إذا قال شخص: أبّدت هذه الدار على الفقراء والمساكين في البلدة الفلانية؛ فهل يعتبر لفظ "التأبيد" صريحًا في الدلالة على الوقف أو كناية؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: ذهب الحنفية في نقل صاحب الجوهرة (^١)، والشافعية في الأصح (^٢)، والحنابلة في الأصح (^٣)، والإمامية (^٤)، والإباضية (^٥) إلى أن هذا اللفظ يعتبر من كنايات الوقف؛ لعدم خلوصه عن الاشتراك؛ لأن "التأبيد" يستعمل في كل ما يراد تأييده من وقف وغيره، فلا يصح الوقف به مجردا عما يصرفه إليه؛ ككنايات الطلاق فيه (^٦).
قال البهوتي: "لا يصح الوقف بالكناية إلا أن ينوية المالك، فمتى أتى بإحدى الكنايات واعترف أنه نوى بها الوقف لزمه في الحكم؛ أنها بالنية صارت ظاهرة فيه، وإن قال: ما أردت بها الوقف؛ قُبل قوله، لأنه أعلم بما في ضميره؛ لعدم الاطلاع على ما في الضمائر" (^٧).
_________________
(١) الجوهرة النيرة على مختصر القدوري، أبو بكر بن علي بن محمد الحداد اليمني، ٢/ ٣٣٥.
(٢) انظر: الحاوي في فقه الشافعي، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الشهير بالماوردي، ٧/ ٥١٩، ومغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، شمس الدين محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي، ٢/ ٣٨٢.
(٣) انظر: الفروع، أبو عبد لله شمس الدين محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي الراميني ثم الصالحي، ٤/ ٤٤١، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، ١٦/ ٣٦٨.
(٤) انظر: مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة لسيد محمد جواد الحسيني العاملي، ٩/ ٢.
(٥) انظر: شرح النيل وشفاء العليل، محمد بن يوسف أطفيش، ١٢/ ٤٥٣.
(٦) انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، ٤/ ٢٤٢، ومطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهي، مصطفى بن سعد بن عبده الدمشقي الحنبلي، ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥.
(٧) كشاف القناع عن متن الإقناع، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، ٤/ ٢٤٢.
[ ١ / ١٩٦ ]
القول الثاني: ذهب الزيدية (^١)، والشافعية في مقابل الأصح (^٢)، وأبو الفرج بن الجوزي من الحنابلة (^٣) إلى أن هذا اللفظ صريح في الدلالة على الوقف.
قال الصنعاني: "وألفاظه: وقفتُ حبست، وسبّلتُ وأبّدتُ؛ فهذه صرائح ألفاظه" (^٤).
وقال المرداوي الحنبلي: "وأما أبدتُ؛ فالصحيح من المذهب أنها من ألفاظ الكناية، عليه جماهير الأصحاب، وقطع به الأكثر، وذكر أبو الفرج: أن أبدّت صريح فيه" (^٥).
وأما المالكية وجمهور الحنفية فيذكرون لفظ "التأبيد"، وما يشتق منه تأكيدًا لما يقترن به من سائر ألفاظ الوقف (^٦).
جاء في الفتاوى الهندية: إذا قال: أرضي هذه صدقة محرَّرة مؤيدة حال حياتي وبعد وفاتي، أو قال: أرضي هذه صدقة موقوفة محبوسة مؤبدة حال حياتي وبعد
_________________
(١) انظر: البحر الزخار لجامع لمذاهب الأمصار، أحمد بن يحيى بن المرتضي، ٥/ ١٥٠.
(٢) انظر: الحاوي في فقه الشافعي، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الشهير بالماوردي، ٧/ ٥١٩، والبيان في مذهب الإمام الشافعي، أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي، ٨/ ٧٣.
(٣) انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، ٧/ ٥.
(٤) انظر: سبل السلام، محمد بن إسماعيل الأمير الكحلاني الصنعاني، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، ط ٤، ١٣٧٩ هـ / ١٩٦٠ م، ٣/ ٨٧.
(٥) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، ٧/ ٥.
(٦) الذخيرة، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، ٦/ ٣١٢، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل، أبو عبد لله محمد بن محمد بن عبد الرحمن المغربي المعروف بالحطاب الرعيني، ٦/ ٢٨، والمحيط البرهاني، محمود بن أحمد بن الصدر الشهيد النجاري برهان الدين مازه، ٧/ ٧، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق، زين الدين بن إبراهيم بن محمد المعروف بابن نجيم المصري، ٥/ ٢٠٥.
[ ١ / ١٩٧ ]
وفاتي، أو قال: أرضي هذه صدقة محبوسة مؤيدة، أو قال: حبيسة مؤيدة حال حياتي وبعد وفاتي، يصير وقفًا جائزًا لازمًا على الفقراء عند الكل (^١).
وصرّح المالكية بأن ألفاظ الوقف قسمان: ألفاظ مجردة، وألفاظ يقترن بها ما يقتضي التأبيد، نحو محرم، أو مؤبد، أو لا يباع ولا يوهب (^٢).