اختلف الفقهاء في حصول الوقف بلفظ التحريم:
١) فذهب الحنفية، والحنابلة، والشافعية في الأصح، والإباضية، والزيدية في قول، إلى أن لفظ: "حرمت" من كنايات الوقف؛ لأن التحريم يستعمل في الظهار والأيمان، ويكون تحريمًا على نفسه وعلى غيره؛ ولأنه لا يستعمل مستقلًا، وإنما يؤكد به ألفاظ الوقف الأخرى (^١).
وقال الحنابلة: الكناية يحصل بها الوقف إذا انضم إليها أحد ثلاثة أشياء؛ أحدها: أن ينضم إليها لفظة أخرى تخلصها للوقف من سائر ألفاظ الوقف، الثاني: أن يصفها بصفات الوقف، الثالث: أن ينوي بها الوقف (^٢).
_________________
(١) انظر: الجوهرة النيرة على مختصر القدوري، أبو بكر بن علي بن محمد الحداد اليمني، ١/ ٣٣٥، والهداية على مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، محفوظ بن أحمد بن الحسن، أبو الخطاب الكلوذاني، ٣٣٦، والمغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، ٨/ ١٨٩، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، ٧/ ٥، والحاوي في فقه الشافعي، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الشهير بالماوردي، ٧/ ٥١٢ - ٥١٨، ومغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، شمس الدين محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي، ٢/ ٣٨٢، وشرح النيل وشفاء العليل، محمد بن يوسف أطفيش، ١٢/ ٤٥٣، والبحر الزخار الجامع لمذاهب الأمصار، أحمد بن يحيى بن المرتضي، ٥/ ١٥٠، وشرح الأزهار المنتزع من الغيث المدرار، أبو الحسن عبد الله بن مفتاح، ٣/ ٤٦٣.
(٢) انظر: المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، ٨/ ١٨٩، والعدة شرح العمدة، عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد، أبو محمد بهاء الدين المقدسي، دار الحديث، القاهرة، ١٤٢٤ هـ/ ٢٠٠٣ م، ٣١٢، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، ٧/ ٥.
[ ١ / ١٩٤ ]
٢) ويرى الشافعية في مقابل الأصح، والزيدية في المذهب إلى أن لفظ: "حرمت"، صريح في الوقف (^١)، وعلّل الشربيني هذا القول بأنه لفظ يفيد الغرض؛ كالتسبيل (^٢).
وقال الشيخ أحمد بن المرتضى الزيدي في معرض الرد على من يقول بأن لفظ "حرمت" يتردد بين الحظر والوقف: قلنا: هذا في الأصل لا العرف، وصرّح الحنفية بأنه لو قال الواقف: حرمت أرضي هذه، أو هي محرمة، هو كقوله: موقوفة، على قول أبي يوسف، فيكون وقفًا عنده (^٣)؛ لأن العرف الظاهر فيما بين الناس أنهم يريدون بهذا اللفظ الوقف على الفقراء، وكان مشايخ بلخ يفتون بقول أبي يوسف، قال الصدر الشهيد في واقعاته: ونحن نفتي به أيضًا (^٤).
وقال محمد وهلال: أنه لا يكون وقفًا؛ لأن هذا اللفظ يحتمل الوقف على الأغنياء كما يحتمل الوقف على الفقراء، فلا يكون وقفًا بالشك (^٥)، ولم يذكر المالكية لفظ التحريم ضمن الألفاظ المجردة للوقف، فقال ابن شاس: "الألفاظ التي يطلقها الواقف ضربان: الضرب الأول: ألفاظ مجردة، وهي قوله: وقفت، وحبست، وتصدقت، والضرب الثاني: ألفاظ يقترن بها ما يقتضي التأبيد، وهو قوله: محرم لا يباع ولا يوهب، أو يكون على مجهولين أو موصوفين؛ العلماء والفقراء، فيجري مجرى المحرم باللفظ" (^٦).
_________________
(١) انظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، شمس الدين محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي، ٢/ ٣٨٢، والبحر الزخار الجامع لمذاهب الأمصار، أحمد بن يحيى بن المرتضي، ٥/ ١٥٠.
(٢) انظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، شمس الدين محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي، ٢/ ٣٨٢، والفتاوي الهندية، مجموعة من علماء الهند، ٢/ ٣٥٨، ٥/ ٦٨٥ - ٦٨٦، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق، زين الدين بن إبراهيم بن محمد المعروف بابن نجيم المصري، ٥/ ٢٠٧.
(٣) انظر: الفتاوي الهندية، مجموعة من علماء الهند، ٢/ ٣٥٨ و٥/ ٦٨٥ - ٦٨٦، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق، زين الدين بن إبراهيم بن محمد المعروف بابن نجيم المصري، ٥/ ٢٠٧.
(٤) انظر: المحيط البرهاني، محمود بن أحمد بن الصدر الشهيد النجاري برهان الدين مازه، دار إحياء التراث العربي، ٥/ ٦٨٦.
(٥) نظر: المرجع السابق، ٥/ ٦٨٥ - ٦٨٦.
(٦) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، أبو محمد جلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار الجذامي السعدي المالكي، ٣/ ٩٦٥.
[ ١ / ١٩٥ ]