إعداد
الشيخ محمد المختار السلامي مفتى الجمهورية التونسية
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
الاستنساخ
في شهر فبراير من هذه السنة ١٩٩٧، أعلن العالم السكوتلندي (إيان ولموت) أنه مع فريقه قد حققوا خطوة جديدة في طريق التكاثر النوعي؛ إذ تمكنوا في الضيعة التجريبية في مؤسسة روزلان (Roslin lnstitute) من تطوير التقنيات التي بلغت أن نعجة ولدت نسخة منها دون لقاح.
ما قاموا به يتمثل في الخطوات التالية:
١) الخطوة الأولى: تم تفريغ كل بييضة من البييضات التي أخذوها مما أفرزه مبيض الأنثى- ذات الرأس الأسود - بعد حثه، تفريغها من نواتها وأبقوا على الستوبلازم والغشاء الواقي، وكان عددها ٢٧٧ بييضة مفرغة.
٢) أخذوا من ضرع نعجة من فصيلة (فان دورسات) (Fin dorset) بيضاء الرأس خلايا.
٣) نزعوا من كل خلية من خلايا الضرع النواة، ثم خدروا نشاطها.
٤) غرسوا داخل كل بييضة مفرغة من نواتها نواة من خلية الضرع، هذه النواة التي تحمل في الستة والأربعين وحدة، الحقيبة الوراثية (مجموع الجينات)، وهي التي تعطي للكائن المسار الذي يسلكه التطور في كل جزء من أجزائه وتحمل جميع الخصائص الذاتية له التي سيكون عليها في الوجود الفعلي كامل حياته.
هـ) وضعت كل خلية في أنبوب الاختبار.
٦) سلطوا على الخلية في أنبوب الاختبار صعقة كهربائية، مساوية للصعقة التي تحدث عند الاندماج الطبيعي بين الثلاثة والعشرين كرموزومًا من الحيوان المنوي والثلاثة والعشرين من البييضة؛ فتحركت للانقسام المتماثل.
من (٢٧٧) فقط ٢٩ أخذت في الانقسام حتى بلغت ما بين ٨ - ٠ ١ خلايا متماثلة.
٧) قاموا بزرع هذه العلقة ٨ - ١٠ في مكانها من الرحم.
[ ١٠ / ١٢٤١ ]
٨) من بين ٢٩ بلغت واحدة غاية مداها فولدت سخلة (نعجة صغيرة) حية تامة الخلق في شهر جولاي ١٩٩٦ وكانت تزن ٦ كغ، وهي مماثلة لأمها ذات الرأس الأبيض.
٩) أخذوا يراقبون نموها حتى بلغت شهرها السابع، فأعلنوا نجاحهم العلمي للعالم، ونقلت صورتها وسائل الإعلام عبر العالم.
هذه طريقة تم نجاح العلماء السكوتلانديين فيها، ثم إنه بعد مدة قصيرة أعلن عن نجاح تجربة ثانية، هذه التجربة مرت بالمراحل التالية:
١) تم تخصيب بييضة منزوعة من قردة بحيوان منوي من قرد، ووضعت اللقيحة في أنبوب الاختبار.
٢) انقسمت اللقيحة حسب سنة الله في الخلق إلى اثنتين، وهكذا.
٣) عزلوا من هذه السلسلة المتلاحمة من الخلايا الجنسية الباكرة واحدة، وضمدوا بواسطة تقنيات متطورة مكان الانفصال، فأصبحت خلية مستقلة حاملة لـ ٤٦ كروموزوما، تحتوي على البرنامج الكامل للحقيبة الوراثية التي في الخلايا الأخرى.
٤) وضعوا هذه الخلية التوأم في أنبوب الاختبار وقاموا بالتقنيات التي تساعدها على التكاثر الانقسامي.
هـ) بعد مرحلة معينة من التكاثر زرعوا المجموعة الأولى في رحم قردة وزرعوا المجموعة الثانية التوأم في رحم قردة أخرى.
٦) نمت كل علقة في الرحم المزروعة فيه إلى أن وضعت كل قردة قريدة توأمًا مماثلة للأخرى، في جميع خصائصها ومميزاتها، وتحمل حقيبة وراثية مساوية للتوأم، ويمكن تسمية هذه الطريقة بالتوأمية - مصدر صناعي: كالمدنية، والتماثلية، والتعددية -
ويبدو الفرق واضحًا بين الطريقتين.
١) الطريقة الأولى: حققت إخراج حيوان حي من بييضة غير ملقحة، وإنما غرس بدل نواتها التي لا تحتوي إلا على نصف كروموزومات الخلية نواة خلية تحمل الستة والأربعين كروموزومًا.
٢) الطريقة الثانية: حققت إخراج حيوانين توأمين من الخلية الملقحة بعد انقسامها.
وهناك فرض ثالث لم يعلن عن تجربة ولا عن النجاح فيه لحد الآن هو إخراج توأمين أو عدة توائم من بييضة مفرغة من نواتها ويزرع فيها نواة من خلية، ثم بعد انقسامها الأولي تعزل بعض وحداتها لتأخذ في التكاثر حسبما تقدم، فتكون النتيجة حصول توائم متماثلة تماثلًا كاملًا مع بعضها، ومتماثلة مع من أخذت منه النواة أول مرة.
[ ١٠ / ١٢٤٢ ]
تشكيل العقول والمشاعر
تمردت وسائل الإعلام في عصرنا هذا، عن وظيفتها الأساسية التي هي وسيلة تيسير إيصال المعلومات إلى الإنسان بصدق إلى قوة غازية تثير - حسبما سطر لها المتحكمون فيها والموجهون لها - التفاعل إلى الحد الذي يرغبون في بلوغه من الإثارة، أو تنوم العواطف والمشاعر والعقول حسب المقدار المسطر إلى أن يسقط في هوة النسيان أو التعتيم.
فأصبحت البشرية من سحرها الغلاب في كثير من القضايا ترضى بالباطل وتعتقد أنه الحق، وترفض الحق معتقدة أنه الباطل والإثم والضلال المبين، وتشكلت الحقائق بالمظهر الذي يبدو من الزاوية التي يرغبون أن ينظر منها المغزوون. وهذا السلطان أعان على بلوغه الشاشة الصغيرة، باعتمادها نقل المشاهد مقرونة بالخبر، فتجاوزت وسائل الإعلام المحدودة بطبيعتها، فإذا كانت الكتب تعمل على التأثير في القراء الذين لهم مستوى ثقافي ومران أكسبهم حب القراءة، وإذا كانت الجرائد والمجلات لها قاعدة أوسع من الكتاب، فإن التلفزة لا تعرف حدًّا، وتصل بواسطة البصر والأذن إلى كل مبصر وسامع، بل لغة المشاهد الحية تعوض إلى حد جهل الناظر باللغة التي تصحب المعلومات المرسلة، والمنتقاة بطريقة بارعة لتحقيق رد الفعل المرغوب فيه عند المشاهد.
أثر الإعلام بالاستنساخ
ظهرت (دولي) سخلة عمرها سبعة أشهر نشيطة الحركة مرفوعة الرأس مصحوبة صورتها، بأنها طريقة تمت للمرة الأولى في عمر الكون معلنة عن مرحلة سوف تتبعها تطورات لاحقة على هذه السبيل في التكاثر أو في توالد أجيال الأحياء، بوسائل الإعلام المتنوعة قد تكون صورة (دولي) اليوم أعرف من العلماء الذين قاموا بالتجربة وأعلنوا نجاحهم فيها، وتخيروا لها الوضع والزاوية والضوء حتى تكون الصورة مقبولة، لا شعوريًّا من المتابعين للخبر، وأضافوا إلى ذلك تسميتها باسم (دولي) المغنية النجمة الأمريكية ذات الصدر الخصب، بما أنها أخذت من ضرع بَرُزَ واحتقن.
وعقب ذلك هزة عظيمة واضطراب في تحديد الموقف الذي ينبغي أن يقفه العالم من هذه التجربة التي هي الحلقة الأولى في سلسلة التجارب التي ربما سترتفع من النعجة والقرد إلى الإنسان. وانقسمت ردود الفعل الأولى بين مصفق للنجاح وبين رافض له، فصدرت فتوى بأن الذين يقومون بهذه التجارب مفسدون في الأرض، يجب أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، هذا أدنى عقوبة لهم، وإلا فيجب إعدامهم (١)
_________________
(١) المسلمون: ١٤/ ٣/ ٩٧
[ ١٠ / ١٢٤٣ ]
وتحركت السلط السياسية حركتها المحسوبة الخطى بعوامل المسؤولية والرأي العام، وصفق للحدث المفتونون بالتقدم العلمي أينما كان مساره وإلى أية غاية سيتم الوصول إليها.
وحققت وسائل الإعلام لمن يقف وراء التجربة الهدف الذي يقصدون إليه الذي قد يكون:
أولًا: وزن رد الفعل العالمي على التجربة.
ثانيًا: امتصاص الرفض باستقرار النبأ في العقول مع التعتيم عليه إلى الأجل الذي يظن فيه أن لا يحدث رد فعل قوي إذا تعلق بما يمس الحياة البشرية مساسًا أعمق.
ثالثا: التعريف بالقدرة العلمية للقائمين على المخبر، ومستواهم التقني في ميادين التجربة، وهو ما يحقق لهم أرباحًا هامة، وهذا هو الدافع الكبير - إن لم نقل الوحيد - لهذه البحوث، فشركة P.P.L الإنكليزية لصناعة الأدوية، هي التي مولت مخبر بحوث روزلان، وهي التي تملك البراءة، وقد ارتفعت أسهمها غداة الإعلان بـ ١٣ % في بورصة لندن.
المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية
في هذه الساحة المضطربة والقلقة أراد القائمون على المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية أن ينظروا في الموضوع نظرة متأملة مسؤولة - وذلك كشأنهم - لتحديد النظرة الإسلامية إلى التطورات التي تحققت أو ستتحقق في الميدان الطبي، والبيولوجي الطبي، ووصلني البحثان القيمان للأستاذ الكبير في الطب والأديب البارع الدكتور حسان حتحوت، والبحث القيم للعالم الدكتور أحمد رجائي الجندي الأمين العام المساعد للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، والبحوث الثلاثة تتلاقى في الكشف عن التجربة، ثم في إثارة ما يمكن أن ينشأ عنها، وقد أفدت من هذه البحوث ومما طالعته في هذا الموضوع، فتبين لي أن البحث يجب أن يتناول دائرتين:
الدائرة الأولى: هي تدخل الإنسان في ميدان الاستنساخ والتوأمية.
الدائرة الثانية: هي تدخل الإنسان في الحقيبة الوراثية.
الدائرة الأولى: تدَخُّل الإنسان في الاستنساخ والتوأمية
١) تدخل الإنسان في عالم النبات.
٢) تدخل الإنسان في عالم الحيوان.
٣) تدخل الإنسان في البشر.
[ ١٠ / ١٢٤٤ ]
الاستنساخ النباتي:
إن الاستنساخ في عالم النبات قد فتح أبوابًا للعلماء للتحصيل على الفسائل بأقصر طريق وبأقل ثمن، مع الاطمئنان على نوعية الأثمار وخصائص الشجرة التي ستكون كالأصل المأخوذة منه في قوتها ومقاومتها للأمراض ووفرة عطائها ومذاقها، وفي هذا الميدان فإن الأمر الهام هو تكوين المختصين في البحث وتمويل المخابر العلمية، وحفز الهمم للمضي قدمًا في هذه السبيل، فصيحات الفزع من الانفجار السكاني العالمي والخوف من المجاعات ومن اختلال التوازن بين عطاء الأرض والأفواه قد تصبح رؤى أحلام تبددها خصوبة يقظة العلم تحقيقًا للإرادة الإلهية، ولإذنه السامي في تسخير الأرض للإنسان في حياته الدنيا.
الاستنساخ الحيواني في دائرة العلاج:
لما ظهرت صورة الفاتنة دولي ثار سيل عارم من الأسئلة:
السؤال الأول: هل يعتبر هذا العمل تحديًا للقدرة الإلهية؟ هل أصبح الإنسان خالقًا خَلَقَ خلقًا كخلقِ الله؟ هذه القضية التي تحدى بها القرآن الذين اتخذوا آلهة من دون الله ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦]
فالقرآن يؤكد في غير ما آية على هذه الحقيقة التي هي عجز كل مخلوق أن يقدر على الخلق، وها هو الإنسان قد وصل إلى الخلق!
إنّ تَصوّر ما قام به هؤلاء العلماء أنه خلق هو تصور خاطئ ينبئ عن سذاجة من توهمه، ذلك أن غاية ما قاموا به أنهم درسوا قوانين الخلق الإلهي ووعوها وقاموا بتطبيق ما علموا على ما عملوا، فهم لم يوجدوا خلية ولا نواة ولا كروموزومًا، وليس لهم أي تحكم في قسر الخلية على الانقسام والتكاثر لمجرد الإرادة والتسلط، فهي سلسلة متتابعة في التوالد عرفوا كيف يدخلون عليها عوامل من خلق الله ليحدث ما يحدثه الله أرادوه أو لم يريدوه.
والذي يرفع كل ريبة أن الله أرى العالمين أن خلق الإنسان من الذكر والأنثى هو سنة في الطبيعة ذاتها يصل إليها الإنسان بالبحث. فالأجسام مثلًا تنجذب إلى الأرض هذه هي السُّنَّة، ومع هذه السنة المدركة مظاهرها إدراكًا عامًا هناك سنن تمكن الإنسان بذكائه أن يخرج هو، وأن يخرج آلاته من منطقة الجاذبية. والله خلق نسل الحيوان من الذكر والأنثى حسب التكاثر الذي يجري عليه أمر بقاء الفصائل الحيوانية، ويصل الإنسان بعلمه إلى تحويل هذه السنة الكونية، وكما قال عمر: " بل خرجنا من قدر الله إلى قدر الله ".
[ ١٠ / ١٢٤٥ ]
السؤال الثاني: لماذا هذا المجهود ولم تصرف هذه الطاقات البشرية؟ أليس هذا عبثًا؟! فإذا كان كل نوع من أنواع الحيوان يتكاثر بالطريقة التي طبع الله عليها الكون، فلماذا هذا العبث والجهود المهدرة وزعزعة المسار المألوف والوافي بحاجات البشرية؟
إن الذي قام به العلماء ليس القصد منه العبث بالخلق، إن الأمر جدٌّ، وإن العلم قد ارتبط بالاقتصاد، وإنه إذا كانت الحضارة التي كتبت لها اليوم أن تنفرد بسيادة العالم، أعني الحضارة الرأسمالية الغربية، فإن كل مظاهر النشاط العلمي والثقافي والاجتماعي هي مطبوعة بطابع هذه الحضارة وموجهة في الطريق الذي ينسجم معها، في القانون الذي هو القطب والمعيار: (دعه يعمل) الحرية.
ولذلك لا نفهم القصد من هذا العمل إلا إذا نظرنا إليه من زاوية الربح المادي المترتب عن ذلك، إن هذه الحيوانات التي أمكن للعلماء أن يتدخلوا في خليتها الأولى بإبرهم المكروسكوبية قد تمكنوا حتى قبل هذه التجربة من أن يضموا إلى الكروموزومات جين إحدى البروتينات الصالحة لمعالجة بعض الأمراض، وأعطت هذه الحيوانات في ألبانها كمية كبيرة من هذه البروتينات وصلت إلى خمسين نوعًا في سوق الدواء كلها مستخلصة من ألبان النعاج والمعز والخنزيرات، وفي الأخير الأبقار، ولهذا صور بعضهم هذه الطريقة بأنها منجم لا ينضب لاستخلاص ما ينفع الإنسان ويداوي أسقامه، وسوف تفتح هذه التجربة الناجحة بواسطة الاستنساخ آفاقًا أرحب.
يقول الدكتور مارتين بيريز Martin perez بعد أن عدد أنواعًا جديدة من البروتينات العلاجية التي بصدد التجربة والتي سيكون لها دور كبير في علاج بعض الأمراض، يقول: إن اكتشاف هذه الأدوية الرائعة لا تعود إلى المصادفة، بل إن الباحثين قد استطاعوا أن يعزلوا الجين البشري الذي لبرنامجه تأثير في التعرض لمرض معين، وصنعوه في أنبوب ثم لحموه بجين بروتين لبن الثدييات، فوصلوا بذلك إلى تصنيع جين قادر أن ينتج مع بروتين اللبن، بروتينًا علاجيًا مرغوبًا فيه.
[ ١٠ / ١٢٤٦ ]
ولكن منظمة الصحة العالمية أيقظت العالم من مركز مسؤوليتها على الصحة العالمية، إلى ما يمكن أن يصحب هذا المنهج في التحصيل على الدواء من مضاعفات سلبية قد تكون خطرًا على الإنسان، فقد جاء في الإعلان الذي جاء على لسان الناطق باسم المنظمة الدكتور هيروشي نكاجاما: " إنه إذا كانت آثار الاستنساخ الحيواني والأنواع المتغيرة جينيًّا يمكن أن تكون إيجابية، فإنه يجب أن نكون دائمًا على حذر من الآثار السلبية كخطر انتقال أمراض للإنسان، بمجاوزة الحدود النوعية، وعلى جميع الأحوال فإنه ينبغي دومًا ملاحظة مبدأ الاحتياط، بأن يكون بين أيدينا دومًا المراجع التقنية والخِلقية التي تؤمن صحة وكرامة الإنسان وتحفظها بصفة كاملة ".
إن هذا التحذير الذي صيغ في قالب واضح دون أن يتعرض للطرق التنفيذية، التي قد تقترحها المنظمة بعد عقد لقاءات تجمع الباحثين والعلماء، والتي ستكون أول حلقاتها ستلتئم في نهاية شهر إبريل حسبما جاء في التصريح، إن هذا التحذير يجب أن يفهم على أساس كبح التسرع في الإعلان عن النتائج أو الاطمئنان إليها في ميدان ما يزال جديدًا، والذي قد تكون آثاره السلبية بطيئة لا تظهر إلا بعد مدة طويلة.
إن ظاهرة التسرع في عرض الأدوية الجديدة للرواج العام؛ أمر يدركه أهل الاختصاص وغيرهم، فقد حصل في هذه السنوات الأخيرة أنه يسحب من الأسواق أنواع من الأدوية كشفت التجربة عن آثارها السيئة على الصحة بعد أن استهلكها المرضى وعلقت آثارها السيئة بأبدانهم، واستقل أصحاب البراءة بالغُنْم، ولكن وسائل الإعلام تعتم على هذا الجانب السلبي ولا تتولى نقده وإثارة الرأي العام العالمي، حتى يكون سندًا لاستصدار ميثاق عالمي للأدوية، يكون الإنسان وصحته الغاية التي تحكم ترويج الأدوية، وليس وسيلة تشبع جشع الشركات الكبرى المصنعة للدواء.
إن تجربة (دولي) ينظر فيها من نواحٍ عديدة:
أولًا: باعتبار أنها تجربة تعطي للمختصين إمكانات أوسع لاستخراج أدوية جديدة تساعد على الشفاء من أمراض ما تزال لحد اليوم مستعصية على العلاج، أعجزت الأطباء عن تخفيف آلام المصابين أو إنقاذ حياتهم، ومن هذه الناحية فإن التجربة مشروعة والاستمرار فيها لتبلغ الدقة اللازمة لا يختلف حكم ذلك عن حكم تصنيع بقية الأدوية لنفع الإنسان.
[ ١٠ / ١٢٤٧ ]
كما ينظر فيها ثانيًا من ناحية اتخاذ الحيوان وسيلة وحقلًا للتجارب، وهذا أمر مشروع، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ . [البقرة: ٢٩]
فجميع الكائنات فوق هذه الأرض وفي باطنها وفي جوها والتي هي من خلق الله ومملوكة له، قد مكن منها الإنسان ليستفيد منها ويطورها تبعًا لما آتاه الله من ذكاء وقدرة على تطويعها في نطاق مصلحته الحقيقية، لا في نطاق هواه ونزواته، ودون تعسف أو فساد.
كما ينظر فيها ثالثًا على أساس أن ذلك مستوى علمي ستظهر الحاجة إليه واعتماده، فينقلب السعي إلى بلوغ ذلك المستوى واجبًا كفائيًّا على الأمة، على ما حققه أبو إسحاق الشاطبي من أن المباح أو المندوب بالجزء ينقلب واجبًا بالكل، فإذا كان التوجه للاستفادة من استنساخ الحيوان في ميدان العلاج أمرًا غير واجب على كل فرد من أعضاء الأمة الإسلامية، فإنه من ناحية تحتم أن يكون في الأمة الإسلامية من يغنيها في هذا الميدان عن الاحتياج لغيرها ينقلب واجبًا كفائيًّا تأثم الأمة كلها بتقصيرها فيه إذا هي لم تخصص الاعتمادات اللازمة والإطارات المقتدرة على البحث والاكتشاف.
الاستنساخ الحيواني لتحسين النوع
كما فتح الاستنساخ الحيواني لمخابر الدواء طرقًا جديدة في استحضاره، فإنه فتح في ميدان الفلاحة إمكانات جديدة لتحسين الإنتاج كمًّا ونوعًا.
لقد شرعوا في تجربة زرع الأجنة الممتازة المأخوذة من بييضات من أبقار مختارة لسرعة نموها أو لوفرة ما تدره من ألبان أو لمذاق لحمها، بعد تخصيبها خارج الرحم من فحول ممتازة؛ فتحمل البقرة اللقيحة لتبلغ بها إلى ولادتها في أمدها. ابتدأت البحوث من سنة ١٩٤٠ وبلغت نجاحها سنة ١٩٧٠، حتى وصل عدد الأبقار التي حملت بهذه الطريقة في سنة ١٩٩٦ (٢٧٠٠٠) بقرة بفرنسا.
إن هذه التقنية تأخذ مرحلة جديدة بعد الاستنساخ، ذلك أن الشبه في اللقيحة المخصبة خارج الرحم لا يحقق تماثلًا تامًّا بين البقرة صاحبة البييضة وبين النتاج، أما بواسطة التقنية الجديدة فإن التماثل سيكون قريبًا من التمام، وبذلك يمكن في النهاية امتلاك قطعان من الأبقار متماثلة في الشكل والعطاء وقوة المناعة مما يوفر أرباحًا أكثر للفلاحين.
[ ١٠ / ١٢٤٨ ]
تنبيه أول: إن سِفْرَ الحياة علمنا من الواقع المشاهد ما علمناه يقينًا بواسطة الوحي أن علم الإنسان محدود وقليل، وأنه لا يحيط بالموضوع إحاطة كاملة ولا يتأتى الكامل من الناقص، قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]
ولذا فإنه كثيرًا ما ينخدع العلماء والباحثون بما ينكشف لهم من الجوانب الإيجابية لتجربة فيجزمون بصلاحها للحياة ثم تصبح في التطبيق المستمر شواهد غفلتهم وحدود معرفتهم، ولكن بعد هدم وتخريب. جنون البقر الذي كان حصيلة تغذية، وصفت بأنها علمية ومفيدة وتعطي للأبقار ما هي في حاجة إليه من متنوع العناصر المستحضرة صناعيًّا إدرارًا للألبان ونموًا سريعًا في الوزن، مع نتيجة المعادلة التي هي دومًا وفرة في الأرباح؛ فزيادة القطعان التي اضطربت حياتها وضعت قوائمها عن حملها وفسدت فطرتها، سرى الداء إلى الإنسان الذي تغذى من لحومها وألبانها وسجلت وفيات من تأثير ذلك.
إن الاستنساخ لتحسين النوع يجب أن يحرم إدخاله في حياة الإنسان إلا بعد أن تمضي مدة كافية تنفي كل احتمال ضرر للإنسان من تناول لحم أو لبن الحيوانات التي تمت بواسطة الاستنساخ، حسبما يقرره الخبراء الذين لا تربطهم صلة بالمخابر باستمرار المراقبة الحازمة جيلين أو ثلاثة حتى نطمئن على سلامة صحة الإنسان وأنه لا يمكن أن تظهر أعراض متولدة عن التناسخ ضارة.
تنبيه ثانٍ: إن عالم المكروبات عالم متطور ما يزال العلم بعيدًا عن الإحاطة بالعوامل التي تعمل في تحولاته العميقة وتشكله ومناعته، حتى فيروس الزكام يغالطنا باستمرار، وتبين التجربة أنه كثيرًا ما يتم تلقيح البشر بما يكسبهم المناعة منه، ولكنه عندما يغزوهم يكون قد تشكل بشكل جديد خادع لا تستيقظ له قوة الدفاع الذاتي، فكذلك قد تحدث أوبئة فتقضي على سلالات تكون عاجزة عن مجابهة جيوش المرض، وتقاوم سلالات أخرى فتصمد ويكتب لها الاستمرار، فالمضي في التجربة يجب أن يصحبهما دومًا الاحتفاظ بالسلالات الأخرى حتى لا ينقطع النوع في الحالات غير المتوقعة والتي يجب أن لا تغيب على القائمين على أمن الغذاء للعالم.
[ ١٠ / ١٢٤٩ ]
الاستنساخ البشري
إن استمرار الحياة البشرية قد تم في تاريخ الكون بطريقة واحدة، أن تلقح بييضة الأنثى بالحيوان المنوي داخل الرحم فتنشأ الخلية الأولى التي حسب قوانين الخلق حتى تبلغ إنسانًا سويًّا قادرًا على التأقلم مع الأرض ومحيطها، ولم يشذ عن سنة الخلق هذه إلا آدم ﵇، فقد خلق بأمر التكوين من غير أب ولا أم، وحواء زوجه التي خلقت كأول أنثى من آدم، وعيسى ﵇ الذي ولدته أمه وليس له أب، إعلان من القدرة الإلهية للإنسان بأن التوالد على سنة الاتصال الجنسي ليس أمرًا يقضي به العقل، ولكنه أمر نظّم عليه الكون، مما يعبر عنه بالقوانين الطبيعية، والقوانين الطبيعية تُخْرَق، أما القوانين العقلية فهي ثابتة مستمرة لا يلحقها خلل ولا استثناء متى كانت صحيحة.
ومنذ القرن الماضي أخذ الطب يتدخل في الإنجاب؛ ففي سنة ١٨٨٤ تم في أمريكا الشمالية حقن كمية من المني داخل الرحم لستر عدم خصوبة الزوج، وتبقى هذه الطريقة محاطة بالسرية الكاملة، فلا يعرف المانح أين ذهب ماؤه، ولا تعرف المرأة صاحب المني، ولما تمكن العلماء من تجميد اللقاح تيسر انتشار هذه الطريقة في الخمسينات، وهذا محرم في نظر الإسلام، واختلاط الأنساب فيه واضح.
وفي سنة ١٩٧٨ تطورت التقنيات فتمت ولادة لويز بروان، بتخصيب ببيضة أمها باللقاح خارج الرحم in- vitro في بريطانيا، واستمرت هذه التقنيات في حالات كسل الحيوانات المنوية أو قلتها أو في حالة انسداد قناة فالوب موعد اللقاء والاندماج بين البييضة واللقاح.
وفي سنة ١٩٨٣ وصلت التقنيات لتجميد اللقائح، الأمر الذي يمكن من الاحتفاظ بها لمدد طويلة، فاتسعت دائرة استخدام طريقة الحمل بواسطة زرع هذه اللقائح في الرحم بعد تحريكها من جديد لتبدو الحياة الكامنة فيها. وفي سنة ١٩٩٣ تمت أول محاولة للاستنساخ البشري في الولايات المتحدة الأمريكية على الطريقة التوأمية وتم الإعلان عنها في مؤتمر الخصوبة الأمريكية بمدينة مونريال.
وأعلن العالمان اللذان قاما بها أنهما عزما من أول الأمر على أن تكون تجربتهما تقف عند حد محدود ولا تنتهي إلى غاية المدى الذي تصل فيه اللقيحة إلى إنسان مكتمل الخلق، ذلك أنهما خصبا البييضة بأكثر من حيوان منوي، فأصبحت بذلك محكومًا عليها سلفًا بالتوقف عن الانقسام وبالموت. واعتبر المؤتمرون تجربتهما أفضل ما قدم في المؤتمر لما اعتمدته من تقنيات دقيقة ومضبوطة أدت إلى عزل خلية عن أختها مع الحفاظ على كل مقومات الحياة لها للاستمرار لو لم تخصب قصدا بأكثر من واحد، وتحصلا بذلك على جائزة أهم بحث في المؤتمر.
[ ١٠ / ١٢٥٠ ]
وإذا كان المؤتمرون قد رأوا في هذه النتيجة فتحًا حقق في ميدان الواقع ما كان ينظر إليه من قبل كفرض من الفروض بعيدة التناول ونوهوا مكرمين صاحبيه، فإن وقع الخبر لما تردد صداه في أنحاء العالم كان له دوي هائل في أوساط علماء الدين وعلماء الأخلاق والفلاسفة ورجال السياسة والصحافة والإعلام.
وما أن أطلّت (دولي) تغازل البشرية أو تتحداها حتى ملأت الدنيا وشغلت الناس، وحق للإنسان أن يشعر بالخطر الداهم من الزلزال الذي سيدك كل ما بنيت عليه البشرية من قيم وأخلاق وروابط اجتماعية.
إن القرن العشرين الذي ورث حصاد ما زرعه الفكر الإنساني في حقل المعرفة من أول الكون إلى اليوم قد تمرد فيه العلم تمردًا أعماه عن البصر بدوره الذي هو إسعاد البشرية، فعزل الغاية، وقصر همَّه على ذاته فانطلق بدون هدى يهديه ولا قيم تحكمه، يبني ويهدم يعمر ويخرب، ويستعبد الإنسان ثم يرمي به في زاوية العجز ليقضى عليه.
إن قرننا هذا هو قرن الزلازل.
فما إن انتهى النصف الأول حتى فجر العلماء ما خلق ليكون ملتئمًا، فجروا الذرة فكان للفيزياء الدور الرائد، وتسابق رجال السياسة للبذل السخي على تطوير البحوث والتجارب وخزنوا من قوة التدمير ما يكفي لإفناء الأرض وما عليها مرات متوالية.
ويكفي أن يتسرب حتى الشعاع من مفاعل ذري قالوا إنه للسلم والحياة المدنية السهلة، حتى يدمر الحياة من حوله ويأتي على الأخضر واليابس. وما تزال إلى اليوم مشكلة النفايات التي يبقى إشعاعها أكثر من ألفي سنة حملًا مرهقًا عجزت البشرية عن إيجاد حل له يؤمن المحيط من تلوثه المخرب، وإذا استعصت مشكلة النفايات إلى هذا الحد فأعجزت؛ فإنه يبدو أن التخلص من السلاح النووي ما يزال خيالًا بعيد المنال. أدخلوا العلم المنبت المتمرد في هاوية الخراب والتدمير، وأوهموا الإنسانية أنها تقدمت؛ ولكنه تقدم إلى الفناء والعذاب.
وما أن استيقظ العالم مما جرفتنا له العلوم الفيزيائية حتى قامت العلوم البيولوجية تأخذ صدارتها في نهاية القرن، مؤذنة بانهيار كل القيم الإنسانية سواء أتعلقت بكرامة الإنسان أو بالأصول التي يقوم عليها الترابط الاجتماعي أو بالمشاعر والعواطف التي كانت لُحمة النسيج الرابط بين البشر.
[ ١٠ / ١٢٥١ ]
نعم إن العلماء لم نسمع منهم إلى حد الآن أنهم قد وصلوا إلى الاستنساخ البشري، ولكن الاستنساخ قد خطا خطوة عملاقة وسريعة. كانت المحاولة الأولى الناجحة أجريت على الضفادع سنة ١٩٧٥، أجراها العالم جون قوردون في أكسفورد، أخذ الخلية من مصير شرغوف هو ولد الضفدع في تطوراته (قبل أن ينقلب ضفدعًا)، ومن جلد ضفدع بالغ وبما أن نواة خلية الضفدعيات أضخم من نواة خلية الثدييات، فإن التجربة كانت أيسر، ومع هذا فإن الضفادع المستنسخة كانت عقيمة، إذ لم تصل إلى الضفدع البالغ، والنجاح في استنساخ (دولي)، معناه أنه قد تم التغلب على كثير من المعوقات واقترب العلم جدًّا من التدخل في استنساخ الإنسان.
وما الذي يمنع العلماء في مخابرهم من القيام بهذه التجربة؟ إن الستار الحديدي أطلق تجوزًا على العالم الشيوعي إبان الحرب الباردة، ولكن الستار الحديدي الذي أحكم عزله عن العالم الخارجي هي المخابر، لا يقل حرص الشركات عن حرص الدول على صيانتها من الأسماع والأبصار، وتقوم فرق حماية التجسس في كل دولة على هذه المخابر حتى لا يتأتى اختراقها لأحد، ويكاد الضنّ بها والاحتياط ومحاولات التجسس لا تختلف بين الدول المرتبطة بأوثق الروابط الاقتصادية والدفاعية وبين الدول التي تقوم علاقتها على أخذ الحيطة لكل واحدة من الأخرى.
إن هذه الأسوار العازلة للمخابر وما يجري في عوالمها الداخلية، وسلطان السبق للأسواق والاستئثار بما يدره الجديد من أرباح مما يزيد الأمر خطورة وتعقيدًا.
إنه إذا جاوزنا قصار النظر الذين لا يرون في (دولي) إلا نجاحًا علميًّا، وأن العلم سالك سبيله في البحث والاكتشاف، وأن طبيعة العقل البشري أن تستفيد من الحاصل لتنطلق منه إلى المجهول حتى إذا غدا المجهول معلومًا فتح للعلماء آفاقًا جديدة من البحث عن مجاهيل أخرى وهكذا دواليك، وأن العهد الذي كانت الكنيسة توقف سير العلم قد ولى من بداية عهد التنوير، وأن استنساخ البشر يحل مشاكل كانت مستعصية كالأم التي حرمت الإنجاب لعقم خلقي فيها أو في زوجها، فيصبح في الإمكان أن تنجب وأن تنعم بالولد، والأسرة التي فقدت ولدها يمكن أن تكون نسخة منه محفوظة مجمدة فيحضنها رحم الأم أو رحم مستعار وما هي إلا تسعة أشهر حتى يكون شقيق الميت المساوي له في كل الصفات يملأ حياتها بهجة، وإذا تعرض الولد لمشاكل صحية وتعذر الحصول على عضو لا يرفضه جسم المريض أو خلايا نخاع أو كبد أو غير ذلك، فإنا نجد في النسخة المحفوظة ما يساعد الأطباء على إنقاذ حياة التوأم. وهكذا في سلسلة التطبيقات الداخلة في إطار الخيال العلمي مما يتوقع تحققه ومما هو بعيد عن التحقيق.
إن كل ما سمعته من أقلام المؤيدين أجده لا يصمد أمام المبادئ الآتية:
فالعلم حقًا قد تحرر من وصاية الكنيسة عليه، وأن هذه الحرية هي التي مكنت الحضارة الإنسانية من المكاسب التي دخلت كل ميدان، واستفادت منها حتى الكنيسة ذاتها في تعديل مواقفها ورؤاها. فالنظرة الموضوعية للأشياء والأخذ بمبدأ قبول الحقائق التي يؤمن بها البشر عن تقليد للتعديل حسبما يؤدي إليه سلطان العقل وما تبرزه التجربة، وأن الحقائق الكونية مرجعها التجربة فيما تثبته والعقل فيما يتصوره ويتأكد عنده بالبرهان ثم ينجلي عنه الشك والزيف بالعيان تطبيقًا عمليًّا متكررًا إلى أن يذوب كل أثر للمصادفة أو للظروف الطارئة وغير الثابتة.
[ ١٠ / ١٢٥٢ ]
وليس معنى تحرر العلم من سلطان الكنيسة أنه استبدل كرامة الإنسان وحقوقه بحريته، وإن شئت فقل: إنه فرق عظيم بين حرية البحث الذي يسعد الإنسان، والبحث المدمر للإنسان، إنه ليس السلطان الغيبي الذي لا يعطيه العلمانيون أية قيمة هو الذي يصرخ بالمنع. ولكن إلى جانب ذلك الإنسانية يعلو صوتها مستغيثة من تمرد التجارب اللامسؤولة ودخولها نطاق الإنسان ذاته لتحطم عزته وحقوقه، فليست وصاية على العلم، لكن تبصير العلم بحدوده حتى لا يدمر نفسه ويدمر الإنسان معًا؛ هذا الإنسان الذي تكمن سر إنسانيته في كرامته، وذهاب كرامته معناه ضياعه وضياع مكاسب الإنسانية التي جاهدت وما تزال تجاهد في الحفاظ عليها والتي تعتبر كل المكاسب الحضارية الأخرى متفرعة عنها ومنبثقة منها.
والإسلام يؤكد على صيانة الكرامة الإنسانية.. تناولها القرآن بطرق مختلفة وبأساليب متنوعة تفضي كلها إلى الحقيقة التي لا تقبل الإخلال بها في عرف الحق الذي أنزله الله - أن الإنسان مكرم، وغاية لا وسيلة.
إنه من أول مراحل التكوين البشري، يبرز القرآن كرامة الإنسان وتفضيله بجعله خليفة في الأرض، بتمكينه من المعرفة والوصول إلى الحقيقة، بسجود الملائكة له، وبتمكينه من الاختيار في حياته، إذ كل الكائنات تسير حسبما هو مودع في ذاتها إلى أن تفنى، يستوي في ذلك أصغر كائن كالهباءة وأضخم كائن من الكواكب، كلها تسير وفق قانونها المودع فيها لا تحيد عنه، وكرم الإنسان فأعطي القدرة على الاختيار ثم اعتبر هذا حقًّا له، فالآيات القرآنية تعتبر التسلط على الإنسان التسلط السالب لاختياره تعديًا مرفوضًا وغير مقبول بحال، حتى الحق الذي جاء به القرآن لا يكره الناس عليه ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] وعبر عن هذه الحقيقة سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ لما خالطت أنوار الهداية الإلهية قلبه وعقله: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟ "
فاتخاذ نسخة موازية للتوأم والاحتفاظ بها لتكون رصيدًا لقطع الغيار لأخيه التوأم إهدار للقيمة الإنسانية التي يتساوى فيها المولود والمجمد يوم أخذت نسخته فأودعت الرحم وأودعت الأخرى التبريد الآزوتي. وصورة أخرى إذا كبر التوأم ولم يحتج إلى أخيه فهل نحكم عليها بالإعدام أو نبقيها إلى أبد الآبدين، مع ما في التجميد من خطر الاختلاط، فقد أعلنت جريدة الفيغارو في سنة ١٩٩٥ أن الخطأ في اللقائح المجمدة يصل إلى ١٠ % في إنكلترا.
أولًا: أن اللقيحة أو البييضة المعوضة نواتها بنواة خلية تامة، كائن إنساني في أول مراحل حياته، له من الكرامة ما يتناسب مع عمره ولا يقبل أن تكون وسيلة لغيرها.
[ ١٠ / ١٢٥٣ ]
ثانيًا: فإن الله لما كلف الإنسان بمهمة تعمير الأرض خلقه خلقًا يمكنه من ذلك، فتعمير الأرض لا يتحقق إلا بتوجه كل فرد إلى ما يلائم مواهبه وإمكاناته، ثم ضم ما ينتجه جهده إلى جهود إخوانه وإفادته منها؛ ولذا كان الاختلاف ضروريًّا لعمارة الكون، فلو اتحدت أذواق وعقول وميول البشر لانصبوا على مكان واحد وعلى عمل واحد وعلى إنتاج واحد، الأمر الذي يساوي في الحقيقة التعطل العام المطلق، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١]
ثالثًا: إن الاجتماع البشري يقوم على أساس العائلة، واستمرار طفولة الإنسان، واحتياجاته سنوات إلى من يقوم عليه بالتربية للتطور، وليسلم عقله ومشاعره وقواه الجسمية، تجعل قيام راشد واحد بذلك حِملًا ثقيلًا، ولذا فإنه في حالات اليتم العارض يدعو الإسلام بقية أعضاء الأسرة والجماعة الإسلامية لبذل رعاية خاصة للأيتام تعويضًا عما فقدوا وكانت القوامة والحرمة للزوجين الذكر والأنثى، والاستنساخ يهدم القيم الاجتماعية كلها، فيقيم الحياة على المرأة التي هي العنصر الذي لا غنى عنه فيه، ويصبح دور الرجل لا يتعدى إشباع الشهوة، فالمرآة هي التي تفرز البييضة وهي التي تحملها، فإذا تعلقت الرغبة بولادة الأنثى أضحى أي دور للذكر، وإذا تعلقت الرغبة بميلاد ذكر، فإن دوره لا يتعدى أخذ خلية من خلاياه، وقد تكون شعرة من شعره كافية، والله يقول: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]
ر ابعًا: إن التقدير المحكم الذي يسير عليه الكون، مما تمت ملاحظته فيه من أسرار، أن التوازن بين الذكران والإناث متقارب دائمًا، فإذا اختل التوازن زمن الحرب بموت الرجال في الحروب عاد التوازن سريعًا بتفوق ولادة الذكور، فلو ارتبط الإنجاب برغبة النساء وهن حسب قانون الاستنساخ صواحبات الحق والدور الفعلي، فإن الاختلال سيلحق المجتمع في تنوع الجنس، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦)﴾ .
[النجم: ٤٥ -٤٦]
[ ١٠ / ١٢٥٤ ]
خامسًا: ماذا ستكون علاقة النسخة؟ هل النسخة باعتبار أنها تحمل نفس الحقيبة الوراثية، وأنه سيبرز كل خط من خطوط البرنامج في النسخة، فهل تكون النسخة بالنسبة للمأخوذ منها وهي أنثى، أختًا لها أو بنتًا، أو هي ذات واحدة في شخصين؟ ما علاقة النسخة بالزوج، أهي ربيبة أو هي أخت زوجته أو هي زوجته كما لو تضخم ثدي زوجته أو يدها أو رجلها أو أي جزء من أجزائها، مع أن زوجته هي التي ولدتها في حال قيام العلاقة الزوجية. ولو حملت الزوجة بالنسخة من الزوج وسيولد ذكرًا، هل يكون أخًا لزوجها، وقد حملته في بطنها وولدته، أو يكون زوجًا لها في صورتين الأصلية والنسخة، أو يكون ابنًا لها؟
ولو فرضنا أن الزوجة أُعجبت برجل، فأخذت خلية من خلاياه، ويكفي شعرة واحدة سقطت من رأسه ثم تستكمل المراحل حسبما وصفناه، فتكون صلته بالزوج كصلته بالزوج الذي خدعته زوجته وحملت من غيره، يجب عليه شرعًا أن ينفي نسبه منه، لأن اختلاط الأنساب محرم في شرع الله، وليس قبوله أو رفضه مرتبطًا برضا الزوج، لأنه عندما يولد على فراشه سيكون اتصاله النسبي بكل أصوله وفروعه، ولا يحل له أن يدخل عليهم من ليس هو منهم.
ولو فرضنا الزوجة أن الزوجة لإعجابها بأبيها (وكل فتاة بأبيها معجبة)، فأخذت نواة خلية من أبيها وأُودعت مكان نواة بييضتها، ثم غُرست في الرحم، ووصل المولود إلى أمد وضعه؛ هل يكون هذا المولود أبًا لها، أو ابنًا أو أخًا؟
إن الصور التي يمكن أن تحدث من المضي قدمًا في هذه التقنية لا تحصر، وإنها في معظم الأحوال ستؤدي إلى فوضى في العلاقات البشرية، ثم إنه لا يستطيع أي فرد أن يتصور الانعكاسات السلبية لذلك على التوازن النفسي للإنسان في المستقبل، وبذلك فهي خطر على الإنسان وخطر على العلم ذاته الذي هو ثمرة الصحة العقلية والنفس السوية.
سادسًا: إن هذه التقنيات يوم يكتب لها أن تصل إلى غاية مداها فستفتح على مصراعيها أبواب استئجار الأرحام، فإذا كان الفقر والخصاصة، والجوع والعراء قد وصلت بالإنسانية إلى التجارة في السوق السوداء بالأعضاء البشرية، وإذا كان في كثير من الدول الآسيوية والإفريقية يرضى الإنسان أن يبيع كليته لمن يربح فيها أضعاف أضعاف ما يبذله للإنسان (الشيء والمتاع)، فإن سوق استئجار الأرحام ستكون قطعًا نافعة بمقدار تعدد الأغراض وسعة مسالك الشهوة والخطيئة.
[ ١٠ / ١٢٥٥ ]
١) تلتجئ إليها العاقر التي ترغب في تعمير بيتها بأنفاس الطفولة البريئة، ونغمات أصواتها التي توقظ الأم من عمق النوم وتلهيها حتى عن نفسها، فترغب العاقر في القيام بتمثيلية تعيش فيها مع الخيال أشواطًا، ذلك أن الأم ترتبط بوليدها من أول ما تشعر أنها أصبحت حاملة لحياة في أحشائها، محتضنة لاستمرارها في الوجود في بطنها، ثم تتأكد الصلة كلما نما، وتنسج مع إحساسها بحركته الأولى حركتها النفسية لرؤيته يومًا بين يديها حتى يثقلها فتضعه، وسترسل في عالم المشاهدة مع ما كان إحساسًا غير مرئي ولا مسموع.
٢) ترغب باستئجار رحم الأنثى المعجبة بوسامتها الحريصة على أناقتها من النجوم والمترفات والمثريات، فهي تستطيع أن تشتري بييضة من أنثى، وخلية منها أو من ذكر يملأ عينيها، ورحمًا تودع فيه الخلية لتبلغ به إنسانًا مكتمل الخلق، وقد دفعت الثمن فهي أحق به، وتكون علاقتها به في الحقيقة صفقة تجارية، هذا ما يؤدي إليه الاسترسال في اقتحام الاستنساخ.
٣) أما عصابات الإجرام فستفتح لهم ساحات العمل الإجرامي، فهم يستطيعون كما بيناه التحصيل على نسخ من أكبر المجرمين شراسة ومكرًا، حسبما تبين أعلاه ثم هم ينشؤونهم تنشئة تزيد انحرافهم حدة ويضللون العدالة بالنسخ المتماثلة، إذ يخفون الذي قام بالجريمة، ويثبتون أن مماثله كان في الوقت الذي حدثت فيه الجريمة بعيدًا آلاف الأميال عن موقعها.
٤) ولا نغفل عن المتاجرين بالجنس فهؤلاء سوف يجدون في الاستنساخ ما كان يتجاوز أحلامهم، إذ يستطيعون إنجاب نسخ من نجوم السينما وملكات جمال العالم بثمن زهيد على الطريقة السابقة، خلية بييضة، رحم مولودة نسخة مساوية لصاحبة الخلية طولًا وتناسبًا وجمالًا وصفاء، تربى تربية خاصة حتى إذا ما نضجت كانت تبعًا لتربيتها وغسل دماغها وإغراء الشباب وسلطان الوسامة ثروة في سوق الخَنَا يدرّ على الأشقياء.
وقائمة الاضطراب الفردي والاجتماعي تطول وتطول في ميدان التطبيقات التي لا تجد ما يحول بينها وبين التحقيق، والإمعان في الفساد والاختلال في منحرف الطريق إلا عامل الدين المستند إلى صادق التنزيل الذي يبصر العقل والعلم ويهديهما سواء السبيل البصيرة التي لا تنخدع بالجديد لجدته، ولا تقدس القديم لتطاول مدته، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ . [يوسف: ١٠٨]
[ ١٠ / ١٢٥٦ ]
وبجانب إحياء القيم الدينية لا بد من رادع يحرم على كل مؤمن أو كافر أن يفسد على الإنسانية حياتها وقيمها وعلاقاتها الاجتماعية، ويهدم ما بنته الإنسانية في عشرات القرون، فظنت أنها أمنت الإنسان على كرامته، وأقامت المنظمات تحرس حقوقه وحقوق المرأة وحقوق الطفل، فيكون العبث بهذا الهرم الحضاري عداء للإنسانية على الأمم والدول أن تحمي نفسها باستصدار ميثاق ملزم توقع عليه كل الدول معتبرة كل من يعمل على الاستنساخ أو التوأمة من الباحثين أو المؤسسات مجرما ضد البشرية تأخذه أحكام وتبعات ذلك أينما حل في أرض الله.
هذا وقد أخذت البشرية بحمد الله تقوم بالدفاع عن نفسها من هذا الخطر الذي هو الابن غير الشرعي لحضارة السوق، فإنه بمجرد ما تم الإعلان عن بلوغ (دولِّي) شهرها السابع وانتشرت صورتها في أرجاء العالم حتى سبق البرلمان النرويجي فأصدر قانونًا وافق عليه ٨٨ نائبًا من مجموع تسعين، يمنع منعًا باتًّا إجراء التجارب أو القيام باستنساخ الإنسان أو أحد أعضائه الرفيعة التطور، وكذلك رئيس الجمهورية الفرنسية فقد دعا في نفس اليوم المجلس الاستشاري القومي للأخلاق، وطلب منه أن يدرس القانون الفرنسي ليطمئن على سلامته من وجود ثغرات يمكن للباحثين الفرنسيين أن يقوموا في يوم من الأيام بالاستنساخ البشري، وبعد أن اتصل بتقريرهم يوم ٢٩ إبريل ١٩٩٧ أعلن أنه يعتقد أن الاستنساخ الإنساني هو تعدٍّ مهين للكرامة الإنسانية وأنه لا بد من العمل على منع القيام به على النطاق العالمي، وأنه سيكون المثير لهذا التوجه والمدافع عنه في اجتماع الدول السبع الأكثر غنى في العالم في اجتماعهم القادم في آخر شهر جوان - بدنفار - بالولايات المتحدة الأمريكية.
فعلى وسائل الإعلام الشريفة أن تمضي في هذه السبيل حتى يصدر ميثاق المنع العالمي.
الدائرة الثانية: تدخل الإنسان في الحقيبة الوراثية
إن ما خط من برنامج حياة الكائن في الكروموزومات لم يفصح عن كل محتواه وأسراره لحد الآن، وما يزال العلماء يتعاونون في هذا الميدان، وفي حدود علمي فإنهم وصلوا إلى قراءة بعض ما هو مسجل من استعدادات كامنة قابلة للظهور في المستقبل، وأنهم يتوقعون أنه يمكنهم التأثير فيما قرؤوه فعرفوه، وهذا التأثير منه ما هو من باب الوقاية كما لاحظوه في بعضها من استعداد للتحول إلى فوضى سرطانية والتدخل لحماية الإنسان باكرًا مشروعة.
وقد يكون التدخل لتغيير صورة الإنسان كلَوْنِ جلده أو شكل شعره تبعًا لرغبة الأبوين، وأرجح أن هذا من باب الاعتداء على حرية الإنسان في حال قصوره عن التعبير عن اختياراته في ميدان لا ضرر عليه فيه، وأن ذلك غير جائز.
ولما كانت البحوث لم تستكمل بعد، وأن التدخل في ميدان دقيق كهذا أو انزلاق الإبرة المكروسكوبية غير مأمون؛ فإن الذي أطمئن إليه أن لا نتعجل ولا نحكم على الشيء قبل تصوره في ذاته، وتصور السلاسل المترتبة عن ولوج هذا النوع من التأثير.
والله أعلم.
محمد المختار السلامي
[ ١٠ / ١٢٥٧ ]
الاستنساخ