إذا قال شخص: جعلت هذه الدار مسجدًا؛ فهل يعتبر لفظ الجعل صريحًا في الدلالة على الوقف أو كناية؟
اختلف الفقهاء في اعتبار ذلك صريحًا في الوقف أو كناية أو غير ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب الإباضية (^٣)، والإمامية في قول (^٤)، والزيدية في قول .. إلى أن لفظ: "جعلت" كناية ينشأ به الوقف. فما ذكره الزيدية: أن إضافة هذا اللفظ إلى
_________________
(١) انظر: الفتاوي الهندية، مجموعة من علماء الهند، ٢/ ٣٥٧، (٨)، والذخيرة، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، ٦/ ٣١٦، ومواهب لجليل لشرح مختصر خليل، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن المغربي المعروف بالحطاب الرعيني، ٦/ ٢٨، المحيط البرهاني، محمود بن أحمد بن الصدر الشهيد النجاري برهان الدين مازه، ٧/ ٧، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق، زين الدين بن إبراهيم بن محمد المعروف بابن نجيم المصري، ٥/ ٢٠٥، وشرح النيل وشفاء العليل، محمد بن يوسف أطفيش، ١٢/ ٤٥٣، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، خميس بن سعيد بن على بن مسعود الرستاقي، ١٣/ ٢٥٧، ومسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع لإسلام، زين الدين بن علي العاملي، ٥/ ٣١٢، ومفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة السيد محمد جواد الحسيني العاملي، ٩/ ٥.
(٢) انظر: الذخيرة، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، ٦/ ٣١٦، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن المغربي المعروف بالحطاب الرعيني، ٦/ ٢٨، المحيط البرهاني، محمود بن أحمد بن الصدر الشهيد النجاري برهان الدين مازه، ٧/ ٧، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق، زين الدين بن إبراهيم بن محمد المعروف بابن نجيم المصري، ٥/ ٢٠٥.
(٣) انظر: شرح النيل وشفاء العليل، محمد بن يوسف أطفيش، ١٢/ ٤٥٣، ومنهج الطالبين وبلاغ الراغبين، خميس بن عيد بن على بن مسعود الرستاقي، ١٣/ ٢٥٧.
(٤) انظر: مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، زين الدين بن علي العاملي، ٥/ ٣١٢، ومفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة السيد محمد جواد الحسيني العاملي، ٩/ ٥.
[ ١ / ١٩٨ ]
المساجد والفقراء ونحوها، فإنه يراد به الوقف، لأجل العرف، وأما إذا أضافه إلى رجل معين فقيرًا كان أو غنيًا؛ فلا كون وقفًا، وإنما يكون نذرًا؛ لأن هذا اللفظ غير كافٍ في الدلالة على الوقف، ما لم ينضم إليه ما يدل على إنشاء الوقف (^١).
القول الثاني: ذهب الشافعية في القول الأصح، والحنابلة، والزيدية في قول، والإمامية في قول آخر .. إلى أنّ لفظ: "جعلتُ" يعتبر صريحًا في الوقف (^٢).
واستدلوا لذلك بما يأتي:
١ - عن أَبِي سَلمةَ بشرِ بن بَشيرٍ الأسلميِّ، عَن أَبيهِ، قَالَ: لمَّا قَدِمَ المُهاجرُونَ المَدينةَ استَنكرُوا المَاءَ، وكَانت لِرجُلٍ مِن بَنِي غِفَارٍ عينُ يُقالُ لَهَا رُومَةٌ، وَكانَ يَبِيعُ مِنهَا القَربَةَ بِمُدٍّ فقَالَ له رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "بِعنِيها بعَين في الجنَّة"، فقال: يا رَسُولَ الله لَيسَ لِي، وَلَا لعيالي غَيرُها، لا أستطيع ذَلكَ، فَبَلغَ ذَلِكَ عُثمَانَ ﵁ فاشتَرَاهَا بِخَمسَةٍ وثَلاثِينَ أَلفَ دِرهمٍ، ثُمَّ أتى النَّبِيَّ، - ﷺ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، أَتجعلُ لِي مِثلَ الَّذي جَعَلتهُ له عَينًا في الجَنَّةِ إِنِ اشَترَيتُهَا؟ قال: "نَعم"، قال: قَدِ اشتَرَيتُهَا، وَجَعَلتُهَا للمُسلِمِينَ (^٣)، فقد استعمل لفظ "جعلتُ" في وقف البئر.
٢ - لأن لفظ: "جعلتُ" يشعر بالمقصود من الوقف (^٤).
_________________
(١) انظر: شرح الأزهار المنتزع من الغيث المدرار، أبو الحسن عبد الله بن مفتاح، ٣/ ٤٦٣.
(٢) انظر: روضة الطالبين وعمدة المفتين، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، ٥/ ٣٢٥، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، ٧/ ٦، وشرح الأزهار المنتزع من الغيث المدرار، أبو الحسن عبد الله بن مفتاح، ٣/ ٤٦٣، وجامع المقاصد في شرح القواعد، علي بن الحسين الكركي، ٩/ ١٤.
(٣) المعجم الكبير، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي الطبراني، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط ٢، رقم (١٢٢٦) ٢/ ٤١، قال الهيثمي فيه: عبد الأعلَى بنُ أَبِي المَسَاوِرِ، وَهُوَ ضَعيفٌ، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م، ٣/ ١٢٩.
(٤) انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، ٦/ ٧.
[ ١ / ١٩٩ ]
٣ - لأن العُرف في بعض البلاد دلَّ على استعماله في الوقف (^١)، وقد قرر الفقهاء قاعدة فقهية: "استعمال الناس حُجة يجب العمل به" (^٢).
القول الثالث: ذهب بعض الشافعية، منهم أبو طاهر والمتولي والبغوي .. إلى أن لفظ "جعلتُ" لا يعتبر من ألفاظ الوقف، فلا يصير الموقوف بهذا اللفظ وقفًا؛ لأنه لم يوجد شيء من ألفاظ الوقف في هذه الصيغة (^٣).
وذكر الحنفية لفظ "جعل" ضمن الألفاظ الدالة على الوقف، وقالوا: جعلتها للفقراء، إن تعارفوه وقفًا عُمل به، وإلا سُئل، فإن أراد الوقف فهي وقف، أو الصدقة فهي، وهذا عند عدم النية، لأنه أدنى، فإثباته به عند الاحتمال أولى (^٤)، وذكروا في موضع آخر: جعلتُ حجرتي لدهن سراج المسجد، ولم يزد عليه؛ صارت الحجرة وقفًا على المسجد، وليس للمتولي أن يصرف إلى غير الدهن (^٥).