الحمد لله حمدًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإني لما رأيت أقوامًا ممن يزعمون أنّهم دعاة إلى الله تخصصوا للتسول، وتركوا الإحتراف، فرب زرّاع يأكل أكلًا حلالًا من كسب يده، بل عمله من أفضل القربات، فقد روى البخاري ومسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة، إلاّ كان له به صدقة».
ورب شخص يعمل في التجارة، وهي أيضًا من أفضل القربات، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنّه سئل: أيّ الكسب أطيب؟ قال: «عمل الرّجل بيده، وكلّ بيع مبرور».
بل ربما يكون الرجل بدويًّا يأكل مما تنتجه غنمه وإبله، فيرى المتسولين يفتحون المعارض، ويبنون العمائر، فيعفو لحيته ويتشبه بالدعاة إلى الله، ويحترف التسول، أفّ لها من وظيفة مشينة مزرية، وأقبح من هذا أن أناسًا يزعمون أنّهم دعاة إلى الله تخصّصوا للتسوّل باسم الدعوة، والله عزوجل يقول في نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿ولا يسألكم أموالكم * إن يسألكموها
[ ١٩١ ]
فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم﴾ (١).
ويقول ﷾: ﴿أم تسألهم أجرًا فهم من مغرم مثقلون﴾ (٢).
ويقول ﷾ حاكيًا عن بعض الصالحين إذ ينصح قومه: ﴿اتّبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون﴾ (٣).
ويقول ﷾ حاكيًا عن نبي الله نوح ﵇: ﴿وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاّ على ربّ العالمين﴾ (٤).
ويقول ﷾ عن نبي الله هود ﵇: ﴿وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاّ على ربّ العالمين﴾.
وهكذا حكى عن صالح، ولوط، وشعيب، ﵈.
هذا فما ظنك بمن لا تهمّه الدعوة، ولا يهمه إلا اختلاس الأموال والوثوب على مصارف الزكاة الثمانية، إنّها لأحدى الكبر.
من الذي يظن أن محمدًا المهدي تهمّه الدعوة؟ وهو قد انسلخ من السنة، ويخشى عليه أن ينسلخ من الدين، وإليكم قضية حدثت في هذه الأيام، فقد حصل خصام بين فئتين، فانبرى محمد المهدي ومدير الناحية، وثالث يقال له: عبد الكريم، فحكموا بذبح أربعة أثوار عند المخطإ عليه، وهذا الذبح لغير الله حرام، وأكله حرام، لأنه ذبح لغير الله، فقيل: يا محمد
_________________
(١) سورة محمد، الآية: ٣٦ - ٣٧.
(٢) سورة القلم، الآية: ٤٦.
(٣) سورة يس، الآية: ٢١.
(٤) سورة الشعراء، الآية: ١٠٩.
[ ١٩٢ ]
هذا حرام. قال: ما هو إلا صلح.
وأخيرًا فإنني أنصح لأهل السنة أن يصبروا على الفقر، فهي الحال التي اختارها الله لنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ورب العزة يقول في كتابه الكريم: ﴿ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثّمرات وبشّر الصّابرين * الّذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ (١).