الحمد لله المعز لأوليائه، والمنتقم من أعدائه، وصلى الله وسلّم على نبينا محمد وآله وصحبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فقد جرت سنة الله في خلقه أن جعل بعض خلقه لبعض فتنة فجعل منهم المؤمن والكافر، والغني والفقير، والعاقل والسفيه، فكان ذلك من أعظم الأسباب لاختلافهم، كما قال ربنا ﷿ في كتابه الكريم: ﴿ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربّك ولذلك خلقهم﴾ (١).
وقد اختلفوا في الأفهام وفي العلم، وكان مما اختلف فيه أهل العلم وذوي الجهل والزيغ مسألة الزلزال، فأهل العلم قالوا عند أن حدث الزلزال بذمار: ماقررناه في الكتاب، وذوو الجهل والزيغ قالوا: إنه أمر طبيعي. من أجل ذلك ألقيت بعض الخطب ثم رأيت أن أخرجها في رسالة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة.
إنّ القائلين بأنه أمر طبيعي يبطلون انتقام الله لأوليائه، قال سبحانه
_________________
(١) سورة هود، آية: ١١٨ - ١١٩.
[ ١٢٩ ]
وتعالى في قوم صالح في سورة الأعراف: ﴿فعقروا النّاقة وعتوا عن أمر ربّهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين * فأخذتْهم الرّجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين * فتولّى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبّون النّاصحين﴾ (١).
وقال في قوم شعيب في سورة الأعراف: ﴿وقال الملأ الّذين كفروا من قومه لئن اتّبعتم شعيبًا إنّكم إذًا لخاسرون * فأخذتْهم الرّجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين * الّذين كذبوا شعيبًا كأن لم يغنوا فيها الّذين كذبوا شعيبًا كانوا هم الخاسرين * فتولّى عنهم وقال ياقوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين﴾ (٢).
وقال في سورة العنكبوت في قوم شعيب: ﴿فكذبوه فأخذتْهم الرّجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (٣)﴾.
وقال تعالى في قوم موسى في سورة الأعراف: ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلًا لميقاتنا فلمّا أخذتْهم الرّجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي أتهلكنا بما فعل السّفهاء منّا إن هي إلا فتنتك تضلّ بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت وليّنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين (٤)﴾.
وقال ﷾ في يوم القيامة: ﴿يوم ترجف الأرض والجبال
_________________
(١) الآية: ٧٧ - ٧٩.
(٢) الآية:٩٠ - ٩٣.
(٣) الآية:٣٧.
(٤) الآية: ١٥٥.
[ ١٣٠ ]
وكانت الجبال كثيبًا مهيلًا (١)﴾.
وقال سبحانه تعالى: ﴿يوم ترجف الرّاجفة (٢)﴾.
وقال ﷾: ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها* وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدّث أخبارها * بأنّ ربّك أوحى لها * يومئذ يصدر النّاس أشتاتًا ليروا أعمالهم * فمن يعمل مثقال ذرّة خيرًا يره * ومن يعمل مثقال ذرّة شرًّا يره﴾.
وقال ﷾ في أول سورة الحج: ﴿ياأيّها النّاس اتّقوا ربّكم إنّ زلزلة السّاعة شيء عظيم * يوم ترونها تذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت وتضع كلّ ذات حمل حملها وترى النّاس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد﴾.
أبعد هذه الأدلة يجوز للمسلم أن يصغي إلى قول أولئك الملاحدة الذين يعترضون على قدرة الله وحكمته وعدله، آمنا بالله وكفرنا بقول الملاحدة وأذنابهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
_________________
(١) سورة المزمل، الآية:١٤.
(٢) سورة النازعات، الآية:٦.
[ ١٣١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿ياأيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون﴾.
﴿ياأيّها النّاس اتّقوا ربّكم الّذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالا كثيرًا ونساءً واتّقوا الله الّذي تساءلون به والأرحام إنّ الله كان عليكم رقيبًا﴾.
﴿ياأيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله وقولوا قولا سديدًا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾.
أما بعد: فيقول الله ﷾ في كتابه الكريم: ﴿وما أرسلنا في قرية من نبيّ إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضّرّاء لعلّهم يضّرّعون * ثمّ بدّلنا مكان السّيّئة الحسنة حتّى عفوا وقالوا قد مسّ آباءنا الضّرّاء والسّرّاء فأخذناهم بغتةً وهم لا يشعرون * ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتّقوا لفتحنا عليهم بركات من السّماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون * أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتًا وهم نائمون * أو أمن
[ ١٣٢ ]
أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحًى وهم يلعبون * أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (١)﴾.
وقال ﷾: ﴿وكذلك أخْذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إنّ أخْذه أليم شديد (٢)﴾.
وفي "الصحيحين" عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنّ الله ليملي للظّالم حتّى إذا أخذه لم يفلتْه» قال: ثمّ قرأ: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إنّ أخذه أليم شديد﴾.
وقال ﷾: ﴿وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذّبوها عذابًا شديدًا كان ذلك في الكتاب مسطورًا * وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أنْ كذب بها الأوّلون وآتينا ثمود النّاقة مبصرةً فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا﴾ (٣).
وقال ﷾: ﴿ربّكم الّذي يزجي لكم الفلك في البحْر لتبتغوا من فضله إنّه كان بكم رحيمًا * وإذا مسّكم الضّرّ في البحر ضلّ من تدعون إلاّ إيّاه فلمّا نجّاكم إلى البرّ أعرضتم وكان الإنسان كفورًا * أفأمنتم أن يخْسف بكم جانب البرّ أو يرسل عليكم حاصبًا ثمّ لا تجدوا لكم وكيلًا * أمْ أمنتم أن يعيدكم فيه تارةً أخرى فيرسل عليكم قاصفًا من
_________________
(١) سورة الأعراف، آية: ٩٤ - ٩٩.
(٢) سورة هود، الآية: ١٠٢.
(٣) سورة الإسراء، الآية: ٥٨ - ٥٩.
[ ١٣٣ ]
الريح فيغرقكم بما كفرتم ثمّ لا تجدوا لكم علينا به تبيعًا (١)﴾.
وقال ﷾: ﴿أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الّذين من قبلهم وكانوا أشدّ منهم قوّة وما كان الله ليعجزه من شيء في السّموات ولا في الأرض إنّه كان عليمًا قديرًا * ولو يؤاخذ الله النّاس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابّة ولكن يؤخّرهم إلى أجل مسمًّى فإذا جاء أجلهم فإنّ الله كان بعباده بصيرًا﴾ (٢).
وقال ﷾: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قريةً أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمّرناها تدميرًا﴾ (٣).
قص الله ﷾ علينا في هؤلاء الآيات شأن المكذّبين بالرسل، وما فعل الله بهم، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
وفي "الصحيحين" عن جابر ﵁ قال: لمّا نزلت هذه الآية: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أعوذ بوجهك»، قال: ﴿أو من تحت أرجلكم﴾ قال: «أعوذ بوجهك»، ﴿أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «هذا أهون أو هذا أيسر».
ولا تزال العبر تتجدّد وتحدث منذ خلق الله ﷾ الأرض إلى زمننا هذا.
_________________
(١) سورة الإسراء، آية: ٦٦ - ٦٩.
(٢) سورة فاطر، آية: ٤٤ - ٤٥.
(٣) سورة الإسراء، الآية: ١٦.
[ ١٣٤ ]
وفي هؤلاء الآيات التهديد الأكيد، والوعيد الشديد لمن أعرض عن ما جاء به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.
ونحن لا نزال كما قلنا قبل نرى العبر، ونسمع الآيات، ونسمع الحوادث التي تزعج المسلمين، ولكن أعداء الإسلام يجعلون الحوادث حوادث طبيعية من أجل أن يبطلوا آيات الأنبياء، وأن يبطلوا انتقام الله لأنبيائه.
يقول الله ﷾: ﴿إنّ قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوّة إذ قال له قومه لا تفرحْ إنّ الله لا يحبّ الفرحين * وابتغ فيما آتاك الله الدّار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدّنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إنّ الله لا يحبّ المفسدين * قال إنّما أوتيته على علم عندي أولمْ يعلم أنّ الله قد أهْلك من قبله من القرون من هو أشدّ منه قوّة وأكثر جمعًا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون * فخرج على قومه في زينته قال الّذين يريدون الحياة الدّنيا ياليت لنا مثل ما أوتي قارون إنّه لذو حظّ عظيم * وقال الّذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحًا ولا يلقّاها إلا الصّابرون * فخسفنا (١) به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين * وأصبح الّذين تمنّوا مكانه بالأمس يقولون ويْكأنّ الله يبسط الرّزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن
_________________
(١) وفي الصحيح عن النبي أنه قال: بَينَمَا رَجُلٌ يَتَبَختَرُ يَمشِي فِي بُردَيهِ قَد أعجَبَتهُ نَفسُهُ، فَخَسَفَ الله بِهِ الأَرضَ فَهُوَ يَتَجَلجَلُ فِيهَا إلَى يَومِ القِيَامَةِ.
[ ١٣٥ ]
منّ الله علينا لخسف بنا ويْكأنّه لا يفلح الكافرون (١)﴾.
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إنّ ثلاثةً في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى، بدا لله ﷿ أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكًا فأتى الأبرص فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن قد قذرني النّاس. قال: فمسحه فذهب عنه، فأعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا، فقال: أيّ المال أحبّ إليك؟ قال: الإبل أو قال: البقر -هو شكّ في ذلك إنّ الأبرص والأقرع قال أحدهما: الإبل وقال الآخر: البقر- فأعطي ناقةً عشراء فقال: يبارك لك فيها، وأتى الأقرع فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عنّي هذا، قد قذرني النّاس. قال: فمسحه فذهب وأعطي شعرًا حسنًا. قال: فأيّ المال أحبّ إليك؟ قال: البقر، قال: فأعطاه بقرة حاملًا، وقال: يبارك لك فيها، وأتى الأعمى فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: يردّ الله إليّ بصري، فأبصر به النّاس. قال: فمسحه فردّ الله إليه بصره، قال: فأيّ المال أحبّ إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة والدًا، فأنتج هذان، وولّد هذا، فكان لهذا واد من إبل، ولهذا واد من بقر، ولهذا واد من غنم، ثمّ إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين تقطّعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثمّ بك، أسألك بالّذي أعطاك اللّون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيرًا أتبلّغ عليه في سفري. فقال له: إنّ الحقوق كثيرة، فقال له: كأنّي أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك النّاس فقيرًا، فأعطاك الله! فقال: لقد ورثت
_________________
(١) سورة القصص، آية: ٧٦ - ٨٢.
[ ١٣٦ ]
لكابر عن كابر، فقال: إن كنت كاذبًا فصيّرك الله إلى ما كنت، وأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال لهذا، فردّ عليه مثل ما ردّ عليه هذا. فقال: إن كنت كاذبًا فصيّرك الله إلى ما كنت، وأتى الأعمى في صورته: فقال رجل مسكين وابن سبيل، وتقطّعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثمّ بك، أسألك بالّذي ردّ عليك بصرك شاةً أتبلّغ بها في سفري. فقال: قد كنت أعمى فردّ الله بصري، وفقيرًا فقد أغناني، فخذ ما شئت فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. فقال: أمسك مالك فإنّما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك».
ويقول الله ﷾: ﴿ياأيّها النّاس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنيّ الحميد * إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز (١)﴾.
ورب العزة عند أن ذكر في سورة (اقتربت الساعة) الأنبياء وتكذيب أممهم وما فعل الله بهم من الدّمار، قال: ﴿أكفّاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزّبر (٢)﴾.
ونحن نستطيع أن نقول للشيوعيّين وللبعثيّين وللناصريّين، وللحداثيّين وللعلمانيّين: أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر؟!.
ويقول ﷾ في كتابه الكريم: ﴿فكلًا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبًا ومنهم من أخذته الصّيحة ومنهم من خسفنا به الأرض
_________________
(١) سورة فاطر، آية: ١٥ - ١٧.
(٢) سورة القمر، الآية: ٤٣.
[ ١٣٧ ]
ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (١)﴾.
ونحن في بلدنا، وفي يمننا لم تنته بعد فجيعة الزّلزال وضحايا الزّلزال بذمار، ثم في هذه الأيام الزّلزال بالعدين (٢).
إن المنكرات الموجودة بالعدين هي موجودة بصعدة.
وإن المنكرات الموجودة بالعدين هي المنكرات الموجودة بصنعاء.
وإن المنكرات الموجودة بالعدين هي المنكرات الموجودة بعدن، وبحضرموت، وبغيرها من البلاد، ولكن الله ﷾ جعل لنا عبرةً في بلد إخواننا العدينيّين.
وكثرة الزلازل في آخر الزّمان، تعتبر علمًا من أعلام النبوة، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث سلمة بن نفيل ﵁ (٣).
والشأن كل الشأن: هل اعتبرنا؟ وهل رجعنا إلى الله؟ أم صرنا كما يقول ربنا ﷿: ﴿أولا يرون أنّهم يفتنون في كلّ عام مرّة أو مرّتين ثمّ لا يتوبون ولا هم يذّكّرون (٤)﴾.
فهل أنكر اليمنيون (مصنع الخمر)؟ وهل تبرّؤا من الحزبيّة؟ وهل تبرّؤا
_________________
(١) سورة العنكبوت، الآية:٤٠.
(٢) وقبل مدة الزلزال الإيراني كانت ضحاياه نحو خمسين ألفًا، وكل هذا بسبب الإعراض عن الله والإعراض عن شرع الله، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
(٣) وكذا في حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه.
(٤) سورة التوبة، الآية: ٢٦.
[ ١٣٨ ]
من الديمقراطية؟ وهل تبرّؤا من الفساد الموجود بين أظهرهم؟ بل هل تبرّؤا من الوحدة مع الشيوعيّين؟ فالأمر يحتاج إلى توبة، وإلى رجوع إلى الله ﷿: ﴿واتّقوا فتنةً لا تصيبنّ الّذين ظلموا منكم خاصّةً واعلموا أنّ الله شديد العقاب (١)﴾.
يقول بعض الملاحدة: لا تقل إن الزلزال بسبب الذنوب، فسيصير اليمنيون مذنبين ورب العزة يقول في كتابه الكريم: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير (٢)﴾.
ويقول ﷾: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إنّ ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحبّ كلّ مختال فخور (٣)﴾.
ويقول: ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤْمن بالله يهْد قلْبه والله بكلّ شيْء عليم (٤)﴾.
والزّلزال قد يكون للابتلاء كما قال الله تعالى: ﴿ياأيّها الّذين آمنوا استعينوا بالصّبر والصّلاة إنّ الله مع الصّابرين * ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون * ولنبلونّكم بشيء من
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية: ٢٥.
(٢) سورة الشورى، الآية: ٣٠.
(٣) سورة الحديد، آية: ٢٢ - ٢٣.
(٤) سورة التغابن، الآية: ١١.
[ ١٣٩ ]
الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثّمرات وبشّر الصّابرين * الّذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (١)﴾.
فهل نحن معصومون من الخطأ؟ وهل ننزّل أنفسنا منْزلة الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؟ بل المنكرات طافحة في المجتمع، وصدق الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ يقول كما في "صحيح البخاري" من حديث النعمان بن بشير: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الّذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لوأنّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا».
فالمنكرات والفساد موجودان في البلاد اليمنية، كل يوم وهي تتجسّد، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقد يقول بعض المنحرفين: فما ذنب الأطفال؟ نقول: لقد أخذوا بذنب آبائهم وأهليهم.
ففي "الصحيح" عن عائشة ﵂، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأوّلهم وآخرهم» قالت: قلت: يا رسول الله كيف يخسف بأوّلهم وآخرهم، وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: «يخسف بأوّلهم وآخرهم، ثمّ يبعثون على نيّاتهم».
وفي "الصحيح" أيضًا من حديث زينب بنت جحش أنّها قالت: استيقظ
_________________
(١) سورة البقرة، آية: ٥٣ - ٥٧.
[ ١٤٠ ]
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من نومه وهو محمرّ وجهه وهو يقول: «لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج» وعقد بيديه عشرة قالت زينب: قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصّالحون؟ قال: «إذا كثر الخبث».
ويقول الله ﷾ في كتابه الكريم: ﴿واسألهم عن القرية الّتي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السّبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعًا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون * وإذ قالتْ أمّة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذّبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرةً إلى ربكم ولعلّهم يتّقون * فلمّا نسوا ما ذكّروا به أنجينا الّذين ينهون عن السّوء وأخذنا الّذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون * فلمّا عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين * وإذ تأذن ربّك ليبعثنّ عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إنّ ربّك لسريع العقاب وإنّه لغفور رحيم * وقطّعناهم في الأرض أممًا منهم الصّالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسّيّئات لعلّهم يرجعون﴾ (١) (٢).
فقد كثر الخبث: مصنع الخمر، والتبرّج والسفور، فالله أعلم ما سيحدث، دع عنك الخصام بين القبائل الذين لا يحكّمون كتاب الله، ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
_________________
(١) وجه الاستدلال بِهؤلاء الآيات: أنّ ارتكاب المنكر يكون سببًا للهلاك، والصحيح من أقوال العلماء أن الذي مُسِخ هي الطائفة المرتكبة للمنكر فحسب.
(٢) سورة الأعراف، آية: ١٦٣ - ١٦٨.
[ ١٤١ ]
أما الذي يسند الأمور إلى الطبيعة ويقول: حوادث طبيعية، فإذا أراد أن الطبيعة هي المتصرفة فهو كافر.
ففي "الصحيحين" عن زيد بن خالد الجهنيّ أنه قال: صلّى لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاة الصّبح بالحديبية على إثر سماء كانت من اللّيلة، فلمّا انصرف النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقبل على النّاس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربّكمْ»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم؟ قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأمّا من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأمّا من قال: بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب».
وفي "الصحيحين" عن عائشة وابن عباس وغيرهما ﵃، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إنّ الشّمس والقمر لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنّهما من آيات الله يخوّف الله بهما عباده، فإذا رأيتم كسوفًا فاذكروا الله حتّى ينجليا».
ورب العزة يقول في كتابه الكريم: ﴿إنّ الله يمسك السّماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنّه كان حليمًا غفورًا﴾ (١).
فهل تستطيع أمريكا أن توقف الزّلزال، أو توقف الفيضانات المائيّة، أو تستطيع أن توقف المطر؟ بل لم تستطع في أهون من هذا، وهو علاج مرض
_________________
(١) سورة فاطر، الآية: ٤١.
[ ١٤٢ ]
(الإيدز) وعلاج بعض الأمراض الحديثة.
وحسبنا الله ونعم الوكيل ونعم المولى ونعم النصير.
[ ١٤٣ ]