الثاني: الإحسان إلى الميت، وأن لا يطول عهده به فيهجره ويتناساه كما إذا ترك زيارة الحي مدة طويلة تناساه فإذا زاره الحيُّ فرح بزيارته وسُرَّ بذلك، فالميت أولى لأنه قد صار في دار قد هجر أهلها إخوانهم وأهلهم ومعارفهم فإذا زاره وأهدى إليه هدية من دعاء أو صدقة أو أهدى قربة ازداد بذلك سروره وفرحه كما يُسَرّ الحي بِمَن يزوره ويُهدي له، ولهذا شَرَع النبي - ﷺ - للزائرين أن يدعوا لأهل القبور بالمغفرة والرحمة وسؤال العافية فقط، ولَمْ يشرع أن يدعوهم ولا أن يدعوا بهم ولا يصلي عندهم.
الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة والوقوف عند ما شَرَعه الرسول - ﷺ -، فَيُحسن إلى نفسه وإلى المزور.
وأما الزيارة الشركية فأصلها مأخوذ من عُبّاد الأصنام، قالوا: «الميت المعظم الذي لروحه قُربٌ ومزيّة عند الله لا يزال تأتيه الألطاف من الله، وتفيض على روحه الخيرات؛
[ ٤٥ ]
فإذا علّق الزائر روحه به وأدناها فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء على الجسم المقابل له!».
وقالوا: «فتمام الزيارة أنْ يَتَوجَّه الزائر بِرُوحه وقلبه إلى الميت ويعكف بهمَّتِه عليه، ويُوَجّه قصده كله وإقباله عليه، بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره، وكلما كان اجتماع القلب والهمّة عليه أعظم كان أقرب إلى الانتفاع به») انتهى (١).
قلت: فتأمل ذلك، واعلم أنه قد يحصل مثل هذا الاعتقاد في الحي - أيضًا -، وسببه الغلو في الصالحين.
ثم قال ابن القيم - ﵀ -: (وقد ذَكَر هذه الزيارة «ابن سَينا» و«الفارابي» وغيرهما، وَصرّح بها عُبّاد الكواكب في عبادتها.
_________________
(١) «إغاثة اللهفان»، (١/ ٢١٨ - ٢١٩).
[ ٤٦ ]