الفصل الثاني: في شروط الأضحية.
الفصل الثالث: في الأفضل من الأضاحي جنسًا أو صفة، والمكروه منها.
الفصل الرابع: فيمن تجزئ عنه الأضحية.
الفصل الخامس: فيما تتعين به الأضحية وأحكامه.
الفصل السادس: فيما يؤكل من الأضحية ويفرق.
الفصل السابع: فيما يجتنبه من أراد الأضحية.
الفصل الثامن: في الذكاة وشروطها.
الفصل التاسع: في آداب الذكاة.
الفصل العاشر: مكروهات الذكاة.
الفصل الأول: في تعريف الأضحية وحكمها
الأضحية: ما يذبح من بهيمة الأنعام أيام عيد الأضحى بسبب العيد تقربًا إلى الله ﷿، وهي من شعائر الإسلام المشروعة بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ، وإجماع المسلمين.
[ ١ ]
قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ . والنسك الذبح، قاله سعيد بن جبير، وقيل جميع العبادات ومنها الذبح، وهو أشمل. وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الاَْنْعَمِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ .
وفي صحيح البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: «ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين ذبحهما بيده وسمى وكبر، وضع رجله على صفاحهما» . وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «أقام النبي ﷺ بالمدينة عشر سنين يضحي» . رواه أحمد والترمذي، وقال حديث حسن.
وعن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قسم بين أصحابه ضحايا فصارت لعقبة جذعة فقال: يا رسول الله صارت لي جذعة فقال: «ضح بها» رواه البخاري ومسلم.
وعن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين» . رواه البخاري ومسلم.
فقد ضحى ﷺ وضحى أصحابه ﵃، وأخبر أن الأضحية سنة المسلمين يعني طريقتهم، ولهذا أجمع المسلمون على مشروعيتها، كما نقله غير واحد من أهل العلم. واختلفوا هل هي سنة مؤكدة، أو واجبة لا يجوز تركها؟
فذهب جمهور العلماء إلى أنها سنة مؤكدة، وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد في المشهور عنهما.
[ ٢ ]
وذهب آخرون إلى أنها واجبة، وهو مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: هو أحد القولين في مذهب مالك، أو ظاهر مذهب مالك (١) .
وذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها؛ لأن ذلك عمل النبي ﷺ والمسلمين معه؛ ولأن الذبح من شعائر الله تعالى، فلو عدل الناس عنه إلى الصدقة لتعطلت تلك الشعيرة. ولو كانت الصدقة بثمن الأضحية أفضل من ذبح الأضحية لبينه النبي ﷺ لأمته بقوله أو فعله، لأنه لم يكن يدع بيان الخير للأمة، بل لو كانت الصدقة مساوية للأضحية لبينه أيضًا لأنه أسهل من عناء الأضحية ولم يكن ﷺ ليدع بيان الأسهل لأمته مع مساواته للأصعب، ولقد أصاب الناس مجاعة في عهد النبي ﷺ فقال: «من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة في بيته شيء» . فلما كان العام المقبل قالوا يا رسول الله نفعل كما فعلنا في العام الماضي فقال النبي ﷺ: «كلوا واطعموا وادخروا فإن ذلك العام كان في الناس جهد فأردت أن تعينوا فيها» . متفق عليه.
قال ابن القيم ﵀: الذبح في موضعه أفضل من الصدقة بثمنه. قال: ولهذا لو تصدق عن دم المتعة والقِرَان بأضعاف أضعاف القيمة لم يقم مقامه وكذلك الأضحية. انتهى كلامه (٢) .
فصل
والأصل في الأضحية أنها مشروعة في حق الأحياء كما كان رسول الله ﷺ وأصحابه يضحون عن أنفسهم وأهليهم، وأما ما يظنه بعض العامة من اختصاص الأضحية بالأموات فلا أصل له.
والأضحية عن الأموات ثلاثة أقسام:
_________________
(١) انظر أدلة الفريقين ومناقشتها في الأصل ص ٧ - ١٣.
(٢) انظر الأصل ص ١٤- ١٦.
[ ٣ ]
الأول: أن يضحي عنهم تبعًا للأحياء مثل أن يضحي الرجل عنه وعن أهل بيته وينوي بهم الأحياء والأموات، وأصل هذا تضحية النبي ﷺ عنه وعن أهل بيته وفيهم من قد مات من قبل.
الثاني: أن يضحي عن الأموات بمقتضى وصاياهم تنفيذًا لها وأصل هذا قوله تعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
الثالث: أن يضحي عن الأموات تبرعًا مستقلين عن الأحياء فهذه جائزة، وقد نص فقهاء الحنابلة على أن ثوابها يصل إلى الميت وينتفع به قياسًا على الصدقة عنه، ولكن لا نرى أن تخصيص الميت بالأضحية من السنة؛ لأن النبي ﷺ لم يضح عن أحد من أمواته بخصوصه، فلم يضح عن عمه حمزة وهو من أعز أقاربه عنده، ولا عن أولاده الذين ماتوا في حياته، وهم ثلاث بنات متزوجات، وثلاثة أبناء صغار، ولا عن زوجته خديجة وهي من أحب نسائه إليه، ولم يرد عن أصحابه في عهده أن أحدًا منهم ضحى عن أحد من أمواته.
ونرى أيضًا من الخطأ ما يفعله بعض من الناس يضحون عن الميت أول سنة يموت أضحية يسمونها (أضحية الحفرة) ويعتقدون أنه لا يجوز أن يشرك معه في ثوابها أحد، أو يضحون عن أمواتهم تبرعًا، أو بمقتضى وصاياهم ولا يضحون عن أنفسهم وأهليهم، ولو علموا أن الرجل إذا ضحى من ماله عن نفسه وأهله شمل أهله الأحياء والأموات لما عدلوا عنه إلى عملهم ذلك.