١ - تستحب زيارة مسجد النبي - ﷺ - وهي مشروعة في أيِّ وقت، وفي أيِّ زمان، وليس لها وقت محدد، وليست من أعمال الحج، ولا يجوز شَدُّ الرحال والسفر من أجل زيارة القبر؛ فإن شَدَّ الرحال على وجه التعبد لا يكون لزيارة القبور، وإنما يكون للمساجد الثلاثة، كما قال النّبي - ﷺ -: «لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (١)، فالبعيد عن المدينة ليس له شد الرحال بقصد زيارة القبر، ولكن يشرع له شد الرحال بقصد زيارة المسجد النبوي الشريف، فإذا وصله زار قبره - ﷺ - وقبور أصحابه، فدخلت الزيارة لقبره تبعًا لزيارة مسجده - ﷺ -؛ لما في زيارة المسجد من الثواب العظيم، قال النّبي - ﷺ -: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٢)، وقال - ﷺ -: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» (٣).
٢ - إذا دخل المسجد النبوي الشريف استحب له أن يُقدِّم رجله اليمنى عند دخوله ويقول: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم. بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله،
_________________
(١) البخاري، برقم ١١٨٩، ومسلم، برقم ١٣٩٧.
(٢) البخاري، برقم ١١٩٠،ومسلم، برقم ١٣٩٤.
(٣) ابن ماجه، برقم ١٤٠٦، وأحمد، ٣/ ٣٤٣، ٥٣، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٢٣٦، وإرواء الغليل، ٤/ ٣٤١.
[ ٦٩ ]
اللهم افتح لي أبواب رحمتك» (١)، كما يقول ذلك عند دخول سائر المساجد.
٣ - يصلي ركعتين تحية المسجد، أو يصلي ما شاء، ويدعو في صلاته بما شاء، والأفضل أن يفعل ذلك في الروضة الشريفة، وهي ما بين منبر النبي - ﷺ - وحجرته؛ لقوله - ﷺ -: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي» (٢)، أما صلاة الفريضة فينبغي للزائر وغيره أن يحافظ عليها في الصف الأول.
٤ - ثم بعد الصلاة إن أراد زيارة قبر النبي - ﷺ - وقف أمام قبره: بأدب، ووقار، وخفض صوت، ثم يسلم عليه - ﷺ - قائلًا: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم [في العالمين]، إنك حميد مجيد»، أو يقول: «السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته»؛ لقوله - ﷺ -: «ما من أحد يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد ﵇» (٣)، وإن قال: أشهد أنك رسول الله حقًّا، وأنك قد بلّغت الرسالة، وأدّيت الأمانة، وجاهدت في الله حق جهاده، ونصحت الأمة، فجزاك الله عن أمتك أفضل ما جزى نبيًا عن أمته، فلا بأس؛ لأن هذا كله من أوصافه - ﷺ -.
_________________
(١) تقدم تخريجه، في المبحث الخامس عشر: صفة دخول مكة.
(٢) البخاري، برقم ١١٩٥، ومسلم، برقم ١٣٩٠.
(٣) رواه أبو داود، برقم ٢٠٤٣، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ٢/ ٣٨٣، وابن باز في مجموع الفتاوى للحج، ٥/ ٢٨٨.
[ ٧٠ ]
٥ - ثم يأخذ ذات اليمين قليلًا فيسلم على أبي بكر الصدِّيق - ﵁ -، ويدعو له بما يناسبه، ثم يأخذ ذات اليمين قليلًا أيضًا فيسلم على عمر بن الخطاب، ويترضى عنه، ويدعو له، وكان ابن عمر ﵄ إذا سلَّمَ على الرسول - ﷺ - وصاحبيه لا يزيد غالبًا على قوله: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه ثم ينصرف (١)، ولا يجوز لأحد أن يتقرب إلى الله بمسح الحجرة، أو الطواف بها، ولا يسأل الرسول - ﷺ - قضاء حاجته، أو شفاء مريضه، ونحو ذلك؛ لأن ذلك كله لا يطلب إلا من الله وحده.
والمرأة لا تزور قبر النبي - ﷺ - ولا قبر غيره؛ لأنه - ﷺ - لعن زوَّارات القبور (٢)، لكن تزور المسجد، وتَتَعَبَّد لله فيه رغبةً فيما فيه من مضاعفة الصلاة، وتسلم على النبي - ﷺ - وهي في مكانها فيبلغ ذلك النبي - ﷺ - وهي في أي مكان كانت؛ لقوله - ﷺ -: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلُّوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٣)، وقال - ﷺ -: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام» (٤).
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٩/ ٢٨٩.
(٢) أخرجه الترمذي، برقم ١٠٥٦، وابن ماجه، برقم ١٥٧٤، وابن حبان، برقم ٧٨٢، وأحمد، ٣/ ٤٤٢، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز، ص ١٨٥، وانظر: الإرواء، ٣/ ٢١١، وجامع الأصول، ١١/ ١٥٠.
(٣) أخرجه أبو داود، برقم ٢٠٤٤، والطبراني في الأوسط، ١/ ١١٧، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٨٣.
(٤) النسائي، برقم ١٢٨٢، والحاكم،٢/ ٤٢١، وأحمد، ١/ ٤٤١، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٧٤.
[ ٧١ ]
٦ - يُستحبّ لزائر المدينة أثناء وجوده بها أن يزور مسجد قباء ويصلي فيه؛ «لأن النبي - ﷺ - كان يأتيه راكبًا وماشيًا ويصلي فيه ركعتين» (١)، وعن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تَطَهَّر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاةً كان له كأجر عمرة» (٢)، وقال أسيد بن ظهير الأنصاري - ﵁ - يرفعه: «صلاة في مسجد قباء كعمرة» (٣).
٧ - ويسن للرجال زيارة قبور البقيع - وهي مقبرة المدينة - وقبور الشهداء، وقبر حمزة - ﵃ -؛ لأن النبي - ﷺ - كان يزورهم ويدعو لهم؛ ولقوله - ﷺ -: «زوروا القبور فإنها تذكركم الموت» (٤).
ويقول إذا زارهم: «السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون [ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين] نسأل الله لنا ولكم العافية» (٥).
ولا شك أن المقصود بزيارة القبور هو تذكر الآخرة والإحسان إلى الموتى بالدعاء لهم، وإتباع سنة النبي - ﷺ -، وهذه هي الزيارة الشرعية، وأما زيارتهم؛ لقصد الدعاء عند قبورهم، أو سؤالهم قضاء الحاجات، أو
شفاء المرضى، أو سؤال الله بهم، أو بجاههم، ونحو ذلك فهذه زيارة
_________________
(١) البخاري، برقم ١١٣٦، ومسلم، برقم ١٣٩٩.
(٢) ابن ماجه، برقم ١٤١٢،وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه،١/ ٢٣٧،وصحيح النسائي، ١/ ١٥٠.
(٣) الترمذي، برقم ٣٢٤، وابن ماجه، برقم ١٤١١، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٢٣٧، وصحيح الترمذي، ١/ ١٠٤.
(٤) مسلم، برقم ٩٧٦.
(٥) مسلم، برقم ٩٧٤، وابن ماجه واللفظ له، رقم ١٥٤٧، عن بريدة - ﵁ - وما بين المعقوفين من حديث عائشة ﵂ عند مسلم، ٢/ ٦٧١.
[ ٧٢ ]
بدعية منكرة لم يشرعها الله ولا رسوله، ولا فعلها السلف الصالح.
وبعض هذه الأمور المذكورة بدعة وليس بشرك: كدعاء الله عند القبور، وسؤال الله بحق الميت، أو جاهه، ونحو ذلك.
وبعضها بدعة من الشرك الأكبر: كدعاء الموتى، والاستعانة بهم، وسؤالهم النصر، أو المدد.
فَتَنَبَّه، واحذر، واسأل ربك التوفيق، والهداية للحق، فهو سبحانه الموفق، والهادي لا إله غيره ولا رب سواه (١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده الأمين، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
_________________
(١) انظر: فتاوى ابن الباز في الحج والعمرة، ٥/ ٢٩٨.
[ ٧٣ ]