للمنكرين للصلاة في النعال شبه لا بد من الكلام عليها حتى يتضح الحق إن شاء الله.
على أني ما سمعت عالمًا قط يحتج بشبههم، والجهال ليسوا بحجة على الشرع المطهر.
فأما شبههم فمنها:
الشبهة الأولى:
إن المساجد قد زيّنت وفرشت، وليست كالمساجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فالجواب: أن الخير فيما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولو بقيت المساجد على ما كانت عليه في عصر النبوة لكان خيرًا، وأما زخرفة المساجد وتزيينها فقد ورد النهي عنهما.
فقد أخرج أبوداود (ج١ ص١٧١)، وابن ماجة (ج١ ص٢٤٤) والدارمي (ج١ ص٣٢٧)، وأحمد (ج٣ ص١٣٤، ١٤٥، ١٥٢، ٢٣٠، ٢٨٣)، وابن حبان كما في "موارد الظمآن": عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تقوم السّاعة حتّى يتباهى النّاس فى المساجد».
[ ٢٥ ]
وفي بعض الطرق: (نهى أن يتباهى النّاس بالمساجد) (١)
وأخرج أبوداود (ج١ ص١٧٠): عن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما أمرت بتشييد (٢) المساجد»، قال ابن عبّاس ﵄: لتزخرفنّها كما زخرفت اليهود والنّصارى.
رجاله رجال الصحيح إلا شيخ أبي داود محمد بن الصبّاح بن سفيان وهو صدوق.
قال الصنعاني ﵀ (٣): قال المهدي في "البحر": إن تزيين الحرمين لم يكن برأي ذي حلّ وعقد، ولا سكوت رضا، أي: من العلماء، وانما فعله أهل الدول الجبابرة من غير مؤاذنة لأحد من أهل الفضل، وسكت المسلمون من غير رضا. وهو كلام حسن. اهـ
أقول: وأما فرش المسجد بالسجاد فلا شك أنه يشغل المصلي، ويلهيه عن الصلاة، فقد روى البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن عائشة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلّى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها فلمّا انصرف
_________________
(١) قال المناوي في "فيض القدير" في الكلام على هذا الحديث: يتفاخر الناس في عمارة المساجد ونقشها وتزويقها، كفعل أهل الكتاب بكنائسهم وبيعهم، وقيل: المراد عمارتها بالصلاة لا بنيانها. اهـ قلت: التباهي مطلق يشمل هذين وغيرهما.
(٢) قال الخطابي: التشييد رفع البناء وتطويله "عون المعبود". وذكر ابن الأثير في "النهاية" نحوه ثم قال: ويقال: شاد البنيان يشيده إذا جصصه وعمله بالشيد، وهوكل ما طليت به الحائط من جص وغيره. اهـ
(٣) في "سبل السلام" (ج١ ص١٥٨).
[ ٢٦ ]
قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانيّة أبي جهم فإنّها ألهتني آنفًا عن صلاتي» وفي رواية: «كنت أنظر إلى أعلامها وأنا في الصّلاة، فأخاف أن تفتنني».
هذا لفظ البخاري.
وأخرج البخاري عن أنس ﵁ قال: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أميطي عنّي قرامك هذا فإنّه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي».
وأخرج أيضًا عن عقبة بن عامر قال: أهدي إلى النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فرّوج حرير، فلبسه، فصلّى فيه ثمّ انصرف فنزعه نزعًا شديدًا كالكاره له، وقال: «لا ينبغي هذا للمتّقين».
قال الصنعاني في "سبل السلام" في الكلام على حديث عائشة في قصة الخميصة: وفي الحديث دليل على كراهة ما يشغل عن الصلاة من النقوش ونحوها مما يشغل القلب، وفيه مبادرته صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى صيانة الصلاة عما يلهي، وإزالة ما يشغل عن الإقبال عليها.
قال الطيبي: فيه إيذان بأن للصور S والأشياء الظاهرة تأثيرًا في القلوب الطاهرة، والنفوس الزكية، فضلًا عما دونها، وفيه كراهة الصلاة على المفارش والسجاجيد المنقوشة، وكراهة نقش المساجد ونحوه. اهـ كلامه ﵀.
الشبهة الثانية:
وربما استدل بعضهم بقوله ﷾ آمرًا لموسى ﵇:
[ ٢٧ ]
فاخلع نعليك إنّك بالواد المقدّس طوًى (١).
وهذا استدلال في غاية من البعد، ورحم الله ابن مسعود ﵁ إذ يقول لأبي موسى الأشعري لمّا أمّهم فخلع نعليه: لم خلعت نعليك؟ أبالوادي المقدس أنت (٢)؟.
قال أبومحمد بن حزم ﵀ في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام": ومن شرائع موسى ﵇ قوله تعالى: فاخلع نعليك إنّك بالواد المقدّس طوًى، ونحن لا نحلع نعالنا في الأرض المقدسة. اهـ
يريد ﵀ أننا لسنا متعبّدين بشرع من قبلنا، هذا وإنني لا أعلم شبهة ينبغي أن تذكر، وأما هوس الجهال واستحساناتهم، فلا ينفع فيها إلا عمل أهل العلم بالسنة، وهم إذا رأوا أهل العلم يعملون بالسنة سيعملون بها.
_________________
(١) سورة طه، الآية: ١٢.
(٢) رواه عبد الرزاق (ج١ ص٣٨٦)، وابن أبي شيبة (ج٢ ص٤١٨) ورجاله رجال الصحيح.
[ ٢٨ ]