إذا قال شخص: حبّست داري هذه على الفقراء والمساكين في البلدة الفلانية؛ فهل يعتبر لفظ: التحبيس أو حبست صريحا في الدلالة على الوقف؟ أو كناية؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
_________________
(١) انظر: الجوهرة النيرة على مختصر القدوري، أبو بكر بن علي بن محمد الحداد اليمني، ١/ ٣٣٥، ورد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين)، محمد أمين الدمشقي الحنفي المعروف بابن عابدين، ٣/ ٣٥٩، والذخيرة، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، ٦/ ٣١٦، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن المغربي المعروف بالحطاب الرعيني، ٦/ ٢٨، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير، محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي، ٤/ ٨٤، والحاوي في فقه الشافعي، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الشهير بالماوردي، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٤ هـ/ ١٩٩٤ م، ٩/ ٣٧٨، والبيان في مذهب الإمام الشافعي، أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي، ٧/ ٧٣، والمهذب في فقه الإمام الشافعي، أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، بيروت، ١/ ٤٤٢، والمغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، ٨/ ١٨٩، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، ٧/ ٥، وكشاف القناع عن متن الإقناع، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، ٤/ ٢٤١، وتتمة الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير، العباس بن أحمد الصنعاني، دار الجيل، بيروت،٤/ ١٢٤، والبحر الزخار الجامع لمذاهب الأمصار، أحمد بن يحيى بن المرتضي، ٥/ ١٤٦، وجواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، محمد حسن النجفي، مؤسسة المرتضى العالمية، ودار المؤرخ العربي، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٢ م، ٢٨/ ١٥، والحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، يوسف البحراني، دار الأضواء، بيروت، ط ٢، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م، ٢٢/ ١٢٦، والمختصر النافع في فقه الإمامية، أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي، دار الأضواء، بيروت، ط ٣، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م، ١٨٠، وجامع المقاصد في شرح القواعد، علي بن الحسين الكركي، مطبعة مهر، قم، ط ١، ١٤١٠ هـ، ٩/ ٧، وشرح النيل وشفاء العليل، محمد بن يوسف أطفيش، ١٢/ ٤٥٣.
[ ١ / ١٨٤ ]
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والحنابلة، والظاهرية، والزيدية، والإباضية، والمالكية في المشهور (^١)، والشافعية في الأصح، ويعض فقهاء الإمامية إلى أن لفظ التحبيس: يعتبر صريحًا في الوقف، فيعبر به عن الوقف من غير انضمام شيء زائد إليه (^٢).
واستدلوا لذلك بأن لفظ التحبيس ثبت له عرف الاستعمال بين الناس في الوقف، وانضم إلى ذلك عرف الشرع بقول النبي - ﷺ - لعمر بن الخطاب - ﵁ -: "إن شئت حبست أصله وسبلت ثمره" (^٣).
_________________
(١) عبارة خليل في التوضيح بدل "المشهور": الرَّاجح مِنْ المَذْهَب، انظر: ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن المغربي المعروف بالحطاب الرعيني، ٦/ ٢٨، وشرح مختصر خليل للخرشي، أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخرشي المالكي، دار الفكر للطباعة، بيروت، ٧/ ٨٨، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير، محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي، ٤/ ٨٤.
(٢) الجوهرة النيرة على مختصر القدوري، أبو بكر بن علي بن محمد الحداد اليمني، ١/ ٣٣٥، ورد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين)، محمد أمين الدمشقي الحنفي المعروف بابن عابدين، ٤/ ٣٤٠، وعقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، أبو محمد جلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار الجذامي السعدي المالكي، دراسة وتحقيق: أ. د. حميد بن محمد لحمر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤٢٣ هـ/ ٢٠٠٣ م، ٣/ ٩٦٥، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير، محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي، ٤/ ٨٤، وبلغة السالك لأقرب المسالك (حاشية الصاوي)، أبو العباس أحمد بن محمد الخلوتي الشهير بالصاوي المالكي، ٤/ ١٠٣، ونهاية المطلب في دراية المذهب، أبو المعالي ركن الدين عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني الملقب بإمام الحرمين، دار المنهاج، ط ١، ١٤٢٨ هـ/ ٢٠٠٧ م، ٨/ ٣٤٢، وروضة الطالبين وعمدة المفتين، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، ٥/ ٣٢٢. والفروع، أبو عبد الله شمس الدين محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي الراميني ثم الصالحي، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢٤ هـ/ ٢٠٠٣ م، ٧/ ٣٢٩، وكشاف القناع عن متن الإقناع، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، ٤/ ٢٤١، والمحلى بالآثار، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري، دار الفكر، بيروت، ٨/ ١٤٩، وتتمة الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير، العباس بن أحمد الصنعاني، ٤/ ١٢٤، والبحر الزخار الجامع لمذاهب الأمصار، أحمد بن يحيى بن المرتضي، ٥/ ١٥٠، والحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، يوسف البحراني، ٢٢/ ١٢٦، وشرح النيل وشفاء العليل، محمد بن يوسف أطفيش، ١٢/ ٤٥٣.
(٣) معرفة السنن والآثار، أحمد بن الحسين البيهقي، جامعة الدراسات الإسلامية، ودار والوعي، ودار قتيبة، كراتشي بباكستان، حلب، دمشق، ط ١، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩١ م، حديث رقم (٣٨٧٠).
[ ١ / ١٨٥ ]
وقال المرداوي: "وقفت وحبست صريح في الوقف بلا نزاع، وهما مترادفان على معنى الاشتراك في الرقبة عن التصرفات المزيلة للملك" (^١).
القول الثاني: ذهب المالكية في رواية، والاصطخري من الشافعية في رواية منقولة عنه (^٢)، وبعض فقهاء الإمامية إلى أن لفظ التحبيس يعتبر من ألفاظ الكناية في الوقف، فلا يتحقق به الوقف دون أن ينضم إليه أمر آخر من قرينة أو نية (^٣).
قال الحلي الجعفري: "ولفظه الصريح: وقفت، وما عداه يفتقر إلى القرينة الدالة على التأبيد" (^٤).
واستدلوا لذلك بأن: لفظ التحبيس من الألفاظ المشتركة التي تطلق على الوقف وغيره، فاحتاج تخصيصه بالوقف إلى قرينة أو نية؛ فأصل الحبس في اللغة: المنع، فقد يحبس الرجل عن حاجته، فهو محبوس، وقد حبس الفرس في سبيل الله فهو حبيس (وقف) (^٥).