ب. وأخرى تدل على لزومه في الحالتين.
أ) أدلة تدل على عدم لزوم الوقف من حيث الأصل فمنها:
١ - حديث الزهري وفيه أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: "لَوْلَا أَنِّي ذَكَرْتُ صَدَقَتِي لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَوْ نَحْوِ هَذَا لَرَدَدْتُهَا" (^٣).
وجه الدلالة أن نفس الوقف ليس هو المانع لعمر من الرجوع فيما وقف، وإنما الذي منعه كونه ذكره لرسول الله، فكره أن يفارقه على أمر ثم يخالفه إلى غيره (^٤).
_________________
(١) انظر: المبسوط، شمس الدين أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي، ١٢/ ٢٥ - ٢٦، وشرح معاني الآثار، أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة أبو جعفر الطحاوي، ٤/ ٩٥، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، علاء الدين الكاساني، ٦/ ٢١٨، وفتح القدير، كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام، ٦/ ٢٠٣، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي، فخر الدين عثمان بن علي بن محجن البارعي الزيلعي الحنفي، ٣/ ٣٢٥، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق، زين الدين بن إبراهيم بن محمد المعروف بابن نجيم المصري، ٥/ ٢٠٩، ورد المحتار على الدر المختار، ابن عابدين، ٤/ ٣٣٨، والاختيار لتعليل المختار، مجد الدين أبو الفضل عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي البلدحي الحنفي، ٣/ ٢٤١، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري، أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابي الحنفى بدر الدين العيني، ١٤/ ٢٤، ومجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، عبد الرحمن بن محمد بن سليمان المدعو بشيخي زاده، ١/ ٧٣١.
(٢) شرح كتاب النيل وشفاء العليل، الإمام العلامة محمد بن يوسف أطفيش، ٢٤/ ٨٧.
(٣) شرح معاني الآثار، أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة أبو جعفر الطحاوي، ٤/ ٩٦.
(٤) انظر: المرجع السابق ٤/ ٩٦، وفتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، ٥/ ٤٠٢.
[ ١ / ١٥٤ ]
٢ - حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه - ﵁ - أنه قال لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله، إن حائطي هذا صدقةٌ، وهو إلى الله ورسوله، فجاء أبواه فقالا: يا رسول الله، كان قِوَامُ عَيْشِنَا؛ فردَّهُ رسول الله - ﷺ -، ثم ماتا فَورثَهُمَا ابْنُهُمَا" (^١).
وجه الدلالة أنّه لو كان الوقف يلزم بمجرده لما نقضه رسول الله - ﷺ - وردَّه إلى أبويه، فدل على أنه لا يلزم (^٢).
٣ - ما ورد عن عطاء بن السائب أنه قال: "سألت شريحًا عن رجل جعل داره حبسًا على الآخر فالآخر من ولده؛ فقال: إنما أقضي ولست أفتي، قال: فناشدته؛ فقال: لا حبس عن فرائض الله"، فهذا شريح وهو قاضي الخلفاء الراشدين يرى ذلك، ولا ينكر عليه منكر من أصحاب رسول الله - ﷺ -، ولا من تابعيهم؛ مما يدل على عدم لزوم الوقف بمجرده (^٣)، وورد عن شريح أنه قال: "جاءَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - بِمَنْعِ الْحَبْسِ" (^٤)؛ ففيه دليل على أن لزوم الوقف كان في شريعة من قبلنا، وأن شريعتنا ناسخة ذلك.
_________________
(١) سنن البيهقي الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي، كتاب الوقف، باب من قال لا حبس عن فرائض الله ﷿، ٦/ ١٦٣، وسنن الدارقطني، علي بن عمر أبو الحسن الدارقطني البغدادي، باب وقف المساجد والسقايات، ٤/ ٢٠١، والمحلى بالآثار، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري، ٨/ ١٥٢ - ١٥٣، وقد أعلَّه ابن حزم بالانقطاع، وهو حديث ضعيف؛ لأنه مرسل، نصب الراية الأحاديث الهداية، جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي، ١/ ٢٦٠.
(٢) انظر: المغني، ابن قدامة المقدسي، ٦/ ٤، والحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الشهير بالماوردي، ٧/ ٥١٢، والاختيار لتعليل المختار، مجد الدين أبو الفضل عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي البلدحي الحنفي، ٣/ ٤١.
(٣) شرح معاني الآثار، أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة أبو جعفر الطحاوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٣٩٩ هـ، ٤/ ٩٩، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، علاء الدين الكاساني، ٦/ ٢١٩، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ، فخر الدين عثمان بن علي بن محجن البارعي الزيلعي الحنفي، ٣/ ٣٢٥.
(٤) سنن البيهقي الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي، ٦/ ١٦٣،، والمحلى بالآثار، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري، ٨/ ١٥١.
[ ١ / ١٥٥ ]
٤ - ما ورد عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لما أنزلت الفرائض في سورة النساء قال رسول الله - ﷺ -: "لَا حَبْسَ بَعْدَ سُورَةِ النِّسَاءِ" (^١)، وفي لفظ أنه قال - ﷺ -: "لَا حَبْسَ عَنْ فَرَائِضِ اللهِ ﷿" (^٢)؛ مما يدل على عدم لزوم الوقف، وأنه بمنزلة الصدقات التي يرجع فيها صاحبها متى ما أراد؛ لذا أخبر ابن عباس ﵁ أن الأحباس منهي عنها، غير جائزة، وأنها كانت قبل نزول الفرائض، بخلاف ما صارت عليه بعد نزول الفرائض (^٣).
وأما النظر، فقالوا: إن الوقف إخراج للمال من الملك على وجه القربة، فلم يكن لازمًا بمجرد القول؛ كسائر الصدقات (^٤).
_________________
(١) سنن الدارقطني، علي بن عمر أبو الحسن الدارقطني البغدادي، تحقيق: السيد عبد الله هاشم يماني المدني، ٤/ ٦٨،، والمعجم الكبير، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي الطبراني، ٤/ ٦٨، وسنن البيهقي الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي، ٦/ ١٦٢، والمحلى بالآثار، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري، ٨/ ١٥٢، وذكر أنه حديث موضوع ولا يصح.
(٢) سنن الدارقطني، علي بن عمر أبو الحسن الدارقطني البغدادي، ٤/ ٦٨، وقال الدارقطني بعدما أورد الحديث: لَمْ يُسْنِدْهُ غَيْرُ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَخِيهِ وَهُمَا ضَعيِفَانِ، وسنن البيهقي الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي، ٦/ ١٦٢، والمحلى بالآثار، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري، ٨/ ١٥١، وذكر قولا يذكر أن هذا حديث منقطع.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار، أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة أبو جعفر الطحاوي، ٤/ ٩٧، والمبسوط، شمس الدين أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي، ١٢/ ٢٩.
(٤) انظر: المغني، ابن قدامة المقدسي، ٦/ ٣، والحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الشهير بالماوردي، ٧/ ٥١٢.
[ ١ / ١٥٦ ]