إذا قال شخص: سبَّلت داري هذه على المجاهدين في البلدة الفلانية؛ فهل يعتبر لفظ التسبيل صريحًا في الدلالة على الوقف أو كناية؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
_________________
(١) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، ٧/ ٥.
(٢) قال النووي بعد ما ذكر ألفاظ الوقف ومنها التحبيس: "وفي وجه: الوقف صريح والباقي كناية"، روضة الطالبين وعمدة المفتين، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، ٥/ ٣٢٢.
(٣) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، أبو محمد جلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار الجذامي السعدي المالكي، ٣/ ٩٦٥، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن المغربي المعروف بالحطاب الرعيني، ٦/ ٢٨، ونهاية المطلب في دراية المذهب، أبو المعالي ركن الدين عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني الملقب بإمام الحرمين، ٨/ ٣٤٢، والحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، يوسف البحراني، ٢٢/ ١٢٦.
(٤) المختصر النافع في فقه الإمامية، أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي، ١٨٠.
(٥) انظر: الكليات، أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي الحنفي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ./١٩٩٢ م، ٤٠٩.
[ ١ / ١٨٦ ]
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والزيدية، والإباضية والشافعية في الصحيح، والحنابلة في الصحيح من المذهب، وبعض فقهاء الإمامية إلى أن لفظ "التسبيل": يعتبر صريحًا في الوقف، فيقع به الوقف من غير انضمام شيء زائد إليه (^١).
واستدلوا لذلك بما يأتي:
١ - ما رُوي في حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال له: "احبس أصلها، وسبّل ثمرها" (^٢).
فقد استعمل الرسول - ﷺ - لفظ "التسبيل" في الوقف، والمعنى: اجعلها وقفًا، وأبح ثمرتها لمن وقفتها عليه، فهذا اللفظ صريح في الوقف لاستعمال الرسول - ﷺ - له فيه.
_________________
(١) انظر: الجوهرة النيرة على مختصر القدوري، أبو بكر بن علي بن محمد الحداد اليمني، ١/ ٣٣٥، ورد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين)، محمد أمين الدمشقي الحنفي المعروف بابن عابدين، ٤/ ٣٤٠، وعقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، أبو محمد جلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار الجذامي السعدي المالكي، ٣/ ٩٦٥، وبلغة السالك لأقرب المسالك (حاشية الصاوي)، أبو العباس أحمد بن محمد الخلوتي الشهير بالصاوي المالكي، ٤/ ١٠٣، ونهاية المطلب في دراية المذهب، أبو المعالي ركن الدين عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني الملقب بإمام الحرمين، ٨/ ٣٤٢، وروضة الطالبين وعمدة المفتين، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، ٥/ ٣٢٢، ومغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، شمس الدين محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي، ٢/ ٣٨٢، والهداية على مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، محفوظ بن أحمد بن الحسن، أبو الخطاب الكلوذاني، ٣٣٦، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، ٧/ ٥، وكشاف القناع عن متن الإقناع، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، ٤/ ٢٤١، وتتمة الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير، العباس بن أحمد الصنعاني، ٤/ ١٢٤، والبحر الزخار الجامع لمذاهب الأمصار، أحمد بن يحيى بن المرتضي، ٥/ ١٥٠، وشرح الأزهار المنتزع من الغيث المدرار، أبو الحسن عبد الله بن مفتاح، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ٣/ ٤٦٣، والحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، يوسف البحراني، ٢٢/ ١٢٦، وشرح النيل وشفاء العليل، محمد بن يوسف أطفيش، ١٢/ ٤٥٣.
(٢) المجتبى من السنن المعروف بسنن النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط ٢، ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م رقم (٣٦٠٣) ٦/ ٢٣٢.
[ ١ / ١٨٧ ]
٢ - ولأن لفظ التسبيل ثبت له عرف الاستعمال في الوقف بين الناس، وانضم إلى ذلك عرف الشرع، فيعتبر صريحًا في الوقف (^١).
القول الثاني: ذهب الشافعية في القول المقابل للصحيح، وهو قول الاطخري منهم، والحارثي من الحنابلة، وبعض فقهاء الإمامية والزيدية في نقل الريمي (^٢) .. إلى أن لفظ التسبيل يعتبر من ألفاظ الكناية في الوقف، لا الألفاظ الصريحة، فلا يكون في معنى الوقف إلا إذا انضم إليه أمر آخر من قرينة أو نية (^٣)؛ فالأصل في السبيل: الطريق، والحجة، والصراط المستقيم.
واستدلوا لذلك بما يأتي:
١ - ما رُوي في حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال له: "احبس أصلها، وسبّل ثمرها" (^٤).
قالوا: قد غاير بين معنى التحبيس والتسبيل، فامتنع كون أحدهما صريحًا في الآخر، وقد علم كون الوقف هو الإمساك في الرقبة عن أسباب التمليكات، والتسبيل إطلاق التمليك؛ فكيف يكون صريحا في الوقف؟ (^٥)
_________________
(١) انظر: المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، ٥/ ٦٠٢.
(٢) انظر: المعاني البديعة في معرفة اختلاف أهل الشريعة، محمد بن عبد الله بن أبي بكر الصردفي الريمي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ. / ١٩٩٩ م، ٢/ ١١٦.
(٣) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، أبو محمد جلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار الجذامي السعدي المالكي، ٣/ ٩٦٥، ونهاية المطلب في دراية المذهب، أبو المعالي ركن الدين عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني الملقب بإمام الحرمين، ٨/ ٣٤٢، ومغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، شمس الدين محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي، ٢/ ٣٨٢، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، ٧/ ٥، والحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، يوسف البحراني، ٢٢/ ١٢٦، والمختصر النافع في فقه الإمامية، أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلى، ١٨٠.
(٤) المجتبى من السنن المعروف بسنن النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط ٢، ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م رقم (٣٦٠٣) ٦/ ٢٣٢.
(٥) انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، ٧/ ٥.
[ ١ / ١٨٨ ]
وزاد الاصطخري هذا التوجيه توضيحًا بأنّ الرسول - ﷺ - غايرَ بين اللفظين في قصة عُمر بن الخطاب - ﵁ -؛ فاستعمل التحبيس في الأصول والرقاب، والتسبيل في الثمار، أو يقال: عنى بالتسبيل صرف الثمار إلى السابلة، وأن التسبيل من السبيل، وهو لفظ مبهم، والتحبيس معناه: حبس الملك في الرقبة عن التصرفات المزيلة، فكان في معنى الوقف (^١).
٢ - أن لفظ التسبيل من الألفاظ المشتركة التي تطلق على الوقف وغيره، فاحتاج تخصيصه بالوقف إلى قرينة أو نية، قال الكفوي: الأصل في السبيل: الطريق، والحجة، ومنه قوله تعالى: "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا" (^٢)، ويطلق "في سبيل الله" على الجهاد (^٣).