قال ابن عباس ﵄: «وقَّت رسول الله - ﷺ -: لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمهلّه من أهله، وكذاك حتى أهل مكة يهلون منها» (٣).
وعن عائشة ﵂: «أن رسول الله - ﷺ - وقّت لأهل العراق ذات عرق» (٤)، ولم يبلغ عمر بن الخطاب - ﵁ - هذا الحديث، فحدّد لأهل
العراق
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.
(٢) شرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٣٩٩، وانظر: الحج وصف لرحلة الحج للدكتور عبد الله الطيار، ص ٤٨.
(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٥٢٦، ورقم ١٥٢٤، ومسلم، برقم ١١٨١.
(٤) أخرجه أبو داود بلفظه، برقم ١٧٣٩، والنسائي، برقم ٢٦٥٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٨٨، وفي صحيح سنن النسائي، ٢/ ٢٤٧، وانظر: إرواء الغليل، ٤/ ١٧٥.
[ ٢٣ ]
ذات عرق، وهذا من اجتهاداته الكثيرة التي وافق فيها السنة (١)، والواجب على من مرّ على هذه المواقيت أن يحرم منها، ويحرم عليه أن يتجاوزها بدون إحرام إذا كان قاصدًا مكة يريد حجًا أو عمرةً، سواء كان مروره عن طريق البر، أو البحر، أو الجو، والمشروع لمن توجّه إلى مكة عن طريق الجو بقصد الحج أو العمرة أن يتأهب لذلك بالغسل ونحوه قبل الركوب في الطائرة، فإذا دنا من الميقات لبس إزاره ورداءه، ثم لبَّى بما يريد من حج أو عمرة، وإن لبس إزاره ورداءه قبل الركوب، أو قبل الدنو من الميقات فلا بأس، ولكن لا ينوي الدخول في الإحرام، ولا يلبي إلا إذا حاذى الميقات أو دنا منه؛ لأن النبي - ﷺ - لم يحرم إلا من الميقات.
وأما من كان مسكنه دون هذه المواقيت كسكان: جدة، وبحرة، والشرائع، وغيرها فمسكنه هُوَ ميقاته، فيحرم منه بما أراد من حج أو عمرة، أما أهل مكة فيحرمون بالحج وحده من مكة (٢).
ومن أراد الإحرام بعمرة أو حج فتجاوز الميقات غير محرم، فإنه يرجع ويحرم من الميقات، فإن لم يرجع فعليه دم يجزئ في الأضحية؛ لقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «من نسي من نسكه شيئًا أو تركه فليهرق دمًا» (٣).
_________________
(١) انظر: البخاري مع الفتح،٣/ ٣٨٩.
(٢) انظر: مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز الجزء الخامس القسم الأول، ٥/ ٢٥١.
(٣) مالك في الموطأ، ١/ ٤١٩، والدارقطني، ٢/ ٢٤٤، والبيهقي، ٥/ ١٥٢، قال الألباني: «ثبت موقوفًا»، وانظر: إرواء الغليل، ٤/ ٢٩٩.
[ ٢٤ ]
أما من توجّه إلى مكة، ولم يرد حجًا ولا عمرة، وإنما أراد التجارة، أو القيام بعمل من الأعمال له أو لغيره، أو زيارة لأقربائه أو غيرهم ونحو ذلك، فليس عليه إحرام إلا أن يرغب في ذلك؛ لقول النبي - ﷺ - حينما وقّت المواقيت « هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة » (١)، فمفهومه أن من مرّ على المواقيت ولم يرد حجًا ولا عمرةً فلا إحرام عليه، ويدل على ذلك أيضًا أن النبي - ﷺ -، لما دخل مكة عام الفتح لم يدخلها محرمًا، بل دخلها وعلى رأسه المغفر (٢)؛ لكونه لم يرد حينئذ حجًا ولا عمرةً وإنما أراد فتحها وإزالة ما فيها من الشرك (٣).
_________________
(١) البخاري، برقم ١٥٢٦، ومسلم، برقم ١١٨١.
(٢) المغفر: ما يلبس على الرأس من درع الحديد.
(٣) البخاري، برقم ١٨٤٦، ومسلم، رقم ٣٥٧، وانظر: مجموع فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ٢٥١.
[ ٢٥ ]