مالك في المجموعة قال ابن القاسم: وإن قضى بما يختلف فيه ويرى القاضي خلافه فحكمه ماض إلا في جَوْرٍ بَيِّنٍ (٣) .
_________________
(١) درر الحكام شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر ج - ٤ / ٦٤٥، ٦٤٦
(٢) درر الحكام شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر جـ ٤ / ٦٤٥، ٦٤٦
(٣) المنتقى جـ ٥ / ٢٢٦
[ ٩ / ١٨٠٢ ]
نظرات سريعة في قواعد التحكيم في التشريعات الوضعية:
هذه القواعد التي أسلفنا الكلام عليها في التحكيم أخذت به التشريعات والنظم القانونية الحديثة ولما كانت هذه النظم لا خلاف بينها سيما في المسائل الجوهرية فنكتفي بعرض أهم هذه الأحكام العامة مستشهدين ببعض نصوص القانون الكويتي.
أولًا – الاتفاق على التحكيم:
لا يعرض النزاع على المحكمين إلا باتفاق ذوي الشأن وهذا الاتفاق يتخذ إحدى صورتين (٢٥٤) فهو قد يرد في نفس العقد سواء كان عقدًا مدنيًّا أو عقدًا تجاريًّا بأن يتفق الطرفان على شراء وتوريد أو بناء منزل أو شراء عمارة مثلا فينصان في عقد الشراء أو عقد البناء أو عقد التوريد على أنه في حال نشوب أي نزاع بينهما بشأن تغير هذه العقد أو تنفيذه يعرض على محكمين وقد لا ينصان في العقد الأصلي ولكن بعد نشوب النزاع يتفقان على عرضه على محكمين ويطلق عليه في هذه الحالة وثيقة التحكيم أو مشاركة التحكيم.
ثانيًا – شروط التحكيم:
وأهم هذه الشروط:
أ- توافر الأهلية (٢٥٥مرافعات) وتطبيقا لهذه الشروط لا يجوز للمحجور عليه إبرام عقد التحكيم.
ب- أن يصلح الحق المتنازع عليه كمحل للتحكيم ولا يكون المحل صالحًا للتحكيم إذا كان مما لا تجوز المصالحة عليه إن كان متعلقا بالحالة الشخصية أو بالنظام العام فلا يجوز التحكيم على حق الزوج في الطلاق.
ج- تحديد محل النزاع ويترتب على الاتفاق على التحكيم أنه لا يجوز عرض النزاع على القضاء، فإذا رفعت أمام القضاء كان للمدعى عليه الحق في رفعها بعدم القبول.
[ ٩ / ١٨٠٣ ]
ثالثًا- يجوز أن يكون المحكم واحدا ويمكن أن يكونوا متعددين (٢٥٦) ولكن بشرط أن يكون العدد فردا ثلاثة أو خمسة وإلا كان باطلا. وإذا كان المحكمون مفوضين بالصلح يجب تعيين أسمائهم أما إذا لم يكونوا مفوضين بالصلح فلا يشترط التعيين بالاسم.
رابعًا – شروط المحكمين:
يشترط القانون فيمن يكون محكما أن يكون له الأهلية المدنية الكاملة وإلا يكون ممنوعا من التحكيم (كتعيين رجال القضاء بدون موافقة مجلس القضاء الأعلى) وألا تكون له مصلحة في النزاع.
خامسًا – رد المحكم وتنحيته وعزله؛ لأن المحكم في حكم القاضي.
سادسًا – حكم المحكمين إذا كانوا متعددين يصدر بأغلبية الآراء ويجب كتابة حكم المحكمين (المادة ٢٦٧مرافعات) .
ويكون لحكم المحكمين حجية الآراء المقضى بمجرد صدوره يكون هذا الحكم ورقة رسمية وحتى تكون له القوة التنفيذية فإنه لا بد من عرضه على القضاء لإعطائه القوة وهو صدور أمر تنفيذه المادة (٢٦٣مرافعات) ويجوز الطعن عليه بالاستئناف إلا إذا كان المحكمون مخولين بالصلح أو تنازل المحكوم عليه عن حقه في الطعن صراحة أو كانت قيمة الدعوة غير قابلة للطعن عليه بالاستئناف. (١)
هذه أهم القواعد التي تنص عليها القوانين الوضعية في التحكيم وهي بمجملها تتفق مع الأحكام التي سبق بيانها في الفقه الإسلامي وأن بعض الأحكام التي فيها مخالفة لأحكام الفقه ككون الحكم صادرًا من الأغلبية في حالة تعدد المحكمين تقتضيها مصلحة الخصوم في إنهاء الخصومة فيما بينهم وغالبًا ما تكون في مسائل جانبية لا تمس جوهر القانون.
_________________
(١) قانون القضاء المدني الكويتي د. فتحي والي ص:٤٤٤، ٤٥٨؛ التحكيم أحكامه ومصادره د. عبد الحميد الأحدب في أربع مجلدات استعرض فيه قوانين التحكيم في فرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفياتي والبلاد العربية.
[ ٩ / ١٨٠٤ ]
احتكام غير المسلم إلى محاكم إسلامية في دولة إسلامية
للعلماء في هذه المسألة خلاف بين وأصله قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] .
الكلام في الآية في موضعين:
الأول: في بقاء التخيير وعدمه.
والثاني: في موضع الحقوق.
أما عن الأمر الأول:
فقد تباينت الآراء في بقاء التخيير بين الفصل في أنزعتهم إذا لجئوا إلى قضاتنا أو عدم الفصل فيها وتركها وشأنهم في اللجوء إلى رؤسائهم ومحاكمهم الخاصة بهم فذهب فريق إلى بقاء التخيير وذهب آخرون إلى أن التخيير قد نسخ وأنه يجب الفصل إذا لجئوا إلينا وذهب فريق ثالث إلى بقاء التخيير في المعاهدين والمستأمنين ولزوم الفصل في حق أهل الذمة ويفرق ابن العربي بين جرائم القتل والغصب فيلزم الحكم في هذه الجرائم يخير فيما سواهما، وهذه تفاصيل أقوالهم:
قال الجصاص: ظاهر ذلك يقتضي معنيين:
أحدهما: تخليتهم وأحكامهم من غير اعتراض عليهم.
الثاني: التخيير بين الحكم والإعراض إذا ارتفعوا إلينا.
وقد اختلف السلف في بقاء هذا الحكم:
فقال قائلون: إذا ارتفعوا إلينا فإن شاء الحاكم حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم وردهم إلى دينهم. وقال آخرون: التخيير منسوخ فمتى ارتفعوا إلينا حكمنا بينهم من غير تخيير.
وقد قال بالتخيير الحسن والشعبي وإبراهيم وذهب ابن عباس إلى أن آية التخيير منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] .
[ ٩ / ١٨٠٥ ]
وروى النسخ سعيد بن جبير عن الحكم عن مجاهد وروى سفيان عن السعدي عن عكرمة مثله.
ورجح الجصاص النسخ وعلق عليه بقوله: ومعلوم أن ذلك لا يقال عن طريق الرأي؛ لأن العلم بتواريخ نزول الآية لا يدرك من طريق الرأي والاجتهاد وإنما طريقه التوقيف ولم يقل من أثبت التخيير أن آية التخيير نزلت بعد قوله ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وأن التخيير نسخه، وإنما حكى عن مذاهبهم في التخيير من غير النسخ فثبت نسخ التخيير بقوله ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] كرواية من ذكر نسخ التخيير، ويدل على نسخ التخيير قوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] الآيات (١) .
وذكر القرطبي أن القول بالنسخ هو قول عمر بن عبد العزيز وهو مذهب عطاء الخراساني وأبي حنيفة وأصحابه.
ونقل عن النحاس في (الناسخ والمنسوخ) له قوله تعالى ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] منسوخ؛ لأنه إنما نزل أول ما قدم النبي ﷺ المدينة واليهود فيها يومئذ كثير، وكان الأدعى لهم والأصلح أن يردوا إلى أحكامهم، فلما قوي الإسلام أنزل الله ﷿ ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وقاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز والسدي.
ثم رجح قول القائلين بالنسخ فقال: فثبت أن قول أكثر العلماء أن الآية منسوخة مع ما ثبت فيها من توقيف ابن عباس. ولو لم يأت الحديث عن ابن عباس لكان النظر يوجب أنها منسوخة؛ لأنهم قد أجمعوا على أن أهل الكتاب إذا تحاكموا إلى الإمام فله أن ينظر بينهم وأنه إذا نظر بينهم مصيب عند الجماعة وإلا يعرض عنهم فيكون عند بعض العلماء تاركًا فرضًا فاعلًا ما لا يحل له ولا يسعه (٢) .
ووفق فريق بين الرأيين السابقين فقال: إن التخيير في أهل العهد الذين لا ذمة لهم ولم يجر عليهم أحكام المسلمين كأهل الحرب إذا هادناهم، وإيجاب الحكم بما أنزل الله في أهل الذمة الذين يجري عليهم أحكام المسلمين.
قال الجصاص: وقد روى ابن عباس ما يدل على ذلك روى محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن الآية التي في المائدة قوله الله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] إنما نزلت في الدية بين بني قريظة وبين بني النضير وذلك أن بني النضير كان لهم شرف بدون دية كاملة وأن بني قريظة بدون نصف الدية فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله ذلك فيهم فحملهم رسول الله ﷺ على الحق في ذلك فجعل الدية سواء ومعلوم أن بني قريظة وبني النضير لم تكن لهم ذمة قط وقد أجلى النبي ﷺ بني النضير وقتل بني قريظة ولو كان لهم ذمة لما أجلاهم ولا قتلهم، وإنما كان بينهم وبينه عهد وهدنة فنقضوها.
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص جـ ٤ / ٨٧، ٨٨
(٢) الجامع لأحكام القرآن جـ ٦ / ١٨٥، ١٨٦
[ ٩ / ١٨٠٦ ]
فجائز أن يكون حكمها باقيًا في أهل الحرب من أهل العهد وحكم الآية الأخرى في وجوب الحكم بينهم بما أنزل الله تعالى ثابتًا في أهل الذمة فلا يكون فيها نسخ وهذا تأويل سائغ (١) ويستدل لهذا الرأي بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] نقل القرطبي عن النحاس قوله: وهذا من أصح الاحتجاجات؛ لأنه إذا كان معنى قوله ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] أن تجري عليهم أحكام المسلمين وجب ألا يردا إلى أحكامهم، فإذا وجب هذا فالآية منسوخة (٢) .
ولابن العربي وجهة أخرى، ولعله قول رابع في المسألة فهو يفرق بني جرائم القتل والغصب التي لا تحل في شريعة من الشرائع فيوجب الحكم فيها وبين ما تختلف فيه الشرائع فيكون التخيير، فهو يقول: وجملة الأمر أن أهل الكتاب مصالحون، وعمدة الصلح ألا يعرض لهم بشيء وإن تعرضوا لنا ورفعوا أمرهم إلينا فلا يخلو أن يكون ما رفعوه ظلمًا لا يجوز في شريعة أو مما تختلف فيه الشريعة، فإن كان مما لا تختلف فيه الشرائع كالغصب والقتل وشبهه لم يمكن بعضهم من بعض فيه.
وإذا كان مما تختلف فيه الشرائع ويحكموننا فيه وتراضوا بحكمنا عليهم فيه فإن الإمام مخير إن شاء أن يحكم بينهم حكم وإن شاء أن يعرض عنهم أعرض قال ابن القاسم: والأفضل أن يعرض عنهم (٣) .
والتفريق بين أهل العهد وأهل الذمة هو مذهب الشافعية قال في المهذب:
وإن تحاكم مشركان إلى حاكم المسلمين نظرت فإن كانا معاهدين فهو بالخيار بين أن يحكم بينهما وبين ألا يحكم لقوله ﷿ ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] ولا يختلف أهل العلم أن هذه الآية نزلت فيمن وادعهم رسول الله ﷺ من يهود المدينة قبل فرض الجزية.
وإن كان ذميين نظرت فإن كانا على دين واحد ففيه قولان:
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص جـ ٤ / ٨٨
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي جـ ٦ / ١٨٦.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي جـ ٢ / ٦١٧
[ ٩ / ١٨٠٧ ]
أحدهما: أنه بالخيار بين أن يحكم بينهما وبين ألا يحكم؛ لأنهما كافران فلا يلزمه الحكم بينهما كالمعاهدين.
والقول الثاني: أنه يلزمه الحكم بينهما وهو اختيار المزني لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ولأنه يلزمه دفع ما قصد كل واحد منهما بغير حق فلزمه الحكم بينهما كالمسلمين.
وإن كانا على دينين كاليهودي والنصراني ففيه طريقان:
أحدهما: أنه على القولين كالقسم قبله؛ لأنهما كافران فصارا كما لو كانا على دين واحد.
والثاني: قول أبي علي ابن أبي هريرة أنه يجب الحكم بينهما قولًا واحدًا؛ لأنهما إذا كانا على دين واحد فلم يحكم بينهما تحاكما إلى رئيسهما فيحكم بينهما، وإذا كانا على دينين لم يرض كل واحد منهما برئيس الآخر فيضيع الحق (١) .
وإذا تحاكم ذمي ومعاهد ففيه قولان كالذميين، وإن تحاكم إليه مسلم وذمي أو مسلم ومعاهد لزمه الحكم بينهما قولًا واحدًا؛ لأنه يلزمه دفع كل واحد منهما على ظلم الآخر فلزمه الحكم بينهما، ولا يحكم بينهما إلا بحكم الإسلام لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ولقوله تعالى ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (٢) [المائدة: ٤٢] .
وأما عن الأمر الثاني وهو موضوع الحقوق فيقول صاحب المهذب في بيان موضع القولين موضحًا أقوال أئمة المذهب، قال: فمنهم من قال القولان في حقوق الآدميين وفي حقوق الله تعالى، ومنهم من قال القولان في حقوق الآدميين وأما حقوق الله تعالى فإنه يجب الحكم بينهما قولًا واحدًا؛ لأنه إذا لم يحكم بينهما ضاعت.
ومنهم من قال القولان في حقوق الله تعالى؛ فأما حقوق الآدميين فإنه يجب الحكم بينهما قولًا واحدًا؛ لأنه إذا لم يحكم بينهما في حقوق الآدميين ضاع حقه واستضر ولا يوجد ذلك في حقوق الله تعالى (٣) .
_________________
(١) المهذب للشيرازي جـ ٢ / ٢٥٦
(٢) المهذب للشيرازي جـ ٢ / ٢٥٦.
(٣) المهذب للشيرازي جـ ٢ / ٢٥٦
[ ٩ / ١٨٠٨ ]
وقال القرطبي: فإذا ترافع أهل الذمة إلى الإمام، فإن كان ما رفعوه ظلمًا كالقتل والعدوان والغصب حكم بينهم ومنعهم منه بلا خلاف، وأما إذا لم يكن كذلك فالإمام مخير في الحكم بينهم وتركه عند مالك والشافعي غير أن مالكًا رأى الإعراض عنهم أولى، فإن حكم حكم بينهم بحكم الإسلام (١)، وقال الجصاص: وقال أصحابنا أهل الذمة محمولون في البيوع والمواريث وسائر العقود على أحكام الإسلام كالمسلمين إلا في بيع الخمر والخنزير فإن ذلك جائز فيما بينهم؛ لأنهم مقرون على أن تكون مالًا لهم ولو لم يجز مبايعتهم وتصرفهم فيها والانتفاع بها لخرجت من أن تكون مالًا لهم ولما وجب على مستهلكها عليهم ضمان ولا نعلم خلافًا بين الفقهاء فيمن استهلك لذمي خمرًا أن عليه قيمتها. وقد روى أنهم كانوا يأخذون الخمر من أهل الذمة في العشور فكتب إليهم عمر أن ولوهم بيعها، وخذوا العشر من أثمانها فهذان مال لهم يجوز تصرفهم فيها وما عدا ذلك فهو محمول على أحكامنا لقول الله تعالى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] وروى عن النبي ﷺ: أنه كتب إلى أهل نجران: «إما إذا تذروا الربا وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله» فجعلهم النبي ﷺ في خطر الربا ومنعهم منه كالمسلمين إلى أن قال: فهذا الذي ذكرناه مذهب أصحابنا في عقود المعاملات والتجارات وحدود أهل الذمة والمسلمون فيها سواء (٢) .
احتكام المسلم إلى محاكم غير إسلامية في بلاد كافرة:
يجيز الإسلام للمسلم الانتقال إلى البلاد غير الإسلامية للتجارة والعمل وغيره (٣) ولا شك أن البيع والشراء والإجارة ونحوها مظنة لوقوع الخلاف بين المتعاملين ومظنة لوقوع التباعد والتناكر بينهما فلا بد من سبيل إلى دفع الظلم الحيف ورفع التجاحد والتناكر بين الناس والسبيل إلى ذلك إما أن يعمد كل إنسان إلى تخليص حقه بيده فيكون الأقوى بدنًا أو عشيرة هو المستفيد وإما أن يلجأ إلى هيئة تضعها الجماعة أو السلطة المتواضع عليها تنظر في مظالم الناس وتعطي كل ذي حق حقه، والعدل والظلم لا يخضعان دائمًا لقوة الدين وسلطانه فكم من دولة كافرة تنشر العدل بين رعاياها وتنصف المظلوم من الظالم فينفعها ذلك في استتاب الأمن فيها وبقائها، يقول ابن تيمية: وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة إن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام (٤) .
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن جـ ٦ / ١٧٩
(٢) أحكام القرآن لجصاص جـ ٢ / ٨٩.
(٣) المدونة الكبرى من رواية الإمام سحنون عن عبد الرحمن بن القاسم جـ ٤ / ٢٧٠؛ حاشية رد المحتارجـ ٤ / ١٦٦ وما بعدها.
(٤) الحسبة في الإسلام لابن تيمية تحقيق عبد العزيز رباح ص ٩٤.
[ ٩ / ١٨٠٩ ]
ويقول: إن العدل نظام كل شيء فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصحابها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة (١) .
ولهذا لما اشتد البلاء على المسلمين في صدر الإسلام قال الرسول ﷺ لأصحابه: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن فيها ملكًا لا يظلم أحد عنده حتى يجعل الله لكم مخرجًا مما أنتم فيه» وكان الذين خرجوا اثنى عشر رجلًا وأربع نسوة قالوا: قدمنا أرض الحبشة فجاورنا بها خير جار، أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذي ولا نسمع شيئًا نكرهه (٢) ومفاد قوله ﵊: «لا يظلم أحد عنده» . . . .، أنه لو تعرض لهم أحد من رعاياه أو غيرهم ورفعوا أمره إليه لرفع عنهم الظلم بل هذا ما حدث بالفعل فإن قريشًا أرسلت وفدًا منها إلى الحبشة في طلب رد المهاجرين إليها، جاء في سيرة ابن هشام، وشرحه للسهيلي فيما يرويه عن ابن إسحاق وقصة المهاجرين متواترة عند العلماء قال ابن تيمية في الجواب الصحيح جـ ١ / ٨١ ط المدني – وقد ذكر قصتهم جماعة من العلماء كأحمد بن حنبل في المسند وابن سعد في الطبقات وأبي نعيم في الحلية وغيرهم وذكرها أهل التفسير والحديث والفقه.
_________________
(١) الحسبة في الإسلام لابن تيمية تحقيق عبد العزيز رباح ص ٩٤
(٢) كتاب محمد ﷺ للشيخ محمد رضا ص ٩٧، ٩٨ ط بيروت ١٣٩٥ هـ، ١٩٧٥
[ ٩ / ١٨١٠ ]
قال ابن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة وأنهم قد أصابوا بها دارا وقرارا، ائتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم منهم رجلين من قريش جلدين إلى النجاشي فيردهم عليهم ليفتنوهم في دينهم ويخرجوهم من دارهم التي اطمأنوا بها وأمنوا فيها فبعثوا عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بن وائل وجمعوا لهما هدايا للنجاشي ولبطارقته ثم بعثوهما إليه فيهم، وتحدث أم سلمة زوج النبي ﷺ - قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار: النجاشي، أمنا على ديننا وعبدنا الله تعالى، لا تؤذي ولا نسمع شيئًا نكرهه فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع كله وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم فجمعوا له أدمًا كثيرًا ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص وأمروهما بأمرهم وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم ثم قدما إلى النجاشي هداياه ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم قالت: فخرجا حتى قدما النجاشي ونحن عنده بخير دار عند خير جار فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي وقالا لكل بطريق منهم: إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردوهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فقالوا لهم نعم قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبى ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي إلا أن النجاشي لما سمع ذلك منهم ومن بطارقته غضب ثم قال: لاها الله، إذن لا أسلمهم إليهما ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسالهم عما يقول هذان في أمرهم – قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا ﷺ كائنًا في ذلك ما هو كائن، فلما جاءوا وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله وسألهم فقال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتهم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل قالت: فكان كلمة جعفر بن أبي طالب (١) .
_________________
(١) الروض الأنف جـ ٣ / ٢٤٢ / ٢٤٦.
[ ٩ / ١٨١١ ]
والقصة كلها في روض الأنف ولم يكن النجاشي قد أسلم يومئذ وقد تكررت المقابلة في اليوم التالي بعد أن عزم عمرو بن العاص على أن يوقع بهم قال عمرو: والله لآتينه غدًا عنهم بما أستأصل به حُظراءهم قال والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد، قالت: ثم غدا عليه من الغد فقال: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه، قالت: فأرسل إليهم ليسألهم عنه قالت: ولم ينزل بنا مثلها قط فاجتمع القوم ثم قال بعضهم لبعض ماذا تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فهي ما قال الله وما جاءنا به نبينا كائنًا في ذلك ما هو كائن
وتعليقنا على هذا نقول: إنها قضية كأقوى ما تكون عليه قضية في عصرنا، ومرافعة لم يشهد التاريخ لها مثيلًا ودفاع لم يأت بمثله غير جعفر بن أبي طالب ثم كان الحكم العدل. قالت: فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودًا ثم قال: والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، قالت: فتناخرت بطارقته حوله حين قال، فقال: وإن نخرتم والله: اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي – والشيوم: الآمنون – من سبكم غرم، ثم قال: من سبكم غرم، ثم قال: من سبكم غرم، ما أحب أن لي ديرًا من ذهب وإني آذيت رجلًا منكم (١) .
ونجد في السير الكبير لمحمد بن حسن الشيباني يذكر صورًا للمسلم يدخل دار الحرب فيتعرض للغصب من مسلم أو غيره فيرفع الأمر إلى سلطان تلك البلاد الكافرة فيقضي بينهما فيترتب على حكمه كما لو قضى به حاكم مسلم في دار الإسلام.
يقول في المسألة ٢٦٧٩ – ولو أن رجلين أسلما في دار الحرب ثم غصب أحدهما صاحبه شيئًا وجحده فاختصما إلى سلطان تلك البلاد فسلمه للغاصب لكونه في يده ثم أسلم أهل الدار والرجلان مسلمان على حالهما فالمغصوب مردود على المغصوب منه.
قال في الشرح: لأن رد العين مستحق على الغاصب بحكم اعتقاده بسلام أهل الدار لا يزيده إلا وكادة وبقوة سلطان أهل الحرب.
المسلم لا يصير محرزًا مال المسلم ولا متملكًا؛ لأنهما في دار الإسلام لمن يكن هو متملكًا بحكم سلطان المسلمين فكيف يصير متملكًا بحكم سلطان أهل الحرب.
_________________
(١) الروض الأنف جـ ٣ / ٢٤٧ / ٢٤٨
[ ٩ / ١٨١٢ ]
ويفهم من هذه المسألة أن الاحتكام إلى سلطان أهل الحرب غير ممنوع منه وأنه لو قضى برد المغصوب لكان حكمه صائبًا أما أنه قضى بإبقاء المغصوب في يد الغاصب فهو كما لو حكم قاض مسلم في دار الإسلام بذلك لا يصير الغاصب مالكًا للمغصوب بل يتعين عليه رده.
ويذكر في المسألة ٢٦٧٥ – ولو استودع مسلم مسلمًا شيئًا وأذن له إن غاب أن يخرجه معه فارتد المودع ولحق بدار الحرب، فلحقه صاحب وطلبه منه فمنعه، واختصما إلى سلطان تلك البلاد فقصر يد المسلم عنه ثم أسلم أهل الدار فالوديعة للمودع لا سبيل لصاحبها عليها.
قال في الشرح: لأنه ما كان ضامنًا لها في دار الإسلام، وحين منعها في دار الحرب كان هو حربيًّا لو استهلكها لم يضمن فكذلك إذا منعها؛ ولأنه بهذا المنع يصير في حكم الغاصب فكأنه غصبه منه ابتداء، فيتم إحرازه بقوة السلطان.
ويذكر في المسألة ٢٦٧٧ – وإن كان حين طلبه في دار الحرب من الغاصب أعطاه إياه ثم وثب فأخذ منه ثانية وقصر السلطان يد المغصوب معه عن الاسترداد ثم أسلم أهل الدار فهو سالم للغاصب.
ويظهر من هذه المسائل أن المسلم لما لم يمنع من رفع خصومته إلى السلطان الكافر في بلاد الكفر فدل على جواز ذلك، وعندي أن المسألة لها وجه آخر وهي تدخل في باب الاستعانة بالكافر على تحصيل الحق ورفع الظلم سواء في ذلك الفرد والدولة وسيأتي ذلك مفصلًا في المبحث المخصص لاحتكام المسلمين إلى المحكمة الدولية.
ويدخل في هذه مسألة ما لو حكم الزوجان المسلمان حكمين مسلمين ثم يرفعان ما انتهى إليه الحكمان إلى المحاكم الأجنبية لوضع الصيغة التنفيذية فإن ذلك من قبيل تحصيل الحقوق والاستعانة على تحصيلها وليس من قبيل فصل القضاء في أمور دينية بين المسلمين.
وقريب مما ذكرنا لو تغلب الكفار على المسلمين واضطر ولي أمر المسلمين إلى مهادنتهم على شرط فيها حط من شأن المسلمين كبقاء أسرى مسلمين بأيديهم أو سكانهم في قرية للمسلمين أو فصلهم في خصومة بين كافر ومسلم أو دفع مال إليهم فيجوز إذا كان في كل ما تقدم يحقق مصلحة (١) لأن الهدنة تعتريها الأحكام الخمسة (٢) .
_________________
(١) شرح الخرشي على خليل جـ ٣ / ١٥٠، ١٥١
(٢) حاشية العدوي على الخرشي جـ ٣ / ١٥٠، ١٥١
[ ٩ / ١٨١٣ ]
مبدأ التحكيم في الخلاف وموقف الفرق الإسلامية في مشروعيته
بينا فيما سبق مذاهب الفقهاء من أهل السنة والجماعة في التحكيم وذكرنا استدلال الماوردي على صحة التحكيم بجملة أمور منها قوله: إن علي بن أبي طالب لما حكم في الإمامة كان التحكيم فيما عداها أولى واستدل أيضًا بتحكيم أهل الشورى فيها عبد الرحمن بن عوف وذكرنا تفصيلات هذه الواقعة ولهذا اتفق أهل الفقه والدين من أئمة المسلمين على جواز التحكيم مستدلين بقوله تعالى ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة:٤٢] .
- وحكوا في سبب نزولها ثلاثة أقوال -:
الأول: أنها نزلت في شأن أبي لبابة حين أرسله النبي ﷺ إلى بني قريظة فخانه.
الثاني: نزلت في شأن بني قريظة والنضير، وذلك أنهم شكوا إلى النبي ﷺ فقالوا له: إن النضير يجعلون خراجنا على النصف من خراجهم ويقتلون منا من قتل منهم، وإن قتل أحد منهم أحدًا منا ودوه أربعين وسقا من تمر.
الثالث: أنها نزلت في اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا له: إن رجلًا منا وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ: «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون.»
قال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها آية الرجم فأتوا بالتوراة، فأتوا بها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يديك فرفع يده فإذا آية الرجم تلوح فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما (١)
_________________
(١) أحكام القرآن لابن العربي جـ ٢ / ٦١٦.
[ ٩ / ١٨١٤ ]
وعلق ابن العربي على هذه الأقوال فضعف الأول وقال: لا أصل له، وقال عن الثاني: وأما من قال: إنها نزلت في شأن بني قريظة والنضير، ما تشكوه من التفضيل بينهم فضعيف؛ لأن الله تعالى أخبر أنه كان تحكيمًا منهم للنبي ﷺ لا شكوى والصحيح ما رواه الجماعة عن عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله كلاهما في وصف القصة كما تقدم أن اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ وحكموه، فكان ما ذكره في الأمر (١)، ثم قال: وجملة الأمر أن أهل الكتاب مصالحون، وعمدة الصلح ألا يعرض لهم في شيء وإن تعرضوا لنا ورفعوا أمرهم إلينا فلا يخلو أن يكون ما رفعوه ظلمًا لا يجوز في شريعة أو مما تختلف فيه الشريعة فإن كان مما لا يختلف فيه الشرائع كالغصب والقتل وشبهه لم يمكن بعضهم من بعض فيه، وإذا كان ما تختلف فيه الشرائع ويحكموننا فيه بحكمنا عليهم فيه فإن الإمام مخير إن شاء أن يحكم بينهم حكم، وإن شاء أن يعرض عنهم أعرض (٢) .
وقال في المسألة السادسة من مسائل الآية السابقة – لما حكموا النبي ﷺ أنفذ عليهم الحكم ولم يكن لهم الرجوع. وكل من حكم رجلًا في الدين فأصله هذه الآية، قال مالك: إذا حكم رجل رجلًا فحكمه ماض وإن رفع إلى قاض أمضاه إلا أن يكون جورًا بينًا وقال سحنون: يمضيه إن رآه (٣) .
وقد سبق بيان مذاهب العلماء هذا تفصيلًا فلا نعيده.
_________________
(١) أحكام القرآن لابن العربي جـ ٢ / ٦١٦
(٢) أحكام القرآن لابن العربي جـ ٢ / ٦١٦
(٣) أحكام القرآن لابن العربي جـ ٢ / ٦١٦
[ ٩ / ١٨١٥ ]
لكن ذهبت الخوارج إلى عدم جواز التحكيم وأنكروا على علي التحكيم، وقالوا: أخطأ علي في التحكيم إذ حكم الرجال لا حكم إلا لله تعالى (١) .
وذكر الطبري في تاريخ واقعة التحكيم هذه ومحاجة ابن عباس ﵄ لهم (٢) ثم ما كان من علي ﵁ في بيان زيفهم وزيغهم وأخذ علي ﵁ يبين لهم في أكثر من موقف خطأهم وقام يخطبهم ذات يوم فقال رجل من جانب المسجد: لا حَكَمَ إلا الله، فقام آخر فقال مثل ذلك، ثم توالى عدة رجال يحكمون، فقال علي: الله أكبر، كلمة حق يلتمس بها باطل، أما إن لكم عندنا ثلاثًا ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا، ثم رجع إلى مكانه الذي كان فيه من خطبته (٣)، ومن هنا كانت واقعة التحكيم التي حصلت بين علي ومعاوية ﵄ من أخطر قضايا التحكيم في التاريخ الإسلامي وكانت آثارها سلبية على المسلمين إلى أن إلتأم شملهم من جديد عام الجماعة بتنازل الحسن لمعاوية وقال قولته المشهورة: يا أهل العراق، إنه سخّى بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي (٤) والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
والذي نميل إليه هو قول جمهور العلماء من أن التحكيم جائز على النحو الذي أسلفنا الكلام عليه.
الإسلام ومبدأ التحكيم الدولي:
الإسلام يرجح السلام على الحرب ويجنح إليه ما وجد إلى ذلك سبيلًا ولا يميل إلى الحرب إلا إذا فرضت عليه دفاعًا عن العقيدة وعن النفس والوطن وقد جاءت آيات القرآن الواردة في القتال صريحة في تحديد سبب الحرب قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٣٩ – ٤١] .
_________________
(١) الملل والنحل للشهرستاني جـ ٢ / ٢٦، ٢٧؛ مقالات الإسلاميين للأشعري جـ ١ / ١٩١ تحقيق محيي الدين عبد الحميد؛ الفرق بين الفرق للبغدادي ص ٧٤ تحقيق الشيخ محيي الدين عبد الحميد
(٢) تاريخ الطبري جـ ٥ / ٦٤ / ٦٥
(٣) تاريخ الطبري جـ ٥ / ٦٤ / ٦٥
(٤) تاريخ الطبري جـ ٥ / ١٥٩
[ ٩ / ١٨١٦ ]
يقول الشيخ شلتوت: جاء الإذن في الآية الكريمة ولم تعلله بنشر الإسلام أو إلجاء الناس إليه، وإنما عللته بما وقع على المسلمين من ظلم، وما أكرهوا عليه من الهجرة والخروج من ديارهم من غير حق إلا أن يقولوا كلمة الحق (١) ويؤكد هذا المعنى الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (إن الإسلام بدئ بدعوة رجل أرسله الله تعالى بالدين فدعا الناس إليه فآمن به أول الأمر خديجة وأبو بكر وعلي وسعد بن أبي وقاص قال سعد: لقد مكثت سبعة أيام وأنا ثلث الإسلام فاستخف بهم المشركون، فلما أخذ المسلمون يكثرون تنمر لهم المشركون وناصبوهم العداء فصار المسلمون عرضة لأذى المشركين بمختلف الأذى على نسبة استضعافهم من يؤذونه حتى اضطر جمع من المسلمين إلى الهجرة إلى الحبشة ثم هاجر بقية المسلمين إلى المدينة ولم يبق بمكة إلا المستضعفون من الرجال والنساء والصبيان، فنزل قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [الحج: ٣٩ – ٤٠] وقال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (٢) [النساء: ٧٥] .
بل إن السلام هو من سمات الإسلام البارزة وصفة من صفات أهل الإيمان لذلك يدعوهم ربهم جل وعلا إلى ذلك في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] ويبين لرسوله ﷺ أن أعداءه وإن كانوا غير صادقين في دعوتهم له بالسلم وإن كانوا يضمرون كيدًا وخداعًا فعليه أن يقبل منهم السلام إذا طلبوه منه وليفوض أمره إلى الله ولا يخاف من كيدهم ومكرهم وتوسلهم بالصلح إلى الغدر، فقال ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١] .
والإسلام يؤكد على عقد المعاهدات والوفاء بها فيقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ويقول ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢] .
_________________
(١) تفسير القرآن الكريم ص ٥٢٨
(٢) أصول النظام الاجتماعي في الإسلام ص ٢١٦
[ ٩ / ١٨١٧ ]
وقد تتنوع المعاهدات إلى أنواع فمنها ما يمكن إطلاق معاهدات حسن الجوار عليها كالمعاهدات التي عقدها رسول الله ﷺ حين هجرته إلى المدينة مع اليهود وقد جاء في بنود هذه المعاهدة « وأن من تبعنا من يهود فإن له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم» ومنها ما يصح أن يطلق عليها معاهدات وعقود الأمان وهناك الصلح وهو غالبًا ما يكون عند نشوب الحروب وهذه المعاهدة تخضع لظروف الدول وتلبية حاجاتها ومتطلباتها والإسلام يؤكد على احترام المعاهدات بمختلف أنواعها.
وبيَّن رسول الله ﷺ حرصه على التعاون في سبيل القضاء على الخصومات وإزالة أسبابها فيقول: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أُدْعَى به في الإسلام لأحببت» (١) .
ويذكر السهيلي عن حلف المطيبين أن سببه ما حدث من خلاف بشأن الحجابة والساقية والرفادة وكاد أن تنشب بينهم حرب بسببها فيقول: (فبينا الناس على ذلك قد أجمعوا للحرب إذا تداعوا إلى الصلح على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة. وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لنبي عبد الدار كما كانت ففعلوا ورضي كل واحد من الفريقين بذلك، وتحاجز الناس عن الحرب وثبت كل قوم مع من حالفوا فلم يزالوا على ذلك حتى جاء الله بالإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا قوة» (٢) .
ومن هذا المنطلق الأساسي التي نهجته الشريعة الإسلامية والمواقف الثابتة للمسلمين منذ صدر الإسلام نستطيع القول بأن التعاون الدولي في سبيل القضاء على أسباب الخلافات التي تنشب بين الدول أمر يقره الإسلام ويحث عليه ولهذا وجدناه الدول الإسلامي من أوائل الدول التي سارعت إلى إقرار ميثاق الأمم المتحدة والتعاون في مختلف نشاطاتها وهيئاتها بما في ذلك محكمة العدل الدولية وكان الدافع لإنشاء هذه المحكمة هي حرص الدول على حل منازعاتها بعيدًا عن قعقعة السلاح وما تخلفه من دمار شامل وإهلاك للحرث والنسل فأخذ المشتغلون بالقانون الدولي أفرادًا وهيئات على تهيئة الظروف وتوجيه الرأي العام نحو فكرة إنشاء محكمة قضائية دولية تفصل في المنازعات القانونية التي تنشأ بين الدول وكان هناك وسائل مختلفة وهذه فكرة موجزة عن تطور ومراحل هيئات التوفيق والتحكيم إلى إنشاء محكمة العدل الدولية وكان أولى هذه الوسائل هي إنشاء لجان التحقيق الدولي وقد تناولت اتفاقية لاهاي (١٨٩٩ – ١٩٠٧) موضوع التحقيق ضمن الوسائل السلمية التي ذكرتها لتسوية المنازعات الدولية والقواعد والإجراءات المتصلة بها.
_________________
(١) الروض الأنف جـ ٢ / ٦٣
(٢) الروض الأنف جـ ٢ / ٦٣
[ ٩ / ١٨١٨ ]
وثانيها: إنشاء لجان التوفيق وهي نوع من أنواع الوساطة نبهت إليه عصبة الأمم في بدء تكوينها ولاقت رواجًا لدى الدول ونصت عليه في كثير من المعاهدات الثنائية كما أبرمت بشأنها بعض المعاهدات العامة وتتولى التوفيق لجان خاصة أطلق عليها اسم لجان التوفيق وتناولت ميثاق التحكيم العام الذي وضعته عصبة الأمم في ٢٦ سبتمبر ١٩٢٨ والمعروف باسم ميثاق جنيف العام موضوع التوفيق في الفصل الأول منه ونص على الإجراءات والأحكام المتصلة به وتشبه قرارات هذه اللجنة ومهمتها هيئات التحكيم أو القضاء وتختلف عنها من حيث إنه ليس لقراراتها صفة إلزامية بخلاف قرار التحكيم أو حكم القضاء التي له صفة إلزامية في حق الدول.
ثالثها – التحكيم والقضاء:
أولًا: التحكيم هو النظر في نزاع بمعرفة شخص أو هيئة يلجأ إليه المتنازعون مع التزامهم بتنفيذ القرار الصادر في النزاع. وبهذا الالتزام بتميز التحكيم عن الوساطة والتوفيق وقد كان التحكيم في مقدمة المسائل التي اهتمت بها مؤتمرات لاهاي سنتي (١٨٩٩ و١٩٠٧) وتضمنت الاتفاقية الخاصة بتسوية المنازعات الدولية بالطرق السلمية ووضعت الأحكام العامة للتحكيم وإجراءاته كما تقرر فيها تكوين هيئة دائمة للتحكيم يمكن للدول إذا شاءت أن تستعين بها بدلًا من هيئات التحكيم الخاصة التي تختارها بمناسبة كل نزاع وأطلق على هذه الهيئة اسم محكمة التحكيم الدولي الدائمة.
ثانيًا: محكمة العدل الدولي وقد أنشئت في ظل عصبة الأمم وفي شهر ديسمبر ١٩٢٠ أقرت مشروع هذه المحكمة وأبرم بذلك بروتكول خاص تضمن النظام الأساسي للمحكمة وبلغ عدد الدول التي وقعت عليه وانضمت إليه إحدى وخمسين دولة.
[ ٩ / ١٨١٩ ]
وأخيرًا – وبعد أن صفيت أعمال عصبة الأمم بعد الحرب الأخيرة وأنشئت الأمم المتحدة أعيد تكوين المحكمة باسم محكمة العدل الدولية وقد نصت المادة ٩٢ من ميثاق الأمم المتحدة على إنشاء هذه المحكمة ونصها – محكمة العدل الدولية هي الأداء القضائية الرئيسية للأمم المتحدة وتقوم بعملها وفق نظامها الأساسي الملحق بهذا الميثاق، وهو مبني على النظام الأساسي للمحكمة الدائمة للعدل الدولي وجزء لا يتجزأ من هذا الميثاق.
وهذه خلاصة عن النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية.
اشتمل النظام الأساسي لهذه المحكمة على أربعة فصول في سبعين مادة تضمن الفصل الأول تنظيم المحكمة من حيث تكوينها – الشروط المطلوب توفرها فيمن يعين قاضيًا بها وعددهم، وأن الجمعية العامة ومجلس الأمن ينتخبونهم من قائمة الأسماء الذين رشحتهم الشعب الأهلية في محكمة التحكيم كما يبين واجبات القضاة وبعض نظم العمل بالمحكمة.
ويتضمن الفصل الثاني اختصاص المحكمة وولايتها ويتضمن الفصل الثالث في الإجراءات وتنص على أن اللغة الفرنسية والإنجليزية هما اللغة الرسمية وطريقة رفع الدعوى أمامها، ويتضمن الفصل الرابع مجالًا آخر للمحكمة وهو الإفتاء في المسائل القانونية ويتضمن الفصل الخامس إجراءات التعديل على النظام الأساسي (١) .
أما مشروع محكمة العدل الإسلامية فهي تتفق في مجملها مع المبادئ التي نص عليها النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية وأهدافها قريبة من أهداف المحكمة الدولية كما أن نظام ميثاق الأمم المتحدة تشجع مثل هذه الهيئات الإقليمية للتغلب على المشاكل التي تقوم بين دول المنطقة وهي من قبل ومن بعد تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية الغراء في قوله تعالى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] ويقول ابن العربي: هذه الآية هي الأصل في قتال المسلمين والعمدة في حرب المتأولين وعليها عول الصحابة وإليها لجأ الأعيان من أهل الملة وإياها عنى النبي ﷺ بقوله: «يقتل عمارًا الفئة الباغية» وقوله في شأن الخوارج «: «يخرجون على خير فرقة من الناس»» (٢) .
_________________
(١) القانون الدولي العام لعلي صادق أبو هيف، بتلخيص وتصرف ص ٧٣٦ وما بعدها إلى ٧٦٧ و٩٢٤ وما بعدها.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي جـ ٤ / ١٧٠٥.
[ ٩ / ١٨٢٠ ]
احتكام المسلمين إلى المحكمة الدولية في نزاعاتهم فيما بينهم،
وحكم ما إذا كان النزاع فيما بينهم المسلمين وغيرهم
النزاعات التي تقوم بين الدول أما أن تكون بشأن مسائل تجارية ومعاملات مالية وإما أن تكون بشأن خلافات تتطور إلى صدام مسلح كالنزاعات بشأن الحدود وما شابهها وفي كلتا الصورتين قد تكون هذه الخلافات بين دول إسلامية أو بين دولة إسلامية وأخرى غير إسلامية وإن كان الاستقراء العقلي يقتضي صورة أخرى وهي الصدامات والخلافات التي تقوم بين دول غير إسلامية بعضها مع بعض ولكن هذه الصورة ليست متعلقة بموضوعنا فنقصر الكلام على الصور السابقة: فتكون الصور والحالة هذه هي:
أولًا – خلاف مالي بين دولتين إسلاميتين.
ثانيًا – خلاف ذو طابع حربي بين دولتين إسلاميتين.
ثالثًا – خلاف مالي بين دولة إسلامية وأخرى غير إسلامية.
رابعًا – خلاف ذو طابع حربي بين دولة إسلامية وأخرى غير إسلامية.
وقبل أن نخوض في تفصيلات المسائل وجزئياتها لا بد من الإشارة إلى جملة أمور تصلح أن تكون أصولًا لتلك المسائل:
أولها: أن دول العالم بأسرها ترتبط مع بعضها اليوم بمعاهدات صداقة وتعاون وحسن جوار فليست هناك دول حربية بالمفهوم السابق اللهم إلا في فترات محددة سرعان ما تنتهي وتعود إلى حالتها السلمية ولا أدل على ذلك من الديباجة الرائعة التي افتتحت بها ميثاق الأمم المتحدة وهي:
نحن شعوب الأمم المتحدة
وقد آلينا على أنفسنا
أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزانًا يعجز عنها الوصف.
[ ٩ / ١٨٢١ ]
وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية.
وأن نبين الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي.
وأن نرفع بالرقي الاجتماعي قدمًا، وأن نرفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح.
وفي سبيل هذه الغايات: أن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش معًا في سلام وحسن جوار، وأن نضم قوانا كي نحتفظ بالسلم والأمن الدولي، وأن نكفل بقبولنا مبادئ معينة ورسم الخطط اللازمة لها ألا تستخدم القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة، وأن نستخدم الدولية في ترقية الشئون الاقتصادية والاجتماعية للشعوب جميعها.
قد قررنا
أن نوحد جهودنا لتحقيق هذه الأعراض، ولهذا فإن حكوماتنا المختلفة على يد مندوبيها المجتمعين في مدينة سان فرانسيسكو الذين قدموا وثائق التفويض المستوفية للشرائط، وقد ارتضت ميثاق الأمم المتحدة هذا وأنشأت بمقتضاها هيئة دولية تسمى (الأمم المتحدة) .
ثانيها: إن هذا التعاهد الدولي على التعاون أمر يقره الإسلام ويتبناه بل سبق العالم إلى وضعه موضع التنفيذ قولًا وعملًا، ولا أدل على ذلك من الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ حين هاجر إلى المدينة بين المهاجرين والأنصار وبين اليهود أيضًا وقد افتتح بديباجة «بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي ﷺ بين المؤمنين والمسلمين من قريش ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم:
بأنهم أمة واحدة من دون الناس.
وبعد ما بين ما ينبغي أن يكون عليه التعاون بين قبائل العرب من المهاجرين والأنصار،» قال في شأن اليهود:
«وإن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، ثم بين: أن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم والمسلمين دينه من مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوقع إلا نفسه وأهل بيته» .
[ ٩ / ١٨٢٢ ]
وينظم هذه العلاقة فيقول:
«وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد ﷺ، وأنه لا ينحجز على ثأر جرح، وأن من فتك فبنفسه فتك وبأهل بيته إلا من ظلم، وأن الله على أيد هذا (أي على الرضا به) وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم» .
«وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأنه لا يأثم أمره بحليفه، وأن النصر للمظلوم، وأن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين» .
«وأن يثرب حرام صد لأهل هذه الصحيفة» (١)
وتمضى هذه الصحيفة على هذا النحو إلى نهايتها.
إن من يقارن من جاء في صحيفة النبي ﷺ وبين ما جاء في ميثاق الأمم المتحدة لا بد أن ينتهي إلى أن هذا الميثاق متفرع عن ذلك الأصل وأنه حذا حذوه واهتدى بمبادئه واسترشد بنور النبوة ومشكاة الهداية ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] .
ثالثها: أن الرسول الله ﷺ بارك أي عمل يحفظ للإنسانية كرامتها وصون أمنها وسلامتها من غير نظر إلى من قام به ولهذا أبدى رضاه عن الأحلاف التي تعاقدها العرب في جاهليتهم قبل الإسلام؛ لأن فيها خيرًا لبني البشر «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا، ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأحببت» .
وقوله (ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا قوة)، وكذلك ما قاله لأصحابه حين هاجروا إلى الحبشة: إن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد. فمن هذه المبادئ المسلمة في الإسلام نقول: إن ما اتفقت عليه الأمم بمحض اختيارها في منع الحروب ونشوب الخصومات والاتفاق على إيجاد حلول لها أمر لا يأباه الإسلام بل يحث عليه ويجعله من مبادئه ومسلماته.
_________________
(١) خاتم النبيين للشيخ أبو زهرة جـ ٢ / ٣٣، ٣٤
[ ٩ / ١٨٢٣ ]
ومع هذه المنارات الشامخة من عمل الرسول وهديه لا بد من النظر فيما كتبه الفقهاء في هذا الشأن في مسألة الاحتكام إلى المحكمة الدولية:
أولًا: إذا كان النزاع خاصًّا بالمسلمين فإن كانت بشأن معاملات مالية وخلافات على عقود تجارية فهذا النوع أمره هين ولا يثير معضلة؛ لأن أثره وإن كان سلبيًّا فهو محدود، وأما إن كان بشأن خلافات ذات طابع حربي كتلك الخلافات التي تنشب بين دولتين متجاورتين على الحدود أو بعض المقاطعات (كالخلاف الحاصل بين البحرين وقطر) فإن طرحها على المحكمة الدولية باعتبارهما عضوين في الأمم المتحدة مما لا تأباه الشريعة ولا يصطدم مع مبدأ من مبادئها باعتباره أحد بنود العقد وإن كان الأولى حلها عن طريق جماعة المسلمين والمنظمات الإقليمية كمنظمة المؤتمر الإسلامي أو جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون، لأن هذه الأمور تلتقي مع أهداف المنظمة الدولية في إنشاء منظمات إقليمية تسهم في إقرار السلام والمحافظة على الأمن في المناطق التي توجد فيها وقد أفرد ميثاق الأمم المتحدة (الفصل الثامن) لهذه المنظمات جاء فيه (ليس في هذا الميثاق ما يحول دون قيام منظمات أو وكالات إقليمية تعالج من الأمور المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدولي ما يكون العمل الإقليمي صالحًا فيها ومناسبًا ما دامت هذه المنظمات أو الوكالات الإقليمية ونشاطها متلائمة مع مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها (١) ومن المنظمات الإقليمية القائمة الآن: اتحاد الدول الأمريكية – جامعة الدول العربية، منظمة الوحدة الأفريقية (٢) منظمة المؤتمر الإسلامي.
أما إذا استعصى على الحل أو عجزت هذه المنظمات عن إيجاد حلول يقبل بها الطرفان المتنازعان فلا حرج في هذه الحالة إن هي التجأت إلى المنظمات الدولية الأعلى شأنًا مثل المحكمة الدولية؛ لأن هذا إضافة إلى ما سبق بشأن جواز التعاقد فإنه أيضًا من قبيل الاستعانة بغير المسلم.
والاستعانة بغير المسلم إما تكون على مسلمين ظالمين باغين أو على غير مسلمين.
أما الانتصار بهم على الباغين الظالمين ففيها ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يجوز، وهو قول جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة (٣) .
_________________
(١) القانون الدولي العام لعلي أبو هيف ص ٧٠٠
(٢) القانون الدولي العام لعلي أبو هيف ص ٧٠٠
(٣) قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي ص ٣٩٣؛ نهاية المحتاج جـ ٧ / ٣٨٧؛ المغني ج - ١٠ / ٥٧، ٥٨.
[ ٩ / ١٨٢٤ ]
القول الثاني: جواز الاستعانة بشرط ألا يكون حكم أهل الشرك هو الظاهر (١) قال في المبسوط: (وإن ظهر أهل البغي على أهل العدل حتى ألجئوهم إلى دار الشرك فلا يحل لهم أن يقاتلوا مع المشركين أهل البغي؛ لأن حكم أهل الشرك ظاهر عليهم ولا يحل لهم أن يستعينوا بأهل الشرك على أهل البغي من المسلمين إذا كان حكم أهل الشرك هو الظاهر) .
ثم قال: (ولا بأس أن يستعين أهل العدل بقوم من أهل البغي وأهل الذمة على الخوارج إذا كان حكم أهل العدل ظاهرًا) .
ومفاد هذا النص أن يتعين لجواز الاستعانة ظهور حكم أهل العدل.
القول الثالث: وهو لطائفة من الزيدية جاء في شرح الأزهار (مما يجوز للإمام فعله هو الاستعانة بالكفار والفساق على جهاد البغاة من المسلمين) (٢) .
ثانيًا – وإن كان النزاع مع دول غير إسلامية فإن الاستعانة بغير المسلمين على غير المسلمين جائزة ومن الفقهاء من يقيده بقيود واستدلوا على جواز الاستعانة بالكفار بفعل الرسول ﷺ فقد استعان بيهود بني قينقاع على بني قريظة (٣)، وقال الطحاوي: لا بأس بالاستعانة بأهل الكتاب في قتال من سواهم إذا كان حكمنا هو الغالب ويكرهون ذلك إذا كانت أحكامنا بخلاف ذلك (٤) .
وجاء عن الإمام الشافعي ﵁ في الأم (ثم استعان أي الرسول ﷺ بعد بدر بسنتين في غزاة خيبر بعدد من يهود بني قينقاع كانوا أشداء، واستعان رسول الله ﷺ في غزاة حنين سنة ثمان بصفوان بن أمية وهو مشرك. ويرى أن رد بعض المشركين إما أن له الخيار في الاستعانة وعدمها أو يرده لمعنى يخافه منه كما يكون له رد مسلم، أو أنه كان ممنوعًا من الاستعانة ثم نسخ فاستعان بعده بمشركين ثم قال: فلا بأس أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين إذا خرجوا طوعًا ويرضخ لهم) (٥) .
_________________
(١) المبسوط للسرخسي جـ ١٠ / ١٣٣، ١٣٤
(٢) شرح الأزهار جـ ٤ / ٥٣٢، ٥٣٣
(٣) المبسوط جـ ١٠ / ٢٣، ٢٤
(٤) مشكل الآثار جـ ٣ / ٢٣٦
(٥) الأم جـ ٤ / ٢٦١
[ ٩ / ١٨٢٥ ]
ووفق النووي بين حديث عائشة بعدم الاستعانة بمشرك في غزوة بدر والحديث الآخر الذي استعان فيه الرسول ﷺ بصفوان بن أمية قبل إسلامه كما قال الشافعي وآخرون بأن الكافر إذا كان حسن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة به استعين به وإلا فيكره وحمل الحديثين على هذين الحالين (١) .
وقيد المالكية الاستعانة بهم لخدمة كنوتيٍّ أو خياط أو هدم حصن (٢) ويقيده بعض الشافعية بأن تؤمن خيانتهم ويكونون بحيث لو انضمت فرقتا الكفر قدروا على مقاومتهم (٣) .
وللحنابلة رايتان: الجواز وعدمها، قال في المغني: (ولا يستعان بمشرك، وبهذا قال ابن المنذر والجورجاني وجماعة من أهل العلم وعن أحمد ما يدل على جواز الاستعانة به وكلام الخرقي يدل عليه أيضًا عند الحاجة وهو مذهب الشافعي لحديث الزهري الذي ذكرناه وخبر صفوان بن أمية ويشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين فإن كان غير مأمون عليهم لم تجز الاستعانة به، لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين مثل المخذل والمرجف فالكافر أولى) (٤)
وبعد فإن اللجوء إلى محكمة العدل الدولية ليس فيها استعانة بالمعنى السابق وهو استعداء الكفار على المسلمين ومقاتلتهم بالسلاح فإن قضاء المحكمة إنما هو استجلاء للحقيقة ومعرفة من هو صاحب الحق ومن هو المعتدى عليه فإن امتنع عن رد الحق إلى صاحبه بعد ذلك كان في حكم الباغي من كل وجه ومن ثم تكون الاستعانة هي الخيار الحقيقي للمبغي عليه والسبيل الوحيد للظفر بحقه.
والله ﷾ أعلم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الدكتور عبد الله محمد عبد الله
_________________
(١) شرح النووي جـ ٢ /
(٢) الشرح الكبيرجـ ٢ / ١٧٨.
(٣) منهاج الطالبين جـ ٤ / ٢٢١
(٤) المغنى جـ ٩ / ٢٤٣
[ ٩ / ١٨٢٦ ]