أجدبت الأرض في سنة ثماني عشرة، فكانت الريح تسفي ترابًا كالرّماد، فسمّي عام الرمادة، وجعلت الوحوش تأوي إلى الإنس، فآلى عمر ألاّ يذوق
[ ١٧٨ ]
سمنًا ولا لحمًا حتى يحيا الناس، واستسقى بالعباس فسقوا. وفيها كان طاعون عمواس، مات فيه أبوعبيدة، ومعاذ، وأنس.
وفي سنة أربع وستين وقع طاعون بالبصرة، وماتت أم أميرهم فما وجدوا من يحملها.
وفي سنة ست وتسعين كان طاعون الجارف، هلك في ثلاثة أيام سبعون ألفًا، ومات فيه لأنس ثمانون ولدًا، وكان يموت أهل الدار فيطيّن الباب عليهم-أي يصير البيت قبرًا لهم لأنه لا يوجد من يخرجهم إلى المقبرة ويحفر لهم قبرًا-.
وفي سنة إحدى وثلاثين ومائة مات أول يوم في الطاعون سبعون ألفًا، وفي اليوم الثاني نيّف وسبعون ألفًا، وفي اليوم الثالث خمد الناس.
وفي السنة التاسعة عشرة وثلاثمائة كثر الموت، وكان يدفن في القبر الواحد جماعة.
وفي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ذبح الأطفال، وأكلت الجيف، وبيع العقار برغفان، واشْتري لمعز الدولة كرّ دقيق بعشرين ألف درهم.
وفي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة عمّت الأمراض البلاد فكان يموت أهل الدار كلهم.
وفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة أصاب أهل البصرة حرّ فكانوا يتساقطون موتى في الطرقات.
وفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة عم القحط فأكلت الميتة وبلغ المكوك -كتنور: مكيال- من برز البقلة سبعة دنانير والسفرجلة والرمانة دينارًا
[ ١٧٩ ]
والخيارة واللينوفرة دينارًا، وورد الخبر من (مصر) بأن ثلاثةً من اللصوص نقبوا دارًا فوجدوا عند الصباح موتى أحدهم على باب النقب والثاني على رأس الدرجة والثالث على الثياب المكورة. وفي السنة التي تليها وقع وباء فكانت تحفر زبية -بالضم: الرابية، وحفيرة الأسد- لعشرين وثلاثين فيلقون فيها، وتاب الناس كلهم وأراقوا الخمور ولزموا المساجد.
وفي سنة ست وخمسين وأربعمائة وقع الوباء وبلغ الرطل من التمر الهندي أربعة دنانير.
وفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة اشتدّ الجوع والوباء بـ (مصر) حتى أكل الناس بعضهم بعضًا، وبيع اللوز والسكر بوزن الدراهم، والبيضة بعشرة قراريط، وخرج وزير صاحب (مصر) إليه فنزل عن بغلته فأخذها ثلاثة فأكلوها فصلبوا، فأصبح الناس لا يرون إلا عظامهم تحت خشبهم وقد أكلوا.
وفي سنة أربع وستين وأربعمائة وقع الموت في الدواب، حتى إن راعيًا قام إلى الغنم وقت الصباح ليسوقها فوجدها كلها موتى.