وصلت الأوقاف في الدولة العثمانية قمة ازدهارها؛ من حيث التنظيم والإدارة، وسعة الانتشار، وظهور أنواع جديدة من الوقف لم تكن معروفة في العصور الماضية؛ مثل وقف النقود، كما شهد هذا العصر ميلاد عديد من المجمعات الوقفية الكبرى، والتي كانت نواتها في العصر المملوكي، خصوصًا في الحرمين الشريفين والقدس الشريف، كما شهد هذا العصر ميلاد خط سكة حديد الحجاز؛ الذي يعد أكبر مشروع وقفي يخدم الطرق في تاريخنا الإسلامي، كما حرصت الدولة العثمانية على دعم حركة التعليم بوقف الأوقاف على المدارس في مختلف أرجاء الدولة، وحرصت كذلك على تتبع حاجات المجتمع والدولة وسدِّها، من خلال أوقاف لإطعام الفقراء، والعجزة، وخدمة المسافرين، ورصف الطرق، وتجهيز الفتيات الفقيرات للزواج، وسد ديون المعسرين، والإنفاق على السجناء، وبناء المستشفيات، والمساجد، والزوايا، والأربطة، وتأمين حاجة الجيش من البارود، ورعاية الأيتام، ودعم المكتبات .. وغيرها من الأوقاف التي تعبر عن اهتمام العثمانيين وحاشيتهم ووزرائهم وزوجاتهم بالوقف (^١).
واهتمت الدولة العثمانية بالأوقاف منذ فترة مبكرة من تاريخها، حيث قام سلاطين آل عثمان بعد تأسيس دولتهم بإحصاء الأوقاف التي كانت موجودة في بلادهم، وأضافوا إليها أوقافًا كثيرة، ويعدُّ الوزير "سنان باشا" أول ناظر للأوقاف في الدولة العثمانية في عهد السلطان "أورخان بن عثمان" عام ٧٧٩ هـ/ ١٣٥٨ م، وفي عهد جلبي سلطان محمد الأول أنيطت مهمة الإشراف على الأوقاف القاضي القضاة "جلال الدين محمد"، حيث عُيِّن ناظرًا عامًّا للأوقاف، وبعد فتح القسطنطينية عام ٨٥٧ هـ/ ١٤٥٣ م عيَّن السلطان "محمد الفاتح" الوزير الأعظم "محمود باشا" ناظرًا على الأوقاف، وعندما توسعت الأوقاف أُسندت إدارتها إلى رئيس الكتاب، ثم أصبح قاضي العسكر في كل ولاية ناظرّا على الأوقاف.
_________________
(١) انظر: تاريخ الدولة العثمانية، يلماز أوزنوتا، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مؤسسة فيصل للتمويل، إسطنبول، ١٩٩٠ م، ٤٩١.
[ ١ / ٩٣ ]
وفي عام ٩١١ هـ/ ١٥٠٦ م أسند السلطان "بايزيد الثاني" مهمة الإشراف على الأوقاف في كل الدولة العثمانية لشيخ الإسلام "علاء الدين أفندي"، الذي كان يديرها نيابة عنه موظف يطلق عليه لقب "التذكرجي" الذي كان يراقب أعماله شيخ الإسلام.
وبما أن الحرمين الشريفين كانت في بؤرة الاهتمام العثماني؛ فقد أسسوا لها في عام ٩٩٤ هـ/١٥٨٦ م نظارة خاصة أطلق عليها اسم "نظارة الحرمين الشريفين"، حيث كان الآغا لدار السعادة "محمد آغا الحبشي" أول ناظر لها، ثم توسعت إدارة الحرمين وانقسمت إلى أربعة أقسام: مفتشية أوقاف الحرمين، ومحاسبة أوقاف الحرمين، ومقاطعة أوقاف الحرمين، وكتابة دار السعادة.
أما على مستوى إدارة الأوقاف في الدولة العثمانية، فقد شُكِّلت في عام ١٢٤١ هـ/١٨٦٢ م إدارة جديدة للأوقاف باسم "نظارة الأوقاف الهمايونية"، وفُتحت في مراكز الولايات مديريات للأوقاف، وفي هذه الفترة صدرت عدة أنظمة تتعلق بإدارة الأوقاف، واستمرت التعديلات وإصدار التشريعات والقوانين المنظمة لمؤسسة الوقف حتى نهاية الدولة العثمانية، فصدرت عدة قوانين (نظامنامة) متعلقة بوزارة الأوقاف السلطانية (أوقاف همايون نظارات)، في الأعوام: ١٣٠٥ هـ/١٨٨٠ م، و١٣٣٠/ ١٩١٢ م، و١٣٣١ هـ/ ١٩١٣ م، و١٣٣٢ هـ/ ١٩١٤ م، وقد أُلغيت وكالة الأوقاف مع إلغاء الخلافة بتاريخ ٣٠ مارس ١٩٢٤ م، وبدلًا من هذه الوكالة أُسِّست "رئاسة الشؤون الدينية" و"المديرية العامة للأوقاف".
وكان ناظر الأوقاف في الدولة العثمانية يحتل مكانة عالية، وكان يمثل في مجلس الوزراء ويحضر جلساته، وكانت كلمته نافذة، ويحظى بتقدير السلطان العثماني (^١).
وتشير المصادر إلى أن العثمانيين عندما أسقطوا دولة المماليك عام ٩٢٣ هـ ١٥١٧ م كان من أوائل قراراتهم المحافظة على الأوقاف وعدم المساس بها، فقد أصدر
_________________
(١) انظر: تاريخ تشكيل نظارات الأوقاف الهمايونية، ابن الأمين محمود كمال وحسين حسام الدين، إسطنبول، ١٢٢٥ هـ.
[ ١ / ٩٤ ]
السلطان سليم الأول" (٩١٨ - ٩٢٦ هـ/ ١٥١٢ - ١٥٢٠ م) مرسومًا ينصُّ على عدم التعرض لجهات أوقاف الجوامع والمدارس، والمكاتب والزوايا والرُّبط، وأنواع البر والقربات، وجهات الخير والصدقات (^١).
وفي عهد السلطان سليمان القانوني" (٩٢٦ - ٩٧٤ هـ/ ١٥٢٠ - ١٥٦٦ م) أصدر قانونًا خاصًّا للأوقاف في مصر (قانون نامه مصر)، حدَّد فيه كل ما يتعلق بالأوقاف من عمليات حبس، واستثمار وتصرُّف في ريعها (^٢).
وتوضح سجلات محكمة الإسكندرية الشرعية أن الأوقاف فيها: كانت تُدار من قبل أربعة موظفين؛ هم: "ناظر الوقف"؛ ويعيَّن من قِبل قاضي محكمة الإسكندرية الشرعية، وهو المشرف العام على الوقف، و"كاتب الوقف"؛ ويختص بكتابة مصاريف الوقف وكتابة كل ما يتعلق بمصالح الوقفية، و"جابي الوقف"؛ ويختص بتحصيل ريع الوقف، و"شاهد الوقف"؛ وهو المراقب على أموال الوقف ومن يعمل فيها (^٣).
وقد حظيت القدس والحرمان الشريفان بعناية خاصة من قبل سلاطين الدولة العثمانية، ونالها القسط الأوفر من الأوقاف، فقد شهدت مدينة القدس ميلاد أعظم وقفية خيرية في تاريخ القدس؛ وهي "وقفية خاصكي سلطان" زوجة السلطان سليمان القانوني، التي وقفتها في عام ٩٥٩ هـ/١٥٥٢ م، وكانت مؤسسة خيرية تربوية دينية متكاملة، فكانت تشتمل على مطبخ يوزع الطعام على الفقراء، ومسجد وخان، ورباط ومدرسة، وقد انتشرت أوقاف هذه التكية في خمسة سناجق من الشام، وبلغ عدد القرى والمزارع الموقوفة على التكية (٣٤) قرية ومزرعة، ما يقرب من نصفها في
_________________
(١) انظر: الأوقاف والحياة الاقتصادية في مصر في العصر العثماني، د. محمد عفيفي، سلسلة تاريخ المصريين، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ع ٤٤، ١٩٩١ م، ٢٨ - ٢٩.
(٢) انظر: قانون نامه مصر، ترجمة وتقديم وتعليق: أحمد فؤاد متولي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ١٩٨٦ م، ٨٧ - ٨٨.
(٣) انظر: سجلات محكمة الإسكندرية الشرعية، سجل، ١٤، ص ٢٨٧ قسم ١٠١٠ شوال ٩٨٧ هـ، سجل ٧، ص ٣٨٤، قسم ٦٢٥، صفر ٩٨١ هـ، سجل ١٦، ص ٢٤٤، ص ٥٧١، ١٥ شعبان ٩٧٠ هـ، والأوقاف والحياة الاقتصادية في مصر في العصر العثماني، د. محمد عفيفي، ٩٦.
[ ١ / ٩٥ ]
منطقة الرملة في فلسطين، ومن هذه القرى والمزارع أربع وقفها السلطان "سليمان القانوني" في ناحية صيدا: تعزيرًا لوقف زوجته الأصلي (^١).
وتنوَّعت الموقوفات على المؤسسات التعليمية في القدس من الأراضي التي وقفها العثمانيون والتي منها: ١٥ قرية في فلسطين، وقفت مساحات منها على المسجد الأقصى، كما وقفوا عديدًا من الغراس، والنقود التي تسابق كبار رجالات الدولة فيها؛ حيث وقفوا مبالغ نقدية على المؤسسات التعليمية (^٢).
وقد حرص العثمانيون كذلك على وقف المصاحف في القدس والحرمين الشريفين، فقد بلغ عدد الريعات الموقوفة للقراء في مسجد قبة الصخرة - على سبيل المثال - (١٥ رُبْعَة) خلال القرن العاشر الهجري، وكان يشرف على القراء شيخ القراء الذي يعيِّنه قاضي القدس (^٣)؛ ومنها مصحف وقفه السلطان سليمان القانوني على المسجد الأقصى (^٤).
لقد كان في القدس في أواخر القرن الحادي عشر الهجري / السابع عشر للميلاد (٤٠) مدرسة للفقه، و(١٠) دُور للقران الكريم، و(٧) دُور للحديث النبوي الشريف، فضلًا عن المدارس التي تخصصت بالنحو، وكلها كانت تموَّل من الوقف (^٥).
_________________
(١) انظر: مؤسسة الأوقاف ومدارس بيت المقدس، كامل العسلي، ندوة مؤسسة الأوقاف، بغداد، ١٩٨٣ م، ٩٨. وانظر لمزيد من التفاصيل عن الوقف العثماني في القدس: الأوقاف الإسلامية في القدس الشريف - دراسة تاريخية موثقة، مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية باستانبول ٢٠٠٩ م، ٦/ ٣٣٦ - ٥٣٧، وانظر عن الأوقاف العثمانية في فلسطين:، J.B. Barron .P ٥٨.١٩٢٢. Mohammedan Wakfs in Palestine(Jerusalem: Greek Convent Prss
(٢) انظر: وقف النقود في القدس في القرنين العاشر والحادي عشر الهجري، زهير غنايم، المؤتمر الدولي السابع لتاريخ بلاد الشام، ٢٠٠٦ م، المجلد الثالث، عمان، الجامعة الأردنية، ٢٠٠٨ م، ١٢٢ - ١٢٧.
(٣) انظر: الوقف على القدس وأكنافها من بداية العصر الأيوبي وحتى نهاية العصر العثماني (غير منشور)، زهير غنايم، مؤسسة الترات والبحوث الإسلامية، القدس، ٢٥.
(٤) انظر: معاهد العلم في بيت المقدس، كامل العسلي، عمان، الجامعة الأردنية، ١٩٨١ م، ٣٧٧.
(٥) انظر: مكتبات بيت المقدس من الفتح الأيوبي إلى الاغتصاب الصهيوني، د. سلامة محمد البلوي، مجلة التاريخ العربي، جمعية المؤرخين المغاربة، ع ٣٢، خريف ٢٠٠٤ م، ٧٨.
[ ١ / ٩٦ ]
وقد حفلت القدس بعشرات المكتبات الوقفية الخاصة، والتي منها: مكتبة ابن قاضي الصلت (ت ١٠٤٠ هـ/ ١٦٣٠ م)، ومكتبة الشيخ أحمد بن يحيى الشهير بالموقت (ت ١١٧١ هـ/ ١٧٢٧ م)، ومكتبة الشيخ محمد أفندي زاده مفتي القدس (ت ١١٥٢ هـ/ ١٧٣٩ م)، ومكتبة محمد صنع الله الخالدي الذي كان رئيس كتاب المحكمة الشرعية بالقدس (ت ١١٤٠ ههـ ١٧٢٧ م)، ومكتبة الشيخ الخليلي التي تأسست عام ١١٣٨ هـ/ ١٧٢٥ م، والتي وقفها شيخ الإسلام محمد الخليلي مفتي الشافعية بالقدس (ت ١١٤٧ هـ/ ١٧٣٤ م)، ومكتبة حسن عبد اللطيف الحسيني مفتي القدس (ت ١٢٢٦ هـ - /١٨١١ م)، والمكتبة الخالدية التي تعد من أهم دور الكتب في فلسطين، التي أوصت بوقفها "خديجة الخالدي" ابنة قاضي عسكر الأناضول موسى أفندي، والتي أوصت ولدها الحاج راغب الخالدي رئيس المحكمة الشرعية بيافا أن يقفها وينقل كتب الأسرة الخالدية إليها، قنفذ وصيتها سنة ١٣١٨ هـ/ ١٩٠٠ م، وغيرها من المكتبات (^١).
أما أبرز أوقاف العثمانيين في الحرمين الشريفين كان ما وقفته "خاصكي سلطان" زوجة السلطان سليمان القانوني، حيث وقفت رباطًا في مكة المكرمة؛ والذي كان يحتوي على (٤٨) حجرة، وسبيل ماء، واشترطت أن يسكن الرباط العلماء العابدون والصلحاء الزاهدون (^٢).
وفي عام ٩٧٩ هـ/ ١٥٧١ م قامت كريمة السلطان سليمان القانوني "خانم سلطان" بإعمار "عين زبيدة"؛ فوجهت ألفًا من المهندسين والفنيين والبنائين من مختلف أقطار العالم الإسلامي لإعمارها، فتم مد القناة من "بئر زبيدة" إلى الأبطح، لتلتقي بمياه عين حنين، ثم إلى المُعَلّا، ثم إلى الحرم، ثم يتوزع الماء في شبكة حجرية داخل أحياء مكة المكرمة؛ ليصب في ثلاثة وثلاثين بازانًا منتشرة في مختلف أحيائها، وظلَّ هذا المشروع الوقفي يسقي الحاج والمعتمر والمقيم لمدة تربو على ١٢٠٠ عام (^٣).
_________________
(١) انظر: مكتبات بيت المقدس من الفتح الأيوبي إلى الاغتصاب الصهيوني، د سلامة محمد البلوي، مجلة التاريخ العربي، جمعية المؤرخين المغاربة، ع ٣٢، خريف ٢٠٠٤ م، ٥٥ - ٩٠.
(٢) انظر: الحريم في العصر العثماني، ماجد مخلوف، دار الآفاق، القاهرة، ١٩٩٨ م، ٥٠.
(٣) انظر: تطوير واستثمار أوقاف عين زبيدة لإعمارها وتشغيلها وصيانتها، د. عمر سراج أبو رزيزة، مجلة أوقاف - الكويت، ع ٩، السنة الخامسة،١٤٢٦ هـ، ١٠٧.
[ ١ / ٩٧ ]
ويعد خط سكة حديد الحجاز الذي يربط بلاد الشام بالمدينة المنورة من أعظم مآثر الدولة العثمانية الوقفية لخدمة الحج الشامي، فقد بدأ إنشاء الخط عام ١٣١٩ هـ / ١٩٠١ م، وانتهى عام ١٣٢٦ هـ ١٩٠٨ م، وقد سُجِّل وقفًا في عام ١٣٣١ هـ/ ١٩١٣ م، ورُبط إداريًّا بالجهة المسؤولة عن الأوقاف في تركيا، وقد اشترى السلطان "عبد الحميد الثاني" أراضي كثيرة وقفها على الخط، ومن ضمنها أراضي الحمة في فلسطين، وأراضي واسعة في حيفا وعكا والناصرة، واستثمر مياه وادي اليرموك، ومواضع في قلب دمشق تعد من أغلى مناطقها، واستثمر الفوسفات في الأردن، فضلًا عن وقف كبير في ساحة البرج في بيروت، كل هذه الأوقاف كانت تنفق على هذا الخط الحيوي الذي لاقى كل ترحيب من أبناء الأمة (^١).
ويحسب للسلطان عبد الحميد الثاني" أيضًا أنه حرص على تطوير مكتبة الحرم المكي، ووقف عليها كثيرًا من الكتب، فقد أرسل لها في عام ١٢٩٠ هـ/ ١٨٧٣ م مجموعة من المؤلفات من الأستانة، وراسل أمين المكتبة آنذاك السيد محمود حافظ أفندي الإبلاغه بأنه سيتم إرسال مفتش إلى الحرم لمتابعة أوضاع المكتبة (^٢).
وقد حرص العثمانيون على توفير المياه للمقيمين وأبناء السبيل، فوقفوا عديدًا من السبل في كثير من المدن في المشرق والمغرب، فكان في القاهرة وحدها - على سبيل المثال - عشية الحملة الفرنسية على مصر (٢٦٦) سبيلًا (^٣)، وهكذا كان في الحرمين والقدس وغيرها من المدن، ومن الجدير بالذكر أن بناء السبل كان مرتبطًا
_________________
(١) انظر: سكة حديد الحجاز في المصادر العربية والتركية والإنجليزية، سهيل صابان وعبد الرحمن فراج، قائمة ببيلوجرافية، مجلة الدرعية، الرياض، ع ١٨ و١٩، السنة الخامسة، Massignon،L.(Document sur certains waoqfs des lieux saints،١٠٧،١٤٢٦ هـ pp. (١٩٥١) Revue des Etudes Islamiques (d. Islam ٠ .٧٣ - ١٢٠،، وقد أكد المؤتمر الإسلامي العالمي الذي عُقد في القدس على الطابع الوقفي لسكة حديد الحجاز.
(٢) انظر: مجموعة الوثائق العثمانية، دارة الملك عبد العزيز، وثيقة رقم ٣٢٨، سجل ٣٢٨٧٨، ملف رقم ٨/ ١٠/ ١٠٤، بتاريخ ٢١/ ٦/ ١٢٩٠ هـ، الموافق ٢١/ ٢/ ١٨٧٦ م.
(٣) انظر: الأسبلة العثمانية بمدينة القاهرة (١٥١٧ - ١٧٩٨ م)، محمد حامد الحسيني، مكتبة مدبولي، د. ت، وقاهريات، جمال الغيطاني، أسبلة القاهرة، مكتبة مدبولي، د. ت، ١٧.
[ ١ / ٩٨ ]
ارتباطًا وثيقًا بتعليم الأيتام، فكل سبيل كان يشتمل على كُتَّاب للأيتام، فأنشأت الدولة العثمانية عديدًا من الكتاتيب في مختلف الولايات؛ ومنها على سبيل المثال مكتب سنان باشا (٩٨٧ هـ/ ١٥٧٠ م)، ومكتب التمرازية (١٠١٥ هـ/١٦٠٦ م)، ومكتب الخواجا قراجا؛ الذي وقفه الحاج محمد الجبالي (١٠٩٨ هـ - /١٦٨٧ م)، وكلها في مدينة الإسكندرية (^١)، ويعدُّ "سنان باشا" - أول نواب السلطان سليم الأول على مصر (٩٧٥ - ٩٧٦ هـ / ١٥٦٧ - ١٥٦٨ م) - من أكثر الولاة العثمانيين الذين شيدوا أوقافًا في مصر، ومن أبرز أوقافه: المدرسة السنانية، وكُتَّاب للأطفال في الإسكندرية، حيث وقف عليهما أوقافًا كثيرة (^٢).
ومن الأوقاف الفريدة التي ظهرت في العصر العثماني؛ وقف "إسماعيل بك رفعت" على كبار السن والأرامل في القاهرة، فقد جاء في نص وقفيته بتاريخ ١٦ جمادى الأول ١٢٨٤ هـ /١٨٦٧ م: على تقديم كسوة للنسوة العجائز الفقيرات، والمسلمات العاجزات عن الكسب، والخاليات من الأزواج، اللائي يقمن في الرباط الذي أُنشئه بباب الخلق بالقاهرة، تعطى كل واحدة في شهر رمضان من كل سنة اثنا عشر ذراعًا من العبك (نوع من القماش)، وستة أذرع من الشاش، وحردة بلدي (^٣).
ولم تغفل الدولة العثمانية الجانب الصحي؛ فوقفت في تاريخها عديدًا من البيمارستانات؛ والتي منها على سبيل المثال: دار الطب ببروسه (٨٣٥ هـ/ ١٣٣٩ م)، وبيمارستان محمد الفاتح في إسطنبول، الذي وقفه في عام ٨٧٥ هـ/ ١٤٧٠ م، وبيمارستان السلطان سليمان القانوني في إسطنبول؛ الذي وقفه لمداواة المرضى وتربية المجانين بأنواع الأشربة والأطعمة والمعاجين، وبيمارستان أدرنة لمعالجة مرضى الجذام (٩٣٧ هـ/ ١٤٣١ م)، وبيمارستان خاصكي سلطان بإسطنبول (٩٤٦ هـ/ ١٥٣٩ م) .. وغيرها (^٤).
_________________
(١) انظر: سجلات محكمة الإسكندرية الشرعية، سجل ١٤، ص ٣٧٩، قسم ١٢١٣، ١٢ محرم ٩٨٧ هـ، سجل ٣٥، ص ٦٤١، ١٨ محرم ١٠١٥ هـ.
(٢) انظر: تاريخ مصر العثمانية من خلال تحفة الأحباب بمن ملك مصر من الملوك والنواب، إبراهيم يونس سلطح، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة الإسكندرية، ١٩٩١ م، ١٤٤.
(٣) انظر: صور من التكافل الاجتماعي، د سلامة البلوي، ٢٧.
(٤) انظر: تاريخ البيمارستانات في الإسلام، أحمد عيسى، ٢٧٦ - ٢٧٨.
[ ١ / ٩٩ ]
ومن الأوقاف الفريدة في العصر العثماني "وقف قفة الخبز" في بيروت، حيث كانت له دكان خاص في باطن بيروت، توضع فيه قفة مليئة بالخبز كل يوم جمعة، حيث كان يقصدها الفقراء من أهل بيروت من مختلف الطوائف، فيوزع متولي القفة الخبز عليهم، وقد كان لهذه القفة أوقاف وأحكار عديدة، وبعض العقارات والمخازن التي يعود ريعها للقفة، وقد سجلت هذه الأوقاف في سجلات المحكمة الشرعية في بيروت عام ١٢٥٩ هـ/ ١٨٤٣ م (^١).
وتدين عديد من المدن في أوروبا الشرقية في نشأتها للأوقاف العثمانية، ولعل مدينة "كاتشانيك" في البلقان خير مثال على ذلك، فقد كانت في البداية عبارة عن حصن عسكري صغير في عام ٩٨٨ هـ/ ١٥٨٠ م؛ حيث أنشأ القائد "سنان باشا" بجواره مجمعًا وقفيًّا، يتكون من: جامع وتكية ومدرسة، ومدرسة للأطفال، وخان الأبناء السبيل، وحمام، وكان يدير هذا المجمع الوقفي قرابة الأربعين شخصًا، وأدى استقرارهم مع عائلاتهم إلى تشكيل نواة لهذه المدينة، التي غدا سكانها فيما بعد قرابة الخمسين ألفًا!. وهذا ينطبق أيضًا على مدن البوسنة؛ مثل: سراييفو، وتيرانا، وكورنشا .. وغيرها، كما ساعد الوقف على التطور السريع ونمو عديد من المدن في البلقان؛ مثل: بلغراد، وسالونيك، وغيرهما، لدرجة أن هناك بعض المدن أصبح اسمها مركبًا من كلمتين؛ مثل: "اسكندر وقف" و"غروني وقف"، و"دوني وقف"، وكل ذلك يشير لما للوقف من أثر كبير في قيام وتطور تلك المدن وانتشار الإسلام فيها (^٢).
_________________
(١) انظر: التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في بيروت والولايات العثمانية في القرن التاسع عشر - سجلات المحكمة الشرعية في بيروت، د. حسان حلاق، الدار الجامعية بيروت، ١٤٠٧ هـ، ٢٦.
(٢) انظر: دور الوقف في نشوء المدن الجديدة في البوسنة (سراييفو نموذجًا)، د محمد موفق الأرناؤوط، مجلة أوقاف الكويت، ع ٨، السنة الخامسة، ربيع الأول، ١٤٢٦ هـ، ٤٧، ودور الوقف في المجتمعات الإسلامية، د. محمد موفق الأرناؤوط، دمشق، دار الفكر المعاصر، ١٤٢١ هـ، ٥٧ - ٥٩ و١٥٤.
[ ١ / ١٠٠ ]
ومن الظواهر التي تستوقف الباحث في تاريخ الوقف العثماني ظاهرة إقبال سيدات البلاط العثماني على أعمال البر والإحسان، وحرصهن على وقف الأوقاف التي تخدم مختلف الشرائح الاجتماعية، وعلى رأسها طلبة العلم، وكل ما يتعلق بهم من مدارس ومأوى ومعيشة، فإلى جانب ما وقفته "خاصكي سلطان" حرم السلطان سليمان القانوني من أوقاف تقدم ذكرها، وقفت عديدا من السيدات أوقافًا في مدن مختلفة؛ فعلى سبيل المثال: وقفت "عادلة خاتون" ابنة والي بغداد أحمد باشا "المدرسة العادلية" والمسجد الملحق بها؛ والمعروف بجامع العادلية الكبير، عام ١١٦٨ هـ./ ١٧٥٤ م، واشترطت في وقفيتها المؤرخة في ١١٧١ هـ/ ١٧٥٧ م: تعيين مدرس لهذه المدرسة، وقبول (١٥) طالبًا فيها في كل سنة، وخصصت لكل طالب مخصصات يومية، وجعلت لكل طالب إشارة خاصة يحملها على صدره، مكتوب عليها "طلبة مدرسة العادلية في بغداد"، كما قامت الشقيقتان "فتحية خاتون" و"عادلة خاتون" ابنتا عبد الفتاح باشا بتأسيس مدرسة الحجيات في بغداد؛ حيث وُقفت عليها كتب متنوعة (^١).
أما "نازنده خاتون" زوجة والي بغداد علي باشا؛ فقد شيدت مسجدًا ومدرسة في عام ١٢٦٣ هـ/١٨٤٦ م، وعينت لها مدرِّسًا، وخصصت للطلبة خبرًا وشموعًا، ولخازن الكتب راتبًا معينًا من غلة الوقف (^٢)، وقامت ابنة نقيب الأشراف في بغداد السيد علي الكبير "عاتكة خاتون" بوقف مدرسة عام ١٢٢٧ هـ/ ١٨١١ م، وألحقت بها مكتبة زوَّدتها بنوادر المخطوطات المنقولة من بلاد الشام وغيرها، وأسندت مهمة الإشراف على المكتبة إلى أحد علماء بغداد (^٣)، وفي عام ١٢٩١ هـ/ ١٨٧٤ م وقفت "نائلة خاتون" مدرسة في بغداد، وحبست عليها أوقافًا، وجعلت فيها مكتبة حافلة بنوادر المخطوطات في مختلف العلوم، وجعلت لكل من حافظ الكتب، وخادم المدرسة، وإمام المسجد الملحق بها .. مخصصات مالية (^٤).
_________________
(١) انظر: أثر المرأة في إنشاء المؤسسات التعليمية إبان العهود الإسلامية، عماد عبد السلام، إصدار المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ع ١٤، السنة السادسة، يناير، ١٩٧٩ م، ٥٥.
(٢) انظر: أثر المرأة في إنشاء المؤسسات التعليمية إبان العهود الإسلامية، عماد عبد السلام، ٥٦.
(٣) انظر: المرجع السابق، ٥٥.
(٤) انظر: المرجع السابق، ٥٦.
[ ١ / ١٠١ ]
ومن الجدير بالذكر أن معظم المدارس الوقفية في العصر العثماني - خصوصًا في مصر - كان فيها فراشون يتولون تنظيف المدرسة، ومزملاتي لتوفير ما تحتاجه المدرسة من الماء، وجميعهم كانوا يتقاضون رواتبهم من وقف المدرسة (^١).
وقد عملت الدولة العثمانية على دعم الوقف في المغرب العربي وتطوير مؤسساته، خصوصًا في الجزائر وتونس، ففي خلال قرن ونصف (في الفترة من ١٦٠٠ - ١٧٥٠ م) تضاعف عدد الوقفيات في الجزائر اثني عشر مرة، ولعل "مؤسسة الحرمين الشريفين" في الجزائر تعدُّ من أقدم المؤسسات الوقفية في الجزائر، وكانت وظيفتها تقديم الإعانات الأهالي الحرمين الشريفين المقيمين في الجزائر والمارين بها، وكانت تتكفل بإرسال مداخيلها إلى فقراء الحرمين في مطلع كل سنتين، كذلك كانت توكل إليها حفظ الأمانات، والإنفاق على ثلاثة مساجد في مدينة الجزائر، كما كانت تشرف على ٧٥% من أوقاف الجزائر؛ مما جعلها من أغنى المؤسسات الوقفية، فقد كانت تمتلك أكثر من (١٦٤٢) وقفية؛ ما بين منازل ومخازن وحمامات ومقاه وفنادق وأرحاء وضيع .. وغيرها (^٢).
ومن المؤسسات الوقفية الرائدة في الجزائر أيضًا "مؤسسة أوقاف الجامع الأعظم"؛ والتي كانت تمتلك ما يناهز (٥٠٠ وقفًا)، مما يجعلها تحتل المرتبة الثانية بعد مؤسسة الحرمين الشريفين، وتأتي "مؤسسة سبل الخيرات" الحنفية التي أسَّسها "شعبان خوجة" عام ٩٩٩ هـ/ ١٥٠٠ م في المرتبة الثالثة، وهي مؤسسة تتولى الإشراف على تشييد المساجد ومختلف المشاريع الخيرية الأخرى، مثل: تعبيد الطرق، وشق القنوات للري، وإعانة المنكوبين، والإشراف على بناء المدارس الوقفية، واقتناء الكتب، وكل ما يخص الطلبة، إلى جانب إشرافها على إدارة ثمانية مساجد للأحناف، وتمتاز هذه المؤسسة بدقة الإدارة؛ حيث كان يسير أمورها أحد عشر موظفًا، بينهم ثمانية مستشارين منتخبين، وناظر أو وكيل أوقاف المؤسسة، وكاتب ينظم العقود، وشاويش الحراسة منشآت المؤسسة، وتوفير الراحة لثماني قرَّاء يقرؤون القرآن بجوار المؤسسة (^٣).
_________________
(١) انظر: سجلات محكمة الإسكندرية الشرعية، سجل ١٢، ص ٦٧٧، قسم ١٨٨١، ربيع الثاني ٩٨٦ هـ، سجل ٥٤، ص ١٩، قسم ١٦٥، جمادى أول ١٠٨٩ هـ.
(٢) انظر: تاريخ الجزائر الثقافي، سعد أبو القاسم، دار الغرب الإسلامي ١٩٩٧ م، ١/ ٢٣٨، والأوقاف الجزائرية - نظرة في الماضي والحاضر، د. فارس مسدور ود. كمال منصوري، مجلة أوقاف - الكويت، ع ١٥، ٢٠٠٨ م، ٧٥ - ٧٦.
(٣) انظر: تاريخ الجزائر الثقافي، سعد أبو القاسم، ٢٤٢ - ٢٤٣.
[ ١ / ١٠٢ ]
وقد شجعت الدولة العثمانية المهاجرين الأندلسيين في الجزائر على تأسيس وقفية الإيواء ومساعدة الأندلسيين الفارين من الاضطهاد الإسباني وظلم وملاحقة محاكم التفتيش، فقام أغنياء الجالية الأندلسية بتأسيس "مؤسسة أوقاف الأندلسيين"، ووقفوا أملاكهم على إخوانهم الفارين من الأندلس، وكانت أول هذه الأوقاف في عام ٩٨٠ هـ / ١٥٧٢ هـ (^١).
أما في تونس - وخصوصًا في صفاقس - فوجدت فيها أوقاف فريدة في العصر العثماني؛ منها على سبيل المثال: أوقاف لشحذ السكاكين يوم العيد، وحبس لشراء أضحيات للفقراء، وحبس الكوز؛ الذي كان مخصصًا لمن كسر وعاء الزيت لصاحبه يدفع عنه الحبس ثمن الكوز وما فيه، وحبس الزيت لإضاءة الطرقات، وحبس البرنوس للمؤذن .. وغيرها (^٢).
وأخيرًا .. مثَّل وقف النقود؛ الذي ظهر لأول مرة في أدرنة في عام ٨٢٧ هـ/١٤٢٣ م .. تحولًا مهمًّا في تطبيقات الوقف الذي عرفه العالم الإسلامي حتى ذلك الحين؛ ولذلك وصف وقف النقود بأنه ثورة في الفقه الإسلامي المتعلق بالوقف، وقد تميَّز وقف النقود بالمرونة والمزاوجة بين الاستثمار في الاقتصاد على شكل تقديم قروض للتجار والحرفيين بعائد محدد، واستثمار العائد من ذلك لتقديم خدمات مجانية للمجتمع في مختلف الحقول (^٣).
وهكذا بلغ الوقف ذروته في العصر العثماني، من خلال مشاركة السلاطين والولاة والقادة والعلماء والنساء والتجار من مختلف طبقات المجتمع في وقف الأوقاف التي ساهمت في خدمة كل الشرائح الاجتماعية، يقول المؤرخ التركي يلماز أوزتونا: "إن جميع منجزات المؤسسات الاجتماعية قد شيدت بفضل مؤسسة الوقف وبمشاركة السلاطين والولاة وبقية المواطنين" (^٤).
_________________
(١) انظر: الأوقاف الجزائرية: نظرة في الماضي والحاضر، د. فارس مسدور ود. كمال منصوري، مجلة أوقاف - الكويت، ع ١٥، ٢٠٠٨ م، ٧٥ - ٧٦.
(٢) انظر: أوضاع إيالة تونس، أحمد قاسم، ٢/ ٢١٥.
(٣) انظر: وقف النقود في القدس في القرنين العاشر والحادي عشر الهجري، زهير غنايم،١٢٢ - ١٢٧.
(٤) انظر: تاريخ الدولة العثمانية، يلماز أوزتونا، ترجمة: عدنان محمود سرحان، مؤسسة فيصل للتمويل، إسطنبول، ١٩٩٠ م، ٢/ ٤٩١.
[ ١ / ١٠٣ ]