ويشترط في وجوب دم متمتع وحده دون القارن زيادة عما تقدم ستة شروط:
الشرط الأول: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج لقوله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) . والاعتبار بالشهر الذي أحرم بها فيه لا بالشهر الذي حل منها فيه، فلو أحرم بالعمرة في شهر رمضان الذي ليس من أشهر الحج، ثم حل منها بأن طاف وسعى وحلق، أو قصر في شوال الذي هو من أشهر الحج لم يكن متمتعًا لأن الإحرام نسك يعتبر للعمرة أو من أعمالها فاعتبر في أشهر الحج كالطواف، وإن أحرم الأفقعي بعمرة في غير أشهر الحج، كرمضان مثلًا، ثم أقام بمكة واعتمر من التنعيم في أشهر الحج وحج من عامه
[ ١ / ١٠٨ ]
فهو متمتع نصًا، لأنه اعتمر وحج في أشهر الحج من عامه وعليه دم لعموم الآية، وهذا مبني على قول الموفق والشارح: إنه لا يشترط لوجوب الدم على المتمتع الإحرام بالعمرة من الميقات أو مسافة قصر، ويأتي في الشرط الخامس إن شاء الله تعالى، أما إن اعتمر بعد الحج فإنه لا يكون متمتعًا، لأن عمرته حصلت في غير أشهر الحج، وقال الحسن: من اعتمر بعد النحر فهي متعة. قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا، قال بهذا القول. ذكره في المغني، وتقدم في صفة التمتع شيء من ذلك فليراجع.
الشرط الثاني: أن يحج من عامه، فلو اعتمر في أشهر الحج وحج من عام آخر فليس بمتمتع للآية، لأنه يقتضي الموالاة بينهما ولأنهم إذا أجمعوا على أن من اعتمر في غير أشهر الحج، ثم حج من عامه فليس بمتمتع فلئلا يكون متمتعًا إذا لم يحج من عامه من باب أولى، لأن التباعد بينهما أكثر وتقدم ذلك في صفة التمتع.
الشرط الثالث: أن لا يسافر بين الحج والعمر مسافة قصر فأكثر، فإن سافر مسافة قصر فأكثر فأحرم بالحج بعد حلة من العمرة فلا دم عليه، نص عليه أحمد لما روي عن عمر أنه قال: (إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع، فإن خرج ورجع فليس بمتمتع) ولأنه إذا رجع إلى الميقات أو ما دونه لزمه الإحرام منه، فإن كان بعيدًا فقد أنشأ سفرًا بعيدًا لحجة فلم يترفه بترك أحد السفرين فلم يلزمه دم.
قلت: فعلى هذا إذا اعتمر في أشهر الحج ثم سافر إلى جدة أو الطائف ونحوهما مما يبلغ مسافة قصر عن مكة ثم رجع منهما محرمًا بالحج في عامه سقط عنه دم التمتع، لأنه أحرم بالحج من مسافة قصر عن مكة هذا مقتضى كلامهم قال ناظم المفردات:
[ ١ / ١٠٩ ]
مسافة القصر لذي الأسفار ما بينما الحج والاعتمار.
به دم المتعة والقران سقوطه فواضح البرهان.
قال شارحها الشيخ منصور: يعني إذا أحرم بالعمرة وحل منها ثم سافر فأحرم بالحج من مسافة قصر فأكثر من مكة سقط عنه دم التمتع، وروي ذلك عن عطاء وإسحاق والشافعي إن رجع إلى الميقات فلا دم عليه.
وقال أصحاب الرأي: إن رجع إلى مصره بطلت متعته وإلا فلا.
وقال مالك: إن رجع إلى مصره أو إلى غيره أبعد من مصره بطلت متعته وإلا فلا.
وقال الحسن هو متمتع وإن رجع إلى بلده، واختاره ابن المنذر لعموم (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) . ولنا قول عمر وذكر ما تقدم عنه ثم قال: وأما سقوط دم القرآن بالسفر المذكور فهو القياس ولكن كلامهم يقتضي لزومه لأن اسم القران باق بعد السفر بخلاف المتمتع، قال في الفروع: والصحيح أن اسم التمتع باق أيضًا انتهى.
قال النووي: وإنما يجب الدم على المتمتع بأربعة شروط: أن لا يعود إلى ميقات بلده لإحرامه الحج، وأن يكون إحرامه بالعمرة في أشهر الحج، وأن يحج من عامه، وأن لا يكون من حاضري المسجد الحرام وهم أهل الحرم؛ ومن كان منه على أقل من مرحلتين، فإن فقد أحد هذه الشروط فلا دم عليه وهو متمتع على الأصح، وقيل يكون مفردًا انتهى.
الشرط الرابع: أن يحل من العمرة قبل إحرامه بالحج، فإن أحرم به قبل حله من العمرة كما فعل النبي ﷺ صار قارنا وليس بتمتع ولو بعد سعي العمرة لمن معه هدي، ولزمه دم قران لترفهه بترك أحد السفرين، هكذا ذكر في المنتهى والإقناع، وغيرهما في هذا الموضع بأنه يكون قارنًا؛ وبيان ذلك أنه إذا لم يكن معه هدي وأحرم بالحج قبل الشروع في طواف العمرة فإنه يصير قارنًا،
[ ١ / ١١٠ ]
وإلا بأن كان الإحرام به بعد الشروع في طواف العمرة فإنه لا يصح كما تقدم، أما إذا كان معه هدي لزمه إدخال الحج على العمرة لأنه مضطر إلى الإدخال حيث كان ممنوعًا من التحلل لسوقه الهدي، وهل يكون متمتعًا حينئذ أو قارنًا؟ تقدم البحث في ذلك فليراجع.
الشرط الخامس: أن يحرم بالعمر من ميقات بلده أو من مسافة قصر فأكثر من مكة، فلو أحرم من دون مسافة قصر من مكة كمن قرية المضيق أو لزيمة لم يكن عليه دم تمتع لأن حكمه حكم حاضري المسجد الحرام، وإنما يكون عليه دم مجاوزه الميقات بغير إحرام إن تجاوزه كذلك، وهو من أهل الوجوب، واختار الموفق والشارح أن الأفقي إذا ترك الإحرام من الميقات وأحرم من دونه بعمرة، ثم حل منها وأحرم بالحج من مكة من عامه فهو متمتع، وعليه دمان: دم المتعة، ودم لإحرامه من دون الميقات، وقال القاضي أبو يعلى: إذا تجاوز الميقات حتى صار بينه وبين مكة أقل من مسافة القصر فأحرم منه فلا دم عليه للمتعة، لأنه من حاضري المسجد الحرام، قال الموفق: وليس بجيد فإن حضور المسجد الحرام إنما يحصل بالإقامة به ونيته ذلك وهذا لم تحصل منه الإقامة ولا نيتها.
قال الموفق: وإن أحرم الأفقي بعمرة في غير أشهر الحج ثم أقام بمكة واعتمر من التنعيم في أشهر الحج وحجم من عامة فهو متمتع نص عليه أحمد وعليه دم؛ وفي تنصيصه على هذه الصورة تنبيه على إيجاب الدم في الصورة الأولى بطريق الأولى انتهى.
قلت: ما ذهب إليه الموفق بناء منه على أنه لا يشترط لوجوب دم التمتع الإحرام بالعمرة من الميقات أو مسافة قصر وصححه في الإقناع ومشى على اشتراط ذلك في المنتهى. وما ذهب إليه الموفق هو الصحيح كما ذكره صاحب الإقناع.
قال في المغني بعد كلام سبق فأما إن خرج المكي مسافرًا غير
[ ١ / ١١١ ]
منتقل ثم عاد فاعتمر من الميقات وحج من عامه فلا دم عليه، لأنه لم يخرج بهذا السفر عن كون أهله من حاضري المسجد الحرام انتهى. قلت كأهل مكة إذا رجعوا من مصيف الطائف إلى مكة وأتوا بعمرة من الميقات في أشهر الحج وحجوا من عامهم فإنه لا دم عليهم، لأنهم لم يخرجوا بذلك عن كونهم من حاضري المسجد الحرام، والله أعلم.
الشرط السادس: أن ينوي التمتع في ابتداء العمرة أو في أثنائها ذكره القاضي أبو يعلى، وتبعه الأكثرون لظاهر الآية وحصول الترفه.
قال الشيخ مرعي بن يوسف: فلا تكفي نية عمرة فقط في وجوب الدم انتهى، واختار الموفق والشارح أنه لا يشترط نية التمتع لوجوب الدم وقدمه في المحرر والفائق، ومشى في المنتهى والإقناع على اشتراط ذلك، والصحيح ما اختاره الموفق والشارح لما يأتي من أن المفرد والقارن يسن لهما فسخ نيتهما بالحج وينويان بإحرامهما بذلك عمرة مفردة وأن من كان منهما طاف وسعى قصر وحل من إحرامه وأنه لا يمنع الفسخ إلا سوق الهدي أو الوقوف بعرفة، وأنه إذا فسخ يكون متمتعًا عليه دم التمتع، وقد يكون الفسخ بعد الطواف والسعي بمكة أو بعد خروجه منها إلى منى قبل الوقوف، ومع هذا كله فإنه لم ينو التمتع إلا حين الفسخ ووجب عليه دم التمتع، إذا تقرر هذا فيرد على من ذهب إلى اشتراط نية التمتع في ابتداء العمرة أو في أثنائها مسئلة الفسخ الآتية فإن الأصحاب أوجبوا عليه دم التمتع وإن لم ينو التمتع في ابتداء العمرة أو في أثنائها، والله أعلم.
قال في المنتهى وشرحه ولا تعتبر هذه الشروط جميعها في كونه أي الآتي بالحج والعمرة يسمى متمتعًا فإن المتعة تصح من المكي كغيره.
ورواية المروذي ليس لأهل مكة متعة: أي ليس عليهم دم انتهى، ومعناه في الإقناع وشرحه، ولا يعتبر لوجوب دم تمتع وقران وقوع
[ ١ / ١١٢ ]
النسكين عن واحد، فلو اعتمر لنفسه وحج عن غيره أو اعتمر عن غيره وحج عن نفسه أو فعل ذلك عن اثنين بأن حج عن أحدهما واعتمر عن الآخر، وجب الدم بشرطه وهو على النائب إن لم يأذنا له في ذلك لأنه بسبب مخالفته، وإن أذنا فعليهما، وإن أذن أحدهما وحده فعليه النصف والباقي على النائب على ما ذكره في الشرح فيما إذا استنابه اثنان في النسكين فقرن بينهما لهما واستنابه واحد في أحد النسكين فقرن له ولنفسه، قال في الغاية وشرحها ويتجه، وكذا صوم وجب على نائب أحرم متمتعًا، فإن كان مأذونا له في التمتع فعلى مستنيبه، وإن كان بلا إذن فعليه، هذا إن كان نائبًا عن واحد، وإن كان نائبًا عن اثنين فأحرم متمتعًا بلا إذنهما فعليه أن يصوم العشرة أيام، وإن كان بإذنهما احتمل أن يصوم نائب الثلاثة وهما أي الآذنان السبعة، ويجبر الكسر فيصوم كل واحد أربعة أيام، لأن اليوم لا يتبعض في الصيام، واحتمل أن يصوم كل واحد منهما خمسة أيام لوجوب ذلك بسببهما وهو متجه انتهى.