جمع ميقات، وهو لغة: الحد، وشرعًا: مواضع وأزمنة معينة لعبادة مخصوصة، فميقات أهل المدينة ذو الحليفة بضم الحاء وفتح اللام، وهي أبعد المواقيت عن مكة وبينها وبين مكة عشر مراحل أو أقل أو أكثر بحسب اختلاف السير والطرق فإن منها إلى مكة عدة طرق وبينها وبين المدينة ستة أميال تقريبًا وتعرف الآن بأبيار علي، قيل سميت بذلك لأن عليا ﵁ قاتل الجن في بعض تلك الآبار، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وهو كذب لا أصل له فإن الجن لم يقاتلهم أحد من الصحابة، وعلي ﵁ أرفع قدرًا من أن تثبت الجن لقتاله، ولا فضيلة لهذه البئر ولا مذمة، ولا يستحب أن يرمى بها حجر ولا غيره، بل فعل ذلك والقول به من خرافات الجاهلين، وفي هذا الميقات مسجد يسمى مسجد الشجرة وقد خرب وعمر في سنة ثمان وثمانين ومائتين وألف، قال السمهودي في تاريخه: قد اختبرت ذرع ذلك فكان من عتبة باب المسجد النبوي المعروف بباب السلام إلى عتبة مسجد الشجرة بذي الحليفة تسعة عشر ألف ذراع بتقديم المثناة الفوقية وسبعمائة ذراع بتقديم السين واثنين وثلاثين ذراعًا ونصف ذراع بذراع اليد، وقد نظم بعضهم أسماء المواقيت وأسماء أهلها فقال:
[ ١ / ٥٧ ]
عرق العراق يلملم اليمنى وذو الحليفة يُحرم المدني.
والشام جحفة إن مررت بها ولأهل نجد قرن فاستبن.
ونظمها بعضهم أيضًا مبينًا مقدار بعد كل منها عن مكة، فقال:
قرن يلملم ذات عرق كلها في البعد مرحلتان من أم القرى.
ولذي الحليفة بالمراحل عشرة وبها لجحفة ستة فأخبر تري.
انتهى، والمراد بسير الإبل المحملة والمشي على الإقدام.
وميقات أهل الشام ومصر والمغرب: الجحفة بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، قرية على طريق المدينة خربة قرب رابغ على يسار الذاهب لمكة تعرف الآن بالمقابر كان اسمها مهيعة فجحف السيل بأهلها فسميت بذلك، وتلى ذا الحليفة بالبعد عن مكة، قال في المنتهى وشرحه: وبينها وبين المدينة ثمان مراحل وبينها وبين مكة ثلاث مراحل أو أربع، ومن أحرم من رابغ فقد أحرم قبل الميقات بيسير انتهى.
وفي فتح الباري لابن حجر العسقلاني: بينها وبين مكة خمس مراحل أو ست، وفي قول النووي في شرح المذهب ثلاث مراحل نظر انتهى.
قلت ما ذكره الحافظ في الفتح وجيه لأن المسافة التي بين الجحفة ومكة هي كما ذكر خلافا لما في شرح المهذب والمنتهى وغيرهما.
قال شيخ الإسلام في منسكه الأخير بعد كلام سبق: ولهذا صار الناس يحرمون قبل الجحفة من المكان الذي يسمى رابغًا، وهذا ميقات لمن حج من ناحية المغرب كأهل الشام ومصر وسائر المغرب، لكن أهل الشام إذا اجتازوا بالمدينة النبوية كما يفعلونه في هذه الأوقات أحرموا من ميقات أهل المدينة فإن هذا هو المستحب لهم بالاتفاق، وإن أخروا الإحرام إلى الجحفة ففيه نزاع انتهى.
وقال في الاختيارات: ومن ميقاته الجحفة كأهل مصر والشام إذا مروا على المدينة فلهم تأخير الإحرام
[ ١ / ٥٨ ]
إلى الجحفة، ولا يجب عليها الإحرام من ذي الحليفة، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك انتهى.
وحكى الأثرم عن الإمام أحمد أنه سئل أي سنة وقت النبي ﷺ المواقيت؟ فقال عام حج انتهى. والجحفة كانت مسكن اليهود فدعا رسول الله ﷺ ربه في أوائل الهجرة أن ينقل حُمى المدينة إليها فنقلها إليها حتى لو مر بها طائر حُمَّ فنزلت في اليهود فقطعتهم. فإن قيل كيف جعلت ميقاتًا وفيها الحمى المذكورة مع أن في ذلك ضررًا على المسلمين؟ أجيب بأن نقل الحمى إليها مدة مقام اليهود بها، ثم زالت الحمى عنها بزوالهم من الحجاز أو قبله حين أقت النبي ﷺ المواقيت، وذلك لأنه ﷺ لا يأمر بما فيه ضرر على المسلمين كما علم من قواعد الشريعة المطهرة. وعند المالكية إذا مرَّ المصري والشامي والمغربي بذي الحليفة فالأفضل لهم أن يحرموا منها ولهم التأخير للجحفة. وفي منسك الشيخ يحيى الحطاب من المالكية، قال مالك: ومن حج في البحر من أهل مصر والشام وشبههما أحرم إذا حاذى الجحفة، قال شارحه الشيخ محمد البناني: أي ولا يؤخره إلى البر، وعليه درج الخرشي في شرحه حيث قال: إن من سافر في البحر فإنه يحرم إذا حاذى الميقات ولا يؤخره إلى البر انتهى.
فعليه إذا لم يحرم عند محاذاة الميقات ببحر وأخره إلى البر أساء وعليه دم عندهم، وقد نقل ابن الحاج في مناسكه رواية ابن نافع عن مالك وهي تخالف ما تقدم عن مالك، ونص ما في مناسك ابن الحاج قال ابن نافع لا يحرم المسافر في السفن، ورواه عن مالك ﵀ انتهى، كذا في الحطاب على منسك خليل انتهى، وعند الحنفية أن من سلك طريقا ليس فيه ميقات معين برًا أو بحرًا اجتهد وأحرم إذا حاذى ميقاتًا منها، ومن حذو الأبعد أولى، وإن لم يعلم المحاذاة فعلى مرحلتين من مكة كجدة، وعندهم أن من
[ ١ / ٥٩ ]
ترك ميقاته الذي جاوزه وأحرم من ميقات آخر ولو أقرب إلى مكة من الأول، سقط عنه الدم، وإن المدني إذا جاوز ذا الحليفة غير محرم إلى الجحفة كره، وفي لزوم الدم عندهم خلاف، والصحيح عدم وجوبه لأنه إذا كان في طريقه ميقاتان فالسالك مخير عندهم في أن يحرم من الأول وهو الأفضل، أو يحرم من الثاني فإنه رخصة له، وروي عن أبي حنيفة أنه قال في غير أهل المدينة: إذا مروا على المدينة فجاوزوها إلى الجحفة فلا بأس بذلك وأحب إليّ أن يحرموا من ذي الحليفة لأنهم لما وصلوا إلى الميقات الأول لزمهم محافظة حرمته فيكره لهم تركها انتهى.
وقالت الشافعية: من سلك البحر أو طريقًا ليس فيه شيء من المواقيت الخمسة أحمر إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، فإذا كان عند محاذاة ذي الحليفة على ميلين منها، وعند محاذاة الجحفة على ميل كان ميقاته الجحفة، وإن استويا في القرب إليه أحرم عند محاذاة الأبعد من مكة، فإن لم يحاذ شيئا كالآتي من غربي جدة في البحر أحرم على مرحلتين من مكة. قلت: إنما سقت في هذا الموضع مذاهب الأئمة الثلاثة رغبة في حصول الفائدة للناظر في هذا الكتاب، ويأتي إن شاء الله تحقيق الكلام في هذه المسألة على مذهب الحنابلة عند قولنا: ومن لم يمر بميقات من المذكورات أحرم بحج أو عمرة وجوبًا إذا علم أنه حاذى أقرب المواقيت، وبالله التوفيق.
وميقات أهل اليمن يَلَمْلَمُ بفتح التحتية أوله ويقال له ألملم بهمزة أوله، وهو أصل يلملم قلبت الهمزة ياء، ويقال أيضًا يرمرم براءين مهملتين بدل اللامين، فإن أريد به الجبل فمنصرف، وإن أريد به البقعة فغير منصرف، قال في الإقناع وشرحه: وجبل معروف انتهى، وفي المصباح وألملم جبل بتهامة على ليلتين من مكة، وهو ميقات أهل اليمن، وقد غلب على البقعة فيمتنع الصرف للعملية والتأنيث، ويبدل من الهمزة ياء فيقال يلملم انتهى
[ ١ / ٦٠ ]
ملخصا، وبين يلملم وبين مكة مرحلتان أربعون ميلًا. واليمن كل ما كان على يمين الكعبة من بلاد الغور، والنسبة إليه يمني على القياس، ويماني على غير القياس. وميقات أهل نجد قرن بفتح القاف وسكون الراء، يقال له قرن المنازل، على يوم وليلة من مكة بسير الإبل المحملة، قال في المصبح: نجد سمي بها بلاد معروفة من ديار العرب مما يلي العراق وليست من الحجاز وإن كانت من جزيرة العرب، قال في التهذيب: كل ما وراء الخندق الذي خندقه كسرى على سواد العراق فهو نجد إلى أن تميل إلى الحرة، فإذا ملت إليها فأنت في الحجاز، وقال الصنعاني: كل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد انتهى، وقد غلط صاحب المصباح حيث قال: وقرن بالسكون ميقات أهل نجد، وهو جبل مشرف على عرفات، ويقال له قرن المنازل وقرن الثعالب انتهى. وقال في شرح المصابيح: وقرن جبل أملس كأنه بيضة في تدوره، وهو مطل على عرفات انتهى، وهذا وَهم، وقال في القاموس: قرن جبل مطل على عرفات والحجر الأملس النقي وميقات أهل نجد وهي قرية عند الطائف أو اسم الوادي كله انتهى. قلت قرن المنازل هو ميقات أهل نجد وهو معروف مشهور ويسمى الآن بالسيل الكبير، ويتصل وادي السيل هذا بوادي المحرم المسمى أيضًا قرنًا الذي تمر معه السيارات الذاهبة من الطائف إلى مكة مع الجبل المسمى كرا، وكالهما يطلق عليهما اسم قرن الميقات المذكور فمن أحرم من أحدهما فقد أحرم من الميقات الشرعي والله أعلم.
وأما قرن الثعالب فقد قال الفاكهي في أخبار مكة: إنه جبل مشرف على أسفل مِنى قريبًا من مسجد الخيف بينه وبين المسجد ألف وخمسمائة ذراع، وقيل له ذلك لكثرة ما كان يأوي إليه من الثعالب انتهى كلامه.
وميقات أهل المشرق والعراق وخراسان وابقي الشرق ذات عِرق، منزل معروف سمي بذلك لعرق فيه: أي جبل
[ ١ / ٦١ ]
صغير، أو أرض سبخة تنبت الطرفا، قال في الإقناع وهي قرية خربة قديمة، وعرق هو الجبل المشرف على العقيق انتهى ملخصًا، وإذا كان الميقات قرية فانتقلت إلى مكان آخر فموضع الإحرام من الأولى، وإن انتقل الاسم إلى الثانية؛ لأن الحكم تعلق بذلك الموضع فلا يزول بخرابه، وقد رأى سعيد بن جبير رجلًا يريد أن يحرم من ذات عرق فأخذ بيده حتى خرج به من البيوت وقطع الوادي فأتى به المقابر هذه ذات عرق الأولى، قال في فتح الباري: عرق بكسر العين وسكون الراء بعدها قاف هو الحد الفاصل بين نجد وتهامة انتهى ملخصًا، قال بعض متأخري الحنفية: ذات عرق بعد المضيق إلى جهة العراق وقبل العقيق فمن أحرم منه فقد أحرم من الميقات بيقين انتهى. قال بعض الشافعية: والأفضل في حق أهل العراق والمشرق أن يحرموا من العقيق، وهو وادٍ بقرب ذات عرق أبعد منها انتهى.
قلت: ذات عرق وهي ميقات أهل المشرق والعراق وخراسان وباقي الشرق، وموضعها معروف مشهور، وبها وادٍ وهي بين العقيق وبين قرية المضيق، وكان بعض حجاج أهل نجد إذا حجوا على الإبل يحرمون منها فيدخلون إليها مع الطريق المسمى الآن عند أهل نجد وغيرهم بريع الضريبة بفتح الضاد وكسر الراء على وزن الزريبة، وأما أهل المشرق والعراق وغيرهم ممن على جهاتهم فهم في هذه الأزمان لا يحرمون من هذا الميقات لأنهم يحجون في الغالب على سيارات وهي لا تتمكن من عبور هذا الطريقة لمشقته، وإنما يأتون على قرن الميقات أو من طريق جدة وأما العقيق فهو وادٍ كبير معروف مشهورة وهو غير وادي العقيق الذي بقرب المدينة المنورة الذي ورد فيه الحديث، عن ابن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ بوادي العقيق يقول: (أتأني الليلة آت من ربي فقال صلّ
[ ١ / ٦٢ ]
في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حجة) فإن هذا بينه وبين المدينة أربعة أميال تقريبًا.
وهي المواقيت كلها ثبتت بالنص لما روى ابن عباس قال: وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرنا ولأهل اليمن يلملم. هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك فمهله من أهل وكذلك أهل مكة يهلون منها. متفق عليه.
وعن عائشة أن النبي ﷺ وقَّت لأهل العراق ذات عرق. رواه أبو داود والنسائي، وعن جابر نحوه مرفوعا. رواه مسلم. والأفضل أن يحرم من أول الميقات وهو الطرف الأبعد عن مكة احتياطا، وإن أحرم من الميقات من الطرف الأقرب من مكة جاز لإحرامه من الميقات وفاقًا للأئمة الثلاثة.
(تنبيه): إذا أحرم من قرن المسمى بالسيل من موضع القهاوي التي خارج الوادي إلى جهة مكة فإنه لا يعتبر محرمًا من الميقات المذكور، بل يكون حكمه حكم من جاوز الميقات بغير إحرام، ويلزمه ما يلزم المجاوز للميقات غير محرم من الدم، وقد وقع في ذلك جم غفير من الحجاج والمعتمرين لا سيما بعد أن بينت هذه القهاوي وصار الحجاج يقفون عندها بسياراتهم للإحرام، وقليل من الحجاج من إذا أراد الإحرام يرجع إلى الوادي حتى يحرم من نفس الميقات الذي وقته رسول الله ﷺ، فالواجب على من نصح نفسه التنبه لذلك وتنبيه الجاهل عن الإحرام من نفس القهاوي التي بعد الوادي مما يلي مكة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
والمواقيت المذكورة لأهلها ولمن مر عليها من غير أهلها ممن يريد الحج
[ ١ / ٦٣ ]
والعمرة كما في الحديث، وقوله في الحديث (هن لهن) أي المواقيت المذكورة للجماعات المذكورة أو لأهلن على حذف المضاف، ووقع في صحيح البخاري في باب مَهَل أهل اليمن بلفظ (هن لأهلهن) ووقع في البخاري أيضًا بلفظ (هن لهم ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمر ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة) ومعنى هن لهم أن المواقيت المذكورة لأهل البلاد المذكورة، فعلى هذا إذا مر الشامي أو المدني أو المصري أو غيرهم على غير ميقات بلده كالشامي يمر بذي الحليفة والنجدي يمر بذات عرق فإنه يحرم من الميقات الذي مر عليه لأنه صار ميقاته، ومن منزله بين الميقات ومكة كأهل خليص وعسفان ووادي فاطمة وبحرة وحده بالحاء المهملة ولزيمة والشرائع ونحوهم فميقاته من موضعه وفاقًا للمالكية والحنفية والشافعية لقوله ﷺ: (ومن كان دون ذلك فمهله من أهله) فإن كان له منزلان جاز أن يحرم من أقربهما إلى مكة، والأولى أن يحرم من البعيد عن مكة كما تقدم في طرفي الميقات، وجزم الشيخ مرعي في الغاية بأن بلاده كلها منزله، قال محمد الخلوتي: ومن منزله دونها فيمقاته منه، والمراد من بلده انتهى.
وحكم من منزله دون الميقات خارجا من الحرم كأهل لزيمة والشرائع ووادي فاطمة ونحوهم إذا جاوز قريته إلى ما يلي الحرم حكم المجاوز للميقات لأن موضعه ميقاته فهو في حقه كالمواقيت الخمسة في حق الأفقي وأهل مكة ومن بها من غيرهم، سواء كانوا في مكة أو في الحرم كمنى ومزدلفة إذا أرادوا العمرة فمن الحل، ومن التنعيم أفضل، وهو مذهب الحنابلة وفاقًا للحنفية لأن النبي ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم، متفق عليه، ولأن أفعال العمرة كلها في الحرم فلم يكن بد من الحل ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم، بخلاف الحج فنه يخرج إلى عرفة وهي من الحل
[ ١ / ٦٤ ]
فيحصل الجمع بين الحل والحرم، والتنعيم أقرب الحل إلى مكة، وقال الإمام أحمد: كلما تباعد فهو أعظم للأجر، وفي التلخيص والمستوعب من الجعرانة أفضل وفاقًا للشافعية لاعتماره ﷺ منها، فإن أحرم أهل مكة وحرمها من مكة أو من الحرم انعقد إحرامهم بالعمرة لأهليتهم له، ومخالفة الميقات لا تمنع الانعقاد كمن أحرم بعد الميقات، وفيه دم لمخالفة الميقات كمن جاوز الميقات، بلا إحرام ثم إن خرج إلى الحل قبل إتمام العمرة ولو بعد الطواف أجزأته عمرته عن عمرة الإسلام لأن الإحرام من المحل المشروع له ليس شرطًا لصحة النسك وكذا تجزئة العمرة إن لم يخرج إلى الحل لما سبق قدمه في المغني، قال الزركشي هو المشهور.
وفوات الإحرام من الميقات لا يقتضي البطلان لأن الإحرام من الميقات ليس شرطا كما تقدم، فإن أحرم من مكة أو الحرم قارنا فلا دمه عليه لأجل إحرامه بالعمرة من مكة تغليبا للحج على العمرة لاندراجها فيه وسقوط أفعالها. وأما دم القِران فيلزمه بشرطه، وإن أراد من بمكة أو الحرم الحج فإن يحرم من مكة مكيًا كان الحاج أو غيره إذا كان في مكة من حيث شاء منها، لقول جابر: (أمرنا رسول الله ﷺ لما حللنا أن نحرم من الأبطح) رواه مسلم. ونص أحمد في رواية حرب يُحرم من المسجد، وفي الإيضاح والمبهج لأبي الفرج الشيرازي: من تحت الميزاب ويسمى الحطيم، لكن حديث جابر صريح في أن النبي ﷺ أمر الصحابة ﵃ أن يُحرموا من الأبطح ولم أطلع على دليل يقضي بتفضيل الإحرام من المسجد أو من تحت الميزاب أو غيرهما من بقاع مكة، والله أعلم.
ويجوز إحرامه من سائر الحرم ومن الحل كالعمرة وكما لو خرج إلى الميقات
[ ١ / ٦٥ ]
الشرعي، ولا دم عليه لعدم الدليل على وجوبه، ويأتي في باب صفة الحج شيء مما تقدم، ومن لم يمر بميقات من المذكورات أحرم بحج أو عمرة وجوبًا إذا علم أنه حاذى أقرب المواقيت منه لقول عمر ﵁: (انظروا حذوها من طريقكم) رواه البخاري، وسن له أن يحتاط ليخرج من عهدة الواجب، فإن لم يعلم حذو الميقات أحرم من بعدٍ إذ الإحرام قبل الميقات جائز، وتأخيره عنه حرام فإن تساويا قُربًا منه فإنه يحرم من حذو أبعدهما من مكة من طريقه، لأنه أحوط، فإن لم يحاذ ميقاتًا كالذي يجيء من سواكن إلى جدة من غير أن يمر برابغ ولا يلملم لأنهما أمامه فيصل جدة قبل محاذاتهما، أحرم عن مكة بقدر مرحلتين فيحرم في المثال من جدة لأنها على مرحلتين من مكة، لأنه أقل المواقيت، وتقدم البحث في ذلك على مذاهب الأئمة الثلاثة، فإن أحرم ثم علم بعد أنه قد جاوز غير محرم ما يحاذي الميقات فعليه دم، قاله في المغني والشرح، قال في المبدع: وهو متجه.